كتبوا في السينما

 

 
 
 
 
 

ملفات خاصة

 
 
 

«الشرق الأوسط» في ترشيحات الأوسكار (1): خريطة طريق بين عشرة سيناريوهات قوية

بينها أعمال بيوغرافية وأخرى عن العنصرية

لوس أنجليس: محمد رُضـا

جوائز الأكاديمية الأمريكية للفيلم

(أوسكار 2018)

   
 
 
 
 

خلال الأيام القليلة الفاصلة بيننا الآن وبين إعلان نتائج الدورة التسعين للأوسكار، ستُخصّص «الشرق الأوسط» حلقات تتناول كل واحدة خصائص الأفلام أو الأشخاص المرشحين لكل جائزة على حدة. البداية من حيث تبدأ كل الأفلام: السيناريو.

حين يبدأ فيلم «أخرج» (Get Out) على الورق، تطالعنا من المشهد الأول قرة الكاتب - المخرج جوردان بيل على منح المادة حضورها المدهم. وكونه حوّل السيناريو الذي كتبه بنفسه إلى فيلم، فإنّه حافظ على ذلك الحضور الذي يتماوج بين الإطار الواقعي المتمثل بالعنصرية وبين ذلك الفانتازي الذي تقترحه أحداث الفيلم في ثلثه الأخير.

السيناريو الذي تمت قراءته بين السيناريوهات العشرة الموزعة بين مسابقة أفضل سيناريو أصلي وأفضل سيناريو مقتبس (بعضها أُرسل إلى أعضاء «جمعية صحافة هوليوود الأجنبية» إبان مسابقتها المعروفة بالغولدن غلوبس)، يضع القارئ سريعاً أمام الخطر الماثل بسبب العنصرية المتفشية: أندريه شاب يمشي في أحد الشوارع في ساعة متأخرة من الليل في حي سكانه من البيض. لا نرى أيا منهم، لكن هذا ما يقوله الرجل على الهاتف وهو يمشي بخطى حثيثة باحثاً عن عنوان المنزل الذي يقصده بعدما دخل الشارع الخطأ.

ندرك من خلال الحوار بينه وبين صديقه على الهاتف، أنّ الرجل في هذا الزمن الحاضر: السير في حي غير الحي الذي تقطن فيه، إذا ما كنت أسود البشرة في حي أبيض أو أبيض البشرة في حي أسود، محفوف بالخطر. ونحن حين نتابع كلمات جوردان بيل بتقطيعه النص إلى مشاهد قصيرة ندرك ما يشعر به الشاب، بل من حسن الكتابة أنّها تعكس أن الشاب على قلقه لا يتصوّر أنّ ما سيحدث معه بعد قليل سيحدث فعلاً. ولكن ها هي سيارة تتبعه بعد قليل. لا نرى وجه السائق، ها هو يخرج من سيارته ويعالج الشاب فاقد الوعي، ثم يسحبه إلى صندوق السيارة الخلفي ويضعه فيه.

- أبيض – أسود

براعة ما سبق تتجلّى لاحقاً عندما نرى أندريه، بعد أن قدّم نفسه باسم جديد هو لوغان، كأحد وجوه البيت الكبير الذي تقع في أرجائه معظم الأحداث. إنه منزل والدي روز، الفتاة البيضاء التي جاءت لزيارة والديها الثريين الساكنين خارج المدينة بصحبة صديقها كريس الذي تنوي الزواج به.

عندما يقدّم السيناريو كريس لوالدي روز ينقل بشفافية الشعور التحتي الخفي غير المريح، لكنّه الواثق كثقة أندريه قبيل خطفه، من أنّ كل شيء سيكون على ما يرام ولا تتجمع تلك الشكوك إلّا عندما يلتقي مع أندريه- لوغان (في الصفحة 49) في الحفلة التي تقام في الحديقة. لكنّ لوغان لم يعد أندريه الذي تعرفنا عليه. فقد دُجّن ليكون شخصاً أفرو - أميركياً طيعاً يبتسم ابتسامة بلاستيكية لا تحمل أي معنى بوجه لا يحمل أي ردود فعل أو تعابير معينة. يلتقيه كريس فيتقدم صوبه ويقول: «من الجيد أن أرى أخاً هنا» (بكلمة أخ قصد شخصاً من ذات البشرة).

حتى الصفحة 62 لا يزال كريس يعتقد أنّه لا شيء في الأجواء التي حوله مع ضيوف جلهم من البيض باستثناء أندريه- لوغان يدعو للحذر. بعد ذلك ينقلب الوضع رأساً على عقب. يكتشف أنّ الفتاة التي يكاد يرتبط بها هي جزء من الخطة لاستدراجه لتدجينه ليصبح شخصاً لا عمق فيه ولا هوية. نسخة مشابهة لأندريه.

الموضوع العنصري مطروح في سيناريوهين آخرين. الأول هو السيناريو الذي وضعته المخرجة دي ريز وفيرجل ويليامز عن رواية هيلاري جوردان «مَدباوند» (نشر سنة 2008 وباع أكثر من 250 ألف نسخة حول العالم)، والثاني هو السيناريو غير المقتبس الذي كتبه مارتن مكدوناف لفيلم «ثلاثة إعلانات خارج إيبينغ، ميسوري».

هذا الثاني، ينافس «أخرج» في فئة السيناريوهات غير المقتبسة، لكن لأسباب مختلفة، فالعنصرية التي يتحدث عنها مبطّنة ومستخدمة في السيناريو ذاته كإشارات لوضع بعض الشخصيات وليس للتوغل في وضع العنصرية ذاتها. لكن «مدباوند» مكتوب في الأساس لكي يتعامل مع الموضوع العنصري، كما كان سائداً في الأربعينات من خلال شخصيات بيضاء وأخرى سوداء تعيش على تقارب غير مريح. السيناريو (من 118 تحوّلت إلى 136 دقيقة) يؤسس للمكان. ريف مترب وكئيب والعنوان يعود إلى حفرة طينية لا يستطيع جيمس (أبيض) الخروج منها إلّا بسلم. هذا الممر الرمزي يحيط بالحكاية التي لا تروي حكاية جيمس (غارت هدلاند) المقبلة مع البيئة الأفرو أميركية التي يجاورها فقط، بل شخصيات أفرو - أميركية ووقع العنصرية عليها. تحديداً شخصية رونسل (جاسون ميتشل) الذي يعود من الحرب العالمية الثانية، وقد خدم بلاده ليدخل حرباً من نوع آخر في محيطه وبيئته.

على عكس سيناريو «أخرج» يعمد سيناريو «مَدباوند» إلى معالجة كلاسيكية. تقرّب هادئ لموضوعه. الفكرة في الفيلم الأول قد تتيح له الفوز في سباق الأوسكار المقتبس. جودة الكتابة لسيناريو الفيلم الثاني تتيح له الفوز في المقابل. الاختيار غير واضح حتى الآن.

- شخصيات حقيقية

باقي السيناريوهات الأخرى التي استخلصت من مصادر سابقة لها مشاغلها الخاصّة. «لعبة مولي» من كتاب بيوغرافي وضعته مولي بلوم بعد سنوات من توجيه الـ«إف بي آي» تهمة قيامها بإدارة نوادي قمار غير مرخصة. ارون سوركين الذي كان بدأ مهنته في كتابة السيناريوهات بفيلم ناجح عنوانه «رجال جيدون قلّـة» (A Few Good Men) مجيّـر جزئياً لخدمة فكرة اليهودي المضطهد، هو من آل إليه فعل كتابة «لعبة مولي» الذي حقّق، كحال المخرجة دي ريز والمخرج جوليان بيل، بنفسه محتلاً دور المخرج لأول مرّة.

طبيعي له، إذن، أن يبدأ فيلمه بالنص الذي بدأ به السيناريو: مزيج من مشاهد تبدأ بجبال التسلق ثم يدخل الصورة بعض اللاعبين واللاعبات. بصاحب كل هذا تعليق صوتي خارج الصورة تؤديه شخصية مولي ذاتها (بصوت الممثلة جسيكا شستين التي صرّحت بأن السيناريو فتنها)، وتعليقها هذا يمتد ليشمل الثلاث الأولى قبل أن يدلف إلى شخصيتها وهي في سن الثانية عشرة من العمر.

البداية تقليدية على الرغم من جماليات الصورة لاحقاً. لكنّ دخول الفيلم زمناً سابقاً تسترجع فيه مولي بلوم ذكرياتها، لن يعفينا من استمرار تعليقها الصوتي وقد بات الآن ممزوجاً بحوار بينها وبين والدها وبينهما والطبيب الذي يعالجه. وتعليقها هذا يستمر للدقائق الأربع عشرة الأولى (للصفحة 9 من السيناريو)، قبل أن يدخل عنوان الفيلم وتطالعنا الممثلة مباشرة بدورها.

تبعات قيام سوركين بتناول كتاب مولي بلوم عن نفسها مهمّـة من حيث إن الغاية لا يمكن لها أن تبقى محايدة. كسيناريوهات أفلام أخرى مشابهة من بينها مثلاً سيناريو «ذئب وول ستريت» الذي وضعه ترنس وينتر عن كتاب جوردان بلفورت (وأخرجه سنة 2014 مارتن سكورسيزي)، لا يرغب سوركين بتقديم بطلته بصورة داكنة، بل هي في أفضل الحالات تميل إلى الرمادي الفاتح. غير معروف إذا ما كان أعضاء الأوسكار سيسمحون لسوركين بتمرير امرأة آثمة وخارجة عن القانون كبطلة متوهجة، لكن من النافع هنا التذكير أنّ «ذئب وول ستريت» رشّح لخمس أوسكارات بينها أوسكار أفضل سيناريو مقتبس، لكنّه لم ينل أي منها.

الحظ المتاح للكاتب جيمس أيفوري عن السيناريو الذي وضعه عن قصة أندريه أسيمان «نادني باسمك»، سيكون بدوره محدود الاحتمالات بسبب موضوعه حول علاقة مثلية بين بطليه الشاب إليو (تيموثي شالأمت) وضيف والده أوليفر (أرمي هامر).

هو أكثر السيناريوهات التي قرأتها تمسكاً بالأسلوب الكلاسيكي في الوصف وتقنيات الكتابة. هذا ليس غريباً على جيمس إيفوري فهو السينمائي الوحيد الباقي من أيام الثلاثي الشهير المنتج إسماعيل مرشنت، والكاتبة روث براور جابفالا، وهو كمخرج، إذ اتجه للكتابة بعد رحيل رفيقي دربه، توقف عن الإخراج منذ أن قام بتحقيق «مدينة وجهتك النهائية» قبل تسع سنوات.

لصالح السيناريو أن فيه محطات خفيفة التناول، لكنّها مكتوبة جيداً (مثل المشهد الذي يشرح فيه الضيف أصل كلمة «خوخ» وكيف أنّ التعريف المصري لها، وهو «برقوق» مأخوذ عن اللاتينية)، لكنّ المشكلة تقع في المعالجة الكلية فهي مسوقة بنفس الخفة لكي تقرّب موضوعاً غير رائج (والفيلم لم يحقق أي نجاح يذكر) من هامش عريض من المشاهدين.

لجانب «مَدباوند» و«لعبة مولي» و«نادني باسمك» في فئة السيناريوهات المقتبسة يبقى فيلمان أحدهما كان وجوده مفاجئاً إلى حد، وهو «لوغان»، والسبب في ذلك أنّه فيلم أكشن يتبع سلسلة «وولفرين» المنشقة عن سلسلة «رجال إكس». لكنّ أكشن أو لا، هو سيناريو مكتوب جيداً ربما أفضل قليلاً من النتيجة الماثلة على الشاشة.

الفيلم الخامس والأخير هو «فنان الكارثة» المأخوذ بدوره عن شخصية حقيقية (كما حال «لعبة مولي»). بل شخصيتان في الواقع شخصية الممثل كريغ سستيرو وشخصية المخرج تومي وايويو، وكلاهما لم يحقّق أي نجاح يذكر، لكن الثاني وضع كتاباً حول تجربتهما في العمل بهوليوود بنى الكتاب الثلاثة الذي قاموا بتطوير أحداث الفيلم عليه.

صعوبة

من البداية هنا، يخرج الفيلم عن النص المكتوب، لكن النتيجة واحدة: السيناريو خفيف المعالجة مكتوب بلغة العناوين الكبيرة والفيلم الذي أخرجه جيمس فرانكو بنفسه، كذلك.

على الجانب الآخر، وفي فئة السيناريوهات المكتوبة خصيصاً (لجانب «أخرج» أعلاه) سيناريو يماثل «فنان الكارثة» في هذه المعالجة وهو «المريض الكبير». هو سيناريو آت من تجربة خاضها الباكستاني - الأميركي، كوميل نانجياني بنفس، بسبب ثقافته الإسلامية ولون بشرته. بذلك يمكن أن يُضمّ إلى تلك السيناريوهات التي تعالج موضوع العنصرية، لكنّ السيناريو خفيف الشأن حتى مع الاعتراف بأنّه محاولة كوميدية وليست درامية.

«ليدي بيرد» بدوره يبقى في نطاق الرغبة في التعايش مع الهامش العريض من المشاهدين، لكنّه مكتوب جيداً خصوصاً مع التوغل في فصله الثاني الذي يواصل ارتفاعه لذروة غير متوقعة سارداً حكاية الفتاة التي تريد الخلاص من ملكية أمها والبحث عن حياتها الخاصة كما تعد بها نفسها. في أحد مشاهد (الصفحة 74)، تعلن عن ذلك الوعد في مشاجرة بينها وبين أمها عندما تقول لها أنّها ستكبر وستحقق الكثير من المال، وتكتب لها حوالة مصرفية بالمبلغ الذي صرفته والدتها عليها خلال تربيتها لها.

حقيقة أنّ «ليدي بيرد» مرشح في أربع مسابقات أخرى هي أفضل فيلم، أفضل تمثيل نسائي أول (سواريس رونان) وأفضل إخراج (لغريتا غرويغ)، كما أفضل تمثيل نسائي مساند (لوري متكالف) يؤكد أنّ مستوى الفيلم في خاماته جميعاً أهله لذلك ويضعه بين الترشيحات القوية في فئة أفضل سيناريو أصلي. لكن المنافسة هنا صعبة جداً لأنّ هناك نصين جيدين آخرين في الفئة ذاتها هما «ثلاثة لوحات خارج إيبينغ، ميسوري» كتابة مارتن مكوناف و«شكل الماء» كتابة غويلرمو دل تورو وفانيسا تايلور.

مأخذي على سيناريو مكدوناف هو جنوحه كحكاية وتعدد غاياته من دون أن يصيب غاية واحدة بكاملها. لكنّ مركز قوّته في موضوعه الشامل واختياره شخصية نسائية تقود الحملة ضد البوليس الذي فشل في الكشف عن قاتل ابنها، هذا سيجلب له أصواتا كثيرة ربما أكثر من أصوات «شكل الماء» المكتوب جيداً، لكنّه غاطس كنتيجة في تأثيرات كتابات سابقة لمخرج شاهد وأحب الكثير من الأفلام التي شاهدها صغيراً وأودعها السيناريو ومن ثم الفيلم.

الشرق الأوسط في

01.02.2018

 
 

الفيلم اللبناني «قضية رقم 23» أو كيف تُكرّه بالفلسطينيين

باريس ـ «القدس العربي» ـ من سليم البيك:

دار الكثير من الحديث عن فيلم اللبناني زياد دويري «قضية رقم 23»، سنحاول هنا تناوله كناقلٍ لحدث تاريخي، وكذلك عمل فني، بمعزل عن الموقف السياسي لمخرجه. 

في الفيلم مستويان يمهّد أحدهما للآخر، الأوّل وهو مقدّمة لما يريد الفيلم إيصاله، هو الإهانة. إهانة ياسر، العامل الفلسطيني، لطوني، اللبناني الذي يعتبر سمير جعجع وبشير الجميّل بطلَين وطنيين. الإهانة كانت كلمة «عرص»، والسبب أن طوني أعاق ياسر عن عمله، تطوّر الأمر ليهين طوني ياسرَ فيضربه الأخيرُ على صدره، هنا يتأزّم الوضع ويدخل الفيلمُ جلسات طويلة في المَحاكم، فهو «فيلم مَحاكم» حيث تكون القاعةُ المكانَ الأساسي الذي تجري فيه أحداث الفيلم، وعن هذه الأفلام يمكن القول إنها تفتح مجالا واسعا لتشويق مبني على الكلام ومحاولة الإقناع، إقناع المُشاهد قبل القاضي، بغضّ النّظر عن صحّة الكلام في المرافعات، وكذلك على الانتهاء أخيرا بحكم أخلاقي بين المتخاصمَين تكتمل صورة أحدهما كشرير ـ أو الشرير ـ والآخر كالخيّر، بدون أن يكون ذلك مقترنا بالضرورة بحكم المحكمة، وهذا عنصر أساسي لا بد من إدراكه لفهمٍ أفضل لهذا الفيلم.

يبدأ الفيلم ـ في دقائقه الأولى ـ برغبة زوجة طوني في العودة إلى الدامور، قائلة بأنه تم ترميم الكنيسة هناك، وأن البطريرك باركها، ليردّ عليها زوجها بحزم رافضا العودة. بعدها يُدخِل الفيلم «الجينيريك» ـ موسيقى وأسماء الممثلين والعاملين ومساحة للمُشاهد كي تعلق الصنّارة في ذهنه، ليفكّر في سبب الرد الحازم لطوني الذي كان قبل لحظات يمازح زوجته، ليثبّت هذه الكلمة/اسم العلم/الدامور في ذهنه. سيُبعد دويري المُشاهدَ عن الدامور لفترة بعدها، يُدخله في إهانة وقضية رقمها 23 وماسورة ماء ومرافعات، وتعود بالمُشاهد أخيرا إلى الأساس الذي بدأ عليه الفيلم: مجزرة الدامور.

لكن ليست هذه اللفة مجانيّة، فالغاية منها هو «تطعيم» المُشاهد ضد النّفور من طوني الذي بان شريرا في النصف الأول من الفيلم. «تطعيمه» بمعنى أن يكرّه الفيلمُ المُشاهدَ بطوني لأسباب عدّة، إنّما فرديّة بحتة، لا تتعداه، ثمّ، حين يلتفّ الفيلم على شخصياته وتنقلب معادلة الشرير/الخيّر ليصير كل واحد منهما الآخر إنّما بالمعنى الجمعي، يصعب على المُشاهد الذي نفر من طوني أولا ثمّ تعاطف معه، أن يعود لينفر منه ثانيا بعدما جرّب ذلك في النصف الأول من الفيلم، وتنازل عنه حين أدرك خلفيات الإهانة/القضية وهي سياسية تاريخية تجرّ هذا التعاطف إلى حدث تاريخي يجعل المُشاهد يعيد استيعابه لطوني، إنّما كجزء من جماعة تعرّضت لمجزرة، فيكون، كجزء من هذه الجماعة، مبَرَّرا له سلوكه كفرد، وذلك بتبيان «المصيبة» الجمعية التي تعرّض لها، والتي تبرر سلوكه، والتي تجرّ أخيرا للتعاطف معه، والتي، بحسابات أبعد، تبرّر سلوك الجماعة ذاتها بارتكابات لمجازر سبقت الدامور ولحقتها.

فما أراده دويري هنا هو شحن المُشاهد بالكره تجاه طوني، كفرد، ثم تفكيك هذا الكره الذي سيتحوّل إلى تعاطف تام، تماهٍ تام، إنّما كجزء من جماعة، يمتد هذا التعاطف والتماهي إلى الجماعة، يقابله كره تلقائي لنقضيه وهو هنا الفلسطيني، ودائما لا كفرد بل كجماعة.

لكن هذه «المصيبة»، أو هذا الحدث، أتى مقطوعا من سياقه، وهي معركة/مجزرة الدامور، فيحمل الفيلمُ مُشاهدَه إلى المجرزة ليستعيد الأخيرُ الإهانةَ، في النصف الأول من الفيلم ويعيد الاعتبار إلى طوني مبررا الكره تجاه العامل الفلسطيني لكونه فلسطينيا، ممررا هذا الكره إلى الجماعة أو ـ وهذا الأدق ـ مستمدا كرهه لياسر من كرهه للجماعة التي ينتمي إليها. فتكون الدامور، التي لا يظهرها الفيلم إلا مجزرة متجاهلا توصيفها الأوّلي كمعركة (وأي معركة في أي حرب أهلية لا تنتهي بمجزرة؟)، فتكون هي الأساس الذي ارتكز عليه الفيلم، هي الفكرة التي مهّد لها طويلا، ويكون تماهي المُشاهد مع طوني غير قابل للتراجع بعدما جرّب أن يتماهى مع ياسر بداية، ويرفضه أخيرا كمعتدٍ فردي أولا وكمعتدٍ جمعيّ ثانيا.

الإحالة إلى الجماعة التي ينتمي إليها ياسر كانت مسيطرة على خطاب الفيلم بلسانَي طوني ومحاميه الذي يرافع ضدّ الفلسطيني قائلا بأنّ «العنف جزء من تاريخه»، فيأتي كرهُ طوني تجاه ياسر أساسا لكونه فلسطينيا، ثم تم استحضاره إلى المحكمة كفلسطيني. وتبرئته أخيرا من قبل المحكمة لا يعني أنّ الفيلم يدعو لتبرئة الفلسطينيين أخيرا، فهذا تلقٍّ سطحي للفيلم لا يلائم السيناريو المتذاكي اللا ـ تاريخي المكرّس بكامله لإدانة ياسر ومن خلفه الفلسطينيون (ولا بد للقطة مقرّبة على ياسر في أي إشارة إلى «التاريخ العنيف» للفلسطيني، لنرى النظرات الرأس المطأطأ).

هل ما ذُكر هنا قراءة سياسية للفيلم؟ لا، ببساطة لأنّ هذه الأسطر تنتقد لا ـ تاريخيّته، وأسلوب «الصّنارة» المستهلَك في الأفلام الرائجة في هوليوود، والآتي ببروباغاندا قدّمها لليمين اللبناني في استعادة لحدث، مستقطِعا إياه عن سياقه التاريخي. فلو اكتفى الفيلم بالإهانة بين الرجلين، ومنها أسّس لحكاية راهنة بين فلسطيني ولبناني، بدون تحميل أي من الرجلين عبء شعبه، وبدون ترميز مفضوح، وبدون تشويه للتاريخ، لكان أكثر إقناعا بحكايته، ولكان أقرب ليكون فيلما سينمائيا فنّيا وليس دعاية سياسية بإنتاج سينمائي جيّد، أمّا ما يعنيه الإنتاج الجيّد فهو المسألة التقنية التي لا تحتاج سوى تمويل ضخم يُشغِّل تقنيين جيّدين، وليس هذا هو المعيار في التقييم السينمائي، لأني لا أرى أن أفلاما بإنتاج ضخم كـ «سوبرمان vs باتمان» جيّدة كسينما، هي جيّدة كمُنتَج تجاري لا فنّيا، كمدرٍ للمال، وليس جمهوره جمهور سينما، بل جمهور ترفيه. وهذا هو الحال مع فيلم دويري، هو فيلم جيّد تجاريا، سيّئ فنيا وحكائيا وبشخصيات مسطّحة، وباطل تاريخيا، وهو دعاية سياسية تتماشى مع حوارات دويري خلال الأسابيع الأخيرة في الصحافة الأجنبية، التي يصرّح فيها بعدائه لحركة المقاطعة الثقافية والأكاديمية (BDS) لدولة إسرائيل، التي اشتغل فيها ـ ممارِسا التطبيع ـ لينجز فيلمه السابق «الصدمة» وهو فيلم آخر له أشبه بدعاية سياسية ضد الفلسطينيين كذلك، إنّما من وجهة النّظر الإسرائيلية وليس اليمينية اللبنانية.

لدويري طموح هوليوودي واضح في فيلمه، لأسباب منها تبسيطه للحكاية، تسطيحها هي وشخصياتها، ثمّ اتّخاذ موقف معاد للفلسطينيين، وتعميم هذا الموقف على مجملهم. وكذلك ـ طبعا ـ ذلك الميل لتحويل الأزمة بين شخصين إلى قضية رأي عام تتناولها الصحافة والتلفزيونات، وتصل إلى رئيس الدولة الذي يستدعي الرّجلين للإصلاح بينهما، هذا سيناريو هوليوودي بائس، حيث يصير الفرد ـ طوني ـ مركز الاهتمام لدى الإعلام وصاحب قضية تسبب استقطابا في المجتمع، بتظاهرات وطائرة مروحيّة تؤمّن المنطقة من السماء. هذا فيلم يُشاهَد مع ناتشوس وكوكا كولا وتفقُّد للنوتيفيكايشنز بين وقت وآخر، وليس فيلما فنّيا يُبقي الفردَ فردا بهمومه وتفاصيل حياته فينال قيمته كفرد، وليس فيلما يستوجب من المُخرج/الكاتب أن يشتغل جيدا على حوار وسيناريو يُقنع بهما المُشاهد بدون أن يضطر لاستحضار رئيس الدولة وكاميرات وجماهير وراياتٍ موحيا بأهميّة كرنفاليّة للحدث الذي ينقله في فيلمه، فيقتنع أحدنا بالشخصية صاحبة الحكاية، وبأهمية الفرد أمامنا كفرد، لا كأداة (لا مبرّر إذن للدفاع عن الفيلم كفيلم قبل انتقاده سياسيا). 

وهذا مشهد قصير يشير مباشرة إلى الطُّموح المذكور لدى دويري: نرى محامي طوني في مرافعته ذاكرا أحد النوّاب الأمريكان الذي شتم مضيفة طيران ثم اعتذر، مبديا إعجابه وسائلا لمَ لا نكون نحن كذلك هكذا، كالأمريكان!

في مشهد باكر من الفيلم، يقول طوني لياسر: «أنتم شعب بلا أصل. لو تحترمون أنفسكم لكنتَ قد اعتذرت من زمان. ليس غريبا أن يكون صيتكم قذرا. كما قال اليهود: الفلسطيني لا يضيّع فرصة ليضيّع فرصة. يا ليته شارون مَحاكم عن بكرة أبيكم». (هذه الأخيرة قالها دويري بنفسه لفلسطيني كما صرّح مؤخرا لصحيفة «لوس أنجلس تايمز» ممهِّدا لترشيحات الأوسكار)، جُملٌ يرشّها طوني خلف بعضها، مكتوبة بإتقان الكاره التقليدي للفلسطيني. الشر الذي رأيناه في طوني بداية، تمّ نفيه لاحقا. نرى التحوّل بأسلوب هوليوودي مبتذل حين يُصلح سيّارة ياسر المعطّلة، لكن بشكل أكثر عمقا، ندركه لدى معرفتنا بالسبب الذي دعا طوني ليكون شريرا تجاه ياسر، فيبدأ المُشاهد هنا رحلة التعاطف مع طوني الناجي من مجزرة قرية الدامور التي نراها أولا بمَشاهد مستهلَكة عن الحياة السعيدة ومزارع الموز والنساء على البحر، قبل أن يدخلها المسلّحون الملثّمون بجيباتهم وصواريخهم ولباسهم الكاكي، وكلّهم ذكور. هنا، وطوني هو الناجي من المجزرة (كالنّاجين اليهود من المحارق النازية وجولات المحاكم التي امتلأت بها سينما هوليوود، فللفلسطيني هنا نقاط تقاطع مع النّازي)، لا مجال للمُشاهد هنا، ذلك الساذج تحديدا المتماهي مع سوبرمان (أو باتمان، لا يهم) وصاحب الذّهن المغسول/الملوّث بالسياقات والسيناريوهات والكليشيهات والمفارقات والنّهايات الميلودراميّة الهوليوودية، لا مجال له سوى التماهي مع طوني وتبرير سلوكه، وتحويل الشرّ فيه إلى خير يصاحبه تحويلٌ حتمي للخير في ياسر كما شاهدناه بداية، إلى شر، ولأنّ ياسر لم يكن في الفيلم سوى ممثل للفلسطينيين، بإصرار مكرّر على ربط الفرد بالجماعة، كان الشرّ كلّه في الفلسطينيين الملثّمين الحارقين لمزارع الموز! والشرّ الفلسطيني هذا امتدّ إلى ما هو خارج لبنان، فأحد الشهود في المحكمة كان جنديا أردنيا استُقدم (أُقحم بلا مبرر دراميّ بل أيديولوجي) ليشهد على تاريخٍ فلسطينيٍّ هناك، تاريخ انتهى بمجزرة ارتكبها النّظام الأردني، فيشير أحدهم في القاعة إلى أن الفلسطينيين أُخرجوا من الأردن ليأتوا إلى لبنان ويرتكبوا ما ارتكبوه هناك، وطبعا يرتكبونه في كلّ مكان، وضد الكل، وذلك يشمل الإسرائيليين! لكن، شكليا، أتى تقديم طوني كالخيّر في الفيلم بابتذال أكبر، فهذه الانعطافة بدأت به يسقط أرضا أثناء عمله ليلا متألما من ضربة ياسر، لتهرع زوجته الحبلى وتجرّه، فينام الاثنان في المستشفى وبجانبهما ابنتهما في العناية المركّزة. أي بؤس ألحقه الفلسطيني/الفلسطينيون بهذه العائلة!

هذه كلّها إحالات لا ـ تاريخية إلى حدث تاريخي محدّد إنّما مستقطَع من سياقه، لذلك أقول إنّها أحداث مُفرّغَة من تاريخيّتها في الفــــيلم، أي أنها لا ـ تاريخـــية، فمعــركة الدامـــور دارت أساسا بين منظّمات لبنانية يمينـــية كحزبَي الكتائب والأحرار، وبين منظّمات لبنانية كمنظمة حزب البعث السوري في لبنان والحزب التقدّمي الاشتراكي، والتنظيم الفلسطيني لحزب البعث السوري، الصاعقة.

لكن لا تتركّز المسألة اللا ـ تاريخية في ذلك، بل أساسا في نفي السياق التاريخي لمجزرة الدامور، كأنّها حصلت اليوم، وليس في حرب أهلية حرق اللبنانيون بعضهم بعضا فيها، وحرقت منظمات عدّة منهم الفلسطينيين، وحرق هؤلاء كذلك مناطق لبنانية، وحرق السوريون الجميعَ. كأنّها لم تأتِ نتيجة سريعة لمجزرة الكرنتينا التي ارتكبها اليمين اللبناني الفاشي بحق فلسطينيين ولبنانيين، وكأنّها لم تكن حلقة من سلسلة مجازر ارتكبها الكلّ ببعضه. هذه حرب أهلية تدرَّب أحد أطرافها، من يمثّلهم طوني في الفيلم ومن يقول عنهم محاميه بأن «خطابهم وطني»، على أيدي الإسرائيليين ليقتّلوا لبنانيين آخرين أولا (مسيحيين ومسلمين)، وفلسطينيين ثانيا.

تقديم أي مجزرة من المجازر اللبنانية العديدة خارج سياقها كجزء من حرب أهلية، ومنعزلة عن مجازر عديدة غيرها، وعن أحداث تهجير طائفي وقتل على الهويّة ـ وهو ما امتهنه حزب الكتائب ـ هو استخفاف بعقول المشاهدين وذاكرة اللبنانيين والفلسطينيين منهم، هو تبسيط لحكاية واختزالها وقرضها فتصلح لتكون في فيلم تجاري، هو بروباغاندا يمينية ودعاية كرهٍ تجاه الفلسطينيين، وهو لا ـ أمانة تاريخية.

لا سينما لدينا هنا، بل مُنتَج تجاري ضخم، فيلم ويك ـ إيند تسطيحي لحكايته وشخصياته، فيلم عرف دويري كيف يُدخله إلى ترشيحات حفل الأوسكار بالإحالات إلى اليهود في فيلم عربي كاره للفلسطينيين. كسب دويري بالفيلم هذا الدّخول وخسر صدقيته كمخرج اختار ـ وما يزال في بداياته ـ أن تجمع أفلامه بين الترفيه التسطيحي والبروباغاندا اليمينية والإبهار البصري الذي يوفّره تمويل شركات الإنتاج، لا فنّية المخرج.

####

حركة «أنا أيضا» تدخل تغييرات على رومانسية «عيد الحب»

نيويورك – رويترز:

أفاد خبراء في العلاقات بأن حركة (أنا أيضا) ستحد من حرارة الرومانسية في عيد الحب هذا العام وستقيد بشدة علاقات الحب في أماكن العمل التي ظلت لسنوات طريقا للزواج.

وتراجع عدد الأمريكيين الذين يعترفون بأنهم في علاقة غرام مع زميلة عمل وتصف بعض الناشطات في الحركة النسوية ذلك التغير وكذلك عدم التسامح مع أي سلوك غير مقبول في أماكن العمل بأنه أمر طال انتظاره. ويقولون إن الحركة تشجع على الاتصال المباشر الضروري للحب.

وقالت جاكلين فريدمان الناشطة في الدفاع عن حقوق المرأة «#مي تو» ستجعل العلاقات بين الرجل والمرأة أكثر رومانسية».

ومضت فريدمان، وهي كاتبة من بين الكتب التي ألفتها كتاب بعنوان «نعم تعني نعم»، تقول «إذا أصبحنا جميعا أكثر اهتماما بالعناية التي نعامل بها شركاءنا، فإن ذلك وحده يمكن أن يساعد في بناء الثقة والحميمية».

وفضحت الحركة الرجال المتهمين بالاعتداء والتحرش الجنسي في مجالات من بينها الترفيه والسياسة والأعمال. واضطر عشرات الشخصيات البارزة لترك العمل أو أقيلوا من مناصب رفيعة وبدأت الشرطة تحقيقات في بعض الاتهامات المتعلقة بالاعتداء الجنسي.

وقالت ليز وولف، مدير تحرير (يانج فويسز) التي تنشر مقالات رأي يكتبها أناس دون الثلاثين إن الحركة تغير القوى المحركة للتعارف.

وقالت وولف «أحد الجوانب المهمة للحركة قد تكون التأكيد المتزايد على التواصل عندما يتعلق الأمر بعلاقة حميمية ورومانسية».

وقللت الحركة علاقات الغرام التي تنشأ في العمل وتعد أحد الطرق الرئيسية للتعارف. وتراجعت نسبة العاملين الأمريكيين الذين يقولون إنهم دخلوا في علاقة كهذه إلى نسبة 36 بالمئة وهي أدنى نسبة في عشر سنوات، طبقا لاستطلاع للرأي من خلال الإنترنت أجرته مؤسسة هاريس في الفترة بين 28 نوفمبر تشرين الثاني و20 ديسمبر كانون الأول وشمل 809 من موظفي القطاع الخاص.

وتراجعت هذه النسبة من 41 بالمئة قبل عام وهو تراجع مهم من الناحية الإحصائية في استطلاع بلغ هامش الخطأ فيه 3.45 بالمئة.

وقالت الدكتورة كارول ليبرمان، وهي طبيبة نفسية ومؤلفة كتاب (لماذا نحب الأولاد السيئين) «حركة أما أيضا تسكب ماء باردا على نار الغرام بين الرجال والنساء التي تكافح كي تبقى متقدة».

وشركاء العمل الذين يبدأون في المواعدة لديهم فرصة جيدة في أن يظلوا معا. وأوضح المسح أن 31 بالمئة من العلاقات الغرامية التي تنشأ في أماكن العمل تنتهي إلى الزواج.

القدس العربي اللندنية في

03.02.2018

 
 

أوسكار 2018- فيلم Lady Bird.. رحلة تمرد ورسالة حب لساكرامنتو

أمل مجدي

المتابع الجيد لاختيارات الممثلة جريتا جيروج يعلم ميلها إلى تجسيد شخصيات بعيدة عن نموذج هوليوود البطولي. فهي بارعة في كتابة وتمثيل أدوار سينمائية مميزة تعبر عن أشخاص يقاومون الحياة التقليدية ويتمسكون بأحلامهم غير المحققة بصرف النظر عن معطيات الواقع. مثل شخصية "فرانسيس" التي جسدتها في فيلم Frances Ha، الفتاة المرحة المتخبطة الفوضوية التي تسعى إلى تحقيق نفسها كراقصة معاصرة رغم أنها ليست جيدة بما يكفي، وشخصية "بروك" في فيلم Mistress America المحبة للمغامرة التي ترغب في النجاح والشهرة دون امتلاك خطة واقعية لتنفيذ أهدافها.

لذلك عندما قررت جيروج كتابة وإخراج أول أفلامها Lady Bird لم تبتعد كثيرًا عن هذه النوعية من الحكايات، بل أن الشخصية الرئيسية في الأحداث تحلم بالعيش في مدينة مثل نيويورك لخوض المزيد من التجارب والمغامرات، أي في نفس المكان الذي عاشت فيه كل من"فرانسيس" و"بروك"، ورغم أن أهدافها في الحياة تتجاوز قدراتها أو على الأقل تخالف المستقبل الذي يرسمه لها من حولها، فإنها لا تستسلم بل على العكس تتمسك أكثر بحقها في الاختلاف. وكأن جميع هذه الشخصيات النسائية تدور في نفس الفلك مع اختلاف الفترات الزمنية والأعمار.

التشابه بين "ليدي بيرد" وجريتا جيروج

تدور أحداث فيلم Lady Bird في الفترة بين عامي 2002 و2003، حول الفتاة المتمردة "كريستين" أو كما تطلق على نفسها "ليدي بيرد"، التي تقترب من بلوغ عامها الـ18، وتتمنى الالتحاق بجامعة في الساحل الشرقي للولايات المتحدة الأمريكية لتختلط بأوساط الكتاب والمثقفين، وتمر بالعديد من الأحداث المثيرة المغايرة لنمط الحياة الهادئ في مدينتها ساكرامنتو، لكن والدتها تعارضها بشدة بسبب ظروفهم الاقتصادية وخوفًا عليها من الأوضاع الأمنية بعد أحداث 11 سبتمبر.

تتشابه "ليدي بيرد" التي تجسدها سيرشا رونان، مع الكثير من الفتيات في مرحلة المرهقة؛ فهي تسعى لإثبات اختلافها وتميزها عمن حولها ورغم أن النتيجة في أغلب الأوقات ليست في صالحها، فإنها تواصل المحاولات متخبطة ومتوقعة الأفضل مع كل مغامرة جديدة؛ ففي مرة تتزين لتجربة أداء في مسرح المدرسة وعند حصولها على دور ثانوي تشعر بالإحباط، خاصة مع نجاح صديقتها الأقل جمالا في الفوز بدور مهم، ومرة أخرى تتقرب من الشاب المثقف الجذاب وتعتقد أنها ستفقد عذريتها بطريقة مميزة معه، لكنها تصدم بكونها ليست الأولى في حياته

لكن ما يميز حقا فيلم جريتا جيروج، المرشح لخمس جوائز أوسكار من بينها أفضل فيلم، أن مخرجته قررت الاستعانة بتفاصيل من حياتها الشخصية في روي حكاية "ليدي بيرد"، رغم تأكيدها أنها لم تكن متمردة في صغرها. بداية من وقوع الأحداث في مدينة ساكرامنتو التي نشأت فيها، مرورًا بمنح الشخصية الرئيسية اسم والدتها "كريستين"، وإلحاقها بالمدرسة الكاثوليكية مثلها، وأخيرًا اختيار مهنة التمريض لتكون وظيفة الأم في الفيلم كما كانت تعمل والدتها. كل هذه التفاصيل أضفت المزيد من الحميمية على القصة وجعلت الفيلم أشبه إلى إهداء لمرحلة مراهقتها وبداية شبابها وأيضًا لعائلتها وأصدقائها.

العلاقة الشائكة بين الأم والابنة

منذ الدقائق الأولى في الفيلم، تتضح العلاقة الشائكة بين "ليدي بيرد" ووالدتها "ماريون"، نظرًا لأنهما شخصيتان قويتان وعنيدتان. الابنة تحلق في عالم الأحلام والأمنيات والأم تحاول سحبها إلى أرض الواقع لتجنبها خيبات الأمل التي واجهتها بنفسها وتعرفها جيدًا منذ جاءت إلى هذه المدينة وظنت إنها لن تمكث فيها طويلًا.

مع ذلك، يجتمع الاثنان في طريقة حبهما للأشياء والأشخاص المترجمة إلى اهتمام وتركيز زائد عن اللزوم في التفاصيل. "ليدي بيرد" تظن أنها لا تحب مدينتها لكن عندما تكتب عنها تجيد وصف تفاصيلها ومعالم شوارعها بدقة، وهكذا الأم تركز مع ابنتها كثيرًا وتنتقد كل أفعالها وتصرفاتها لكنها بالتأكيد تحبها للغاية. يجتمعان أيضًا في إدراكهما المتأخر لهذا الحب واعترافهما به؛ فالابنة تشعر باشتياقها لساكرامنتو بعد رحيلها عنها، والأم تبكي بعد فوات الأوان على عدم كشفها عن مشاعرها الحقيقية في الوقت المناسب.

عمل يستحق الجوائز

تبدو قصة Lady Bird تقليدية ومشابهة لكثير من الأفلام التي تتناول حياة المراهقين ومواقفهم اليومية، لكن في الحقيقة فيلم جريتا جيروج مختلف عن هذه النوعية من الأفلام وتكمن نقاط قوته في بعده التام عن محاولة ادعاء العمق، والاكتفاء بسرد تفاصيل القصة وحكاية بطلتها بذكاء

فقد كتبت جيروج سيناريو يكشف عن بناء متماسك للشخصيات المحيطة بـ"ليدي بيرد" ويظهر أبعادها النفسية والاجتماعية مثل الأب الحنون المسالم الذي يتناول مضادات اكتئاب، ويلقى على عاتق زوجته الأعباء المادية متجنبا جميع الصدامات الأسرية، لكنه في نفس الوقت يساعد ابنته في توفير نفقات الدراسة، والشقيق بالتبني الذي تشعر "ليدي بيرد" بأنه يحصل على فرص أفضل منها نظرًا لكون اسمه وشكله يعبران عن أصوله الآسيوية. والحبيب الأول الذي نشأ وسط عائلة متدينة مسيحية ويخشى الكشف عن ميوله للمثلية الجنسية.

إلى جانب أن الفترة الزمنية التي تدور فيها الأحداث ساعدت على التطرق إلى الأوضاع في أمريكا بعد الأحداث الإرهابية وغزو العراق، بنظرة إنسانية أكثر منها توثيقية تكشف عن آراء المراهقين حول الحرب؛ منها عندما ردت "ليدي بيرد" على صديقها الذي ينتقد استيائها من أشياء تافهة في الوقت الذي يموت فيه المدنيين، قائلة إن هناك الكثير من الأشياء تستحق الحزن، الأمر غير قاصر على الحروب.

في وسط كل هذه الحكايات المتداخلة، لم تنس جيروج بطلتها الحقيقية، ساكرامنتو، التي حرصت على تصوير حدائقها وجسرها الشهير ولافتات شوارعها ومتاجرها ومبانيها، لتؤكد أن لهذه المدينة مكانة عزيزة داخل قلبها، منعكسة في عيون أبطال قصتها.

في النهاية، Lady Bird فيلم ممتع ومبهر كونه العمل الأول لمخرجته الشابة، يحمل قدرا من الفكاهة المنسوجة داخل حوار جيد وصورة غنية بالتفاصيل الحميمية والعفوية التي تستحق المشاهدة.

موقع "في الفن" في

03.02.2018

 
 

يستلهم عناصر من سينما ألفريد هيتشكوك

«فانتوم ثريد».. دانيال داي لويس يعتزل في القمة

عرض: عبدالله القمزي

تميز صانع الأفلام الأميركي، بول توماس أندرسون، وبطله دانيال داي لويس، بسمةٍ مشتركة، وهي أن كل واحد منهما يصنع أو يشارك في فيلم مرة واحدة كل أربع أو خمس سنوات، إلا أن أندرسون كسر هذه القاعدة بثلاثة أفلام في هذا العقد.

أندرسون يعتبر مخرجاً مؤلفاً من ناحية كتابة السيناريو، وكذلك وضع بصمته الخاصة على الفيلم. في فيلم Phantom Thread «خيط وهمي» يستلهم أندرسون بوضوح من سينما ألفريد هيتشكوك، ويضع شخصية كتبها في السابق لفيلم Punch Drunk Love عام 2002، لكن يجعلها هنا بسمات مختلفة.

يبدأ فيلم «فانتوم ثريد» ببطاقة عليها عنوانه، مصحوبة بموسيقى، ثم ينتقل إلى اللقطة التأسيسية لوجه فتاة تجلس على كرسي، وتنير نار المدفأة وجهها، تقول الفتاة: «رينولدز حقق أحلامي»، وتنظر إلى شخص لا نراه، ثم تأتي المشاهد التالية لتجعل جملتها صعبة التصديق.

يدخل الفيلم إلى عالم رينولدز وودكوك (النجم الإنجليزي، دانيال داي لويس، في ثاني تعاون له مع أندرسون، وآخر دور له قبل إعلانه الاعتزال)، مصمم الأزياء بلندن في أول خمسينات القرن الماضي، يدقق في التفاصيل بشكل كبير، وموهوب لدرجة أن إحدى معجباته قالت له إنها لو ماتت ستتمنى أن تدفن في الثوب الذي صممه لها.

رينولدز يقول لشقيقته سيريل (ليزلي مانفيل)، التي يدير معها دار الأزياء المملوكة لهما، إنه يفتقد والدتهما كثيراً ويراها في أحلامه. على طاولة الطعام نرى رينولدز منهمكاً في التصميم، وعندما تحدثه فتاة يبدو أنها عشيقته يوبخها قائلاً: «لا أستطيع بدء يومي بمواجهة كلامية». سيريل امرأة قوية وتعلم أن رينولدز يكره مقاطعته، وتعمل على إزالة كل ما قد يقطع عليه تركيزه.

يذهب رينولدز في يوم ما لتناول الإفطار في فندق، حيث تأتيه نادلة غير بارعة، تتعثر في المشي وتسقط الأشياء من يدها، تأخذ طلبه الطويل قبل أن يقرر رينولدز أخذ ورقة الطلب منها مختبراً قدرتها على حفظه في ذاكرتها، تنجح النادلة، وتسمى ألما (اللوكسومبورغية فيكي كرايبز)، ويدعوها رينولدز لمواعدته، ويخبرها أنه تعلّم التصميم من والدته، وأنه صمم وصنع لها فستان زفافها من زوجها الثاني.

قصة حب مشوهة

تنتقل ألما للعيش معه، حيث يعاملها رينولدز كفتاة يتسلى معها، أو ربما هي عارضة أزيائه المفضلة، إذ لم يُخفِ إعجابه بشكل جسدها (تسمع ألما ذلك على لسان شقيقته)، أو ربما هي تمثال عرض الأزياء الخاص به، من الصعب تمييز كيف يرى رينولدز ألما في مشهد تصميم الملابس على جسدها.

رينولدز منطوٍ على نفسه، روتيني جداً، ويكره المفاجآت؛ بل ويعتبر أي مفاجأة بمثابة كمين، وأيضاً غير واضح لو كان شغوفاً أو مهووساً بتصميم الأزياء، وعلى ما يبدو أن أندرسون تعمّد رسم خيط رفيع بين الحالتين. التناقض بين رؤية ألما لدورها في حياته، ومزاج رينولدز هو الذي يدفع القصة، وينقلها من طور إلى آخر. رينولدز لا يرى فيها سوى امرأة أخرى، لكنها تجبره على تغيير نظرته، ولو كان ذلك بإظهار الجانب المظلم من شخصيتها. الصراع ليس محصوراً بين رينولدز وألما، بل أيضاً يمتد إلى علاقة الأخيرة بسيريل. الساعة الثانية من الفيلم تحوي قصة حب مشوهة لا تعكس أبداً مشاعر شخصيتيها بوضوح.

أسلوب التعاطي بين رينولدز وألما ليس بسيطاً، ويشوبه التململ من طرف الأول، وسيريل دائماً حاضرة في الصورة لتبعد ألما التي بدورها كلما اقتربت من رينولدز تتآكل علاقته بشقيقته. المعركة تستمر إلى النهاية، ولا يبدو أن أحداً سيخرج فائزاً منها.

أداء قوي

مثل كل الأفلام المعتمدة على سلوك الشخصيات؛ فإن الفيلم يتميز بقوة أداء ممثليه الثلاثة، أفضلهم بالطبع الشخصية الرئيسة التي يتقمصها داي لويس بشكل لا يُعلى عليه (داي لويس حائز ثلاث جوائز أوسكار، وهو مرشح أيضاً عن هذا الدور).

داي لويس يقدم شخصية بها مزيج عجيب من المزاجية الحادة والفطنة الشديدة، والحرمان العاطفي والموهبة العالية والانضباط الصارم، وشيء من ضعف طفولي.

مانفيل دورها صامت تقريباً، ومعتمدة على قوة تعابيرها الوجهية، خصوصاً البرود الذي يشع من عينيها، ودورها يشبه دور الممثلة جوديث أندرسون في شخصية دانفرز المهيمنة في فيلم «ريبيكا» لألفريد هيتشكوك عام 1940. التشابه مقصود لأن أندرسون يشير إلى ذلك الفيلم حتى من خلال اسم ألما، وهو اسم زوجة هيتشكوك.

كرايبز متحفظة في الدور، وتظهر أليفة وبلا عزيمة، لكن مع تقدم أحداث الفيلم تطور جانباً مظلماً يخالف توقعاتنا الأولية عن بساطتها وسذاجتها. أندرسون كما هي عادته - يطهو على نار هادئة - أي يترك الفيلم يتقدم بتمهل من دون أي عجلة، أو فلنقل إن تقدم الفيلم مرتبط بقرارات الشخصيات، أي إنه بحاجة إلى صبر المشاهد.

أقوى مشهد في الفيلم نرى فيه رينولدز يهلوس نتيجة إصابته بحمى، ويرى شبح والدته أمامه في الغرفة، ويقول: «هل أنتِ دائماً هنا، أشتاق إليك كثيراً». المشهد يستمد قوته من عنوان الفيلم على ما يبدو، إذ إن خيال والدته مثل سراب يتراءى له، وما كان علاقة مجسدة في الماضي أصبح اليوم خيطاً من الوهم.

ثاني أقوى مشهد يجمع رينولدز وألما على طاولة طعام، إذ تقول له: «أريد أن أراك مريضاً وأنا أعتني بك»، ثم نراه كذلك (سنتجنب شرح سبب تعبه) وهي تعتني به، ألما هنا أخذت دور الأم التي يفتقد رينولدز وجودها في حياته، وهنا تتجلى قوة المشهد.

أندرسون صاحب أفلام (بوغي نايتس، وماغنوليا وPunch Drunk Love والرائع There Will Be Blood)، من أكثر صناع الأفلام المتميزين بأعمال أصلية، وقد كتب وأخرج، وللمرة الأولى صوّر هذا العمل الأصلي أيضاً بنفسه. للعلم أن المخرج الأميركي، ستيفن سودربيرغ، يصور كل أفلامه بنفسه لكن باسم مستعار.

الموسيقى، من تأليف جوني غرينوود، مسموعة في خلفية كل المشاهد تقريباً من دون توقف، على شكل مقطوعات بيانو، في إشارة واضحة إلى أفلام ميلودراما الأربعينات والخمسينات.

ليته يتراجع عن القرار

قرار اعتزال داي لويس جاء بعد مسيرة حافلة بأفلام قوية، لم يوضح الرجل سبب الاعتزال الذي يتمنى كل عاشق للسينما أن يتراجع داي لويس عنه، لكن الممثل صاحب الـ60 عاماً صرح بأن قرار الاعتزال راوده أثناء تمثيل «فانتوم ثريد» إثر حالة حزن تملكته، ولا يعلم هو شخصياً لماذا هذا الفيلم تحديداً.

وقال أيضاً إنه لا يرغب في مشاهدة الفيلم أثناء وجوده في الصالات. يذكر أن دانيال داي لويس يؤدي أول شخصية بريطانية في لندن منذ 30 عاماً، وكان آخر فيلم له بشخصية بريطانية هو «ستارز آند بارز» عام 1988.

جوائز أوسكار حازها، داي لويس، وهو مرشح أيضاً عن هذا الدور للجائزة.

لمشاهدة الموضوع بشكل كامل، يرجى الضغط على هذا الرابط.

الإمارات اليوم في

04.02.2018

 
 

فيلم «Call Me By Your Name»: بين الفن التشكيلي والموسيقى

رحمة الحداد

صور متناثرة لوجوه ولمحات من أجساد منحوتات رومانية وإغريقيةمنحوتات لأجساد رجولية على الأغلب بشفاه ممتلئة، وانحناءات مثالية، نوتات بيانو تعزف بحزم ورقة في الوقت نفسه

هكذا يختار الإيطالي «لوكا جوادينينو» لفيلمه الأخير أن يبدأ. نرى الصور المتناثرة أثناء مرور أسماء فريق العمل، ولكن ما دلالة ذلك على فيلم يعنى بقصة حب في صيف ثمانيني في إحدى قرى إيطاليا المشمسة؟

يحكي فيلم «نادني باسمك – Call Me By Your Name» قصة الفتى المراهق «إليو» المهتم بالقراءة والموسيقى، بل إنه يعتبر طفلًا متميزًا، حيث يؤلف المقطوعات ويعزف البيانو. «إليو» وعائلته المتكونة من أب مثقف، أستاذ في علوم الآثار، وأم حنونة متحررة، يمضون الصيف في قرية إيطالية صغيرة، محاطة بالطبيعة من كل جانب، عندما يدعو الأب أحد تلامذته «أوليفر» ليكمل بعض الدراسات والأبحاث معه، تتغير حياة «إليو» للأبد.

نرى هنا تصويرًا لعلاقة حب مثلية، لكن دون معاناة حقيقية من رفض الأهل أو المجتمع الصارم، على عكس الفيلم الحائز على الأوسكار العام الماضي «moonlight». يعنى «جوادينينو» بشكل أساسي بجمال كل شيءجمال نقي وحقيقي يبدأ من الطبيعة في القرية المنقوعة في الشمس، والحقول الشاسعة المشبعة بالأخضر والذهبي، وينتهي بأبطاله أنفسهم؛ «أوليفر، وإليو».

تلعب الفنون دورًا متميزًا في هذا الفيلم، من تشكيلية وموسيقية، والعنصران يتشاركان في إثراء فلسفة الفيلم ويدخلان في نسيجه بسلاسةفمن ناحية تقع أحداث الفيلم في إيطاليا، وتيمة الفن الروماني المتكررة تلمح إلى ملامح البطلين، وتفتح علاقتهما، ومن ناحية أخرى وجود الموسيقى المستمر، ومقطوعات البيانو بشكل خاص التي تتبع موهبة «إليو» وتطور مشاعره.

«أوليفر» شاب عشريني وسيم، طويل القامة، ويمتلك ملامح صارمة ولكن ناعمة مثل تمثال رومانيكل من يعرف «أوليفر» يقع في حبه؛ كبار وصغار، فتيات وفتيان. «أوليفر» يمثل الجمال الرجولي المتكامل، مما يرجعنا لاختيار «جوادينينو» للتيترات أن تكتب فوق صور التماثيل، بالإضافة لكون والد «إليو» يدرس النحت الرومانى والإغريقي

وأيضًا اختيار الممثل الصاعد «تيموثي شالاميه» في دور «إليو» يعزز العلاقة المذكورة، فبعيدًا عن موهبته الساطعة التي فاجأت الجميع، فهو يمتلك ملامح جميلة بمعايير الفن الرومانيفي إحدى لقطات الفيلم يجلس والد «إليو» مع «أوليفر» ليشاهدا -على عارض ضوئي صغير- صورًا لمنحوتات رومانية لأجساد رجولية.

يقول الأستاذ بأن انحناءات أجسادهم تكاد تكون مستحيلةيعلق «أوليفر»، بعد تأملها بعيون دامعة، إن التماثيل حسية للغاية، ليرد عليه أستاذه بأن «التماثيل كأنها تتحدى من يراها ليرغب فيها». 

يمكن من هنا فهم اختيار إظهار التماثيل أكثر من مرة. فرغم عمق وصدق قصة حب «أوليفر، وإليو»، لكن كليهما يملكان جمالًا يتخطى الجنس أو النوع. فوقوعهما في حب بعضهما البعض يتعلق بهذا الجمال الخارجي والداخلي، وليس بجنسهما، فـ«أوليفر» عاش كشخص غيري وسيكمل حياته بهذا الشكل، و«إليو» يستمتع بوجود فتيات في حياته بشكل دوري.

مايكلانجلو وتصوير الرجل المثالي على مدى العصور

عل الرغم من أن تاريخ الفن عامر بصور ومنحوتات لأجساد النساء ونظرة الرجل لها، لكن يمكننا تتبع كيف صور الفن الرجل المثالي.

 في الفن الإغريقي كان الاهتمام بالرجل ذي الجسد الرياضي الجميل وانحناءاته الرشيقة كبيرًا جدًا، ونسخ الفن الروماني معظمها، ولكن لعل أهم التماثيل الرجالية وأشهرها على الإطلاق هو تمثال «ديفيد» لـ«مايكلانجلو»، والذي لقبه بعض المؤرخين الفنيين بـ«أجمل رجل في العالم».

يعتبر «مايكلانجلو» واحدًا من أهم رموز تاريخ الفن، سواء في النحت أو التصوير، ويمكن استكشاف الجمال الجسدي الرجولي في منحوتات «مايكلانجلو» فنان ذروة عصر النهضة الذي أعاد جماليات كلاسيكيات الإغريق والرومان.

هناك مصادر متعددة تجزم بمثلية «مايكلانجلو» بناء على بعض الخطابات الحميمية مع رجال معينين في تلك الفترة، ولكن الدليل الأكبر كان طريقة نحته للأجسام الرجولية، واهتمامه بجماليتها، والمبالغة في إظهارها كما فعل في «ديفيد»، وكذلك طريقة نحته للتماثيل النسائية، وإظهارها بشكل أقرب للرجولة بعضلات ناتئة وأجساد عريضة، ولكن لم يصل لنا بشكل جازم تفضيلاته الجنسية، فالأمر إذن مقترن بنظرته للجمال الإنساني

من المحتمل أن «مايكلانجلو» كان مثليًا، أو مزدوج التفضيل، أو حتى مستقيمًا، ولكن تتردد على لسانه في مواقع التواصل وعلى الإنترنت جملة معناها أن «الجمال الأسمى يكمن في تفاصيل جسد الرجل»، وهو ما يتعارض مع تفضيلات معظم فناني عصر النهضة أو ما بعده، وهو ما يمكن ربطه بنفس الشكل مع فيلم «Call Me By Your Name» نحن لسنا أمام شابين شعرا باختلافهما منذ الصغر وعانيا لإخفاء حقيقتهما، بل كلاهما اكتشف تلك الرغبة في نفسه عندما قابل الآخر، وليس بالضرورة أن المثلية هي تفضيلهما الجنسي الأساسي.

الموسيقى ترسم الشخصية الأساسية

عامل «جوادينينو» فيلمه الأشهر «أنا الحب – I Am Love» الصادر عام 2009، على أنه أوبرا إيطالية تراجيدية، حيث تصاعدات موسيقية كلاسيكية تتبع التحولات وصعود وسقوط شخصياته، واستخدم فيه موسيقى «جون أدامز»، مؤلف أمريكى للأوبرا والموسيقى الكلاسيكية أعجب بيه «جوادينينو» كثيرًا وطلب الحقوق لاستخدام مؤلفاته، ثم عاد إليه مرة أخرى عند صناعة فيلمه الأخير «Call Me By Your Name».

أتعامل مع الموسيقى بحدسي، وأحب مفهوم استخدام البيانو كحوار في الواقع، في «Call Me By Your Name» يوجد استخدام مكثف للبيانو لأن تلك النوتات بشكل ما هي حوار داخلي وخارجي بين إليو ونفسه، وبين إليو وأوليفر.

«لوكا جوادينينو» في حواره مع مجلة «بيتش فورك»

«إليو» مؤلف موسيقى طموح يعزف البيانو، ويحاول إثارة إعجاب «أوليفر» بمعرفته الموسيقية. فطوال مدة الفيلم نسمع مقطوعات متنوعة للبيانو على اختلاف سرعتها وتركيبها الموسيقى، تعبر عن شغف «إليو» وعن طريقة تواصله مع الآخرين

في أحد مشاهد الفليم يعزف «إليو» مقطوعة أعجبت «أوليفر»، ولكنه يصر أن يضيف عليها بعض التعديلات ليتفاخر بثقافته، فيعزفها مرة كما لو كان «بخ» ألفها، ومرة أخرى كما لو كان «ليزت» هو من ألفها، ولكن «أوليفر» لا يهتم بكل ذلك، هو يريد ما عزفه «إليو» في بساطته وحالته الأولى.

بالإضافة للبيانو هناك الأغاني المكتوبة خصيصًا للفيلم بواسطة المغني وكاتب الأغاني «سوفيان ستيفنز»، اختاره «جوادينينو» ليكتب أغاني للفيلم تعبر عن مشاعر أبطاله وخصيصًا «إليو»، لأن طبيعة الفيلم ليست قائمة على الحوار فحلت محله كلمات ستيفنز الحساسة التي تمتزج مع الموسيقى المختارة للفيلم وتعطيه أبعادًا أخرى.

فيلم «Call Me By Your Name» رغم بساطته لكنه غني بالتفاصيل واللحظات الصادقة التي وضعته بين أفضل أفلام العام، الفيلم مرشح لأربع جوائز أوسكار من بينها أفضل أغنية أصلية، وأفضل فيلم.

موقع "إضاءات" في

04.02.2018

 
 
 
 
 
 

جميع الحقوق محفوظة لموقع سينماتك
  (2004 - 2017)