كتبوا في السينما

 

 
 
 
 
 

ملفات خاصة

 
 
 

«ذي بوست»: كلاسيكية تدافع بشراسة عن الصحافة والمرأة والقضاء

إبراهيم العريس

جوائز الأكاديمية الأمريكية للفيلم

(أوسكار 2018)

   
 
 
 
 

لندع هنا كل الصخب الدائر من حول هذا الفيلم ومبدعه جانباً، ولنلتفت إلى الفيلم ذاته. فهو، ولا بد من قولها منذ الآن، تحفة سينمائية كبيرة تأتي في هذا الوقت بالذات لتلقي الضوء، في كلاسيكية تكاد أن تكون غامرة، ليس فقط على حقبة باتت وراءنا من التاريخ الأميركي الحديث، بل فيما هو وراءها ومن خلالها، على بعض التيمات الأكثر خطورة وراهنية اليوم، وفي مقدمتها، ولنقل هذا أيضاً هنا منذ البداية طالما أنه الشق الأكثر بروزا من المسألة برمّتها: الصحافة ويقال اليوم: الإعلام، المرأة كموضوع من ناحية، وكذات من ناحية أخرى، وأخيرا القضاء الذي بات يتحول بالتدريج من سلطة ثالثة في الدول الديمقراطية إلى مجرد دائرة في الدولة قد تؤخذ قرارتها كوجهة نظر بعدما كانت تطلع كمسلّمات.

و «ذي بوست» فيلم يأتي في هذا الزمن بالذات ليكون، في ناحية منه إن لم يكن أساساً، تحية لتلك العناصر الثلاثة. ومن هنا قد يبدو لنا من الإنصاف أن نتوقف مطولا عند هذا الفيلم الكبير المشغول برهافة تقنية نادرة في أيامنا هذه وبأسلوب لا يخلو من تشويق يكاد يكون هيتشكوكيا يُستغرب بالتأكيد في عمل يتحدث عن حكاية تاريخية باتت معروفة. لكن أليس هذا هو سرّ السينما وسحرها؟ أليس هذا ما عودنا عليه سبيلبرغ، لا سيما في أفلامه التاريخية التي يستحوذ فيها على التاريخ ليقول الراهن في شكل ليس معطى لكثر من السينمائيين؟

شبح ساكن البيت الأبيض

إذاً، هناك شبح يحوم بالتأكيد في فضاء «ذي بوست». وهذا الشبح هو بالتحديد ما يعطيه راهنيته. لكن لهذا الشبح اسماً محدداً: دونالد ترامب. ولنستعد هنا، بشكل مختلف ما قلناه أول هذا الكلام. فنحن نعرف، ومنذ أُعلن ترشيح هذا الأخير لرئاسة الولايات المتحدة، أن الأمر اعتبر مزحةً أول الأمر وقال كثر، ولا سيما في الصحافة الأميركية أنه من غير المعقول أن يصل إلى البيت الأبيض شخص من هذا الطراز لا يكف عن شتم المرأة وتحقيرها، وفي الوقت ذاته عن التهجم على الإعلام الذي ينقل كلامه ويفضح ماضيه وبخاصة في مجال إساءة تعامله مع النساء. لكنه وصل، وربما بفضل مواقف عديدة منها هذه المواقف بالذات التي يبدو أنها راقت لتلك الأميركا العميقة التي تشبهه وتشبه كل الفاشيين في العالم. ثم بعد أن وصل، اكتشف أن ثمة قضاءً في بلاده لا يوافق على كل ما يتخذه من قرارات، في وقت وقفت فيه الصحافة، بما فيها تلك المرئية والتي سيشتمها بالاسم تنتقده في شكل لاذع، ثم راحت شهادات النساء ضده تتوالى. وهكذا، بسلطته كرئيس وبقوة شعبويته، راح ساكن البيت الأبيض الجديد يخوض معركة مثلثة. وكان لا بد من التصدي له. وهنا، حتى ولو أن حياة فيلم «ذي بوست» منذ وجوده كفكرة ثم تصويره وإنجازه فعرضه، تبدو سباقة إلى حدّ ما على وصول ترامب إلى الرئاسة، ما يجعل حديثنا عن الفيلم نوعا من لوي عنق التاريخ، يمكننا أن نثني على الفيلم على أي حال زاعمين أنه حدس بما سوف يحصل. ترى أوليس من مهام الفن في علاقته بالواقع، أن ينظر إلى الأمام؟ مهما يكن، حتى وإن كان ترامب قد أوصل تحقيره الصحافة والقضاء والمرأة تدريجاً، إلى أقصى ما يمكن لمبدع أن يحتمله، فإن المعركة ضد الثلاثة كانت بدأت منذ زمن. ومنها خاصة المعركة المفتوحة ضد الإعلام.

تمهيد لووترغايت

إذاً، ربما كان الأمر صدفة وربما كان حدسا، ليس هذا هو الجانب الأهم في الموضوع. الجانب الأهم، هو في منطلق سبيلبرغ الذي سيقول إنه على ضوء المستجدات، أوقف مشروعين آخرين له ليحقق «ذي بوست»، ما يساهم في إعطاء فيلمه راهنيته. لكن بعد كل شيء، عمّ يتحدث هذا الفيلم؟ ببساطة، كما تحدث «كل رجال الرئيس» قبل عقود من هذا الفيلم الجديد الذي يحمل النسق ذاته، عن فضيحة ووترغايت ودور «النيو يورك تايمز» في كشفها ما أسقط الرئيس نيكسون، ها هو «ذى بوست» يعود الى ما قبل ووترغايت بسنوات، ليتحدث عن تلك الفضيحة الأخرى التي أتت فضيحة ووترغايت لتغطي عليها، ومهما يكن، فإن سبيلبرغ لا ينسى ووترغايت حيث نراه يختم «ذي بوست» بمشهد يمهد للفضيحة الجديدة قد يبدو مقحماً على الفيلم، لكنه لعبة حاذقة بالتأكيد: «فضيحة أوراق البنتاغون» التي تدور حول تقرير سري في ألوف الصفحات تمكن موظف سابق في وزارة الدفاع من تصويره ليوصله إلى «نيويورك تايمز» فتبدأ هذه بنشر فقرات منه هو الذي يكشف تواطؤ ما لا يقل عن أربعة رؤساء أميركيين متعاقبين، في التغطية على بديهية كان لا بد من الاستجابة لها ما كان من شأنه توفير حياة عشرات الألوف من الشبان الأميركيين الذين كانوا يُرسلون الى المذبحة في فيتنام ليعودوا في أكفان وتوابيت. كان هذا فحوى التقرير الذي وُضع بناء على طلب من روبرت ماكنامارا وزير الدفاع في ذلك الحين. غير أن لا هذا ولا رؤساؤه عملوا بما كان يقتضيه، فتواصلت المذبحة الأميركية في فيتنام. ومن هنا حين باشرت «نيويورك تايمز» نشر التقرير، ثم قررت «ذي بوست» استئناف نشره إذ فُسّر المنع القضائي للنشر بأنه يعني «نيويورك تايمز وحدها، ثارت ثائرة السلطات الأميركية من ناحية بسبب ما يقوله، لكن من ناحية أخرى لأنه يكشف عن أكاذيب السلطة الأميركية.

استخدام التاريخ المعروف

نعرف أن هذا جزء من التاريخ معروف ويمكن التعامل معه، كما الحال في عشرات الشرائط الأميركية التي فضحت حرب فيتنام وأكاذيبها ودمويتها، لكن الجانب الآخر من الموضوع سوف يبدو، بين يدي سبيلبرغ، أكثر أهمية بكثير: فالفيلم سيتحول هنا من العام إلى الخاص، ليصبح، من ناحية تصويراً بديعاً لعالم الصحافة في تفاصيله وتاريخه المجيد كما في تصوير التنافس المهني البديع بين الصحيفتين الأميركيتين الأكبر، وليصبح تمجيداً لدور الأفراد في صناعة السياسات والمجتمع، ثم تصويرا بالغ الدلالة لدور المرأة الأميركية، من خلال الدور الذي تلعبه السيدة غراهام (ميريل ستريب رائعة ونحو أوسكار جديدة في تاريخها المهني البديع؟)، حين تجد نفسها أمام التهديدات الحكومية مجبرة على اتخاذ قرار حاسم تقف فيه على حافة الهاوية، هي التي كانت تُعتبر قبل ذلك مجرد سيدة أعمال ورثت الصحيفة الكبرى من والدها ثم من زوجها (ترى أفلا يمكننا هنا ربط الدور الذي تلعبه السيدة غراهام بالنهوض المدوّي للمرأة الأميركية منذ ذلك الحين تحديداً؟)، وأخيراً تصوير الدور الحاسم الذي يلعبه القضاء الأميركي والمحكمة العليا خاصة، ضد السلطات مناصراً الصحافة في سعيها لنشر التقرير على رغم الحظر والتهديدات.

أعداء الحرية

إذاً، هذه هي المعارك الثلاث الرائعة التي يخوضها هذا الفيلم الذي لعب فيه توم هانكس دور رئيس التحرير المقدام بن برادلي إلى جانب ميريل ستريب وعدد من ممثلين آخرين تمكّن المخرج معهم، وبسرعة قياسية كما يبدو، من تحقيق فيلم يبدو استثنائياً في هذا الزمن الأغبر، فيلم يعيد الاعتبار إلى حرية الرأي ودور الصحافة ومكانة المرأة في زمن يبدو فيه كل هذا وكأنه يتلاشى تحت وطأة فقدان للبوصلة أقل ما يمكن قوله أن مبدعاً مثل سبيلبرغ عرف كيف يعيد ضبطها... ولهذا نراه يغيظ كثراً من أعداء الحرية والمرأة والصحافة والإنسان، من الذين هم حلفاء طبيعيون لدونالد ترامب وأمثاله حتى وإن كانوا لا يعرفون ذلك.

####

البحث السهل عن رسائل سياسية في سينما سبيلبرغ الانتقائية

إبراهيم العريس

سواء شئنا هذا أم أبيناه، ستيفن سبيلبرغ هو اليوم، ومنذ عقود طويلة من السنين، واحد من أكبر ثلاثة أو أربعة مخرجين في العالم. هذا التصنيف قد لا يوافق عليه النخبويون الذين يرون أن أفلامه أكثر «جماهيرية» و «انتقائية» مما ينبغي، ولا أنصار سينما الترفيه و «الأكشن» الخالصة الذين قد يأخذون عليه عدم التزامه بقوانين هذا النوع، حتى في أفلامه الأكثر تجارية وحركة والموجهة أساساً الى المراهقين. غير أن هذين الاعتراضين الوازنين لا يمنعان أفلامه من أن تحمل، دائماً، رسائل أخلاقية واجتماعية وحتى وجودية وصولاً الى المحمول السياسي. فبعد كل شيء، سبيلبرغ هو واحد من أولئك الذين اشتهروا في سبعينات القرن الفائت بلقب «أصحاب اللحى» من الذين، في ثوراتهم المعلنة ضد هوليوود القديمة وجيل الآباء الرجعيين، وحرب فييتنام، وأكاذيب السياسة الأميركية، ساهموا في خلق واحدة من أكبر الثورات الذهنية في التاريخ الأميركي الحديث. فهو وفرانسيس فورد كوبولا ومارتن سكورسيزي وبريان دي بالما وجورج لوكاس وغيرهم، وبنجاح متفاوت، تمكنوا من أن يثوّروا هوليوود ويغيّروا السينما ودائماً من دون ضجيج ثقافوي ومن دون نخبوية مملة. ومن هنا أهميتهم، وبالأخص أهمية ستيفن سبيلبرغ الذي سيكون من بينهم الأكثر نجاحاً في انتقائيته ورسائله ومواقفه التي لفرط ما فيها من دقة وقفت دائماً على حافة الهاوية... السياسية غالباً.

الدعوة المرفوضة

ولنبدأ هنا، في هذه العجالة من وقتنا الراهن. حيث إن آخر أخبار الرجل تقول إنه رفض دعوة وُجّهت إليه لحضور عرض في البيت الأبيض لفيلمه الأخير «ذي بوست». والسبب واضح: أولاً هو ضد ترامب على طول الخطّ،؛ ولكن ثانياً والأهم من هذا، هو أن فيلمه نفسه مبنيّ على الضد تماماً من كل ما يمثله ترامب (راجع مقالاً آخر في هذه الصفحة). ولنضف الى هذا أنه دائماً ما وقف ضد الجمهوريين في السياسة الى درجة الدعم العلني لكلينتون وبعده لأوباما.

غير أن هذا الأمر يبقى حدثيّاً مقارنة بما هو أهم ويشكل جوهر مواقفه السياسية. فسبيلبرغ ضد الحروب بصورة مطلقة («إنقاذ المجند رايان» مثلاً خصوصاً العشرين دقيقة الأولى منه)، وهو ضد العنصرية وكراهية الآخر (من «اللون الأرجواني» الى «المحطة الأخيرة» مروراً بـ «آميستاد» بين أعمال أخرى)، وضد الأساطير الراسخة (حيث نراه، على رغم يهوديته المعلنة والناشطة في مجال ذكرى المحرقة، لا يتوانى عن تحقيق فيلم عن تلك المحرقة يعطي فيه الدور البطولي والأخلاقي الأول لضابط نازي يأخذ على عاتقه إنقاذ مئات اليهود من القتل، وهو أمر لا يحب اليمين الصهيوني الخوض فيه بمقدار ما لم يحب خوض الفيلسوفة اليهودية هانا آرندت في مسألة المفاوضات التي أدارها حاخام برلين مع النازيين لتهريب اليهود الأثرياء مقابل مبالغ طائلة من المال... آرندت شُتمت يومذاك لأنها قالت هذا وسُمّيت بـ «ابنة صهيون الملعونة»، ولكن لأن سبيلبرغ نجم عالمي ولأن لشندلر ضريحاً في فلسطين المحتلة أُقيم تخليداً له على رغم اعتراض اليمين الصهيوني على ذلك، «بلعها» الإسرائيليون يومذاك إلا في اعتراضات خفيفة لم تقنع أحداً. لكنهم لم «يبلعوا» الموقف الذي عبّر عنه المخرج نفسه، وأيضاً على الضد هنا من الأيديولوجية الرسمية السائدة في إسرائيل، في جوهر فيلمه «ميونيخ» حيث لا يتوقف عملاء الموساد عن التساؤل عما تفعله بهم إدارتهم التي أرسلتهم ليغتالوا مجموعة من الوجوه الفلسطينية انتقاماً من عملية ميونيخ، ومن بين المجموعة أشخاص يكتشف العملاء أن لا شأن لهم بما حدث، ما يعني أن السلطات الإسرائيلية حوّلت عملاءها الى مرتزقة قاتلين... لقد دارت من حول هذا سجالات طاحنة ولا سيما بين يهود العالم من المؤسف أنها لم تجد صدى لها في الأوساط العربية- حيث ثمة نوع من فكر تبسيطي يريد للناس أن يكونوا معنا وإلا فإنهم صهاينة! - التي لم تكن ملزمة على أي حال بالدفاع عن سبيلبرغ...

ليس دفاعاً عمّن لا يحتاجه

مهما يكن، فنحن هنا أيضاً لا ندافع عن سبيلبرغ، ويقيناً أنه لا يحتاجنا في هذا هو الذي يعلن دائماً أن يهوديته لا تعني التزامه بإسرائيل ولا بالصهيونية، وأن عودته الى المحرقة لا تعني موافقته على تحوّل الإسرائيليين من «ضحايا» الى جلادين. صحيح أنه لا يقول هذا بالوضوح الذي يطالبه به بعض العرب، لكنه يقوله بما يشبه المباشرة وأيضاً بالمواربة الى درجة تزعج اليمين الإسرائيلي، لأنه يصل، ولا سيما عبر سينماه التي قد لا تحتاج الى قدر كبير من الذكاء كي تُفهم... يقوله موجهاً إياه الى جمهوره العالمي الكبير الذي، كما حال فئات كبيرة من اليهود الليبراليين الأميركيين والأوروبيين، يلتقط تلك الرسائل، على تشتتها فتفعل فيه أكثر كثيراً من كل البروباغندا العربية التي لم تؤت أي مفعول، في هذا السياق على الأقل، حتى الآن... على حد علمنا على الأقل!

####

زياد دويري في أوسكار الفيلم الأجنبي الأفضل

دبي - «الحياة»

من الواضح أن الخبر الذي تأكد قبل يومين من أن لجنة تصفيات ترشيحات الأوسكار قد اختارت فيلم «الإهانة أو القضية 23» ليخوض الشوط النهائي للفوز بجائزة أفضل فيلم أجنبي، سرّ كثراً من محبي السينما، وحتى من الناس العاديين الذين رأوا أن من الرائع أن يوجد، أخيراً، فيلم عربي في تلك المسابقة السينمائية الدولية التي تعتبر الأهم في العالم، والتي تخفق لها قلوب كثيرة - كما تدور في شأنها سجالات بل صراعات مريرة في أوساط السينمائيين العرب عادة - مرة في كل عام. في المقابل، هناك كثر لن يفرحهم هذا الخبر يتراوحون بين كارهي السينما وكارهي أيّ نجاح على الإطلاق، والقارئين في شكل أخرق للأفلام وغلمان الممانعة ومن شابههم.

في الأحوال كافة، ها هو الفيلم الذي حقق مداخيل كبيرة في لبنان وغيره حين عرضه في الصالات، يصل إلى أدنى ما يكون من «قمة سينما العالم» لا يبعده منها سوى أربعة أفلام أخرى وصلت إلى التصفيات النهائية بدورها.

وللإنصاف لا بد من أن نؤكد هنا أن فرحنا بوصول فيلم دويري إلى هذه المكانة لن يمنعنا من القول أن معركته ستكون صعبة، فهو في الحقيقة ينافس ما لا يقل عن ثلاث تحف سينمائية أثبتت مكانتها خلال العام، من بينها طبعاً صاحب السعفة الذهبية في «كان» الماضي، «المربع» للسويدي روبن أوستند، و «عن الجسد والروح» من المجر - راجع مكاناً آخر في الملحق - و «دون حب» للروسي أندريه زفياغنتسيف وهو إحدى التحف السينمائية الكبيرة التي فاجأت محبي السينما في «كان» الماضي نفسه؛ إضافة إلى الفيلم التشيلي «امرأة رائعة»، من دون أن ننسى أخيراً الشريط السنغالي - الفرنسي «فيليسيتي»... وكل هذا لنقول كم أن دويري يجد نفسه هنا في رفقة طيبة، تجعله حتى وإن لم يفز - والاحتمال وارد للأسف - لا يجد غضاضة في ذلك، هو المحب للسينما، والذي يعرف من دون أدنى شك، قيمة كل واحد من الأفلام التي ينافسها.

الحياة اللندنية في

26.01.2018

 
 

عن زياد الرقّاصة ومارسيل الطبّال

مسرحية «كلام الناس» تمعن في تمييع الخيانة

زينب حاوي

«في عصر الحريّات والفضاءات المفتوحة، ماذا يبقى ليُمنَع؟ مَن يقرّر عن اللبنانيين ماذا يشاهدون وماذا يقرأون وماذا يكتبون؟». عناوين فضفاضة ومرتبكة ضمها البرومو الترويجي لبرنامج «كلام الناس» على lbci. وأول من أمس، كان الموعد مع حلقة خاوية وخالية من الطرح المعمّق، في غياب أصحاب الاختصاص، والخبرة في مجال الرقابة والسينما، وقضيتي فيلمي the post، لستيفن سبيلبرغ، وزياد دويري وذهابه الى الكيان المحتّل، فاستُغلَّت الساحة لبثّ حفنة من الأكاذيب والتضليل.

عبر ساعة وخمسين دقيقة موزعة على أكثر من ضيف، مع مداخلات هاتفية، لم تقارب الحلقة ملف «حريات التعبير»، بل أتت الخلاصة بما بمعناه، أن «حزب الله»، أو ناشطيه نشروا الغوغاء على مواقع التواصل الاجتماعي، بتهديدهم بالنزول الى الصالات وإقفالها، على خلفية فيلم «ذي بوست»، وهم لا يمتون الى الديمقراطية والتحضر بصلة! أما زياد دويري، الذي أطلّ من باريس، فـ «دفش» لبنان ليكون في مصاف العالمية، من خلال ترشح فيلمه «قضية رقم 23» إلى الأوسكار.

خلال الحلقة، قدم السينمائي اللبناني أوراقه كاملةً الى مارسيل غانم، في ما خص فيلم «الصدمة» (2013) الذي صوّر في الكيان الصهيوني وتعامل مع طاقم اسرائيلي. لعبة تواطؤ مكشوفة، وتمثيلية مفضوحة، بينه وبين الإعلامي اللبناني، من إظهار ورقة إجازة عرض فيلم «الصدمة» مروراً برسالته التي بعثها قبيل ذهابه الى هناك الى مخابرات الجيش، وصولاً الى سؤاله المباشر عن جلوس دويري مع «كادر كبير من حزب الله»، بعد تصويره «الصدمة». وادعى دويري أنّ الكادر «طمأنه» بأن الفيلم لن يمنع، مع تحفظه على الموافقة على خطوة التطبيع التي قام بها. طبعاً، حفنة من الافتراءات والأكاذيب تضمنتها الحلقة، على رأسها نفي غانم، أن يكون دويري يعدّ في الوقت الحالي، لفيلم عن «كامب دايفيد»، متهماً «الأخبار» بأنها الوحيدة، التي كتبت عن هذا الخبر. علماً أن دويري أعطى وقتها حديثاً الى موقع «هوليوود ريبورتر»، حكى فيه عن تفاصيل هذا العمل (الأخبار 11/1/2018).

لم تقارب الحلقة ملف «حريات التعبير» بل أرادت تلميع صورة المطبعين مع الكيان الاسرائيلي

منذ أيلول (سبتمبر) الفائت، عندما استضاف مارسيل غانم، صاحب «بيروت الغربية»، باحتفالية «الناجي» من حفلات التهديد والقتل، بعيد خروجه من «المحكمة العسكرية»، لغاية أول من أمس، حين أقام احتفالية أخرى بترشّح فيلمه الى الأوسكار، ما زال الإعلامي اللبناني، مثابراً على تلميع صورة دويري والمرافعة عنه رغم أنّه حاول تقمص دور المحاور الجيد في الحلقة أول من أمس. إذ وجّه جملة أسئلة مباشرة لدويري عن التطبيع، والخيانة. دويري الذي برع في تجسيد دور الضحية أول من أمس، كرّر الذريعة عينها، بأن على المخرج أن يكون ذا «مصداقية» في اختيار المكان الملائم لفيلمه، عدا أنه اعترف «بخرق القوانين»، و«دفعه الثمن» غالياً في هذا المجال كما قال. وبهذا الكلام، يريدنا دويري أن نقتنع بأن ملف تطبيعه مع الاحتلال قد طوي الى غير رجعة، والتركيز الحالي يجب أن يكون على «صورة لبنان» المشرقة أمام الغرب، وعدم إثارة أي قضية تتعلق بالتطبيع، كي لا تتزحزح هذه الصورة عندهم، وندخل في خانة البلد «المتخلف»!

سمة الغوغائية، التي حاولت الحلقة تكريسها عن جمهور «حزب الله»، واتهام الأخير بالقبض على مفاصل الدولة، لم نرها سوى في هذا النقاش. نقاش أدخل عنوة، قضايا متشابكة، مترابطة شكلاً، لكن ليس في المضمون، لا سيّما القضية المتعلقة بعرض فيلم «ذي بوست». إذ أكد تقرير عرض خلال الحلقة أنّ عائداته لا تذهب الى المخرج مباشرة، بل الى أصحاب الصالات والموزعين والدولة اللبنانية. وبالتالي لا يسهم هذا الفيلم في ذهاب الأموال الى الكيان الصهيوني، عدا تمييع النقاش الحقيقي المتمثل في تبرّع سبيلبرغ بمبلغ مليون دولار لاسرائيل في عز حرب تموز، عبر ربطه بالتعاطي اللبناني اليومي مع استهلاك السلع والمنتجات الأميركية، الداعمة لإسرائيل بشكل أو بآخر.

إذاً، من زياد مخول الصحافي في «لوريون لو جور»، الذي أطلق صرخة «كفى» لكل مقارعي التطبيع في لبنان، واتهمهم بأنهم يعيدوننا الى القرون الوسطى، و«الوصاية السورية»، مع تصفيق علني من قبل غانم له، عبر وصفه بـ «المتمرّد كالعادة» الذي كتب «افتتاحية عظيمة» في صحيفته، وصولاً الى دويري نفسه، الذي أعلن أخيراً لموقع Forward، بأن «صراعه اليوم مع حملة مقاطعة اسرائيل»، لا مع الكيان المحتلّ، مروراً بغانم الذي سخر مرات من حملات المقاطعة ووصفهم بـ «الأغبياء»... كل هذه الجوقة تحاول اليوم، تكريس منظومة فكرية وخطاب خطير في لبنان، عبر بثّ أضاليل وبروباغندا تشيطن الجهات المقارعة للصهاينة وتصفهم بالمتخلّفين، وتميّع تورط المطبعين مع الكيان الاسرائيلي.

* لمشاهدة حلقة كلام الناس انقر هنا

الأخبار اللبنانية في

27.01.2018

 
 

«Darkest Hour»: في السينما فقط يتفق «ناصر» و«تشرشل»

أندرو محسن

تظل أفلام «السِيَر Biography» من الأنواع القادرة على اجتذاب المشاهدين، خاصة إذا كانت الشخصية معاصرة أو مشهورة، شاهد متابع الفيلم الكثير من المواد الأرشيفية لها من قبل بالفعل، هناك هذا الدافع لمعرفة كيف سيجسد هذا الفنان أو هذه الفنانة تلك الشخصيات، إلى أي مدى سيتقنها، وهل سينجح المكياج في تحويل الممثل إلى شكل قريب من الشخصية التي يؤديها أم سيظل الشبه حاجزًا؟

يضاف الفضول بالطبع كعامل لمشاهدة هذه النوعية من الأفلام، على الرغم من معرفة أن ما نشاهده لم يحدث بالضرورة بهذا الشكل في الواقع، فإن المشاهد يود أن يتابع ما يدور في الكواليس لدى هذه الشخصيات بعيدًا عن الصور والفيديوهات الرسمية، كيف يتعاملون داخل بيوتهم، كيف تفاعلوا قبل وبعد اللحظات الحرجة التي أحاطت بهم؟

عُرض حديثًا فيلم «Darkest Hour الساعة الأحلك» للمخرج الإنجليزي «جو رايت» الذي يجسد خلاله الممثل «جاري أولدمان» شخصية رئيس الوزراء البريطاني «وينستون تشرشل».

لم يكن تشرشل على وفاق مع شخصية الرئيس المصري الراحل «جمال عبد الناصر»، لكن السينما يمكنها أن تذيب هذه الخلافات، لدى المشاهد، لتجعله يقع في الإعجاب بالشخصيتين بنفس القدروهو ما يحدث إذا وضعنا هذا الفيلم في مقارنة مع فيلم «ناصر 56».

الموقف قبل الشخصية

ظهرت شخصيتا جمال عبد الناصر ووينستون تشرشل في الكثير من الأعمال الدرامية بأداء لعدد من الممثلين، سواء في أعمال يكون أي من الشخصيتين خلالها الشخصية الرئيسية أو حتى شخصية مساعدة، فلماذا توقفنا عند هذين الفيلمين تحديدًا؟

كلاهما من الشخصيات المثيرة للجدل، وخاصة ناصر، في كل مناسبة يرتبط بها تنهال الكتابات التي يجعله بعضها عظيمًا، وبعضها أسوأ ما يكون، بينما تشرشل كان عليه خلاف من الأساس وقت ترشحه، وكان ماضيه السياسي والقيادي شديد السوء، وكلا الشخصيتين معروفتان لأغلب المشاهدين، وببحث بسيط يمكن مشاهدة الكثير من الفيديوهات والأفلام الوثائقية الخاصة بهما.

إذن فالمهمة أصعب، شخصيتان جدليتان يعرفهما المشاهد ولديه رأي مسبق عنهما يجعله متحفزًا لما سيُقدم، لهذا على صناع الفيلمين استخدام أساليبهم لكسر أي توقع وتخيل مسبق وإدخال المشاهد سريعًا في تجربة الفيلمين.

يوجد الكثير من الأشكال أو القوالب المعروفة لبناء أفلام السير، أشهرها بالطبع متابعة قصة البطل منذ ميلاده وحتى نهايته، أو وصولًا إلى موقف معين في حياته. من أشهر هذه الأفلام «Gandhi» إخراج ريتشارد أتينبرو، الذي تتبع المراحل المختلفة لحياة المهاتما غاندي وصولًا إلى اغتياله، وفيلم «أيام السادات» لمحمد خان، الذي تابع أيضًا حياة الرئيس السادات حتى اغتياله.

على الرغم من وجود نماذج ناجحة لهذا الشكل كالمثال الأول، فإنه يجعل الشخصية هي المحور دائمًا، وليس الحدث، هكذا يُضطر الفيلم إلى تقديم الشخصية في مواقف مختلفة، ويضع على نفسه عبء تخيلها في كل هذه المواقف، هكذا يأتي نموذج آخر للكتابةالبناء على الموقف.

في فيلم «ناصر 56» اختار مؤلف الفيلم الراحل «محفوظ عبد الرحمن» موقفًا واحدًا من حياة عبد الناصر ليكون هو محور الفيلم، كما يبدو من العنوان، هو يتحدث عن ناصر في عام 1956، وتحديدًا مرحلة بناء السد العالي والذهاب إلى تأميم قناة السويس لتوفير الدعم المادي المطلوب للمشروع، وما ترتب على هذا القرار من تبعات. لم يذهب إلى علاقته بالفصائل السياسية المختلفة، أو المثقفين، أو القلاقل السياسية ومشكلات الحريات في عصره، اكتفى السيناريو فقط بهذا الخط، ومن خلاله بالتأكيد تعرض لملامح أخرى لشخصية الرئيس الراحل، وإن لم تكن هي محور الفيلم بل على الهامش.

المتابع للفيلم سينجذب سريعًا لتفاصيل الحدث التي تنكشف له من المشهد الأول، وسيهتم بها قبل الشخصية، بالطبع لم ينسَ الفيلم المرور على بعض ملامح شخصية الرئيس، لكنها تبقى على الهامش وليست في القلب.

هكذا ينتقل الفيلم إلى الصراع حول فكرة تأميم القناة بين مؤيدين ومعارضين، والحِمل الواقع على الشخصية الرئيسية، عبد الناصر، للخوض في القرار أو العدول عنه، وصولًا إلى اتخاذ القرار، ثم يُفسح الفصل الأخير من الفيلم لعرض تبعات التأميم من هجوم سياسي وعسكري على مصر واستمرار ناصر في المقاومة استنادًا إلى شعبه.

الانتهاء عند نفس النقطة

بعد حوالي 22 عامًا من عرض فيلم «ناصر 56» يُعرض «Darkest Hour»، لكن بالتدقيق سنجد أن بناء الفيلمين واحد تقريبًا.

في «الساعة الأحلك» أيضًا يختار مؤلف السيناريو «أنتوني مكارتن» موقفًا واحدًا ليبني عليه فيلمه، إذ يبدأ الفيلم بسقوط هولندا وبلجيكا في قبضة النازيين في الحرب العالمية الثانية، ويكون على رئيس الوزراء الجديد وينستون تشرشل أن يختار الطريق الأمثل لمواجهة هتلر في هذه اللحظة الحرجة، خاصة مع حصار معظم الجيش الإنجليزي على شاطئ دنكِرك في فرنسا.

يحرص الفيلم على تقديم البطل بشكل مختلف، إذ لا نتعرف عليه من أول مشاهد الفيلم كما الفيلم السابق، لكنه أيضًا لا ينغمس في استعراض تفاصيل الشخصية أكثر من اللازم، بل سريعًا يعود إلى الحدث الأهم.

بينما يختار «ناصر 56» أن تكون نقطة الذروة هي نقطة انتصار بتأميم القناة، تكون الذروة في فيلم جو رايت في لحظة هزيمة، إذ يجد تشرشل نفسه محاصرًا بين الهزائم العسكرية والمطالب بالتفاوض مع هتلر على معاهدة سلام، ليُفسح فصله الأخير لإصرار رئيس الوزراء البريطاني على عدم التفاوض واستكمال المعركة عسكريًا مهما كلفه الأمر، لينتهي عند نفس النقطة تقريبًا التي انتهى عندها فيلم ناصر، بل بنفس المشهد، نقاط التشابه في الفيلمين كثيرة تستحق بعض التفصيل.

ناصر وتشرشل في المرآة

يركز الفيلمان على تفاصيل الحياة الأسرية للشخصيتين، يقدم لنا «ناصر 56» الرئيس في صورة متقشفة مع أسرته في هدايا العيد أو السفر، بينما في فيلم «Darkest Hour» تقول زوجة رئيس الوزراء البريطاني لزوجها «إننا مفلسون».

في عدة مشاهد يقدم لنا الفيلم المصري ناصر وهو يتعامل ببساطة شديدة مع الشعب، ويرد على التليفونات بنفسه ويعرض على السيدة التي اتصلت به خطأً أن يوصلها بمن تريد، وفي الفيلم الإنجليزي الأمريكي نرى تشرشل يخوض حوارًا مطولًا مع عدد من المواطنين يكون له بالغ الأثر في قراره النهائي بمواصلة الحرب.

كذلك يتشابه الصراع في الفيلمين ويتوزع على مستويين، إذ نرى تشرشل محاطًا بمجلس يحتوي على عدد من الأشخاص الرافضين لقراراته ويرون فيها انعدام الحكمة، بينما يشتعل بداخله صراع أكبر إذ يتنازعه التردد دائمًا في مدى صحة قراراته، بالطبع يعزز من هذا الأداء المذهل من جاري أولدمان، لكن للأداء حديثًا آخرنفس الصراع يظهر مع عبد الناصر في الفيلم وإن كان بشكل تدريجي في صورة مشاهد منفصلة في مواجهة كل شخصية، وكذلك ظهر التردد في ملامح أحمد زكي، وإن لم يكن الصراع الداخلي هنا بنفس قوة الفيلم الأول.

لكن في الحقيقة ليست ملامح السيناريو فقط هي التي يظهر فيها هذا التشابه، إذ كانت هناك عدة حلول إخراجية متشابهة أيضًا، خاصة في مشاهد الخُطب، مهما كانت درجة تمكن الممثل من الشخصية ومهما كانت الخُطبة مؤثرة، يظل من الصعب في الأفلام عرض مشهد طويل متصل لخطبة ما. هكذا وجدنا في الفيلمين حلولًا تتمثل في الخروج بمشاهد مختلفة لكسر إيقاع الخطبة ثم العودة لها مرة أخرى بشكل يضيف إليها المزيد من الحماس، ففي خُطبة تأميم القناة ينتقل الفيلم إلى مشاهد الضباط وهم يصلون إلى القناة ويأممونها بالفعل قبل العودة مرة أخرى إلى الخُطبة، وفي خطبة تشرشل الأولى للبرلمان، نجد الفيلم ينتقل في مشاهد مختلفة تستعرض مراحل كتابة هذه الخُطبة.

وكما ذكرنا سابقًا ينتهي الفيلمان بخطبة أخيرة، ناصر في الأزهر وتشرشل مرة أخرى في البرلمان، وتنتهى كلتا الخطبتين بتفاعل حاد وتأييد تام من الحضورربما كان لدى من حضروا الخطبة في الواقع أسبابهم للتفاعل والتصفيق، لكن في السينما هناك أسباب أخرى هي الدافع لإعجاب جمهور الفيلمين، على رأسها الأداء الاستثنائي من أحمد زكي وجاري أولدمان.

وهو ليس تقليدًا

أثناء البحث عن ممثلين آخرين قدموا شخصية تشرشل، كان هناك «بريندون جليسون» في فيلم «داخل العاصفة Into the Storm»، في أحد مشاهد الفيلم يُلقي جليسون الخُطبة الشهيرة التي أعلن فيها تشرشل مواصلة الحرب وعدم الاستسلام، لكن ألقاها بطريقة هادئة وباردة تختلف تمامًا عن الأداء الحماسي الذي قدمه جاري أولدمانبالاستماع إلى الخُطبة الأصلية، سنجد أن جليسون بهذا الأداء الهادئ أقرب لتشرشل من جاري أولدمان، لكن من قال إننا نشاهد مشهدًا وثائقيًا؟

بالعودة إلى الفيلمين، سنجد أن كلا الممثلين عايش الشخصية وجسدها بدرجة مُدهشة، لهذا فإنه يُعطي من روحه كممثل، وبالتالي يُقدم إحساسه بالشخصية في هذه اللحظة بعينها، لهذا لم يكن غريبًا أن نجد اختلافًا أيضًا في أداء زكي في خطبة تأميم القناة عن الخطبة الأصلية، لكن على الرغم من هذا الاختلاف لا يستطيع أحد ألا يستمتع بالشخصية إلى حد نسيان أنه يشاهد هذا الممثل في الشخصية، بل يشاهد الشخصية نفسها.

في حوار مطول علق الراحل أحمد زكي على أدائه لشخصية عبد الناصر مقارنًا بينه وفكرة التقليد التي تعتمد على محاكاة الملامح الخارجية وصوت الشخصية المقلَّدة، موضحًا أن هذا يختلف تمامًا عن فكرة التشخيص التي تعتمد على الإحساس بروح الشخصية وتخيل ما وراء كل صورة وكل حركة تفعلها لينجح للوصول للأداء المطلوب.

هكذا صار من الطبيعي أن يكون أحمد زكي هو أول من يحضر عند ذكر من جسدوا عبد الناصر، والأمر نفسه ينطبق على جاري أولدمان، الأمر ليس مكياجًا فقط، لكنه يعود إلى المخرج الذي قرر أن يعطي الممثل هذه الأريحية في الأداء، وإلى ممثلين من طراز خاص عايشا الشخصيتين بكل تفاصيلها.

ينتهي المشاهد من هذين الفيلمين وهو متوحد مع البطل الذي شاهده وتعرف على تفاصيل حياته، وعايش معه أزمته الكبرى وصولًا إلى الانتصار، لا يشغل باله بكل ما يحدث مع هذه الشخصية خارج الفيلم أو بعيدًا عن زمن الأحداث، هو يشاهد هذا البطل السينمائي ويستمتع به، في الأغلب سيعود سريعًا إلى قناعاته عن الشخصية، أو ربما يدفع به الفيلم إلى تكوين وجهة نظر جديدة، لكن متعته بالفيلم حاضرة، يصعب أن تُفسدها أية آراء مسبقة عن الشخصية الأصلية.

موقع "إضاءات" في

27.01.2018

 
 

«ثلاث لوحات إعلانية» لمارتين ماكدونا:

امرأة في مواجهة فساد الشرطة والمجتمع

باريس ـ «القدس العربي» ـ من سليم البيك:

للفيلم عنوان طويل هو «ثلاث لوحات إعلانية خارج إبّيغ، ميزوري» وعنوان فرنسي قد يكون أكثر مباشرة هو ««ثلاث لوحات إعلانية: لوحات الانتقام»، وهو لمخرجه القادم من المسرح، كأحد أبرز كتّابه في إيرلندا، مارتين ماكدونا، الذي كتب السيناريو القويّ للفيلم وأخرجه وأنتجه.

الفيلم لافت من عدّة نواح: الإخراج والحكاية والشخصيات وحتى الفكرة، أو المعنى الذي يمكن للفيلم أن يوصله. الحكاية هي لسيّدة اسمها ميلدريد هايز (فرانسز ماكدورماند) التي قُتلت ابنتها قبل زمن الفيلم بعدّة أشهر، تمرّ من أمام ثلاث لوحات إعلانية بالقرب من بيتها، ويخطر لها أن تستأجرها لتذكّر بالجريمة، ففعلت وألصقت عليها كتابات تقول بأنّ ابنتها «اغتُصبت بينما كانت تموت» و»لا اعتقالات حتى الآن» و»كيف يمكن لذلك أن يحدث». وذكرت رئيس قسم الشرطة بالاسم. 

هنا يبدأ الفيلم وهنا تبدأ المشاكل التي ستلاحقها، بدءاً من تضييقات الشرطة إلى الآخرين، تهديدات وحرق للوحات، بتطوّر للشخصيات في الفيلم، وهي شخصيات بحضور قوي، لها حوارات متمايزة، واقعية، بأداء لافت لماكدورماند وبدرجة أقل لوودي هارلسون (رئيس قسم الشرطة).

في الفيلم كوميديا بمستوى عال، كوميديا سوداء بطبيعة الحال، فالحديث هنا عن عملية اغتصاب وقتل، تبعها تلكّؤ الشرطة في إيجاد القاتل، ومبادرة الأم لتضغط على الشرطة الفاسدة كي يجدوا قاتل ابنتها.

هنالك نقاط محوريّة تتأسّس عليها الحكاية، أولها الشرطة وفسادها، ففي الفيلم إشارات ومشاهَدة مباشرة عن عنف أحد رجال الشرطة، وهي شخصية مهمة في الفيلم، هو الشرطي الثاني فيه بعد رئيسه (سام روكويل)، فلهذا قصّة متداولة عن عنصريته وتعذيب شاب أسود، ثم نراه يبتز الآخرين، وأولهم الأم، ونراه يعتدي بالضرب على موظف شركة الإعلانات وزميلته، ويرميه من النافذة فيتسبب بمكوثه في المستشفى، كما يقوم بأعمال شرّيرة أخرى لن نفسد الفيلم بذكرها هنا، لكنّه ينال عقاباً أخيراً، من الأم ذاتها، عقاباً كان مدخلاً لشخصيته كي تتطوّر، كي يتقارب مع أم القتيلة وهو الذي كان يتابع القضية بكل كسل متعمّد، يقرأ بدل ملف القتيلة مجلّات الكوميكس.

لكن لكونه الشخصية الثانية في الشرطة، لا يمكن أن يجد مكانه في الحكاية كشخصية أساسية، بدون أن يخرج الرئيس عن طريقه، لأنّ ـ حتى اللحظة ـ الشخصيتين الرئيسيتين هما الأم والرئيس. هذا الأخير مصاب بالسرطان، وكي لا يجعل زوجته وابنتيه يعانون من مرضه ويرونه ضعيفاً، ينتحر بطلقة من مسدس على رأسه. هنا خرج من المشهد وفتح المجال للشرطي الآخر، كشخصية شريرة، لأن تكون الشخصية المقابلة للأم، وبالتالي لتتطور كشخصية رئيسية ثانية. فيتطوّر الفيلم بشخصيتيه: الأم والشرطي الذي ـ وقد بدأ يتغير ـ يسعى لإيجاد القاتل ويتعرض للضرب في شجار مع من ظنّ بأنّه هو، ليقررا على الهاتف، هو والأم، قتله بدون أن يكونا متأكّدين من أنّهما سيفعلان.

مسألة أخرى يشير إليها الفيلم: الإعلام ودوره في التأثير، الإحالات إلى التلفزيون والمراسِلات الصحافيات تشير لذلك، لكن المسألة بانت أساساً في اللوحات الثلاث، وهي هنا لغاية إعلامية وليس إعلانية، فهذه اللوحات «الإعلانية» لم تكن تعلن عن منتج، بل كانت تعلِم الناس بأن القاتل ما زال طليقاً، وأن الشرطة لم تفعل شيئاً حيال القضية منذ أشهر. 

بدأ الفيلم باللوحات الإعلانية الثلاث وانتهى بها، وكانت هي المركز الذي تدور حوله الأحداث، الأم تقاتل لبقائها والشرطة تسعى بكل الطرق لإزالتها.

في الفيلم مسائل اجتماعية نُقلت بشكل حكائي، بدون أن تكون ـ هذه المسائل ـ فجّة ومباشرة، بل هامشية في سياق الحكاية بالمجمل: حكاية الأم التي تسعى للضغط على الشرطة كي تأخذ القضية على محمل الجد وتجد قاتل ابنتها. من هذه المسائل فساد الشرطة في الولايات المتحدة وعنصريتها وسطوتها وعنفها، وذلك يأتي بالتزامن مع حالات عدّة تظهر بين وقت وآخر، ما استدعى لحركات اجتماعية بالنّشوء كـ«بلاك لايفز ماترز» (لم يُشر إليها الفيلم)، لكنّ الفيلم لا يتخلى عن البعد الإنساني، بإمكانية تحوّل الشرطي العنصري المعذّب من شخصية شريرة إلى أخرى خيّرة. مسألة أخرى لا تقل أهمية وهي قدرة الأم، كامرأة تخلى عنها زوجها من أجل فتاة ظهرت كبلهاء، ابنة 19 عاماً، قدرتها لوحدها على مواجهة المجتمع الذكوري المكوّن من الزوج السابق ورجال الشرطة، ومن قدِم إلى حيث تعمل واعتدى عليها، إلى غيره من ضغوطات المجتمع، وقد استطاعت مواجهتهم لوحدها، ففي الفيلم هذه الامرأة وابنتها المغتصبة والمقتولة، وفي المقابل ذكورية متمثلة أساساً في رجال الشرطة الذين استطاعت هي، بقوة شخصيتها وإرادتها، تغيير الشرير فيهم إلى خيّر.

الفيلم (Three Billboards Outside Ebbing, Missouri) الذي خرج إلى الصالات الفرنسية قبل أيام، شارك في مهرجان فينيسيا السينمائي الأخير، ثم في مهرجان تورونتو الســـينمائي، حيث نال الجائزة الأولى (جائـــزة اختــــــيار الجمهور)، وفي حفل الغولدن غلوب قبل أيام نال جوائز منها أفضل فيلم وأفضــل ممـــثلة وأفضــل ســـيناريو، ما يرشّحه بقوّة للجوائز الرئيسية في حفل الأوسكار لهذا العام.

####

كايسي أفليك يتخلى عن تقديم جائزة أوسكار أفضل ممثلة

لوس انجليس – أ ف ب:

تخلى الممثل الأمريكي كايسي افليك، الذي استهدفته اتهامات بالتحرش الجنسي عن تقديم اوسكار أفضل ممثلة على ما اعلنت ملحقته الإعلامية واكاديمية فنون السينما وعلومها.

ولم يحدد أي من الطرفين أسباب هذا التغيير في برنامج الحفل الذي يقام في الرابع من اذار/ مارس إلا أنه يأتي مع تجدد تسليط الضوء على اتهامات سابقة طالت الممثل البالغ 42 عاما على خلفية فضائح كثيرة تهز هوليوود.

وقالت ناطقة باسم الأكاديمية التي توزع هذه الجوائز العريقة «نقدر قرار ابقاء الانتباه على الحفل والأعمال الجميلة هذه السنة».

وكانت عريضة اطلقت عبر موقع «تشـينج.اورغ» لمطالبة الأكاديمية بمنع كايسي أفليك من تسليم الجائزة، جمعت 20 الف عريضة.

في العام 2011 اتهمت اماندا وايت وماغدالينا غوركا وهما منتجة ومديرة التصوير في أول فيلم اخرجه الممثل بعنوان «آيم ستيل هير»، كايسي أفليك بالتحرش الجنسي.

ونفى افليك على الدوام أن يكون بدر عنه تصرف كهذا وقد بـت بالقضية بالـتراضي.إلا أن ذلك ترك اثرا على سـمعة الممـثل.

وكانت هذه الاتهامات عادت إلى الواجهة قبل سنة مع اقـتراب موعد حفل الأوسكار الـذي فاز خلاله كايسي افلـيك بجـائزة افضل ممثل عن دوره في فيلم «مانشستر باي ذي سي».

ويقوم التقليد على ان يسلم الفائز بجائزة أفضل ممثل في السنة التالية أوسكار افضل ممثلة والعكس صحيح.

واكدت مارا بوكسبوم الناطقة باسم كايسي افليك انه لن يشارك في الحفل من دون ان تعطي المزيد من التفاصيل.

القدس العربي اللندنية في

27.01.2018

 
 

حملة 'وأنا أيضا' التي اجتاحت هوليوود توشك أن تنتحر

العرب/ أمير العمري

تداعيات 'قضية وينستين' دعمت قوة المرأة وأثبتت أنها يمكن أن ترد الصاع صاعين، وأنها انتزعت أول الخيط الذي يجب أن يقود إلى تحقيق نوع من المساواة في هوليوود.

كانت الكلمة التي ألقتها أوبرا وينفري بعد أن تسلمت مؤخرا جائزة خاصة تقديرا لمساهمتها في برامج التلفزيون في حفل جوائز “غولدن غلوب”، كلمة شديدة التأثير، جعلت الحاضرين يقفون على أقدامهم وينفجرون في التصفيق لعدة دقائق، كما تأثر بالكلمة ملايين المشاهدين الذين تابعوا الحفل السنوي عبر شاشات التلفزيون، وأصبحوا جميعا على يقين بأنهم أمام نقطة تحول كبير في تعامل هوليوود مع المرأة، وأن ما وقع من تصد كبير لمزاعم التحرش الجنسي من طرف أحد أقطاب صناعة السينما في هوليوود، وهو المنتج السينمائي هارفي وينستين، لابد أن تنتج عنه ثورة لا تقل قوة عن “الثورة الجنسية” في الستينات.

غير أن ما قالته وينفري، والذي جاء تتويجا لسلسلة اتهامات من طرف أكثر من 100 سيدة، بينهن عدد كبير من نجوم السينما الأميركية، كان في ظاهره دعوة إلى التحرر لكنه حمل في طياته نقيض ما كانت تحمله الثورة الجنسية، أو أن هذا، على الأقل، كان رأي النجمة الفرنسية ومعها حوالي مئة سيدة من الشخصيات العامة الفنية والسينمائية والأدبية والصحافية في فرنسا.

بعد يومين فقط من كلمة وينفري التي رفعت أسهمها عاليا إلى درجة أن كثيرين طالبوها بالترشح لرئاسة أميركا، انبرى المغني البريطاني (الأسود) “سيل” لمهاجمتها بشدة ونشر صورتين لها مع وينستين إحداهما لها وهي تميل ناحية الرجل وتبدو وكأنها تطبع قبلة على خده، وفوق الصورتين كتب سيل “لقد كنت لعقود جزءا من المشكلة، والآن يعتقد الجميع أنك الحل”، واتهمها صراحة بالتستر على ممارسات وينستين!

الرد الفرنسي

أما نجمة الشاشة الفرنسية كاترين دينيف (74 عاما) فقد فاجأت ضحايا التحرش الجنسي، ودافعت عن حق الرجال في “مغازلة النساء”، أو إظهار الانجذاب الجنسي نحوهن.

وتقدمت دينيف مجموعة من الممثلات والأكاديميات والكاتبات اللاتي وقعن رسالة نشرتها صحيفة “لوموند”، يحذرن فيها من نزعة “التزمّت” التي اندلعت شرارتها بسبب فضائح التحرش الجنسي الأخيرة التي وجهت أساسا إلى هارفي وينستين رئيس شركة ميراماكس.

وقد جاء في الرسالة “إننا كنساء لا نعد أنفسنا ضمن هذه الحركة النسوية، التي تتعدى إدانة إساءة استخدام السلطة إلى تبني كراهية الرجال والحياة الجنسية. لقد عوقب رجال من دون محاكمة، وأجبروا على ترك وظائفهم ولم يفعلوا شيئا سوى لمس ركبة شخص ما أو محاولة اختلاس قبلة”.

وأوضحت الرسالة أن “الاغتصاب جريمة، لكن محاولة إغواء شخص ما حتى بشكل مستمر أو علني، ليست جريمة، ولا يجب أن يتعرض الرجال لهجوم شوفيني متعصب”. ودفعت كاتبات الرسالة بأن هناك حالة جديدة من “التزمّت” أو ما يشبه “النزعة التطهرية” تنتشر على قدم وساق في العالم، وإنه في الوقت الذي يكون فيه من الضروري والقانوني فضح إساءة استخدام السلطة من جانب أي شخص، إلا أن الاتهامات المستمرة خرجت عن نطاق السيطرة.

وكان أكثر ما يلفت النظر في رسالة كاترين دينيف وشريكاتها، تحذيرها مما يمكن أن تؤدي إليه مثل هذه الاتهامات من المساس بالحرية الجنسية التي تم اكتسابها منذ عقود.

من جانبها خرجت نجمة السينما الفرنسية بريجيت باردو عن صمتها لتعلن معارضتها لحملة “وأنا أيضا”، وقالت إنها تعرف أن الكثير من النساء يذهبن إلى المنتجين بغرض إغرائهم للحصول على أدوار في السينما ثم يمكن لأي واحدة أن تتهم منتجا بغرض تحقيق الشهرة.

ودافع الممثل أليك بولدوين عن المخرج وودي ألين بعد أن ظهرت ابنته بالتبني ديلان مجددا على شاشة التلفزيون وأعادت تكرار اتهاماتها له بالتحرش بها وهي صغيرة، وأعربت ثلاث ممثلات ممن عملن مع وودي ألين عن اعتذارهن لديلان وتعهدن بعدم تكرار التجربة وهو ما اعتبره بولدوين في معرض دفاعه عن ألين، شيئا سخيفا بعد أن تم التحقيق بالفعل في تلك الاتهامات وثبت أنها ليست صحيحة!

وينستين نفى الاتهامات التي وجهت إليه مؤكدا أنه لم يمارس الجنس مع أي امرأة من دون موافقتها، لكنه مع هذا اعترف بأن سلوكه “سبب الكثير من الألم”، إلا أن مساعدته السابقة زيلدا بيركنز خرجت عن صمتها وخرقت اتفاقا للتسوية مع الرجل حصلت بموجبه على 330 ألف دولار مقابل عدم الإدلاء بما يمكن أن يدينه، وقدمت شهادة دامغة قالت فيها إنها لمست سوء السلوك الجنسي من قبل القطب الهوليوودي معها في أول يوم التقت به وجها لوجه بينما كانت تعمل بمكتب شركة ميراماكس في لندن، وأضافت أنه خرج من غرفة المكتب، وعاد إليها بملابسه الداخلية، ثم سألها عما إذا كان يمكن أن تدلك له جسمه.

كان يكفي أن يقدم سبايسي اعتذاره الشجاع هذا لكي ينتهي الأمر، خاصة وأن الموضوع لم يصل إلى مستوى الاعتداء، وبعد أن اعترف أيضا بمثليته الجنسية. لكن في ضوء هستيريا الفزع الجنسي التي انتشرت في هوليوود أقدم المخرج ريدلي سكوت على القيام بما لم يفعله مخرج من قبل في تاريخ هوليوود الحديث

التطهير والعقاب

لم تعرف هوليوود مثل هذه الحملة المسعورة منذ الحملة المكارثية في الأربعينات والخمسينات حينما كان يجري التفتيش في عقول كتاب السيناريو والمخرجين بحثا عن أي دلائل تشير إلى اعتناق أصحابها أفكارا شيوعية وصفت بأنها “نشاط معاد للمصالح الأميركية”، وهو ما يهدد الآن بتفجير هوليوود من داخلها.

وعلى سبيل المثال: الممثل الكبير كيفن سبايسي (58 عاما) الحاصل على أوسكار أحسن ممثل، يضطر إلى تقديم اعتذار علنيا بعد اتهامه بمحاولة التحرش الجنسي في أيام شبابه بممثل طفل، وكان الممثل أنتوني راب، الذي كان يبلغ من العمر 14 عاما آنذاك، قال إن سبايسي دعاه إلى حفل وأنه كان مخمورا على ما يبدو حينما وقعت هذه الحادثة المزعومة. وقال سبايسي، الذي كان عمره آنذاك 26 عاما “بكل صدق لا أتذكر هذا الموقف.. لكن إذا كنت قد تصرفت بهذه الطريقة كما يصفها راب فإنني أدين له بأصدق اعتذار“.

كان يكفي أن يقدم سبايسي اعتذاره الشجاع هذا لكي ينتهي الأمر، خاصة وأن الموضوع لم يصل إلى مستوى الاعتداء، وبعد أن اعترف أيضا بمثليته الجنسية. لكن في ضوء هستيريا الفزع الجنسي التي انتشرت في هوليوود أقدم المخرج ريدلي سكوت على القيام بما لم يفعله مخرج من قبل في تاريخ هوليوود الحديث، على قدر علم كاتب هذا المقال.

كان ريدلي سكوت قد انتهى تماما من عمل المونتاج لفيلمه الجديد “كل أموال الدنيا” الذي قام ببطولته سبايسي. ولكن بعد انفجار فضيحة وينستين ونشر القصة التي رواها أنتوني راب، قام ريدلي سكوت باستبعاد المشاهد التي يظهر فيها الممثل الكبير من الفيلم، رغم أنه لم يكن قد بقي على موعد عرض الفيلم ليلحق بترشيحات الأوسكار، سوى أسابيع، واتصل سكوت بالممثل كريستوفر بلامر (87 عاما) لكي يقوم بالدور بدلا من سبايسي.

كلمات منمقة

وفي خطوة وصفت بأنها “ضربة استباقية” نفى الممثل الأميركي مايكل دوغلاس مزاعم تحرش جنسي بامرأة قبل أن تظهر القصة علنا في وسائل الإعلام، وقال إنه “شعر بالحاجة إلى الحديث عن الموضوع ومشاركة مخاوفه قبل أن تنشر تفاصيل القصة”، مضيفا أن “موظفة سابقة لديه تتهمه بالقيام بإيحاءات جنسية أمامها قبل أكثر من 30 عاما”. وأنها تزعم بأنه “حاربها” كي لا تتمكن من الحصول على وظيفة أخرى بعد أن طردها من وظيفتها، مشيرا إلى أنها “تدعي” بأنه كان يستخدم كلمات منمقة ليشدها.

أصبح استخدام “كلمات منمقة” لجذب النساء تهمة يمكن أن تدمر سمعة من توجه له، كما أصبح من الممكن اتهام أي رجل يبتسم بطريقة مغوية في وجه امرأة يقابلها في مكان عام، بـ”محاولة التحرش الجنسي”، أو بإصدار “إيماءات جنسية” خاصة لو كان من المشاهير. فقد امتلأت صفحات الصحف بالاتهامات التي أصبحت مادة تروج للصحيفة، وبعد أن كانت مثل هذه الاتهامات المرسلة لا تلقى في الماضي أي اهتمام خاصة وأنه لم يتم حتى الآن استجواب هارفي وينستين أو مقاضاته ولم يصدر حكم بإدانته!

اليوم أصبح كثير من العاملين في صناعة السينما يخشون الاتهام من قبل أي امرأة، داخل أو خارج المجال، تصادف أن يكون أحدهم قد التقى بها في الماضي، لكي يصبح محروما من العمل ويخرج بالتالي من عالم السينما، ويحرم الجمهور من كثير من المواهب المشهود لها، في سابقة ليس لها مثيل من قبل!

قوة المرأة

في خضم هذه الموجة الهستيرية من الاتهامات، اضطر الممثل الأسترالي جيوفري راش (الحاصل على أوسكار أحسن ممثل عن دوره في فيلم “شاين” 1996) إلى التخلي عن رئاسة أكاديمية السينما والتلفزيون في أستراليا بعد أيام من تلقي إحدى الفرق المسرحية في سيدني شكوى بشأن قيامه قبل عامين ببعض “السلوكيات غير الملائمة” أثناء قيامه بدور الملك لير في مسرحية شكسبير الشهيرة.

وقد نفى راش نفيا قاطعا هذه الاتهامات، لكنه أصر على التخلي عن مقعده قبل حفل توزيع الجوائز السنوية التي تمنحها الأكاديمية الأسترالية على غرار جوائز الأوسكار، موضحا أنه تخلى عن هذا المنصب حرصا على “عدم الربط بأي حال من الأحول، بين هذه الاتهامات التي نشرتها بعض وسائل الإعلام، وزملائي من العاملين في مجال السينما والتلفزيون”.

أما مدير ستديو شركة أمازون، روي برايس، فقد أرغم على القيام بإجازة مفتوحة (طريقة مهذبة لصرفه عن العمل) بعد أن اتهمته إيسا هاكيت منتجة سلسلة “رجل في القلعة العالية” التلفزيونية، بمحاولة التحرش بها مرارا، هذه الاتهامات التي قيل إنها وقعت قبل عامين، أصبحت علانية بعد أن تجرأت هاكيت وقصت قصتها على وسائل الإعلام في ضوء فضحية “نساء وينستين” وبعد ذلك بساعات قليلة أعفي الرجل من منصبه رغم نجاحه في رفع أسهم الشركة.

هذه التداعيات التي خلفتها “قضية وينستين” دعمت دون شك قوة المرأة، وأثبتت أنها يمكن أن ترد الصاع صاعين، وأنها قد انتزعت أخيرا أول الخيط الذي يجب أن يقود أيضا إلى تحقيق نوع من المساواة في المكافآت والأجور بين النساء والرجال العاملين في هوليوود وفي أوساط صناعة السينما عموما.

ولكن من ناحية أخرى، جعلت هذه الهجمة الشرسة على “الرجال” الأمر أكثر تعقيدا وحساسية في مجال علاقات العمل داخل الوسط السينمائي بين الرجال والنساء، بعد أن أصبحت هناك قوة هجومية يمكن أن تشن هجمات مفتعلة حول اعتداءات لم تقع أصلا بغرض الابتزاز، في مواجهة الطرف الأضعف أي الرجال الذين وضعوا في موقف الدفاع، بعد أن أصبحت الكثير من النساء يفتشن في دفاترهن القديمة بحثا عن أي تصرف كان يمكن أن يكون مقبولا في الماضي، أو على الأقل يمكن التغاضي عنه، لكنه أصبح من الممكن الآن استخدامه، إما للحصول على تعويضات مالية، أو من أجل تشويه سمعة نجم من النجوم كما حدث في حالة داستين هوفمان الذي نفى اتهامات من جانب ثلاث نساء، لأفعال هامشية تعود إلى عام 1980!

والقصة لم تنته بعد بل نحن مازلنا في بدايتها.

ناقد سينمائي من مصر

العرب اللندنية في

28.01.2018

 
 
 
 
 
 

جميع الحقوق محفوظة لموقع سينماتك
  (2004 - 2017)