كتبوا في السينما

 

 
 
 
 
 

ملفات خاصة

 
 
 

رحيل الدلوعة...

أو عندما يصمت الكبار باكراً

القاهرة ـ نديم جرجوره

عن رحيل معبودة الجماهير

شادية

   
 
 
 
 

كلامٌ كثيرٌ يُقال في شادية، منذ رحيلها مساء 28 نوفمبر/ تشرين الثاني 2017. 

فسيرتها، الموزّعة على حياة يومية وأعمالٍ فنية عديدة، صالحةٌ لنصوصٍ تبدأ من حضورها في المشهد المصري، وانتشارها في عالمٍ عربيٍّ، في لحظة بحثه عن منافع التبدّلات الملتبسة (إنْ تنوجد المنافع)، وتكاد لا تنتهي عند اعتزالها منذ منتصف ثمانينيات القرن الـ20. 
ونتاجها مفتوحٌ على تساؤلات، تميل إلى سجالٍ نقديٍّ، يصعب حسم أجوبته، أو تذهب إلى خصوصية عيشٍ، وحميمية قراراتٍ تُبعدها عن راهن متبدِّل ومرتبك، أو تجعلها تتأمّل انقلابات مريرة، بصمتٍ واغتراب؛ أم أنّ العزلة نتاجُ إلحاح ذاتيّ على الافتراق عن كلّ شي، وكلّ أحد؟ 

وصوتها، غناءً أو بوحاً يُبهران ويجذبان، سببٌ للتماهي بها، لكونه مفتاح توغّلٍ في عالمها، وتفاصيل اشتغالها، وحساسية نبرتها. 

أما أداؤها، المتراوح بين روعةِ إطلالةٍ وبهاءِ حركةٍ وبساطةِ تمثيلٍ، فينسحب سريعاً أمام جمالٍ، يدعو إلى اختبار أعماق حالةٍ، "ممنوعة" على الانكشاف الكامل، كي يصنع سحرُ الغموض معنى العلاقة بها.

قبل يومين على انتهاء الدورة الـ39 (21 ـ 30 نوفمبر/تشرين الثاني 2017) لـ"مهرجان القاهرة السينمائي الدولي"، المهداة إليها، يتحوّل نبأ رحيلها إلى منفذٍ مفتوحٍ على حكايات وسرديات ومواقف وذكريات. لكن الأشدّ إلحاحاً كامنٌ في محاولة التنبّه إلى الحدّ شبه المختفي بين تمثيلٍ وغناء، يمارسهما جيل من مطربي المرحلة الأكثر حساسية في التاريخ الحديث لمصر وللعالم العربي. فشادية قادمة إلى التمثيل من ميلٍ إلى الغناء، بدءاً من التقليد، إنْ يكن تقليد الشقيقة الكبرى، الراغبة في احتراف الغناء قبل الانسحاب منه نهائياً، أو تقليد ليلى مراد، كما يُقال عن طفولة شادية، المولودة في 8 فبراير/ شباط 1931 باسم فاطمة أحمد كمال. وهذا وحده كافٍ لتفسير طبيعة واقع، وبساطة عيشٍ، وحيوية حراكٍ عفويّ سيصنع، لاحقاً، فصلاً جميلاً لقولٍ وانفعال.

فالزمن شاهدٌ على بدايات تفوّق الشاشة الكبيرة، والتمثيل مدخلٌ إلى تمتين علاقة عفوية بين فنان ومريديه، والظهور أمام الكاميرا أداة تفعيل لارتباط ـ انفعالي وحميمي ـ بين صوتٍ يُطْرِب المستمع إليه، وصورة صاحب الصوت، فإذْ بالمستمع يُصبح مُشاهِداً، وإذْ بثنائية الاستماع ـ المُشاهَدة، الحاضرة في شخصٍ واحد، تتحوّل إلى نمط حياة، وسلوك عيشٍ، وتفاعل عشق.

أي أن الرغبة في كشف صورة المغنّي/ المغنيّة أمام مستمعين مأخوذين بنبرة صوتٍ، وبحّة وتر، وجمالية نصٍ، ورهافة لحنٍ؛ تلك الرغبة نفسها عاملٌ جوهريّ يدفع إلى جمع الغناء بالتمثيل، كي يتمكّن عاشق الصوت من أن يتعرّف إلى شكل صاحبه. لكن، في مقابل هذه الفرضيّة، هناك ما هو عمليٌّ: حاجة السينما إلى نوعٍ فني مختلف لسرد الحكايات، وإلى صناعةٍ تُدرُّ أرباحاً.

تُرى، هل ينبثق هذا كلّه من وعي شادية بأهمية التمثيل والغناء معاً، في لحظة تبدّلات كبيرة، يعيشها الفن والثقافة والسياسة والاقتصاد والاجتماع؟ 

لن تكون أية إجابة ضرورية أو شافية، فالحكاية معروفة: انخراطٌ في التمثيل، يؤدّي إلى ارتباط فني بزملاء مهنة، وتمكّن عمليّ من التوغّل في أعماق الاجتماع ـ المصري والعربي ـ عبر الصوت والصورة معاً. فشادية، الناشطة في التمثيل والغناء بين عامي 1947 و1984، غير مختلفة عن مناخٍ عامٍ، يسود في مرحلةٍ تبدأ عشية الانقلاب على الملكية المصرية (1952)، وتستمرّ في أحلك الظروف، في السياسة والاقتصاد والمكانة الدولية لمصر، وصولاً إلى منتصف الثمانينيات تلك، التي تُشكِّل لحظة من لحظات الانهيار المتنوّع، في الفنّ وأنماط العيش. 

لكن، وفي مقابل كل شيء، ومن أجل كل شيء أيضاً، يُمكن وصف مسار شادية بما يلي: "مالِكَة النجومية في زمن الثورة (1952)، وعاشِقَة العزلة في زمن المصائب، ومُغادِرَة الحياة في زمن الالتباسات". أليست هذه صورة عن أحلامٍ موءودة ورغباتٍ معطّلة، تختصرها سيرة امرأة واحدة، تُصبح أغنيتها "يا حبيبتي يا مصر" أحد أناشيد "ثورة 25 يناير" (2011)؟

####

شادية... رحلة معبودة الجماهير من الغناء الجميل إلى التمثيل العظيم

محمد جابر

مع نهاية القرن الماضي، كان هناك جدل كبير حول الممثلة الأفضل في تاريخ السينما المصرية، انحصرت الخيارات بين ٣ أسماء: فاتن حمامة بأفلامها الخالدة، وسعاد حسني بتنوع اختياراتها ومسيرتها، وكان الاسم الثالث هو لفناية يفترض أنها ليست ممثلة من الأساس، ولكنها بَلغت من قوة الأداء وجودة الأفلام وقيمة المسيرة الطويلة ما جعل الجميع ينسى أنها –في الأصل ــ مطربة ويرشحها لتكون "سيدة الشاشة"، كانت شادية، التي رحلت عن عمر 86 عاماً، وتركت وراءها تاريخاً سينمائياً عظيماً لا ينسى، نتتبعه هنا ونحاول معرفة نقاط تحولاته. 

من "الدلوعة" إلى "المرأة" 

لوقت طويل في بداية مسيرتها السينمائية انحصر وجود "شادية" في دور الفتاة الصغيرة الخفيفة أو "الدلّوعة" كما أطلق عليها في تلك المرحلة. كانت خياراً مغرياً جداً لأي مخرج لفيلم تجاري (رومانسي أو كوميدي أو حتى ميلودرامي) في تلك المرحلة، فهي جميلة وصغيرة ولها حضور كوميدي لافت وصوت أخاذ ولذا درجت تسميتها بـ"شادية"، وخلال 12 عاماً تقريباً قدمت ما يقارب الـ70 فيلماً (بمتوسط 6 أفلام كل عام)، تؤدي فيها نفس الدور البسيط الذي لا يكتشف إمكاناتها الضخمة ويحصرها في إطار محدود جداً. وما تبقى من تلك الفترة في ذاكرة السينما في تلك الفترة كان قليلاً؛ كوميديا "الستات ميعرفوش يكدبوا" (1954) أمام إسماعيل ياسين، أو الوقوف أمام مطرب شاب اسمه عبد الحليم حافظ في أول أفلامه السينمائية "دليلة" (1956)... حضور محدود ينساه الناس ويرسخ حصرها في دور "الفتاة الرقيقة"، في مقابل ألق أخاذ لتحية كاريوكا كسيدة ناضجة ــ في فيلم "شباب امرأة" (1956)، أو اكتشاف يوسف شاهين لإمكاناتها الكوميدية الجبارة أمام فريد الأطرش في "انتَ حبيبي" (1957). 

عند تلك المرحلة كانت شادية تكبر، تتجاوز جسدياً مرحلة "الفتاة"، وربما كان ذلك من حسن حظ السينما، فقد دفع المخرجين لاكتشافها في أدوار أخرى، والخروج على النمط الدائم، لتبدأ في أواخر الخمسينيات مسيرتها الحقيقية التي أبقتها حتى الآن. ومن اللافت أن الفيلم الأول الذي تَخرج فيه عن فكرة "الفتاة" كان يصفها في عنوانه بالمرأة، ففيلم "المرأة المجهولة" (1959) الذي أخرجه محمود ذو الفقار له فضل حقيقي في نَقلها لمساحات وأدوار أخرى، ورغم محدودية القيمة السينمائية للفيلم، واعتماده على ميلودراما زاعقة، إلا أن أداء شادية القوي في آخره لدور سيدة مُسنة تدهور بها الحال كان مؤثراً ولافتاً لكل المخرجين، ومهد لسنوات مجدها السينمائي التي انفصلت فيها عن كونها مُطربة ولم تعد تغني حتى في الأفلام لأن الأهم هو حضورها التمثيلي. 

ستينيات النضوج والتنوع والتألق 

مع الستينيات، بدأت المسيرة الفارقة والمؤثرة لشادية كممثلة عظيمة وليست فقط مطربة وفتاة جميلة، فبشكلٍ صادم اختارها المخرج كمال الشيخ لأداء دور "نور" بائعة الهوى في فيلم "اللص والكلاب" (1962) المقتبس عن رواية لنجيب محفوظ، وعلى قدر جرأة "الشيخ" في الاختيار، فهناك جرأة ووعي من شادية في المقابل لأن تصدم الجمهور الذي كان يراها حتى سنوات قليلة خلت "فتاة أحلام رقيقة" لكل الشباب، بدور يمثل كل ما هو عكس ذلك. وهو ما مهد لحضورين لافتين لاحقاً في أفلام مقتبسة عن أدب "محفوظ"، وبأدوار صادمة أيضاً؛ "زقاق المدق" (1963) الذي تجسد فيه دور حميدة الفتاة الفقيرة التي تستسلم لإغواء أحد القوادين لأنها تحلم بالثراء، و"الطريق" (1964) الذي تمثل فيه دور السيدة الناضجة والجانب الحسي في حياة البطل، كأنها انتقلت هنا لمساحة تحية كاريوكا في "شباب امرأة" وتركت دورها السابق كفتاة جميلة وقصة حب بسيطة لسعاد حسني التي كانت في بداية مسيرتها. 

خلال الستينيات أيضاً كونت شادية شراكة استثنائية مع المخرج الكوميدي العظيم فطين عبد الوهاب، كان نتاجها 5 أفلام هي "الزوجة رقم 13" (1962)، "مراتي مدير عام" (1966)، "كرامة زوجتي" (1967)، "عفريت مراتي" (1967)، و"نصف ساعة جواز" (1969)، وأطلقت فيهم شادية العنان لنفسها للخروج (مرة أخرى) عن النمط، والتحول لممثلة كوميدية، ولا نجاح أكبر من كون تلك الأفلام الخمسة لازالت حتى الآن من أفضل الأعمال الكوميدية الباقية في ذاكرة السينما المصرية. 

واختتمت "شادية" عقدها العظيم والمؤثر بفيلمين عام 1969 كلاهما يعتبر علامة: الأول هو "ميرامار" للمخرج كمال الشيخ، وهو التلاقي الأخير لها مع أدب نجيب محفوظ، و"شيء من الخوف" للمخرج حسين كمال، حيث ملحمة "عتريس وفؤادة" ذات البعد الرمزي عن السلطة والشعب، في واحد من أكثر ظهورات شادية أيقونية وأثراً، بأداء تمثيلي مذهل وصوت غنائي مَنح الفيلم المزيد من القيمة حين تَشدو بتهويدة "يا عيني عَ الولد". 

سنوات الخفوت ثم الاعتزال 

مع بداية السبعينيات، ووفاة جمال عبد الناصر التي أدت لسحب الدولة يدها من الإنتاج، والدخول في عصر اضمحلال السينما المصرية، لم تقدم شادية حتى اعتزالها في منتصف الثمانينيات سوى 10 أفلام فقط، آخرها "لا تسألني من أنا" (1984)، ولا يملك أي من الأفلام العشرة ولو جزءًا من القيمة والأثر الذي وصلت إليه أفلامها في الستينيات. وربما الشيء الباقي فعلاً في تلك السنين الأخيرة التي شهدت خفوتها مثلما كان خفوت السينما بشكل عام هو بطولتها لمسرحية "ريا وسكينة"، أمام سهير البابلي وعبد المنعم مدبولي، كأنها تترك أثراً أخيراً ودائماً مع الناس على خشبة المسرح، وتأكد أنها قادرة على فعل كل شيء في فن التمثيل، وبواحدة من أكثر المسرحيات شعبية بعد ذلك. 

مع منتصف الثمانينيات، قررت شادية الاعتزال، وقالت ــ برقة بالغة ــ أنها "تحب أن يتذكر الناس صورتها القديمة الجميلة"، لذلك فمنذ ذلك الحين (وخلال أكثر من 30 عاماً) لم تظهر شادية على الشاشة، ولم تتحدث للصحف، ولم تقرر العودة إلى التلفزيون أو السينما كما قرر الكثيرون والكثيرات، ظلت قامة استثنائية ومطربة رائعة وممثلة عظيمة، حتى رحلت بهدوء وسَكينة، ولم يعد يبقى سوى التاريخ الطويل من الفن المتنوع الذي تركته. 

####

شادية: الدلوعة التي لم تهجرها الأضواء

القاهرة ــ مروة عبد الفضيل

رحلت شادية. الجميلة التي التصقت بها كل الألقاب، أغمضت عينيها ورحلت. هذه المرة الخبر حقيقي، ليس تسريباً صحافياً، ولا شائعة على مواقع التواصل، فـ"دلوعة الشاشة" ماتت. ورغم توقّع موتها منذ أسابيع بعد تدهور سريع لوضعها الصحي، جاء إعلان الخبر حزيناً، حزيناً جداً، وقاسياً.

86 عاماً عاشتها شادية بكل تفاصيلها: عاشت الفن والدلع والإغراء والشهرة والنجومية والحب، ثمّ الانكفاء والحجاب والاعتزال. وبين الأضواء والاعتزال بقيت شادية هي شادية: نجمة الشباك، ومعبودة الجماهير.

عند البحث في أرشيف شادية، يبدو واضحاً أنها ظاهرة حقيقية على صعيد التمثيل والغناء. ظاهرة بمعنى الفرادة وبمعنى العبقرية في أداء الأداور المختلفة، والغناء والرقص بدلع لم يتكرّر كثيراً في السينما العربية.

فاطمة كمال شاكر، هو اسم شادية الحقيقي، و"فتوش" هو لقبها في البيت. فمن أين جاء اسم شادية؟ روايات كثيرة تم تناقلها حول هذا الاسم الفني. الرواية الأولى هي أن شادية نفسها اختارت هذا الاسم، بعدما كانت تريد أن يطلق عليها اسم هدى. لكنها غيرت رأيها عندما شاهدت مولودة إحدى صديقتها وكان اسم الطفلة شادية. أما الرواية الثانية فتقول إن المخرج عبد الوارث عسر اختار لها الاسم بسبب الطريقة "الشادية" التي تردد بها جملها التمثيلية. لكن الطريق من "فتوش" إلى "شادية" لم يكن سهلاً. فوالدها لم يكن يشجّع دخول ابنته عالم الفنّ. وهذا الموقف تحديداً هو الذي أدى إلى فشل شقيقتها عفاف في عالم التمثل، ثمّ زواجها وهجرتها إلى الكويت. لكن فاطمة الشقية عرفت كيف تقنع والدها بحبها للفنّ. وفي الثامنة من عمرها عرفت فاطمة أنها تريد أن تشبه ليلى مراد: الممثلة التي تظهر على الشاشة، فتمثّل وتغنّي، بإتقان. في الـ15 من عمرها (1947) ظهرت في فيلم "العقل في إجازة"، في أول تجربة إخراجية لحلمي رفلة، وأول إنتاج لمحمد فوزي. هكذا اكتسب هذا العمل أهمية على أكثر من مستوى. ورغم أن هذا الفيلم يعتبر بدايتها الحقيقية، إلا أنه ظهرت قبلها في العام نفسه بدور صغير في فيلم "أزهار وأشواك" للمخرج محمد عبد الجواد.

بعدها انطلقت مسيرتها، وفتحت لها أبواب النجومية: 118 فيلماً و700 أغنية و10 مسلسلات إذاعية. وفي غمرة نجاحها الكبير، بدأت بعض الأصوات تعتبر أن نجاح شادية سببه غنائها وليس تمثيلها. فتوقفت لأربع سنوات عن الغناء وركزت على التمثيل، في تحدٍّ يشبه شخصيتها، ونجحت بالفعل، إلى أن جاءها الموسيقار بليغ حمدي بلحن أغنية "يا أسمراني اللون" (كتابة الشاعر الراحل عبد الرحمن الأبنودي ــ 1966) فوافقت على غنائها وكانت عودتها للغناء من خلالها.

لعبت شادية أدواراً كثيرة، بدأتها بدور الشابة الجميلة والعاشقة التي تعرف جيداً كيف تجذب المشاهد بدلعها. لكنّ هذه الصورة التي التصقت بها، لم تمنع شادية من تقديم شخصيات أخرى، أكثر جدية ربما، بالتوازي مع دخول مصر حقبة جديدة من تاريخها إثر قيام ثورة يوليو (1952). 

عرفت شادية كيف تنتقل بخفة قلّ نظيرها بين الأدوار الكوميدية، وأدوار الإغراء، وتلك الأكثر جدية في الأداء. وعرفت كيف تترك بمصتها على كل عمل تشارك فيه، ونتحدّث هنا عن أفلام كثيرة، بينها طبعا الأفلام المقتبسة عن روايات نجيب محفوظ، مثل "اللص والكلاب" (1962- إخراج كمال الشيخ"، و"زقاق المدقّ" (1963- إخراج حسن الإمام)، و"ميرامار" (إخراج كما الشيخ- 1969). رسّخت شادية نجوميتها في أعمال قدّمتها مع عبد الحليم حافظ وهي "لحن الوفاء" (1955- إخراج: إبراهيم عمارة)، ثمّ "دليلة" (1956- إخراج محمد كريم)، والفيلم الأشهر "معبودة الجماهير" (1967- إخراج حلمي رفلة). فكانت شادية الصوت النسائي الوحيد الذي غنّى مع "العندليب الأسمر" أغاني مثل "حاجة غريبة"، و"إحنا كنا فين"، و"تعالى أقولك"...

وبينما كانت شادية تواصل نجاحاتها، بدأ عرض مسرحية "ريا وسكينة" (1983)، وهي المسرحية الوحيدة التي شاركت فيها إلى جانب سهير البابلي وعبد المنعم مدبولي وأحمد بدير. وجاء هذا الأخير بديلاً للفنان حمدي أحمد الذي لم يقدم العرض سوى ثمانية شهور فقط وتراشق بالألفاظ مع شادية التي تعاملت معه "بتعالٍ شديد"، وفق ما قال في مقابلة صحافية.

حققت المسرحية نجاحاً باهراً، وغنّت فيها شادية أيضاً أغاني كثيرة لاقت انتشاراً واسعاً مثل "حبك جننا يا اسمك ايه"، "يا بنات اسكندرية"...

لكن شادية التي ارتفعت وكبرت نجوميتها بالتوازي مع ثورة يوليو، لم تغنّ الأغاني الوطنية بشكل مكرر كما فعل أقرانها وقتها، وبينهم كبار مثل عبد الحليم حافظ وأم كلثوم. لكنّ مع نصر أكتوبر، وقفت وغنّت أغنيتها الأيقونية "يا حبيبتي يا مصر". تروي شادية في لقاء تلفزيوني أن الأغنية ولدت بطريقة سريعة ومن دون تخطيط، فكتبها محمد حمزة ولحّنها بليغ حمدي. نقلت هذه الأغنية تحديداً، الأغاني الوطنية المصرية إلى مستوى آخر، بعيداً عن الغناء للزعماء، فكانت أغنية مصرية لمصر والمصريين. 

مع قيام الجمهورية، وفي عزّ سنوات الثورة، لمعت شادية، ووصلت إلى قمة مجدها الفني... قمّة تربّعت عليها حتى العام 1986، عندما اتخذت قراراً اعتبر مفاجئاً: ارتداء الحجاب والاعتزال. وجاء قرارها النهائي بالابتعاد عن الفن بعد لقائها بالشيخ محمد متولي الشعراوي في مكة المكرمة، حيث ذهبت إليه وعرّفته بنفسها. وبعد عودتها إلى القاهرة ذهبت إلى منزله وخرجت منه وقد استقرت على قرارها بالاعتزال.

الزواج والحب الفاشل والأطفال

خاضت شادية تجربة الزواج ثلاث مرات. الأولى كانت من الفنان عماد حمدي، وقدمت معه بعض الأعمال منها "ارحم حبي" (1959- إخراج هنري بركات) و"مشغول بغيري" (1951- إخراج إبراهيم عمارة) و"شاطئ الذكريات" (1955- إخراج عز الدين ذو الفقار). ثم تزوجت من المهندس الإذاعي عزيز فتحي، ثم تزوجت زيجتها الأخيرة من الفنان صلاح ذو الفقار، الذي شاركته "أغلى من حياتي" (1965- إخراج محمود ذو الفقار)، و"كرامة زوجتي" (1967- إخراج فطين عبد الوهاب)، والفيلم الشهير "مراتي مدير عام" (1966- إخراج فطين عبد الوهاب). انفصلت شادية عن ذو الفقار عام 1969. ولم ترزق شادية بأطفال من زيجاتها الثلاث، حيث كانت تواجه مشاكل صحية تؤدي إلى الإجهاض في أشهر الحمل الأولى.

لكن الزيجات الثلاث هذه لم تكن قصص الحب الوحيدة في حياة شادية، بل أشهر قصص حبها انتهت بالفشل، وهي قصتها مع فريد الأطرش. بدأت شرارة هذا الحب في فيلمهما الأول معا "ودعت حبك" (1956- إخراج يوسف شاهين)، ثم قدما معاً فيلماً آخر هو "أنت حبيبي" (1957- إخراج يوسف شاهين)، وكانت قصة حبهما مادة خصبة للصحافة والإعلام وقتها، لكنهما التزما الصمت حفاظا على خصوصيتهما. سافر فريد الأطرش إلى فرنسا لإجراء فحوصات طبية ووعدها بالزواج بعد عودته، لكن العلاقة انتهت لأسباب كثيرة.

أمس شُيّعت شادية، لترقد تحت تراب "حبيبتها مصر". شيّعها مصريون جاؤوا وأحضروا معهم أولادهم لوداعها. رحلت الدلوعة التي رغم اعتزالها وابتعادها عن الأضواء، ستبقى صورتها الأبهى والأقرب إلى قلوب ملايين العرب هي معبودة الجماهير... قبل الرحيل وبعده.

####

الفنانون المصريون يروون لـ"العربي الجديد" ذكرياتهم مع شادية

مروة عبد الفضيل

خيّمت حالة من الحزن الشديد على الوسط الفني بعد رحيل الفنانة القديرة شادية مساء أول أمس الثلاثاء بعد صراع مع المرض، حيث توفيت في غرفة العناية المركزة عندما دخلت في غيبوبة عقب إصابتها بنزيف في الدماغ. "العربي الجديد" اتصلت بفنانين عاصروا وعملوا مع شادية، فماذا قالوا عنها.

قالت الفنانة يسرا إنها ترى وفاتها حادثاً جللاً "زلزل الوطن العربي كله بعدما كان صوتها يزلزله"، وأضافت أنها تعتبر نفسها تربت على يدي شادية فنياً، ولطالما تعلمت منها الكثير بعدما عملت معها في فيلم "لا تسألني من أنا"، موضحة أن شادية رغم قوتها ونجوميتها إلا أنها كانت في الاستوديو "بمثابة الطفلة التي تتلقى تعليمات من المخرج وتقول حاضر ونعم". 

من ناحيتها قالت الفنانة الكبيرة سهير البابلي إن الكثيرين كانوا يعتقدون أن صداقتها بشادية لم تنشأ سوى فيالعرض المسرحي "ريا وسكينة" وهذا كلام غير صحيح، فهي تعرفها قبل ذلك بسنوات طويلة. وأضافت أن شادية "فنانة لم يتواجد مثلها وكانت "لهلوبة" على كافة المستويات التمثيلية والغنائية، ولم يختلف عليها اثنان، كما كان الجميع يحترمها ويحترم احترامها لذاتها وتواضعها مع كل العاملين في المسرح من أصغر لأكبر عامل".

أما نجوى فؤاد والتي كانت تزورها في فترة مرضها الأخيرة في مستشفى الجلاء العسكري فقالت لـ"العربي الجديد" وهي تبكي إنها كانت تتمنى أن تراها وتقبل رأسها ويديها لكنها لم تتمكن من رؤيتها بناء على رغبتها الشخصية، "حيث كانت لا تحب أن يراها أي شخص في وضعها الصحي الحرج. وأكملت فؤاد أن شادية تعد من الفنانات القليلات اللواتي ارتدين الحجاب من أجل وجه الله، وفضلت عدم الظهور والمتاجرة بحجابها، وأوضحت أنها لم تكوّن أسرة ولم يكن لديها أطفال، وهذا بالتأكيد كان يؤثر فيها على الجانب النفسي.

من جانبها قالت الفنانة المعتزلة شهيرة لـ"العربي الجديد" إن شادية قبل مرضها بسنوات قليلة كانت قد كُرمت من المركز الكاثوليكي، وطلبت منها أن تتسلم التكريم بدلاً منها وتقول كلمة بمثابة رسالة منها إلى جمهورها تعتذر عن عدم حضورها، ووصفت شهيرة هذا اليوم بأنه "كان تاريخياً بالنسبة لي لأنني حملت تكريماً لإسم النجمة حبيبة الملايين". وأنهت شهيرة كلامها قائلة إن كل عبارات التعازي والرثاء لن تفيد، "فلنترحم عليها وندعو لها بالجنة بقدر الأعمال الخيرية التي كانت تفعلها سراً".

وفي لقاء تلفزيوني له سبق وقال الناقد كمال رمزي إن شخصية شادية جعلت رجالاً كثيرين يرون فيها فتاة أحلامهم، وهي من الفنانات القليلات اللاتي رغم الاعتزال المبكر نسبياً بقيت فتاة أحلام كثيرين. ووصف شادية قائلاً إنها كانت "مميزة للغاية تمثل وتغني في منطقة مختلفة تماماً عن الآخرين"، وأوضح أنها "رغم ابتعادها لسنوات طويلة إلا أن حضورها كان طاغياً، وهذا يعود إلى أن الحنين يكون لها وليس فقط لأعمالها وللماضي".

ومن الناحية التمثيلية قال إنها قدمت أدوارها في مراحل متعددة، حيث ظلت خمسة عقود تمثل وتمتعنا بأدوارها، واستطاعت مع كافة الفنانين الذين عملت معهم أن تضع بصمتها مهما علا شأن وفن من أمامها.

وكشف رمزي عن رأي الأديب الراحل نجيب محفوظ، الذي قدمت شادية أربعة أفلام عن روايات له، فقال إنه كان منبهراً بأدائها، حيث قال إنها استطاعت أن تتقمص شخصية فتاة الحارة بقوة هائلة رغم أنها من أصول تركية مصرية.

العربي الجديد اللندنية في

30.11.2017

 
 

حين كانت شادية سر طفولتي

صهيب أيوب

أذكر شادية كسر خفي، كان عليّ اتمام إخفائه جيداً عنهم. أنا الذي حرمت في منزلنا من سماع الموسيقى علناً، واكتفيت بعيش حياة موازية، لا تشبههم. كان سر شادية، متأتياً في الأصل من جلسات «الدلال» التي تخصني بها جارات أمي في منازلهن، مع «تبسات» المهلبية و»الرز بحليب». 

جلسات لطفل في عمري، لم تبهره الأطعمة والبسملات المغدقة عليها على وفرة ما أراه من شاشاتهن. كان «الساتلايت» قد جاء في بدايته الى بنايتنا، فاتحاً شهوتي لاكتشاف عالم لا أطاله بيدي، ولا أجده في منزلنا، الذي تصدح منه خطب الشيخ الضرير، عبدالحميد كشك. فكانت شادية أول اكتشافاتي الآسرة للغنج. 

أجلس مركزاً ناظري في الشاشة الصغيرة، إلى رشاقة الممثلين والممثلات بالأبيض والأسود، محتارا برشاقتهم وابتساماتهم الغائبة في شققنا المكتظة بنا، ومعيداً في رأسي، حوار فريد الأطرش وشادية في أغنيتهما: «يا سلام على حبي وحبك. وعد ومكتوبلي أحبك»، أردد الأغنية متهجياً كلماتها كغارق في غيمة بيضاء. 

وبقيت الأحلام، كحبل سري يصلني بشقة أم طلال، التي يفصلنا عنها جدار واحد. جدار كان وهمياً بالنسبة لي. فيطيب لي تجاوزه بخفة مثل أبطال أفلام الكرتون. وأجدني مستمتعاً بأفيشات صباح وشادية وميمي شكيب، التي كانت جارتنا تحتفظ بها، مع مجلات «الموعد» و»أهل الفن». عالمي الأول إلى الصحافة والمجلات. وطبعاً إلى عالم الموضة والثياب القصيرة وصور الحفلات السعيدة. 

كانت لعينيّ شادية رقة تسعفني على الهروب من «أبو العيون السود»، من سلسلة «المغامرون الخمسة»، في ليالي النوم المؤرقة، ولا تزال هذه الرقة، مستعادة بخفة في يوميات غربتي الفرنسية، حيث يحتفظ «لابتوبي» بأغنياتها، مع نهاوند ونجاح سلام وهدى سلطان. أنا الذي ربما ولدت في بناية لنسائها ذوق رفيع، رغم الفقر الذي تربى برشاقة هناك. في بناية «المصري» في قبة النصر (طرابلس). فعاشت طروب أيضاً، معنا. للحقيقة كان عليّ أن انفصل عن مدينتي وأقطع حبل السرة هذا، لكني كلما وجدتني مع أغنياتهن، أعود إلى مكاني الأول، مبتسماً كمن ولد لتوه. 

موت شادية، لا يعني أن قسماً مات من طفولتي، ربما صارت لي حجة دامغة أن أعيد، أغنية «إن راح منك يا عين»، كشفاء يومي من البعد والحب المستحيل. 

####

كاتب لبناني/ باريس

شادية: إن غابت عن العين لن تغيب عن القلب

هكذا ودّعها نجوم الفنّ

ناديا الياس

بيروت – «القدس العربي» : أعرب نجوم الفنّ والتمثيل والاعلام في لبنان عن حزنهم العميق لرحيل «دلوعة السينما المصرية «الفنانة شادية بعد مسيرة فنيّة حافلة بالأعمال الجميلة الخالدة في ذاكرة العالم العربي، ونعوا «معبودة الجماهير» تحت هاشتاغ»وداعاً #شادية».

ورصدنا في «القدس العربي» مجموعة من التعليقات التي ضجّت بها مواقع التواصل الاجتماعي تعبيراً عن حزنهم لخسارة فنانة كبيرة أحبّوا اعمالها وحضورها وتمثيلها وصوتها: «دا القلب يحّب مرة ما يحبش مرتين، إن راح منّك يا عين هيروح من القلب فين؟!» دا القلب يحّب مرّة ما يحبش مرتين».

– ماجدة الرومي نعت شادية بقولها: «إن غابت عن العين لن تغيب عن القلب… وداعاً شادية.»

– كارول سماحة شكرت شادية على أعمالها الرائعة والخالدة وأكدت أنها لم ترحل بقولها:»ومن قال شاديا رحلت؟! عفواً لكن الفنان لا يرحل… الفنان حالة هوائية وحسية باقية في ذاكرتنا الى الأبد… شكرًا #شاديا على حبك وعطائك وإخلاصك في أعمالك الرائعة و الخالدة .»

– نانسي عجرم قدّمت تعازيها للشعب المصري»: معبودة الجماهير .. #شادية .. وداعاً أتقدّم بأحرّ التعازي من عائلة الفقيدة والشعب المصري والعربي.

– النجم عاصي الحلاني: «ستبقى #شادية رمزاً للزمن الجميل الذي سيبقى في ذاكرتنا… رحمك الله».

– هيفا وهبي: «إنا لله وإنا إليه راجعون وداعاً #شادية.» 

– سيرين عبد النور وصفت الراحلة بأيقونة السينما العربية ونعتها قائلة: كيف نبكي شادية الفن المصري وبأيّ كلمات نأسف على رحيل ايقونة السينما العربية… فكيف يرحل الكبار وهم حاضرون ابداً بإبداعاتهم الخالدة؟ وداعاً يا دلوعة الزمن الجميل… #شادية.»

– رامي عياش: قالت #شادية «أنا خلاص عشت الحياة، بالطول والعرض، عملت 500 شخصية عشت فيها، أنا عشت 500 مرة تقريبًا وداعاً #معبودة الجماهير.»

– الاعلامي زاهي وهبي‏: «وداعاً #شادية وداعاً لِصوتها المغسول بماء الزهر، المرشوش على قصص حبنا البريئة بلسمَ فرحٍ وجمال .وداعاً لِنجمةٍ أضاءت طويلاً «شاشة» الوجدان والذاكرة، وأوقدت شغف البدايات الفاتنة.»

-الممثل وسام حنا: «الأيقونة لا ترحل… فلتسترح نفسك بسلام #شادية.»

القدس العربي اللندنية في

01.12.2017

 
 

صباح الفن

في وداع شادية

إنتصار دردير

لم تكن الراحلة العظيمة شادية فنانة عادية وإنما موهبة استثنائية قلما يجود الزمان بمثلها، فقد جمعت ببراعة بين كونها مطربة ناجحة قدمت كافة أنواع الغناء العاطفي والوطني والديني وممثلة بارعة تنقلت بين مختلف الأنماط والشخصيات فاستحقت عن أدوارها الأولي التي جمعت فيها بين التمثيل والغناء لقب »دلوعة السينما المصرية»، وكانت نموذجا لفتاة الأحلام بحيويتها وانطلاقها ثم قدمت أدواراً شديدة النضج أكدت بها موهبتها كممثلة بعيدا عن الغناء وهي المرحلة التي مثلت فيها أربعة أفلام مهمة لروائي مصرالكبيرنجيب محوظ وهي »زقاق المدق»، »اللص والكلاب»، »الطريق»، »ميرامار» وقد قال عنها محفوظ »هي أبرز الممثلات اللاتي نجحن في تقديم روح الشخصيات التي كتبتها فقد بعثت الحياة في سطوري وأضفت عليها لحما ودما وهي أفضل من عبرت عن الروح المصرية» واصفا إياها أنها تستحق الأوسكار لأدائها الدرامي المفعم بالتعبير والحيوية وهو ماجعله يكتب لها فيلما خامسا خصيصا للسينما »ذات الوجهين»، أما أغنياتها فقد شملت مختلف الألوان العاطفية والدينية والوطنية وكانت أغنيتها »ياحبيبتي يامصر» هي أكثر الأغنيات المعبرة عن مصر في أفراحها وأحزانها، رحلت شادية في ذكري المولد النبوي الشريف الذي كان شاهدا علي قرار اعتزالها الفن حين غنت »جه حبيبي وخد بايدي» في حفل الليلة المحمدية وعاشت حالة توحد مع الأغنية واندمجت معها إلي حد البكاء،  فقد جاءت الكلمات التي كتبتها علية الجعار لتمس شغاف قلب شادية واللحن الذي وضعه عبد المنعم البارودي، الذين اقتربوا من شادية كانوا يتوقعون قراراعتزالها بين لحظة وأخري فقد كان يشغلها هذا الأمر كثيرا وعبرت عنه بقولها:لا أريد ان أنتظر حتي تهجرني الأضواء، أريد ان يظل الناس محتفظين بأجمل صورة لي، وكانت ليلي مراد التي أحبت صوتها وحفظت أغنياتها وأدوارها منذ طفولتها النموذج الذي احتذت به شادية حتي في اعتزالها الأضواء في نفس مرحلتها السنية، اعتزلت شادية لكنها لم تتبرأ من الفن الذي أحبته كما فعل آخرون وآخريات.

يموت الناس وتبقي ذكراهم وقد تركت لنا شادية إرثا ضخما من الغناء الجميل »500 أغنية» والأدوار الخالدة »115» فيلما والمسلسلات الاذاعية »10 مسلسلات» ومسرحيتها الوحيدة »ريا وسكينة»، ويبقي فنها يخلد صوتها وموهبتها وعطاءها الفني والانساني الكبير.

entsar13@hotmail.com

أخبار اليوم المصرية في

01.12.2017

 
 

شاهد.. صورة نادرة لشادية وهى تطهو فى منزلها

كتب عمرو صحصاح

منذ بداية دخولها الوسط الفنى، حرصت النجمة الكبيرة الراحلة شادية على أن تكون حياتها الشخصية ملكا لها وحدها، فقبل اعتزالها الفن وابتعادها عن الأضواء تماما، وعلى مدار مراحل حياتها الفنية، كانت تتكتم بشدة على طبيعة حياتها الشخصية، على عكس حياتها الفنية، فقد كانت تعتبر أن فنها هو ملك لجمهورها، الذى تسعى دائما أن تقدم له أفضل ما لديها، خاصة وأنها صاحبة تاريخ طويل مشرف فى عالم السينما، حيث قدمت توليفة متميزة ما بين الكوميديا والرومانسية وغيرهما جعلتها أبرز وأهم نجمات جيلها بل والنجمات التى تلتها.

ننشر للنجمة الكبيرة الراحلة صورة نادرة وهى تطهو بمنزلهاز ويذكر أن الفنانة شادية توفيت مساء الثلاثاء الماضى بعد صراع طويل مع المرض عن عمر يناهز 86 عاما.

ولم تأخذ السينما والتمثيل شادية من عشقها الرئيسى وهو الغناء، فعلى مدار حياتها الفنية قدمت العشرات من الأغانى التى مازل يرددها محبيها حتى الآن، منها الأغنية الوطنية الشهيرة "ياحبيبتى يامصر"، والتى مازالت تعد أحد أقوى الأغانى الوطنية التى قدمت على مدار تاريخ الفنى المصرى، و"إن راح منك يا عين هيروح من قلبى فين" و"على عش الحب طير ياحمام على عش الحب"، "سونة يا سونسن جيتلك أهو" و"أحلى كلام هنقوله الليلة أحلى كلام" و"الحب الحقيقى ما ينتهيش ولا يتنسيش طول السنين".

اليوم السابع المصرية في

01.12.2017

 
 

«أوسكار أحسن ممثلة» من نجيب محفوظ للفنانة الراحلة

علا الشافعى

وحدها المطربة والفنانة القديرة شادية تقف بمحاذاة أكبر نجمات العالم فى فن الأداء والتمثيل من كان يصدق أو يقول إن تلك الفتاة الرقيقة والبريئة التى ظهرت فى أول بطولة لها بفيلم «العقل فى إجازة» أمام محمد فوزى، هى نفسها التى تقف مصلوبة العود، واثقة الفعل، حادة البصر تقول عينها إن بلدها أهم من حب عمرها فى دور فؤادة «الخادمة» بفيلم «شىء من الخوف»، أو أنها حميدة «زقاق المدق» تلك الفتاة الشعبية البسيطة التى تقتلها طموحاتها وتطلعاتها المادية، كانت شادية ممثلة من طراز فريد برعت فى العديد من الأدوار وكانت قادرة على أن تلون أداءها وتنتقل من شخصية صعبة لأخرى أكثر تركيبا.

..........

المفارقة أن الكاتب الكبير نجيب محفوظ الذى كان يراها فنانة لطيفة شقية لا تصلح لتجسيد شخصياته الروائية التى تم نقلها إلى الشاشة، هو نفسه من قال إنها تستحق الأوسكار وعن جدارة حيث قال عن شادية حينما شاهدها فى الاستوديو أثناء تصوير فيلم زقاق المدق: «شادية جعلتنى أشاهد حميدة على الشاشة.. لقد كنت أشعر بكل خلجة من خلجات حميدة تمشى أمامى على الرغم من تخوفى الشديد من قدرتها على تجسيد الدور منذ ترشيحها له». وأضاف: «شعرت لأول مرة أن الشخصية التى رسمتها على الورق أصبحت حقيقية من لحم ودم لتتحرك أمامى على الشاشة وكانت حميدة فى زقاق المدق صورة لقدرة فائقة للفنانة. لا أتصور غيرها قادرا على الإتيان بها».

وتابع محفوظ فى أحد حواراته الإذاعية أن شادية «كذلك فى غير أعمالى فقد رأيتها فى بداياتها فى دور الأم المطحونة المضحية فى فيلم (المرأة المجهولة) وتصورت أن بمفردها الحصول على جائزة الأوسكار العالمية فى التمثيل لو تقدمت إليها بأعمالها».

وقال إن شادية استطاعت أن تعطى سطورى فى رواياتى شكلا مميزا لا أجد ما يفوقها فى نقل الصورة من البنيان الأدبى إلى الشكل السينمائى.

الانتشار والنجاحات الجماهيرية

منذ بداياتها تركت شادية نفسها، لتجارب سينمائية متنوعة تتراوح ما بين الرومانسى والكوميدى، وبذكائها الفطرى أدركت ان تقديمها تجارب كوميدية مع اسماعيل ياسين سيزيد من جماهيريتها، لذلك لم تتردد فى أن تشكل معه ثنائياً فنيا حيث قدما معا «الستات ما يعرفوش يكدبوا» و «بشرة خير» و «الهوا مالوش دوا»، وبما أن كمال الشناوى كان واحدا من فتيان الشاشة شاركته العديد من الأعمال، رغم أنه كان زوج شقيقتها عفاف ولكن الجمهور دائما كان يراهما ثنائيا رومانسيا صعب أن يتكرر وتمنوا زواجهما فى الحقيقة وتوالت اعمالها الرومانسية مع فتيان الشاشة وقتها عماد حمدى،و صلاح ذو الفقار، و رشدى أباظة، وشكرى سرحان، وحتى محمود ياسين، وتظل تجربة «أغلى من حياتى» عام 1965 واحدة من أهم التجارب الرومانسية فى مشوار شادية وصلاح ذو الفقار وأصبح نداؤها «أحمد واجابته منى» من أكثر الجمل والمشاهد الرومانسية المشهورة فى السينما المصرية، وانطلقت شادية بقوة لتشارك نجوم الطرب والغناء على تنوع مشاربهم وألوانهم وشكلت ثنائياً مع محمد فوزى، وعبد الحليم، فريد ألأطرش وكارم محمود، لتصبح «ملكة الديو» فى تاريخ السينما الغنائية، حيث انها مع كل مطرب فيهم كنا نرى منتهى الرومانسية مع حليم والخفة والشقاوة مع فوزى، والشعبية مع كارم محمود.

التحدى و الجرأة والنضج الفنى

شادية لم تترك نفسها لنوعية محددة من الأفلام بل تلونت وتقلبت بين الأدوار وأفادتها أن علاقاتها الوطيدة بكبار الكتاب والصحفيين كثيرا وجعلتها أكثر وعيا، كثيرا ما كان يقيم الكاتب الصحفى مصطفى أمين صالونات وحفلات أدبية فى منزله وكانت شادية أحد ضيوفها الدائمين، من هنا بدأت تتمرد على أدوار الفتاة الرومانسية أو البريئة المقهورة أو تلك التى يخذلها حبيبها وحققت نقلة حقيقية مع فيلم «المرأة المجهولة» إخراج محمود ذوالفقار، وهو الدور الذى حمل الكثير من الجرأة والتحدى فكيف لشادية رمز الأنوثة والدلع أن تظهر فى دور امرأة عجوز، تحاكم فى جريمة قتل لكى تحافظ على ابنها الذى جسده شكرى سرحان. وعن شغفها بالتمثيل قالت النجمة الكبيرة فى احدى حواراتها القديمة : اعتقد أننى أحببت التمثيل أكثر من حبى للغناء لأننى فى فترة ضحيت بالغناء وكنت أريد عمل حفلات لكنى وجدتها مش حلوة فى ذلك الوقت وفعلا ظللت أربع سنوات متوقفة عن الغناء إلى أن أعادنى بليغ حمدى بأغنية «يا أسمرانى اللون».

وكلامها هذا خير دليل على أنها قامت بانطلاقة فعلية فى عالم الأداء وذلك عن طريق تقديم أدوار تحسب لها فى تاريخها الفنى، مؤكدة أنها ممثلة من طراز رفيع وليست مجرد مطربة دخلت إلى السينما من باب الغناء وأدركت أن النقلة يجب أن تكون تدريجية حتى لا تخسر جمهورها الذى أحبها فى الأدوار الخفيفة حيث قدمت، «بائعة الخبز» 1953 أمام زكى رستم وأمينة رزق وإخراج حسن الإمام و«موعد مع الحياة» 1954 أمام حسين رياض وإخراج عز الدين ذوالفقار، و«ليلة من عمرى» 1955 أمام عماد حمدى وإخراج عاطف سالم، و«وداع فى الفجر» 1956 مع كمال الشناوى وإخراج حسن الإمام إضافة إلى فيلميها مع عبد الحليم حافظ «لحن الوفاء» 1955، إخراج إبراهيم عمارة، و«ودليلة» 1956، إخراج محمد كريم.

ووصلت إلى قمة النضج فى الأعمال المأخوذة عن روايات الأديب العالمى نجيب محفوظ، منها «زقاق المدق»، وقدمت من خلاله دور «حميدة».

وتدور أحداث العمل عن زقاق من أزقة منطقة الحسين تسكنه مجموعة من الأشخاص تربطهم علاقات الجيرة والقرابة، وكانت حميدة فتاة يتيمة طامحة إلى حياة أخرى أكثر تحررا ورفاهية، وتتم خطبتها لحلاق الزقاق عباس الحلو الذى يقرر السفر إلى معسكر الإنجليز ليحصل على مال أكثر يكفى به احتياجات حبيبته حميدة، وبعد سفره يقوم قواد محترف بإغواء حميدة، وبعد تورطها تنغمس فى حياتها الجديدة وتنسى عباس وأهل الزقاق .. شادية برعت فى رسم الشخصية وتحولاتها النفسية والصراع الداخلى الذى تعيشه وهو ما أجادته تماما عندما قدمت شخصية «كريمة» فى فيلم «الطريق» تلك المرأة التى تعانى جوعا جنسيا وعاطفيا بسبب زواجها من رجل عجوز.. وزهرة فى «ميرامار» الفلاحة التى تركت قريتها وراءها،لأن أهلها أرادوا تزويجها من رجل عجوز لأجل ماله، حيث تأتى المصادفة بها إلى بنسيون «ميرامار» لتخدم مجموعة من الرجال ينتمون إلى جيلين مختلفين ومشارب سياسية واجتماعية مختلفة.

وستظل شادية فريدة فيما قدمته على مدار حياتها الفنية بدءًا من الأفلام الخفيفة أو تلك التى تحمل نضجًا فنيًا كبيرًا وأثبتت من خلالها أنها موهبة مخضرمة فمن منا ينسى حميدة فى «زقاق المدق»٬ فؤادة فى «شيء من الخوف»٬ زهرة فى «ميرامار»٬ كريمة فى «الطريق»، أدوار خالدة فى تاريخ الفن السابع وصلت بها إلى قمة النضج الفنى وهى الفنانة الوحيدة على مستوى العالم التى نجحت كممثلة دون أن تغنى، ونجحت كمطربة دون أن تمثل.

####

تلغى سفرها لأمريكا بسبب وفاة عبدالناصر

كتب: أحمد السماحي

عندما مات الرئيس الراحل جمال عبدالناصر فجأة كانت شادية تستعد للسفر إلى الولايات المتحدة الأمريكية لزيارة شقيقتها عفاف التى تقيم هناك، وعندما علمت بالخبر انهارت فى البكاء وقررت تأجيل السفر وظلت يومين بدون أن تتناول أى طعام حزنا على عبدالناصر، وفى اليوم الثالث اتصلت بالشاعر محمد حمزة والموسيقار بليغ حمدى وطلبت منهما أغنية ترثى فيها «أبو خالد» فقدمت رائعتها « غالية يا بلادى» التى تقول فيها:

«متقولوش الشمعة دابت متقولوش دا غاب الضى

مهما يغيب اللى بنى مهما يغيب فى قلوبنا حى

عايش زى مصر وزرعها، عايش زى طلعة شمسها

عايش زى ضحكة ولدها، عايش زى نيلها وفجرها»

وانتجت شادية هذه الأغنية على حسابها الشخصى، وقدمتها فى حفل كبير، أقيم فى أسوان، بمناسبة الإنتهاء من المرحلة الأولى من بناء السد العالى، ورغم أنها لم تذكر اسم جمال عبدالناصر، لكن كان الجمهور يقابلها بعاصفة من التصفيق فى كل الحفلات عندما تغنى المقطع الأول.

####

الحب الأول بداية نجوميتها

كتب: أحمد السماحي

صادفت شادية الحب لأول مرة وهى تصور فيلمها الأول «العقل فى إجازة»، حيث أحبت أحمد ابن الجيران الذى تخرج حديثا فى الكلية الحربية وإستلم عمله فى الجيش، وكانت العلاقة بينهما غاية فى الرومانسية فعندما تتأخر فى التصوير يظل ساهرا حتى تعود وينظر إليها من نافذة شقته، وهى الأخرى تختلس نظرة له من وراء والدها الذى كان يرافقها كظلها فى كل مكان.

ومرت الأيام والأسابيع وانتهى تصوير الفيلم الذى تقرر عرضه بسينما الكورسال فى شارع عماد الدين، واتفق العاشقان على إعلان خطبتهما فى اليوم التالى للعرض الخاص للفيلم، واتفقت مع أهلها على ذلك وسعدوا بهذه الخطبة، لحبهم لأحمد الذى يعتبرونه مثل طاهر ابنهم، وقبل أن تنام شادية جهزت الفستان الذى اشترته خصيصا لهذه المناسبة، والذى سترتديه أمام أهل حبيبها أثناء تقديمها لشربات خطبتها.

ونامت وهى تحلم بالفرح والشموع والبيت الصغير الذى سيجمعها بأحمد ،وفى الصباح الباكر استيقظت على دقات على باب غرفتها وفتحت بسرعة وفوجئت بشقيقتها عفاف تبكى بشدة وتخبرها بوفاة حبيبها فى حرب فلسطين فتبكى بكاء حارا، فقد كان أحمد هو الشخص الوحيد الذى أحبته وبسببه رفضت كل من تقدم إليها لخطبتها، وهذه الصدمة جعلتها تبدع فى فنها وتبدأ رحلة النجومية .

####

حينما ابتسمت لى شادية

أمل الجيار

كنت أستعد لكتابة بابى الأسبوعى عن الحكايات القديمة حينما دخل غرفتى بالأهرام صديق قديم هو أحمد عبد الفتاح عاشق الاثار المصرية القديمة وحافظ تاريخ الإسكندرية بحواريها وأزقتها ومبانيها وحكايات أهاليها عن ظهر قلب ، ل وهو يلهثوالدموع تلمع فى عينيه «زهرة ماتت» فأصبت بالذعر وقلت «زهرة» من ؟ خشية أن تكون أحد أفراد عائلته ، فقال وهو ينظر لى غضباً «شادية يا أستاذة » فقلت لكنك نطقتها زهرة ، ربما أخطأت فى الاسم من شدة الحزن .. فقال وهو غاضب .. زهرة يا أستاذة هى نفسها الفنانة شادية فى فيلم «ميرامار » ثم قال لا أستطيع أن أنسى ابتسامتها الودودة حينما رأيتها فى شتاء عام ١٩٦٥فى محطة الترام فى الرمل بينما كنت أهبط من عربة الترام ..

..................................

وما أن سمعت كلماته الحزينة حتى إعتدلت فى جلستى وقررت أن يكون بابى هذا الأسبوع عن الراحلة الجميلة الرقيقة « زهرة » عفواً « شادية » من واقع حكايات أحمد عبد الفتاح الذى قال أتذكر يوم رأيتها وكأنه كان بالأمس القريب ، كان يوماً ممطراً وكنت أستعد للنزول من الترام عند الوصول الى محطة الرمل وما أن نزلت السلالم حتى رأيت أمامى الجميلة الرقيقة شادية تقف على رصيف المحطة تتأمل الركاب الصاعدين والنازلين وكأنها ترصد حركتهم فى صعودهم ونزولهم وتقرأ وجوههم لتختزن فى ذاكرتها ما تحتاجه فى عملها الفنى وبالطبع لم يتنبه لها أحد ، فقد كانت ترتدى زى الفلاحين وتضم على رأسها ( منديل بأويه ) وكان وجهها صبوحاً رغم المساحيق الموضوعة عليه ، ولكننى عرفتها على الفور فقد كنت شاباً فى كلية الآداب وكنت أعشقها وأتابع أعمالها وكنت أعرف أنها موجودة بالإسكندرية لتصوير فيلم «ميرامار» الذى كان حديث السكندريين والجرائد وقتها .

وما أن وقعت عينى عليها حتى شاهدتها ورأيت الفنان عبد المنعم إبراهيم يجرى وراءها ممسكاً بلفافة من الجرائد مرتدياً جلبابا بلديا وبالطو صوف فوقه فقد كان الجو ممطراً ثم توقف ليتحدث معها .. وعندها تسمرت من السعادة فانتبهت هى الى أننى عرفت شخصيتها الحقيقية فابتسمت لى بود غير مصطنع فحييتها برأسى وقلت لها «إزيك يا أستاذة شادية» فقالت «إسكندرية حلوة أوى » فقلت لها : حلوة بيك وبقت أحلى لسببين أولهما وجودك فيها وثانيهما الشتاء فشكرتنى بأدب وود وقال «ح تشوف الفيلم إن شاء الله وح يعجبك » ومضت فى طريقها ولكن ابتسامتها الودودة ووجهها الصبوح لم يرحلا من مخيلتى أبداً …والقصة الثانية التى حكاها لى عبد الفتاح كانت حينما أقامت إذاعة الإسكندرية حفلها عام ١٩٦٠ فى حديقة الإذاعة بحضور الدكتور عبد القادر حاتم وزير الإعلام ونخبة جميلة من المجتمع الراقى من رجال وسيدات المدينة وكانت فقرات الحفل تتكون من الفنان عبد المطلب والراقصة نجوى فؤاد وحينما حان دور الفنانة شادية اختبأت فى الكواليس لأكون قريباً منها وأستمتع بغنائها وأتذكر أنها غنت أغنية ( واحد اتنين ) والكثير من أغنياتها الخفيفة التى يعشقها السكندريون ولكن المشهد الذى لا ينمحى من ذاكرتى هو كان حينما كان مدير أعمالها يقترب منها بين الحين والآخر فى الإستراحة مصطحباً معه بعض البسطاء أصحاب الحاجة فكانت تقابلهم بإبتسامة ودودة قريبة من القلب وكانت تمد يدها الى كيس نقودها وتجود بما يطلبه المحتاج بكل رقة ..

أما القصة الثالثة والكلام مازال على لسان عاشق الإسكندرية أحمد عبد الفتاح فكانت عن شادية الإنسانة التى يقول إنها كانت زبونة دائمة فى أحد محلات البقالة فى سوق أبو شبانة بمنطقة باكوس ، وكان كثيراً ما يراها وخاصة فى فصل الصيف عام ١٩٥٨ وهى تدخل الى دكان البقالة الضخم (دوبان ) الذى كان مشهوراً وقتها بأبوابه الأربعة ليستقبلها صاحب المحل ويعد لها كرسى مخصوص بجانبه ليكتب طلباتها ويرسل العاملين لإعدادها وغالباً ما كانت تطلب أشياء محددة هى البسطرمة والجبن والبيض وكان يحضر معها فى بعض الأحيان الفنان كمال الشناوى وسعيد أبو بكر، وما يتذكره عبد الفتاح أن الفنانة شادية كانت دائماً فى قمة أناقتها و كانت ملابسها تعتمد على الأناقة البسيطة والبعد عن البهرجة وكذلك طريقة تصفيف شعرها وما كان يميزها هو ( القُصة ) التى تسقط على جبينها فتمد يدها لتضبطها بين الحين والآخر ، وكان كثيراً ما يسمع صاحب الدكان وهو يهلل مرحباً بجملته الشهيرة «اتفضلى يا شادية هانم». ، وكان بعض المترددين على المحل يكتشفون وجود الفنانة شادية فيسارعون لتحيتها فترد بجملة لطيفة وابتسامة رقيقة تترك أثراً طيباً فى نفس كل من التقاها حتى أن أحدهم قال لى أن إبتسامتها كانت دائماً جاهزة على وجهها بدون تكلف وبمنتهى الطبيعية .

وبالطبع لا يمكن لأحد من السكندريين أن ينسى مشاهد الفيلم الأشهر لشادية «الزوجة رقم ١٣» والذى صورت أغلب مشاهده فى فندق «البوريفاج» القديم والذى كان يقع فى منطقة جميلة على شاطئ البحر ويقول عبد الفتاح أن إختيار هذا الفندق بالتحديد لتصوير الفيلم كان بسبب جمال موقعه ولأنه كان له شاطئ خاص بالإضافة الى أنه كان المكان المفضل للفنانين العظام الذين عاشوا فى هذا الزمن الجميل أمثال فريد شوقى وفريد الأطرش ومحمود المليجى وزوجته علوية جميل وكان ملتقى العائلات الراقية بالمدينة لما كان يتميز به من حديقة مشمسة رائعة تتوسطها بركة أسماك ذات أحجار جميلة تحاكى مثيلاتها فى اليابان .

أما عن فندق «ميرامار» الذى لعبت بطولة الفيلم الذى يحمل نفس الاسم شادية فهو فى الأصل “ لوكاندة فؤاد” التى تحتل ثلاثة أدوار فى العمارة الرائعة التى تقع فى محطة الرمل فى مواجهة البحر وتحمل زخارف ملونة وجميلة وتعد من أجمل المبانى بالمدينة و صممها المعمارى الإيطالى «جياكومو أليسندرو لوريا» عام 1926 .. وفى النهاية رحلت زهرة أو شادية وبقى «ميرامار» المبنى وذكرياته الجميلة والحكايات العطرة لشادية مصر.

####

سر «إهداء» نزار قبانى منزله بسوريا لشادية

كتب: أحمد السماحي

كان الشاعر الكبير نزار قبانى عاشقا كبيرا للسينما المصرية، وكانت تربطه علاقات صداقة ببعض العاملين فيها، من بينهم الفنانة الكبيرة شادية، التى تمنى أن يقع اختيارها على إحدى قصائده لتشدو بها، وبالفعل كاد يحدث ذلك فى قصيدتين هما « القدس»، و«تعود شعرى الطويل عليك»، و لم ينس نزار قبانى موقف شادية النبيل من قصيدته « القدس»، وحبها لكلماتها، واستعدادها لإنتاجها على نفقتها الخاصة عندما اعتذر المسئولون فى الإذاعة المصرية عن إنتاجها حتى لا يغضبوا عبدالحليم حافظ الذى كان ينوى غناءها أيضا، لهذا وعندما جاءته الفرصة لرد الجميل لها، لم يتأخر.

..................................

تعود الحكاية إلى نهاية السبعينات، وبالتحديد عام 1977 ، حيث كانت دلوعة السينما تستعد لبطولة فيلم «وادى الذكريات» قصة ميشيل صوايا، سيناريو وحوار يوسف السباعى، إخراج بركات، بطولة النجم الصاعد محمود قابيل، حياة قنديل، محمود عبدالعزيز، عماد حمدى، ليلى فوزى، وبدأت شادية تصوير بعض المشاهد فى الفيلم، لكن توقف التصوير فترة طويلة نظرا لموت منتج الفيلم رمسيس نجيب، وفى هذا الوقت عرض المنتج مخلص شافعى على شادية تحويل مسلسلها الإذاعى الناجح « الشك يا حبيبى» إلى فيلم سينمائى من إخراج بركات فوافقت، وبدأت تصوير «الشك يا حبيبى» وانتهت منه، وبعد مرور عام أو أكثر فجأة تحمس أولاد رمسيس نجيب « مراد وأمير وأنور» لاستكمال تصوير فيلم « وادى الذكريات».

وبالفعل بدأ المخرج بركات جلسات عمل مع شادية وفريق العمل، وكان الفيلم يتطلب التصوير فى سوريا فى مكان هادئ أقرب إلى الريف، وبالفعل سافر المنتج مراد رمسيس، وأبطال العمل شادية ومحمود قابيل، وحياة قنديل، ومحمود عبدالعزيز إلى سوريا، وبعد بحث طويل عثر مراد على بيت رائع أقرب إلى الفيلا، يصلح للمهمة، وعندما سأل عن صاحبه وكيفية تأجيره، علم من الرجل الذى يقيم فى البيت ويعمل كحارس، أن المنزل للشاعر الكبير نزار قبانى، وهو لا يؤجر منزله للعاملين فى السينما، وتوقف التصوير مجددا.

وبعد أيام من التوقف واستعداد أبطال العمل للعودة إلى مصر، والبحث عن مكان آخر، حتى يعثر المنتج على منزل يصلح للتمثيل، جاء حارس منزل نزار قبانى مسرعا إلى المنتج مراد رمسيس، وقال له: « إن الشاعر الكبير كان يتصل به بالمصادفة من لندن أمس ليطمئن على المنزل، فعرض عليه العرض المادى المغرى الذى تلقاه نظير تأجير منزله، فرفض رفضا باتا، لكنه تراجع عن قراره على الفور، ووافق عندما علم أن الفيلم بطولة شادية، وليس هذا فقط ولكنه طلب منه أن يفتح منزله لها بدون أى مقابل مادى، وطلب منه أيضا أن يبلغها سلامه، ويعتذر لعدم وجوده فى سوريا واستقبالها وأسرة الفيلم»، وسعد الجميع بهذه الموافقة وبدأوا بالفعل التصوير فى منزل نزار قبانى!

جدير بالذكر أن شادية فى هذا الوقت أعجبت بقصيدة رائعة مليئة بالرومانسية لنزار قبانى بعنوان « تعود شعرى الطويل عليك»، وطلبت من بليغ حمدى تلحينها، لكنها تراجعت عندما علمت أن نجاة الصغيرة اشترتها وطلبت من الموسيقار محمد الموجى تلحينها، الطريف أن مصير هذه القصيدة لاقى مصير قصيدة « القدس» فلم تخرج بصوت شادية ولا نجاة! يقول مطلعها:

» تعود شعرى الطويل عليك / تعودت أرخيه كل مساء

سنابل قمح على راحتيك / تعودت أتركه يا حبيبي

كنجمة صيف على كتفيك / فكيف تمل صداقة شعرى

وشعرى ترعرع بين يديك»

####

شادية : قصص حب وزواج انتهت بالدموع والتسامح

أحمد السماحى

بكت مصر خلال الأيام الماضية، بكت قلبا لم ينبض بغير الحب والحنان، بكت ابتسامة توارت فى مواجهتها الأحزان، بكت تواضعا يستحى أمامه الكبرياء، بكت فنانة منحتها السماء سحر الموهبة التى تنفذ إلى أعماق النفس.

تاريخ فنى طويل حافل، تاريخ ملئ بالخير كله، والحب كله، أحبت كل الناس، وبادلها الناس حبا بحب، وأحبت وطنها فغنت من أجله أجمل أناشيده، وجعلت من الغناء الوطنى عشقا له مذاق مختلف، وأصبح الوطن فى غنائها هوالمحبوب الذى تعشقه بكل جوارحها وأحاسيسها.
لم تكن فى فنها مدفوعة من أحد، بل لم تكن تمثل أو تغنى إلا ما تؤمن به لهذا كان كل فيلم من أفلامها، وكل أغنية من أغنياتها، مؤثرا فى جمهورها، سواء استمع إليها أو شاهدها.

..............................................................

وكتب كثيرا عن حياة شادية الفنية وافلامها وأغانيها التى قدمتها للعشاق والمحبين والوطن، لكننا اثرنا هنا أن نكتب عن قصص حبها وزواجها من ثلاثة من نجوم الفن والمجتمع المصرى، فضلا عن الشائعات التى درات حول زواجها من الكاتب الصحفى الكبير مصطفى أمين، ونبدأ تلك القصص بأول قصة حب كللت بالزواج من الفنان عماد حمدى، حيث بدأت تفاصيل القصة المثيرة من خلال قطار الرحمة، كانت فكرة تسيير قطارالرحمة التى نبتت فى ذهن واحد من رجالات الثورة فى ديسمبر من عام1952،أى بعد قيام الثورة بستة أشهر، هذاالرجل هو قائد الجناح «وجيه أباظة»الذى كان يشغل عند قيام الثورة منصب مديرالشئون العامة للقوات المسلحة، وكانت فكرة قطار الرحمة تقوم على تسيير قطارات يحتشد فيها نجوم السينما والفن، وتجوب بهم أنحاء مصرمن أسوان جنوبا إلى الإسكندرية شمالا، بالإضافة إلى خط القنال وشرق وغرب الدلتا، والهدف هو جمع أكبر معونات عينية ومادية من جماهير مصر فى مختلف المديريات قبل أن تصبح محافظات، وتوجيه هذه المعونات إلى إخواننا اللاجئين الفلسطينيين الذين كانوا مشتتين هنا وهناك فى مصر وغيرها من البلدان العربية.

وجمع قطار الرحمة بين شادية وعماد، وتسللت خيوط حبهما بين عربات القطار، فى رحلة الصعيد قال عنها عماد حمدى فى حديث له فى هذا الوقت : « إنها نقية، صافية، فيها براءة ووداعة ذات قلب طيب ورقيق، دائمة الإبتسامة، تميل إلى الهدوء والمسالمة»، كانت هذه مشاعره نحوها، وفى بداية رحلة القطار كان على كل فنان أن يختار فنانة ليشكلا ثنائيا، فاختارها المخرج عزالدين ذوالفقار، واختارت زوجته الفنانة فاتن حمامة زميلها عماد حمدى، ومع ذلك كان عماد يقضى معظم وقته وأوقات الرحلة مع شادية التى قالت عنه أيضا فى حديث صحفى نشر فى مجلة «الكواكب»: «طوال الرحلة كان فى منتهى اللطف معى، وشعرت بالارتياح الشديد إليه، وهو يغدق على العطف والحنان ويسهل لى التنقل من القطار إلى المسرح وبالعكس، بل إنه من تلقاء نفسه اختار أن يكون هو مقدم الفقرات الغنائية التى أقدمها أنا فى كل الحفلات خلال الرحلة».

وبعد هذا المشوار الذى استغرق عشرة أيام عدت إلى القاهرة، وسافر هو إلى الإسكندرية لتكملة تصوير أحد أفلامه، وطوال فترة تصويره فيلمه كان يصلنى منه رسائل يحكى فيها عن عمله وما يضايقه وما يفرحه وبعض همومه الخاصة.

وأثناء ذلك تلقينا عرض المشاركة فى بطولة فيلم «أقوى من الحب» مع النجمة مديحة يسرى، وأثناء تصوير الفيلم فى مدينة الإسكندرية توطدت علاقتنا أكثر وتحولت إلى حب وتزوجنا».

وكان من المقرر أن تحتفل شادية بحفل زفافها فى القاهرة وترتدى فستان الزفاف الأبيض حلم أى فتاة، وتقوم بالرقص فى فرحها زميلاتها وصديقتها الفنانة تحية كاريوكا، لكن لظروف عماد حمدى الخاصة، تم الزواج بدون حفل ولا فستان ولا رقص، حيث كان عماد يكبر شادية بحوالى 25 عاما ومتزوجا من المنولوجيست «فتحية شريف»، التى أنجب منها المصور الصحفى نادر حمدى.

ومرت أسابيع شهر العسل بسعادة، لكن هذه السعادة لم تدم طويلا ففى عام 1955 بدأت أولى خطوات الطلاق كانا يقضيان فترة استجمام فى الإسكندرية، وتلقى عماد مكالمة تليفونية من محاميه يطلبه العودة إلى القاهرة لحضور القضية التى رفعتها عليه زوجته فتحية شريف، ومنذ تلك اللحظة توتر الجو بين شادية وعماد، خاصة مع غيرته الشديدة عليها، وبدأت المشاكل تدق باب منزلهما، وتناقلت الصحف والمجلات الفنية قصة الخلاف بينهما، ويومها قالت له شادية: « إن الطلاق أقصر الطرق لراحة البال»، فاتفقا أن يمنحا نفسيهما فترة من الزمن يفكران فيها إما الاستمرار أو الانفصال، فتم الطلاق بين الزوجين النجمين.

شادية فى « بيت الطاعة»

بعد طلاقها من الفنان عماد حمدى، ارتبطت شادية بقصة حب مع الموسيقار فريد الأطرش، لكن نجم الأغنية كان يخشى من الزواج، حتى لا يفقد جمهوره، فتزوجت من المهندس المعمارى عبدالعزيز محمد فتحى، أو عزيز فتحى كما اشتهر والذى تخرج فى كلية الهندسة شعبة عمارة عام 1956 وهو ابن المستشار محمد فتحى أستاذ علم النفس الجنائى بجامعة القاهرة، ومدير معهد فؤاد الأول للموسيقى.

لم يكن عزيز بعيدا عن الوسط الفنى إذ كانت خالتاه هما «زوزو وميمى شكيب»، كان عزيز فى هذه الفترة زوجا لسيدة تدعى «ماجدة شديد»، تزوجها وهو طالب فى السنة الأولى من دراسته الجامعية، واستمر زواجهما ست سنوات، أنجب خلالها ثلاثة أبناء.

وتزوج عزيز شادية فى شهر سبتمبر عام 1957، وقد ارتبط هذا الزواج بالعديد من الشائعات.

وفى عام 1958 زادت حدة الشائعات إلى أن وصلت إلى الطلاق، لكن الطلاق هذه المرة لم يكن سهلا إذ وصل إلى ساحة القضاء.

إجهاض يؤدى إلى ملحمة سينمائية

بعد طلاق شادية من عزيز فتحى ظلت ثمانية أعوام بدون زواج، انتشرت فى هذه السنوات شائعة ارتباطها بالكاتب الصحفى الكبير مصطفى أمين التى نفاها الطرفان .

وفى عام 1964 تقابلت شادية مع الفنان صلاح ذوالفقار أثناء تمثيلهما لفيلم « أيام معدودة» وجذبتها خفة ظل صلاح وروحه المرحة، وحبه للفن، فتوطدت علاقتهما وبعد شهور بسيطة أعلنا زواجهما، ومرت أيامهما فى سعادة وفن وغناء وتمثيل وإنتاج، خاصة أن فى بداية الزواج حملت شادية فكانت سعيدة بهذا الحمل، واعتذرت عن كل الأعمال السينمائية التى كانت تعرض عليها للتفرغ للحمل، لكن الله لم يرد تحقيق حلمها بالأمومة، فأحب صلاح أن يعوضها عن عدم الإنجاب، فأنتج لها فيلمها الشهير « شئ من الخوف» بطولتها مع محمود مرسى، ويحيى شاهين، وإخراج حسين كمال، وبعد سنوات من الزواج بدأت الخلافات تدب بينهما حتى أن النجم صلاح ذوالفقار كان يترك لها منزل الزوجية فى شارع مراد بالجيزة، ويذهب ينام عند شقيقه المخرج محمود ذوالفقار وزوجته مريم فخر الدين اللذين كانا يسكنان فى نفس العمارة.

ويوم 23 أغسطس تم الطلاق بين صلاح ذوالفقار والنجمة شادية بعد تقديمهما لمجموعة من الأفلام الكوميدية الطريفة التى ما زالت باقية ونستمتع بها فى كل مرة تعرض فيها من هذه الأفلام « مراتى مدير عام، كرامة زوجتى، لمسة حنان» فضلا عن « شئ من الخوف».

وبعد طلاقها من الفنان صلاح ذوالفقار تفرغت لحياتها الفنية والإجتماعية، وكانت آخر أغنياتها الوطنية أغنيتى « وحياة رب المداين»، و « أدخلوها سالمين»، أعقبتهما بأغنيتها الدينية « خد بإيدى» التى كانت مسك ختام دلوعة الفن المصرى والعربى، بعدها اعتزلت الفن، وارتدت الحجاب، واكتفت بأعمالها الخيرية.

####

رحلت فاطمة.. وبقيت شادية

أنور عبد اللطيف

جوهرة نادرة من البشر..

أسطورة فى التمثيل والغناء والإنسانية.. مصرية الروح والمشوار والتحدى .. بدأت فن الغناء للنيل والوطن باسم: فاطمة أحمد كمال محمد شاكر، وحين شدا صوتها «يا أرض وادى النيل. ياللى الهرم فيكى. تعيشى وأبو الهول. حارسك وراعيكى».

وجدت آلاف القلوب تهتف وتغنى معها: سحر عنيكى العسلية وجمالك والخفية حلفولى انك مصرية.

التقت العبقرى محمد فوزى فى فيلم «العقل فى إجازة» عام 1947 فأطلق عليها اسمها الفنى «شادية»، فصارت شادية القلوب ومعبودة الجماهير وأم الصابرين، لم يفارق صوتها قضايا الوطن وأحداثه فكانت بحق صوت مصر كما أسماها المؤرخ الغنائى محمد سعيد، غنت لثورة يوليو 1952 :«أنا دعيت وياك للخالق الرحمن. أهو استجاب لدعائى والنصر نوره بان. بهمة الجيش العظيم راح. وانتهى عصر الفساد.

عاش للوطن جيش الوطن». حتى أطل صوتها على ميدان التحرير فى ثورة 25 يناير فلمع «الأمل فى عيون الولاد، وصبايا البلد» فكانت رائعتها « ياحبيبتى يامصر» ألحان بليغ حمدى، والتى ولدت فى أثناء حرب الاستنزاف وصارت نشيدا وطنيا لكل ميادين التحدى، هى شادية مصر والفن وعنوان الموهبة تنتقل خطواتها من مطربة شقية تقدم الألحان الخفيفة إلى مطربة بارعة فى ألالحان شديدة الصعوبة،

وفى التمثيل، انتقلت من «حميدة» مكسورة الجناح لتصل إلى قمة الأداء والقدرة على التنوع، فى «شىء من الخوف» فصارت فؤادة مصر وفؤادها النابض .. حتى دعت فى ذكرى المولد النبوى «خد بإيدى» فكان الاعتزال.. وعادت من «شادية» المطربة المشهورة التى تسلط عليها الأضواء.. إلى «فاطمة» التى قرَّت فى بيتها.. وعكفت على مساعدة المحتاجين للسعادة..

واليوم .. تعيش مصر «بلد المؤمنين وبلد المخلصين» بلا فاطمة التى رحلت إلى دار الحق بعد أن تركت فينا أعمالها الإنسانية المشعة بالخير والجمال والحيوية، وستبقى «شادية» بفنها الأصيل رغم ستار النسيان، الضحكة الحلوة والصوت الجميل والحب الباقى.

####

شادية على خشبة المسرح

محمد بهجت

رغم تاريخها السينمائى الطويل وعشرات الأفلام الناجحة ومئات الأغانى السهلة الممتعة، لم تقف العظيمة شادية على خشبة المسرح إلا مرة واحدة عام 1983 وقبل اعتزالها الفن بعام واحد وقرارها بالاحتجاب عن عالم الأضواء والتفرغ للعبادة والتأمل، مع تأكيدها الدائم احترامها لتاريخها ولكل زملائها فى الوسط الفنى.

كانت تجربة وحيدة فى مسرح القطاع الخاص لكنها إحدى أهم علامات المسرح الاستعراضى، ولا تزال «ريا وسكينة» من أجمل عروض الكوميديا الهادفة وأكثرها قربا لأجيال من الشباب لم تعاصر التجربة.. والمسرحية مأخوذة عن قصة السفاحتين الشهيرتين ريا وسكينة والتى عولجت من قبل فى فيلم سينمائى حمل نفس الاسم ولعبت فيه دور ريا الفنانة نجمة إبراهيم التى اشتهرت بقسوة ملامحها وأدوارها الشريرة، ولعل أبرزها دور ريا ودور دواهى رئيسة عصابة الأطفال فى فيلم جعلونى مجرما.. وقام بكتابة نص مسرحية ريا وسكينة الراحل بهجت قمر وأخرجها المخرج السينمائى حسين كمال وشاركها البطولة العمالقة عبد المنعم مدبولى وسهير البابلى وحمدى أحمد ثم من بعده أحمد بدير الذى تألق فى شخصية الشاويش عبدالعال وانطلق من هذا العمل ليصنع نجوميته الخاصة.. وكان بعض المقربين من شادية يبدى قلقه من تلك التجربة حيث لم تقف معبودة جماهير السينما من قبل على خشبة المسرح، ولماذا تقبل تقديم بطولة جماعية مع ثلاثة فنانين وهى وحدها قادرة على تحقيق الإيرادات فى شباك التذاكر لكن شادية لم تنظر للأمر إلا من وجهة النظر الفنية وأعجبها العمل وأسرتها الفنية الجديدة واستطاعت أن تحفر من خلاله بصمة مسرحية خاصة.. ولعل المدهش فى الأمر أن شادية قدمت شخصية السفاحة ريا من قبل فى صورة كاريكاتيرية فى فيلم عفريت مراتى وكانت تحاكى نجمة إبراهيم فى جحوظ عينيها وغلظة صوتها وردود فعلها بشكل مدهش.. حتى أن الفنانة شيريهان عندما حاولت تقديم محاكاة أخرى ساخرة لشخصية ريا فى مسرحية سك على بناتك لجأت إلى تقليد شادية فى فيلم عفريت مراتى وليس تقليدا لريا الأصلية، وذلك دليل على أن مشهد شادية أبقى فى ذاكرة الجمهور من فيلم ريا وسكينة نفسه. ولأن شادية ممثلة عبقرية بالفعل لم تلجأ لنفس كاريكاتير ريا الذى سبق أن قدمته وحقق نجاحا كبيرا لكنها تناولت الشخصية برؤية إنسانية مختلفة فأضحكت الجماهير وأبكتهم على ريا المرأة المسكينة ضحية القهر الاجتماعي والفقر وحرمانها حتى من حقها فى الأمومة بعد أن انتزعوا منها طفلتها ثم اكتملت عناصر المأساة بعد أن تحولت هى وأختها إلى سفاحتين ودفنت ابنتها بيديها وهى لا تعرف الحقيقة.. ستظل شادية حاضرة فى وجدان كل عربى بأغانيها الصادقة وأعمالها الدرامية الراقية ومسرحيتها الوحيدة الخالدة.

الأهرام اليومي في

01.12.2017

 
 
 
 
 
 
 

جميع الحقوق محفوظة لموقع سينماتك
  (2004 - 2017)