تعرف على صاحب "سينماتك"  وعلى كل ما كتبه في السينما

Our Logo

  حول الموقعخارطة الموقعجديد الموقعما كـتـبـتـهسينما الدنيااشتعال الحوارأرشيف الموقعسجل الزوار 

خلال عرض خاص في صحيفة «الوسط»

السعداوي يكشف الورق ويبوح بالأسرار في «غبار»

الوسط - علي نجيب

الثراء هو صفة الجلسة التي يحفها الفنان والمخرج البحريني عبدالله السعداوي بوجوده وبحديثه وعرض نتاجه الفكري/ الفني حينما يكون في أي مكان، وكانت صحيفة «الوسط» حضية بأن تستضيف مجلساً له وزنه من خلال عرض فيلم السعداوي «غبار»، والذي فتح نافذ حوار على مدلولات هذا الفيلم الفكرية، بنتيجة لما سببه من أفكار متفاوتة بشأن محتوى الفيلم.

وفي حديث لمحمد جناحي حول الفيلم بعد الانتهاء من عرضه، تقدم بشكره لصحيفة «الوسط» على استضافتها لعرض فيلم السعداوي «غبار»، مؤكداً بالقول «هذا ليس بالشيء الجديد على الوسط الذين سبق لهم دعم السعداوي والمطالبة بتفريغه واستضافة عرض مسرحيته متروشكا».

واستطرد جناحي قائلاً: «إذا كنا سنتكلم عن غبار، فلا بد أن نذكر الظروف التي أدت لإيجاد العمل، من رفض سيناريو للأستاذ أمين بعنوان أيام يوسف الأخيرة وعمل آخر لعبدالله السعداوي كان من المفترض أن تنتجه وتموله شركة البحرين للإنتاج السينمائي، ولكن مفاجأة التخلي عنهما والظروف الصعبة التي عشناها انعكست بشكل إيجابي في إيجاد فيلم غبار، وأنا سعيد بتجربتي مع السعداوي الذي استفدت منه الكثير».

الفنان عبدالله السعداوي تقدم بشكره للوسط في بداية حديثه معتبراً استضافة الفيلم «البادرة الثانية من الوسط، وهي الصحيفة التي برزت للواقع لتحدث حركة في المجتمع وحراكاً ثقافياً وسياسياً، وهي تتكلم عن نفسها بنفسها أكثر مني ومن أي شخص، وأنا أشكرها وأشكر الحضور والأشخاص الذين حضروا عرض الفيلم حتى لأكثر من مرتين».

وكان المخرج خليفة شاهين قد توجه بالسؤال للسعداوي خلال مناقشة الفيلم بشأن الطموح والخطوة التالية التي يسعى لها السعداوي في نشاطه الفني، إذ أجاب السعداوي بـ «أطمح لعرض الفيلم في أكثر من مكان، وهو ما سنقوم به لاحقاً في الجمعيات والأندية، والشباب الذين أعمل معهم أخذوا الفيلم وأرسلوه لمهرجانات منها مهرجان دبي السينمائي، وهم متحمسون لإرساله لأكثر من مكان»، مضيفاً «أما عن إنتاج فيلم آخر فالإنتاج بالنسبة لي هو نتيجة لتجمع المواقف مع بعضها البعض، وحينما تتصادم الغيوم يهطل المطر ويحدث الإبداع، وما دفعني إلى إنتاج هذا الفيلم هو كثرة إلحاح أصدقائي الذين اشتركوا معي في الفيلم بإنتاجه والمشاركة به في المهرجانات».

وكان كاتب الوسط الزميل سيد قاسم حسين قد توجه للسعداوي بسؤال بشأن أقل تكلفة لإنتاج الفيلم القصير بتقديره، فذكر السعداوي «هذا الفيلم تكلفته قليلة، وتقدر بنحو خمسين ديناراً فقط، إذ كنا نشتري الأشرطة وجهاز لحفظ المعلومات، ولم يكلفنا الكثير، وخصوصاً أننا كنا نصور من دون نص مكتوب، إذ نذهب للمواقع ونصور، والمخيلة هي التي تعمل الأشياء وتمنتج الأحداث، وبعد ذلك نرسم النص».

ويكمل السعداوي الحديث بالقول «في بعض الأحيان كان المشهد يفرض نفسه بنفسه، وكثير من المشاهد كانت تأتي لوحدها، كأن كائناً يرمي عليك الأشياء وعليك تجميعها وترتيبها وعمل سياقاتها، وكل ما قمت به، كوني أتعامل مع الفن، هو محاولة رصد الواقع، لأن الكثير من الظواهر في المجتمع تأتي وتتحول بعد ذلك لقوانين تتحكم في البشر دون أن يعون، وأحياناً ينساقون ورائها، فقمت برصد هذه الظواهر وكتابتها واستخدامها في مسرحيات أو أفلام».

وتسائل حسين مجدداً عن ماهو تصوير اللقطات العفوية دون نص وإعادة تجميعها، فأجاب السعداوي «نحن فعلياً لم نكتب النص، ولكن النص أتى لاحقاً، وهي مسألة صعبة إذا لم يكن المخرج متمكناً وعلى دراية بما يقوم به».

الزميلة منصورة عبدالأمير تساءلت عن حقيقة قصة الفيلم والكائن الخيالي المتمثل فيه، والذي وجد فيه السعداوي محاولة لمعالجة فكرة معينة، يقول عنها «كنت أريد أن أصور الجنة، ولكن لضحالة خيالنا قمنا بتصويرها بهذه الطريقة، في طرح لإشكالية الزمن، وتصوير لكيفية بناء الصورة ومحوها، وكيفية بناء الذاكرة ومحوها، مثلما مسحت المرأة من حياة هذا الكائن وذاكرته، اعتبرناها مثل الجنة ونزول آدم وحواء منها».

ويضيف عبدالله السعداوي بالقول «قديماً كانوا يقولون لا تصدق كل ما تسمعه أذناك، ولكننا اليوم في زمن يقال فيه لا تصدق كل ما تراه عيناك، إذ صارت أجهزة الكمبيوتر قادرة على تغيير كل شيء في الصورة، وصارت الحقيقة مثل إبرة في كومة قش كبيرة».

وأسر السعداوي لحضوره بسر، مبتدئاً ذلك بالقول «يمكن أن أكشف لكم اليوم سراً صغيراً، رغم أن الأسرار لا تعطى إلا للريح كي تقوم بتوزيعها في كل مكان، وأنتم لستم بالريح، إذ كثيراً ما أتعذب حينما يحدث شيء، ولا يفارق مخيلتي، ويظل في جسدي يعذبني ويطرد النوم عني إذا ما اختفت طفلة أو تعذب شخص حتى مات، أظل أكتم هذه الأشياء في نفسي وأخرجها بعد ذلك في صورة عمل».

ويضيف «في لحظة الانفجار، أشعر أنني محتاج إلى هذه اللحظة كي أطرد ما يشغلني عن مخيلتي، ودائماً ما تكون هذه أشياء مرت، وصارت طي النسيان، مثل الولد الصغير الذي اختفى أو البنت فاطمة التي اختفت، إذ لا يمكن أن يفارقونني، ويدفعوني لأن أكتب فيهم سيناريو عمل، ومثلهم مثل والدتي ووالدي الذين لا يفارقاني، وقضيت سنين طويلة وأنا أتذكرهما وأفكر بهما، فكانت هذه السنين معذبة وممتعة في آن واحد، وكثيرة هي الأشياء التي تعذبني، وهو ما جعلني مع الليل صديقين حميمين لا يمكن أن نتفارق، نكره بعضنا ونحب بعضنا، يسرق مني النوم كلياً حينما تأتي اللحظة هذه، وليس هناك بيني وبينه أي نوع من البوح، فتظل كل تلك الأشياء التي تعذبني حتى تخرج في يوم من الأيام على شكل سيناريو أو شيء آخر».

الوسط البحرينية في

26/03/2009

 

في فيلمه الاخير

السعداوي ينسج من الغبار حكايات متناثزة

الوسط - حبيب حيدر 

في فيلم «غبار ثمة» محطات ولقطات متقافزة هي التي تصنع الحدث إذ يبدأ الفيلم برجل عجوز، رجل قد أخذ الزمن منه مأخذا، حيث تركز الكاميرا على وجهه المملوء بتجاعيد الزمن، وربما هناك اتصال ما بين عنوان الفيلم غبار وما أوحى به وما بين هذا الرجل الذي هو كالغبار فعلا من أثر الزمن في وجهه حيث يشي كل منهما «الفيلم والرجل» بالغبار.

وها هو السعداوي في سيارته الصغيرة في رفقه صاحبه محمد جناحي في جولة بين أزقة المنامة، يتنقلان من حارة إلى أخرى، ومن شارع لآخر، ربما هي لفتة تسجيلية توثيقية، كمن يريد أن يمسك بالمكان وقد مر عليه الزمان فنحته أشكالا وأبنية خلّف فيها الإنسان البحريني الكثير من أثره حتى ما عدنا ندرك أيا منهما أشبه بالآخر، هل نحن نشبه هذه الأماكن أم أن هذه الأماكن هي التي تشبهنا ولذلك فحن في حنين دائم لها.

وفي قفزة أخرى يدلف بنا المخرج إلى البحر «شايف هذا المكان ممكن يتحول إلى مشهد في فيلم» هكذا بكل بساطة يتم كسر الحاجز بين الواقع والتمثيل فثمة إشارة إلى أن كل ما سبق من مقاطع فلميّة قصيرة لوجوه الناس وللأماكن إنما هي مشاهد لصناعة فيلم، والسعداوي هو مخرج هذا الفيلم وهكذا تتلاحق المشاهد بين حكايات الفيلم المتعددة، وحكاية جمع مادة الفيلم حيث تلاحق الكاميرا السعداوي في رحلته لصناعة فيلمه فلا هو قادر على أن يخرج من ذاته، ولا هو قادر على الدخول للحكاية مباشرة لحكاية الفيلم، نعم إنه ذلك الرجل العالق بين الواقع والتمثيل فلا هو رجل فعلا من لحم ودم ولا هو كائن تمثيلي تصنعه المخيلة بل لعله هو «السعداوي» نفسه أقرب لهذه الحالة التي يجسدها الفليم.

هكذا يأخذ الفيلم في التشكل لقطة بعد لقطة وتترسم خطوطه الكبرى شيئاً فشيئاً من حكايات متعددة بين خيطٍ تسجيلي وخيطٍ إبداعي، فها هو السعداوي في سيارته الصغيرة يقطع الشوارع ويجوب الحارات مع زميل يبحث عن حكاية هنا أو حكاية هناك ليضمّها في فيلمه ليقول من خلالها ما يريد أو ما تريده الحكاية أو ما نراه ونريده نحن فنحسب أن السعداوي قد قاله عنا وهو ليس له سوى شرف أن جمعنا مع هذه الحكايات الصغيرة، وفعل بالمعنى ما فعله، فثمة إنسان ما من الناس، تشاهده وهو يقطع الصخور ويدوي بصوته كمن يبحث عن شيء، وما هو إلا كائن فيلمي بحت يعترض على مؤلفه يكسر الشاشة فيخرج منها فلا يستطيع السعداوي بعد ذلك التحكم فيه، إنه جائع يريد الأكل، يريد اللباس، يريد عملا في ظل أزمة بطالة تراوح محلها، يجيبه السعداوي ليس لي عندك شيء أنت كائن فلمي فقط وهمي بنظرة محايدة تماما أنت اخترت الخروج إلى الواقع، وأنا لا أستطيع التحّكم في الواقع لتتحمل مسئولية اختيارك، إنها حالة أشبه ببطلة مسرحية «بجماليون» لتوفيق الحكيم، وقد خرجت لعالم العيان بعد أن كانت مجرد تمثال جميل ولكنه ميت إلا من الأحاسيس التي نلبسها إياه فثمة فرق بين الواقع والخيال وهو نفسه الفرق بين عوالم الوهم الجميلة التي يتحكم فيها المؤلف وبين صخور الحقيقة التي نسقط عليها متعثرين عند أولى الخطوات، لعل هذا بعض من المعنى، وماذا سيفعل هذا الخارج للواقع في ظل عولمة تأكل كل شيء كما هو حلم السعداوي «شفت العمارات اللي شفناها قبل قليل حلمت أنها تحوّلت إلى ديناصورات التهمتنا وستلتهم كل شيء»، هذه ليست نبوءة بقدر ما هي نبرة تحذير فثمة فقراء لهم حكاياتهم الصغير التي تسهم في نسج الحكاية الكبرى للفيلم، إنهم يفترشون الشوارع يأكلون من بقاياها، وثمة عالم استهلاكي قاتل أو قل ثقافة استهلاكية قاتلة ترمي بكل شيء من مادة أو من قيم جميلة، لعل هذا ما أوحى به مشهد ركام الصرف الصحي خلف المدينة الجميلة والعمارات الباسقة.

وفي مشهد آخر ثمة عامل فقير هو إنسان ما قد نشهده كل يوم يبحث عن رزقه بعرق شيخوخته المثخنة بغضون زمن بائس، يغسل السيارات في حوار سريع غير مفهوم جيداً إلا من تأوهات من زمن تعيس ومعيشة ضيقة ضنكة، نكتشف بعدها أنه مات بعد أيام فقط من هذا الحوار فتنتسج الحكاية خيوطها بنفسها ليوهمنا السعداوي أنه لم يتحكم بها فانطلق يعد هذا الفيلم من غير سيناريو كما يشير. وإذا كان المثل الإنجليزي يقول: إن الموتى لا يروون الحكايات فإن السعداوي في فليمه هذا كذب هذا المثل فسمح لهم برواية الحكايات فهذا ميت رويت حكايته، وها هم الميتون من تغول عولمة تدهسهم كل يوم يروون حكاياتهم عبر هذه اللقطات المتقافزة من مشهد لآخر ومن محطة لأخرى.

الوسط البحرينية في

26/03/2009

 

جميع الحقوق محفوظة لموقع سينماتك
  (2004 - 2009)