شعار الموقع (Our Logo)

 

حصاد2004

* من بين 3 آلاف فيلم أنتجتها يظهر الأقباط كضيف شرف.... ولم يصلوا إلي أدوار البطولة إلا في 23 مرة فقط

* «الشيخ حسن» أزمة فيلم تسببت في تدخل المؤسسة القبطية رقابيا لأول مرة

الندرة المفرطة في الاقتراب من الشخصية المسيحية جعلتها من المسائل الشائكة لدي صناع السينما وأجهزة الرقابة و الهيئات الدينية المختلفة وحتي الجمهور وأياً ما كانت الأسباب فإن الضحية في النهاية هو الإنسان المصري المسيحي الذي تخلت السينما عن همومه وتفاصيله الحميمة وحتي في أحسن الأحوال عندما حاولت الاقتراب منه لم تقدمه كإنسان من لحم ودم.. وربما يكمن في ذلك السبب الحقيقي وراء أزمة فيلم «بحب السيما» فمن بين ما يقرب من ثلاثة آلاف فيلم أنتجتها السينما المصرية علي مدار تاريخها ظلت الشخصية المسيحية تظهر علي استحياء علي الشاشة الفضية، وأحيانا كضيف شرف، بينما لم تصل إلي البطولة المطلقة سوي 23 مرة فقط.

هذا ما يؤكده أرشيف السينما المصرية الذي تجولنا في أوراقه لعلنا نعرف الأسباب.

الغريب في الأمر أن البدايات الأولي لصناعة السينما في مصر تشير إلي عدم وجود تلك الحساسية المفرطة علي الإطلاق فبعد تجاوز السينما لمرحلة الإسهامات الفردية للمخرجين الأجانب سواء العابرين أو المقيمين علي أرض مصر وانتقالها إلي مرحلة صناعة السينما بأيد مصرية تحديدا في عام 1923 الذي شهد عرض أول فيلم مصري روائي قصير تحت عنوان «برسوم يبحث عن وظيفة» للمخرج المصري محمد  بيومي، هذا التاريخ يؤكد أن أول بطولة مطلقة في السينما المصرية كانت لشخصية مسيحية، وقيل وقتها إن الفيلم بداية لسلسلة أفلام تحمل اسم البطل، فبالرغم من عدم اكتمال تصوير الفيلم لا لأسباب تتعلق بالرقابة أو دواعي الأمن وإنما لوفاة الطفل محمد يوسف ابن المخرج وأحد أبطال الفيلم أثناء التصوير، مع ذلك أمكن عرض الفيلم لمدة 12 دقيقة بإحدي دور العرض السينمائي بالإسكندرية.

تلك البداية غير المنحازة عقائديا، كانت السمة المميزة للمجتمع المصري حتي أواخر الأربعينيات فالمؤكد أن التركيبة السكانية للمجتمع في مصر آنذاك كانت مزيجا من السكان المصريين المسلمين والأقباط واليهود ومن أبناء الجاليات الأجنبية التي وصل عددها 12 جالية من جنسيات مختلفة تنتمي عقائديا للديانة المسيحية واليهودية، بالإضافة إلي الوافدين من كافة البلدان العربية خاصة بلاد الشام وهم أيضا توليفة من المسيحيين في أغلبهم ومن السنة والشيعة ليشكلوا جميعا خلطة سحرية تجلت روعتها في ذلك التوافق والانسجام دون انحياز عقائدي أو طائفي أو عرقي.

المثير للدهشة أنه بعد عام 1923 بدأ احتكار الشخصية المسلمة لأدوار البطولة بينما انحسرت البطولة المسيحية في الأدوار النسائية فقط.

فمع بداية عام 1928 قدمت السينما في مصر مجموعة من الأفلام تدور أحداثها حول علاقة الزواج بين شاب مصري «مسلم» وفتاة أجنبية «مسيحية» وكانت أحداثها تدور حول مشاكل هذه العلاقة لا من منظور ديني ولكن من منظور اجتماعي يبرز التناقض الحاد بين العادات والتقاليد الشرقية ومثيلتها الغربية، وينحاز في ذات الوقت لتقاليد المجتمع الشرقي، وهي أفلام «قبلة في الصحراء»، عام 1928 إخراج وسيناريو وتمثيل إبراهيم لاما، وإيفون جوين، وفيلم «وخز الضمير» عام 1931 وفيلم «أولاد الذوات» عام 1932، وفيلم «الخطيب رقم 13» عام 1933، ثم فيلم «ياقوت» عام «1934».

ولا  ندري هل كان اختيار الإسلام الهوية الدينية للبطل الذي يمثل المجتمع الشرقي في تلك الأفلام مقصودا أم جاء بالمصادفة، علي أية حال فإن تنوع البناء الاجتماعي في ذلك الوقت واختلاف انتماءاته العقائدية والجنسية حتي أواخر الأربعينيات يجعلنا نستبعد فكرة القصدية ونحيلها إلي المسألة الوطنية التي كانت تمارس ضغوطا كبيرة لتقليص النفوذ الأجنبي في حجب الامتيازات الممنوحة له، ولم تكن السينما بعيدة عن تلك الحالة خاصة بعد أن أصبحت مدعومة من الرأسمالية الوطنية  وعلي رأسها الاقتصادي الوطني طلعت حرب.

ويؤكد هذا أن السينما قدمت في عام 1937 أي بعد أكثر من  عشر سنوات من عرض فيلم «برسوم يبحث عن وظيفة» سلسلة أخري من الأفلام تحمل اسم البطل ولكنه في هذه المرة يهودي الديانة، هذه الأفلام هي «شالوم الترجمان» و«شالوم الرياضي»، و«العز بهدلة» من إنتاج وإخراج توجو مزراحي وتصوير عبد الحليم نصر وتدور أحداثها في شكل كوميدي محبب جماهيريا وقد حرصت الأفلام الثلاثة  علي إظهار الأسرة اليهودية، مجاورة للأسرة المسلمة، وربطت بين أفرادها بعلاقات صداقة وطيدة في إطار من تفاصيل الحياة اليومية المتشابكة.

واللافت للنظر هو غياب الشخصية المسيحية أكثر من عشرين عاما واختفاؤها عن الكادر السينمائي تماما قبل أن تعود للظهور علي شاشة السينما في فيلم «حسن ومرقص وكوهين» إخراج فؤاد الجزايرلي، في بطولة جماعية إلي جوار البطل المسلم والبطل اليهودي، والفيلم مأخوذ عن مسرحية لنجيب الريحاني وقد لعب أدوار البطولة فيه عبدالفتاح القصري «حسن» ومحمد كمال المصري الشهير بشرفنطح في دور «مرقص» واستيفان روستي في دور «كوهين» ورغم تأكيد الفيلم علي مفهوم الوحدة الوطنية بين الأبطال الثلاثة إذ قدمهم باعتبارهم شركاء في المال والمصلحة وأصدقاء في الحياة، وجعلهم يرددون في آخر الفيلم «كلنا إيد واحدة» إلا أنه وضع صفات محددة لكل شخصية تمثل الديانة التي تنتمي لها مستعينا بالموروث الشعبي السلبي تجاه تلك الشريحة وهي للأسف الصورة التي ترسخت في أذهان المصريين حتي وقتنا هذا فقد وصف كل شريك من الشركاء الثلاثة في كتالوج الدعاية، كما يلي «حسن» المسلم الذي يتميز بالسماحة، والاندفاع وسرعة الغضب، والرضا وسهولة الانقياد لشريكيه، ثم وصف «مرقص» المسيحي بالمكر والدهاء، والتظاهر بالطيبة وحدد البلدة التي ينتمي إليها في صعيد مصر «أسيوط»، ومن العجائب أنها ذات البلدة التي كانت بؤرة للجماعات الدينية المسلحة وشهدت أعنف حوادث العنف ضد الأقباط في الربع الأخير من القرن العشرين أما اليهودي فقد وصفه كتالوج الفيلم بالخبث والذكاء ولصق به أحط الصفات مثل: قوي علي الضعيف، وضعيف أمام القوي، ويؤمن بأن الغاية تبرر الوسيلة وهي صفات أيضا ظلت لصيقة باليهودي في الوجدان المصري حتي الآن، أما ترتيبهم في كتالوج الدعاية جاء علي النحو التالي المسلم أولا ثم المسيحي ثم اليهودي، وإن كنا نستبعد القصدية في هذه المسألة لارتباط ترتيب أسماء الممثلين بدرجة النجومية وقيمة الأجر وهو عرف في الوسط الفني.

فاطمة وماريكا

ويتأكد التنميط السابق ذكره في الطبعة النسائية من الفيلم الذي عرض عام 1949 تحت عنوان «فاطمة وماريكا وراشيل» إنتاج وإخراج حلمي رفلة ويأتي التنميط هذه المرة مع درجة من الانحياز الديني غير الصريح فالبطل الأول مسلم والبطولة النسائية «المسيحية» جاءت من الدرجة الثانية علي عكس الفيلم السابق الذي جاءت فيه البطولة جماعية، وبالتساوي ثم جاءت أحداث الفيلم  في نفس الاتجاه حيث تدور الأحداث حول شاب مستهتر يحاول الإيقاع بأي فتاة مهما كانت جنسيتها أو ديانتها بالتحايل علي أسرة كل فتاة تنتمي إلي دين معين مدعيا انتماءه لهذا الدين وإلي نفس الأصول الاجتماعية التي جاءت منها ومقلدا كل صفاتها التي جاءت في الفيلم تكريسا لنفس التنميط في فيلم «حسن ومرقص وكوهين» ثم في النهاية يرتبط الشاب المسلم بالفتاة المسلمة «فاطمة» لنبل أخلاقها وقوة شخصيتها وعزة نفسها علي عكس الأخريين وحتي لا يقع الفيلم في دائرة الاستهجان جعل كلا من الشخصيتين المسيحية واليهودية من أصول أجنبية عن مصر كما وضعها في إطار مواقف كوميدية تعتمد علي المفارقات الصارخة طوال أحداث الفيلم.

وفي  3 مارس عام 1952 ظهر الانحياز العقائدي واضحا في فيلم «ليلة القدر» مما أثار حوله جدلا شديدا حيث تعرض لعلاقة زواج بين شاب مسلم يتمسك بتعاليم الإسلام ويدعو إليها من فتاة مسيحية بعد إشهار إسلامها وسط معارضة شديدة من أسرتها وإصرار هذه الأسرة علي منعها  من الزواج بأي وسيلة الذي يتم رغم ذلك تقوم الأسرة باستدراجها لزيارتها وتمنعها من الخروج وتبذل جم محاولاتها لإعادتها لعادات وتقاليد الأسر المسيحية التي جسدها الفيلم في صورة حفلات شديدة الخلاعة.

ويعتبر هذا الفيلم بداية لتدخل المؤسسة الدينية وفرض سلطتها علي منع و عرض الأفلام السينمائية فيما بعد، حيث استفز الفيلم  جميع رؤساء الطوائف الدينية المسيحية وذهب مندوبهم للاجتماع بمدير الرقابة علي الأفلام بوزارة الداخلية كما أرسل رئيس لجنة تقدير الفيلم الأدبية للأفلام في المركز الكاثوليكي رسالة إلي الأنبا يوساب بابا الكرازة المرقصية في 6 مايو 1952 يطالبه فيها باتخاذ كافة الإجراءات المناسبة لمنع عرض الفيلم وبعد أن تحققت إدارة الأمن العام من أن عرض الفيلم كان سببا في بعض الاحتكاكات داخل صالات العرض قررت الرقابة علي المصنفات الفنية منعه وقيل وقتها إن الجماهير أحرقت دور العرض بالأقاليم.

بعد قيام ثورة يوليو أسرع حسين صدقي مخرج الفيلم وبطله، بتقديم الفيلم إلي الرقابة ووافقت علي عرضه وقدم حسين صدقي الفيلم باعتباره الاتحاد المقدس بين عناصر الشعب المصري، وجاءت الأفيشات مليئة بعبارات من نوعية وغدا يفرج  الأحرار أنصار العدل عن فيلم الروح والوطن والإنسانية، ووصفت الدعاية حسين صدقي باعتباره فنانا مؤمنا بربه وبفنه ورسالته والمثير في الأمر أن حسين صدقي نفسه كفر بفنه ورسالته وحاول حرق أفلامه قبل وفاته بعدة سنوات.

إعادة عرض الفيلم أثارت الأزمة من جديد، فأرسل رئيس المركز الكاثوليكي المصري للسينما رسالتين لرئيس الجمهورية محمد نجيب طالبه بمنع العرض ووافقه محمد نجيب حرصا علي الشعور العام لكن حسين صدقي في عام 1954 يعيد المحاولة بعد تغيير اسم الفيلم إلي «الشيخ حسن»، وينجح في عرضه مقدما له بعبارة «اليوم يتحقق مبدأ الفن في خدمة الإسلام»وكتب علي الأفيش «إيراد الحفلة الأولي تم تخصيصه للمؤتمر الإسلامي» وهكذا أفلت الفيلم بعد أن وافق الرئيس جمال عبدالناصر الذي ربما جاءت موافقته حتي لا يتعرض الوفد المصري المشارك في المؤتمر الإسلامي المنعقد في ذات التوقيت للحرج.

أسوأ صورة

هذا الفيلم  بما أثير حوله من صدامات فعلية ونتيجة للأثر السيئ الذي أحدثه في نفوس المسيحيين والكنيسة المصرية سبب قلقا بالغا للمخرجين من تقديم أفلام تقترب من الشخصية المسيحية في صورتها الإنسانية وجعلهم يكتفون بتقديمها في شكل هامشي وحصرها في أدوار الصراف، وموظف الحسابات، ناظر العزبة... إلخ باعتبارها وريثا للشخصية اليهودية التي كانت تتولي تلك الأعمال قبل رحيلها عن مصر ولكن في صورتها الإيجابية ودائما، هذا في الوقت الذي تم فيه تناول الشخصية المسلمة في كافة صورها وفي جانبيها السلبي والإيجابي علي حد سواء حتي شخصية رجل الدين المسلم لم يتردد المخرجون في تقديمها علي الشاشة في أسوأ صورة فهو الفاسد الداعم للسلطة في «الزوجة الثانية» والجبان في فيلم «شيء من الخوف» «المأذون» أو الرجل الهلس في فيلم «الأرض» في الوقت الذي نادرا ما تظهر شخصية القس في السينما وكأنه تابو لا يجب الاقتراب منه.

وعبر رحلة البطولة للشخصية المسيحية في السينما نصل إلي فيلم «حسن وماريكا» عرض عام 1959 للمخرج حسن الصيفي وقام ببطولته مها صبري، إسماعيل يس، عبدالسلام النابلسي، وتدور أحداثه حول تنافس شابين مسلمين علي حب فتاة مسيحية من أصل يوناني وعلي طريقة النهايات السعيدة حل المخرج المأزق بأن الفتاة طلعت بنت راجل مسلم ولا ندري هل نستثني هذا الدور من أدوار البطولة للشخصية المسيحية أم نعتبره زيادة عدد، المهم أنه  منذ فيلم  «وخز الضمير» حتي الفيلم السابق نستثني فقط فيلم «حسن ومرقص وكوهين» كانت البطولة المسيحية دائما أجنبية، أو من أصول أجنبية والشخصية المسيحية المصرية الحقيقية غائبة.

الأهم من ذلك كله أن هذه الأفلام جميعا أكدت علي استبعاد الآخر المسيحي من أذهان المشاهدين وجعلتهم في صالات العرض نصفين الأول مسلم  مغيب إلي الغباء والثاني يجبر علي التصديق إلي حد السفه.

جريدة القاهرة في 6 يوليو 2004

مقالات مختارة

نأمل عرض.."باحب السينما".. أول فيلم مصري عن الأقباط

بحب السيما: فيلم ينتقد الأصولية الدينية

أسرار اللحظات الأخيرة قبل تحديد مصير "بحب السيما"

«بحب السيما»: حكايات أسرة قبطية في فيلم رائع

"بحب السيما".. أن تكره التسلط وتحب الحياة

المشاهد التي أثارت حفيظة الأقباط في فيلم «بحب السيما»

يحتجون على فيلم لا علاقة له بالكنيسة: ..تسقط "السيما"

بحب السيما

 

من «برسوم أفندي يبحث عن وظيفة» إلي «بحب السيما»

رحلة آلام الشخصية القبطية علي شاشة السينما المصرية

إنتصار بدر