ما كتبه حسن حداد

 
 

أفلام دراسات رواد نجوم ترجمات برامج مقالات
 
   

محمد كريم

 

المعلم الأول

نشر هذا المقال في مجلة هنا البحرين على أربع حلقات من 24 يناير إلى 14 فبراير 1986

 
 

 

 

 

شاهد صور للمخرج

متعلقات

شاهد واستمع لمقاطع من أفلامه باللون الأصفر بالأسفل

 

 

فيلموغرافيا

 

أولاد الذوات ـ 1933

يوسف وهبي + أمينة رزق + سراج منير + كوليت دارفيل + أنور وجدي + حسن فايق

إنتاج: أفلام رمسيس ـ تصوير: جاستون ماد, جوليا دي لوكا ـ قصة وحوار: يوسف وهبي ـ سيناريو: محمد كريم

 

يحيا الحب ـــــــــــــــــــ 1938

دموع الحب ـــــــــ 1935

الوردة البيضاء ــــ 1933

زينب ــــــــــــــــ 1930

رصاصة في القلب ــــــــــ 1942

ممنوع الحب ـــــــ 1942

ليلة الفرح ـــــــــــ 1942

يوم سعيد ـــــــــــ 1940

الحب لايموت ـــــــــــــــ 1948

لست ملاكاً ـــــــــــ 1946

أصحاب السعادة ـ  1946

دنيا ـــــــــــــــــــ 1946

قلب من ذهب ـــــــــــــــــ 1959

دليلة ـــــــــــــــــــ 1956

جنون الحب ـــــــــ 1954

ناهد ــــــــــــــــــ 1952

اضغط الاسم ( باللون الأزق ) لقراءة المزيد

 
 
 

عن محمد كريم 

 
 

المكان: حدائق الحيوان بالجيزة، الزمان: الخامس عشر من يونيو عام 1927. ففي هذا المكان وهذا الزمان، دارت الكاميرا لأول مرة تحت إدارة الفنان "محمد كريم"، لتعلن عن أول تجربة إخراجية له. كان ذلك لتصوير فيلم عن حدائق الحيوان لحساب "طلعت حرب" صاحب شركة مصر للتمثيل والسينما. إنه حقاً حدث هام، حيث كان له كبير الأثر على حياة كريم وعلى تاريخ السينما المصرية بشكل عام. فقد كان هذا الحدث هو الإطلالة الأولى لمحمد كريم في عالم الإخراج السينمائي.. محمد كريم، هذا الفنان العاشق للسينما منذ الطفولة، والذي أصبح فيمابعد من المخرجين الرواد الأهم في السينما المصرية، وذلك بما حققه لها من إنجازات هامة. وهانحن نعيش الذكرى الثانية والعشرون على رحيل هذا السينمائي الرائد.

 

الحلقة الأولى

كانت السينما المصرية في بداية ظهورها تحت سيطرة الفنانين الأجانب، الإنتاج والإخراج والتوزيع وغير ذلك من شئون السينما . وأول ثلاثة حاولوا تمصير السينما هم على التوالي : عزيزة أمير ، طلعت حرب، محمد كريم .. الإثنان الأولان إنخرطا في مجال الإنتاج ، أما كريم فقد إختار أن يكون مخرجاً . حيث لم يكن هناك مصري واحد إقتحم هذا المجال قبله ، فقد كان الإخراج وقفاً على مجموعة من الإيطاليين ، في الأغلب ، والذين جاءوا مع بعثة السينما التي أرسلها بنك »دي روما« الى مصر لإخراج أفلام تصور المناطق الأثرية والطبيعة والصحراء والخيام والبدو ، حيث كانت مثل هذه المناظر تستهوي الأوروبيين.

المولد والشأة:

ولد محمد كريم في حي عابدين بالقاهرة في الثامن من ديسمبر عام 1896 ، وبدأ عشقه للسينما في سن العاشرة ، عندما كان يتردد على سينما »أمبير« التى كانت من أوائل دور العرض السينمائي في القاهرة ، حيث بهره هذا الفن الجديد والغريب الوافد من الخارج ، وشد إنتباهه وإهتمامه كثيراً ، وملك عليه كل مشاعره ، خصوصاَ بعد أن شاهد فيلمي أسرار نيويورك ، فانتوماس ] ، وكان يشاركه الإعجاب بهذا الفن صديق صباه وجاره يوسف وهبي ، الذي كان أيضاً يعشق التمثيل كثيراً، فكانا يذهبان سوياً، وفي معظم أيام الأسبوع ، الى سينما »الكوزمو« الأمريكية .

كبر كريم وكبرت معه هوايته للسينما والتمثيل، فاشترى من مصروفه الخاص كاميرا فوتوغرافية، وحول سطح المنزل الذي يسكنه في حارة الهدارة الى أستوديو . كان في البدء يعشق التمثيل ، وكان شديد الحرص على تقليد الممثلين في الأفلام الأجنبية التي يشاهدها ، حيث كان يقف أمام كاميرته ويصور نفسه في حالات متعددة ، بعد أن يضع المكياج لوجهه ليستطيع التعبير عن الشخصية التي يمثلها ، ويحاول جاهداً تجسيد التعبير عن إنفعالاتها بقسمات وجهه وبحركاته الجسدية.

الظهور الأول:

كانت الخطوة التالية ، هي إنضمامه الى جمعية إحياء فن التمثيل ، مع أصدقائه يوسف وهبي وشقيقه عليّ وهبي ومختار عثمان .. وكانوا يجتمعون خفية في منزله أو في منزل يوسف وهبي، بعيداً عن أنظار الكبار ، الكبار الذين كانوا يعتبرون التمثيل مهنة من لا مهنة له ، وإنه مضيعة للوقت ، ولا يليق بأبناء الكبراء أن يتعاملوا معه من بعيد أو قريب . ولكن عشق محمد كريم وأصدقائه لهذا الفن ، قد جعلهم يتمردون على مثل هذه الظروف .

وفي عام 1916 تأسست شركة سينمائية من بعض الإيطاليين المقيمين في الإسكندرية ، وبتمويل من فرع بنك دي روما ، فاستغل محمد كريم هذه الفرصة وأرسل الى هذه الشركة رسالة طالباً العمل في الأفلام التي تنوي الشركة تصويرها ، وأرفق مع الرسالة 36 صورة له مع مواقف تمثيلية متعددة . ولكن جهل محمد كريم باللغة الإيطالية كان عقبة في طريق الإتفاق معهم ، لذلك عكف على تعلم الإيطالية ، وفي أقل من عشرة أشهر إستطاع تعلم الكثير منها ، كان يدفعه الى ذلك عشقه للسينما وحرصه على عدم إضاعة هذه الفرصة . وفعلاً إستدعته هذه الشركة ، بعد أن عاود الإتصال بها ، وقام الفنيون باختياره ووافقوا على إشراكه في تمثيل دورين قصيرين بفيلمي شرف البدوي ، الأزهار الميتة . وبهذا يكون محمد كريم أول مصري يظهر في شريط سينمائي تم عرضه في العشرين من يوليو عام 1918 .

بعد ذلك ، وإبان إنتهاء الحرب العالمية الأولى ، كتب محمد كريم عدة مقالات عن السينما في الصحف المصرية ، وكان تفكيره في الكتابة منصب على تمصير السينما . كما قام أيضاً بترجمة ونشر الأخبار الفنية من بعض المجلات السينمائية الأجنبية التي كانت تصله من الخارج ، حيث كان يراسل أكثر من خمس عشرة شركة سينمائية أوروبية .

أما بخصوص الشركة السينمائية الإيطالية بالإسكندرية ، فلم يحالفها التوفيق فأشهرت إفلاسها . عاد بعدها محمد كريم الى القاهرة وفي ذهنه حلم السفر الى الخارج للإستزادة من المعرفة عن كل مايتعلق بفن السينما ، وكان أول رد إيجابي على مراسلاته الخارجية في مارس 1920 من إيطاليا ، حيث أعد العدة للسفر الى هناك ، بعد أن أقنع أسرته بأنه سيدرس الهندسة في إيطاليا . ركب الباخرة الى إيطاليا والفرحة تغمره لتحقيق حلم حياته ، إلا أن الحلم تبدد بعد أن رفض طلبه من قبل الشركة الإيطالية ، فاضطر أن يقوم بدور الكومبارس في عدد من الأفلام الإيطالية ، الى أن تهيأت له فرصة السفر الى ألمانيا ، بعد أن تعلم لغتها . وفي برلين إستطاع أن يلتحق بأستوديوهات »أوفا« السينمائية ، حيث عمل في قسم المونتاج . وفي خلال سنة ونصف فقط أصبح أحد مساعدي المخرج الألماني الكبير »فريتز لانج« ، مما أكسبه خبرة ودراية بفن الإخراج السينمائي . وعـاد محمد كريم الى القـاهرة ، بعد غياب دام سـبع سنوات ، ومعه زوجته الألمانية »نعمة اللّه« الذي كان قد تزوجها أثناء عمله في ألمانيا ، والتي أصبحت فيمابعد مساعدته في جميع أفلامه .

 

الحلقة الثانية

وفي حديث للفنان محمد كريم، تحدث عن الظروف التي أخرج فيها أول أفلامه، فقال: (...قابلت طلعت حرب باشا في برلين عام 1925، وطلب مني العودة الى مصر للعمل في شركة مصر للتمثيل والسينما، والتي تخصصت في إنتاج الأفلام. ولما عدت الى مصر عام 1926، وجدت يوسف وهبي ناجحاً في المسرح، وعرضت عليه فكرة العمل في السينما ، ولكنه لم يفكر إلا في نجاح مسرحياته، فلجأت الى طلعت حرب في بنك مصر، قابلته وقدمت إليه المستندات التي تدل على دراستي للسينما في ألمانيا، فقال لي بالحرف الواحد (أنا ياخويا ماينفعنيش الكتابة على الورق ، عايز أشوف بعيني، إخرج لنا حاجة وبعدين أتفق معاك ، وروح بكره قابل عبدالله فكري أباضة).. وذهبت لمقابلة عبدالله فكري ، وبعد إطلاعه على المستندات قال لي »إسمع ياكريم، إخرج لنا فيلم عن حدائق الحيوان في الجيزة ، علشان نجربك بدون أجر« .. فوافقت على ذلك ، كنت أذهب الى حدائق الحيوان يومياً لأشاهد الحيوانات في الأقفاص ، وأتجول في الحديقة ، وإستغرق هذا البحث شهراً كاملاً ، وذهبت مع حسن مراد ، كان وقتها مصوراً بالشركة ، وبدأت تصوير الفيلم يوم الأربعاء 15يونيو عام 1927 ، وإنتهى الصوير بعد شهر ، وتم الطبع والتحميض وكتابة العناوين وتصويرها في شهر ، يعني إستمر العمل في إخراج فيلم (حدائق الحيوان) حوالي ثلاثة أشهر. وبعد إعداد الفيلم للعرض ، حضر طلعت حرب مع عبدالله أباضة وعدد من الشخصيات المالية والتجارية الى مقر شركة التمثيل والسينما لمشاهدة الفيلم، الذي نال إعجاب طلعت حرب وجميع الحاضرين. وفي اليـــوم التـــــالي، إستدعاني عبداللـه أبـاضــة وأخـبـرني بأن طلعت حرب أمر بصرف الأشهر الثلاثة التي إشتغلتهم ، وعينت في الشركة كمخرج بمرتب إثناعشر جنيهاً في الشهر ، وقدم لي شيكاً بمبلغ ستة وثلاثين جنيهاً ، وكان هذا المبلغ كنزاً ، فقد كان أول مرتب أخذته من بلدي كمخرج سينمائي...).

عودة للمسرح:

بعد عودته من ألمانيا ، وقبل عمله مع طلعت حرب ، وقف محمد كريم على خشبة مسرح رمسيس مع يوسف وهبي ، ليؤدي دور ظابط في مسرحية ( تحت العلم ) بالرغم من أنه قام بمحـاولات لإقـنـاع يوسف وهبي بإنتاج فيلم سينمائي يقوم هو بإخراجه ، حيث أن فكرة الإخراج هي التي كانت مسيطرة على تفكيره ، بعد أن كان حلمه الأكبر أن يصبح ممثلاً ، خاصة إن معظم الأفلام التي قام بالتمثيل فيها لم يكن لأدواره فيها شأن كبير ، كما كان للمخرج الألماني »فريتز لانج« تأثيره الكبير على محمد كريم وتحويل إهتمامه الى الإخراج السينمائي .

ويعتبر محمد كريم هو أول من صور أفلاماً سينمائية لبعض المناظر الخارجية التي تقع في بعض مسرحيات يوسف وهبي ، ودمجها في المسرحية أثناء العرض . وفعلاً نجحت هذه التجربة الرائدة ، ونجحت بالتالي محاولات محمد كريم في إقناع صديقه بدخول مجال السينما ، حيث نشأت فكرة رمسيس فيلم ، وكان الإتفاق مع كريم على إخراج فيلم يكون باكورة إنتاج هذه الشركة . فاختار محمد كريم رواية »زينب« للأديب محمد حسين هيكل ، لتكون بـداية العـلاقـة بين الأدب والسينما المصرية . عرض الفيلم في سينما »متروبول« في التاسع من أبريل عام 1930 ، وقد قام كريم بتصوير مناظر الفيلم في عدة إماكن من الريف . وقد حقق الفيلم نجاحاً كبيراً ، حيث قدم من خلاله ولأول مرة الوجه الجديد »بهيجة حافظ« أمام سراج منير و زكي رستم ، وكان الفيلم صامتاً ـ بطبيعة الحال لأن السينما المصرية لم تكن قد نطقت بعد ، ولهذا فقد أعاد كريم إخراج هذا الفيلم ناطقاً في عام 1952 ، بعد أن عهد ببطولته الى راقية إبراهيم و يحيى شاهين و فريد شوقي .

وبعد أن نطقت السينما العالمية ، أقدم محمد كريم على إخراج مسرحية رمسيس الناجحة ( أولاد الذوات ) في فيلم سينمائي من إنتاج وبطولة يوسف وهبي مع أفراد فرقته المسرحية . وصورت أغلب مشاهد الفيلم في باريس ، لأنه لم تكن قد أقيمت بعد أستوديوهات مجهزة بمعدات الصوت أو حتى الإضاءة . أما بقية المشاهد فقــد صـورت صــامــتــة في أستوديو رمسيس ، وأدخلت عليها مؤثرات صوتية فيمابعد . ولم تكن صناعة السينما في مصر قد عرفت فن المونتاج إلا عندما أُخرج هذا الفيلم ، حيث تم عمل مونتاجه في باريس وتحت إشراف كريم نـفـســه .

وبعد أن نطقت السينما العالمية ، أقدم محمد كريم على إخراج مسرحية رمسيس الناجحة ( أولاد الذوات ) في فيلم سينمائي من إنتاج وبطولة يوسف وهبي مع أفراد فرقته المسرحية . وصورت أغلب مشاهد الفيلم في باريس ، لأنه لم تكن قد أقيمت بعد أستوديوهات مجهزة بمعدات الصوت أو حتى الإضاءة . أما بقية المشاهد فقد صورت صامتة في أستوديو رمسيس ، وأدخلت عليها مؤثرات صوتية فيمابعد . ولم تكن صناعة السينما في مصر قد عرفت فن المونتاج إلا عندما أُخرج هذا الفيلم ، حيث تم عمل مونتـاجه في باريس وتحت إشراف كريم نـفـسـه . وقـد لاقى فيـــلـم ( أولاد الذوات ) نجاحاً كبـــيراً ، عـنــدمـا عرض في سينما »رويال« في الرابع عشر من مارس عام 1932.

مع عبدالوهاب:

وعندما طلب محمد عبدالوهاب من كريم أن يخرج له فيلماً غنائياً ، إسوة بالمطربة نادرة في فيلمها ( إنشودة الفؤاد ) ، قام محمد كريم بإخراج فيلم ( الوردة البيضائ ) عام 1933 ، والذي صور الجزء الأكبر منه وسجلت أغانيه في أستوديو »توبيس لانج« بباريس ، وعرض في سينما رويال وحقق إيرادات قدرت بحوالي مائة ألف جنيه ، وتقاضى كريم خمسمائة جنيه عن الإخراج ، وقد أخرج محمد كريم فيمابعد جميع أفلام محمد عبدالوهاب . وحتى عام 1959 ، كان محمد كريم قد أخرج تسعة أفلام تسجيلية قصيرة ، وسبعة عشر فيلماً روائياً طويلاً .
يتبع في الحلقة الثالثة.....

 

الحلقة الثالثة

كان محمد كريم مثالاً للفنان الملتزم بفنه ، وهو أيضاً صاحب مباديء لم يحيد عنها طوال حياته .. إنه فنان يحترم فنه ويرفض أن يخلط بين الفن والتجارة ، فقد أخذ على نفسه عهداً بعدم الإبتذال منذ بداية مشواره السينمائي . كان يغضب كثيراً عندما يعرض عليه أحد المنتجين إخراج فيلم يريد به الكسب التجاري السريع ، دون التكاليف الباهضة ، فهو هنا لا يكتفي لالإعتذار أو بالرفض ، بل تصل به ثورته ـ أحياناً ـ الى أن يمزق السيناريو ، أو يبادر بالإعتداء على هذا المنتج . وكانت بالتالي نتيجة صبيعية في أنه عاش أغلب سنوات حياته يعاني أزمات مادية صعبة ، وكان يتحمل كل هذه الأزمات دون أن يتنازل عن مبادئه الفنية ، ولو إنه فعل عكس ذلك ، لإستطاع أن يخرج عشرات الأفلام ويقتني أفخر السيارات ويسكن أفخم الفلل ، لكنه عاش طوال حياته فقيراً بالرغم من مكانته الرفيعة فنياً .. كان يستخدم الترام ويسكن شقة متواضعة بالإيجار ، ولم تفلح كل وسائل الإغراء في إقناعه بالتنازل عن أيٍ من مبادئه ، حيث لم تكن لشهوة المال أية سطوة عليه ، رغم إنه كان صاحب أفضال كثيرة بأعماله التي أثرى من ورائها الكثيرون ، وهذا مايفسر إن عدد الأفلام التي أخرجها على مدى أربعين عاماً، هي عمره الفني ، أقل بكثير من عدد الأفلام التي أخرجها أي مخرج مبتدىء .

ولا يسعنا إلا أن نشير الى أنه عندما إجتمع شمل الفنانين السينمائيين لأول مرة في عام 1943 ، وكونوا نقابة لهم ، إختاروا محمد كريم ليكون أول نقيب للسينمائيين ، وذلك تقديراً لجهوده وريادته في السينما المصرية .

كما إن الدكتور ثروت عكاشة ، وزير الثقافة آنذاك ، عندما أنشأ أول معهد للسينما في الوطن العربي ، وذلك في عام 1959 ، إختار محمد كريم ليكون أول عميد لهذا المعهد .. وإستمر كريم يدير المعهد لعدة سنوات ، بذل فيها الكثير من الجهد لرفعة مستوى الخريجين ، وبالتالي رفعة شأن السينما المصرية ، بينما عملت البيروقراطية على نفاذ صبره ، فلم يستطع الإستمرار في العمل كعميد للمعهد ، حيث كان مقتنع تماماً في أن هذا العمل يتطلب السرعة في الإنجاز وتلبية الحد الأدنى من المطالب العاجلة ، فوجد بأن تنفيذ ذلك أمر مستحيل ، وآثر أن ينسحب من عمادة معهد السينما ، هذا المعهد الذي أسسه هو ووضع لبناته الأولى .

وقبل وفاته بأربع سنوات ، قدمت له الدولة منحة تفرغ لكتابة تاريخ السينما المصرية ، حيث عكف على البحث والدراسة معتمداً في ذلك على ذكرياته وذكريات أصدقائه المقربين إليه ، وذلك لعدم وجود مصادر أخرى يعتمد عليها في بحثه هذا ، ومات قبل أن يكمل كتابة هذا التاريخ ، الذي عُهد بتكملته الى المخرج أحمد كامل مرسي .

وكما ذكرنا من قبل ، فإن محمد كريم كان دقيقاً في عمله ، يحب النظام والنظافة الى أبعد الحدود ، وكان يقوم بنفسه بعمل مونتاج أفلامه ، وكتابة سيناريوهاتها ، والدعاية لها أيضاً ، وكان يعتبر بلاتوه التصوير كالحرم المقدس ، ولايسمح لأي إنسان ليس له عمل بالتواجد فيه ، لدرجة أنه قد طرد مرة منتج أحد أفلامه من الأستوديو لأنه كان يتكلم بصوت عالي .

ولقد كان أسلوب محمد كريم في الإخراج ، يمتاز بالعناية الفائقة في المشهد ، ويهتم بكل صغيرة وكبيرة فيه ، يدقق في إختياره للموضوع والممثلين والفنيين ، ويميل الى تصوير الطبيعة الراقية ، أي إنه يحاول كثيراً تجميل الواقع ، أو إنه يقدمه كما يجب أن يكون .. وكان عصبي المزاج يثور لأقل الأشياء ، لكنه في نفس الوقت يحمل قلب فنان كبير .

وقد كانت لمحمد كريم الريادة السينمائية دائماً ، فهو أول ممثل سينمائي مصري ، وهو أول مخرج يقدم رواية أدبية للسينما المصرية ، وهو مخرج أول فيلم مصري ناطق ، وهو المخرج الوحيد الذي سجل طفولة الفنانة فاتن حمامة على الشاشة ، فظهرت فاتن لأول مرة وهي في سن الثامنة في فيلم (يوم سعيد)، وفي الحادية عشرة في فيلم (رصاصة في القلب) ، وفي الرابعة عشرة في فيلم (دنيا) .

كما كان له الفضل في إكتشاف الكثيرين من نجوم السينما المصرية ، فقد كان حريصاً على أن يقدم وجهاً جديداً في كل فيلم من أفلامه . فهو الذي قدم بهيجة حافظ في فيلم (زينب)، وسميرة خلوصي في (الوردة البيضاء)، ونجاة علىّ في (دموع الحب)، وليلى مراد / زوزو ماضي في (يحيا الحب)، ورجاء عبده في (ممنوع الحب) ، وراقية إبراهيم و مديحة يسري و ليلى فوزي و سراج منير و زكي رستم و إلهام حين ، وغيرهم كثيرون .

هذا إضافة الى أن محمد كريم قدم أول اللقطات الملونة التي عرفتها السينما المصرية ، وذلك في فيلم ( زينب ) الصامت . كما أتيحت له فرصة إخراج أول فيلم مصري بالسينما سكوب في فيلم ( دليلة ) .

ومحمد كريم ـ كما ذكرنا سابقاً ـ أول نقيب للسينمائيين ، وأول عميد لمعهد السينما بالقاهرة ، وأول من كتب مذكراته الفنية في جزئين بعنوان »خمسين سنة سينما« ، وهو مخرج أول فيلم مصري يعرض رسمياً في مهرجان برلين الدولي عام 1953 ، ألا وهو فيلم ( زينب ) الناطق .

وقد نال محمد كريم عدة جوائز تقديرية من الدولة ، ففي عام 1955 نال جائزة الدولة في الإنتاج والإخراج والسيناريو عن فيلم ( جنون الحب ) ، وهو الفيلم الذي إضطره لبيع أثاث منزله ليقوم بإنتاجه . كما حصل على وسام الدولة في الفنون من الدرجة الأولى عام 1963 . وحتى بعد رحيله ، في السابع والعشرون من مايو 1972 ، نال إسمه جائزة الدولة التشجيعية في الفنون .
إن تاريخ الفنان محمد كريم ، والزاخر بالإنجازات الفنية ، يجعل منه ـ حقاً ـ رائداً كبيراً ، يستحق أن نطلق عليه لقب "الأب الروحي للسينما المصرية".

 
 
 
 
 

جميع الحقوق محفوظة لموقع سينماتك
  (2004 - 2014)