Our Logo

  ما كـتـبـتـهأفلامدراساتروادنجومترجماتبرامج 

نشر هذا المقال في مجلة هنا البحرين في 18 نوفمبر 1992

سعيد مرزوق

الخوف

إنتاج عام

1972

بطاقة الفيلم

أحمد أباظة + زيزي مصطفى + سعاد حسني + نور الشريف

سيناريو: سعيد مرزوق, مصطفى كامل ـ قصة وحوار: سعيد مرزوق ـ تصوير: عبد الحليم نصر ـ مناظر: ماهر عبد النور ـ مونتاج: محيى عبد الجواد ـ إنتاج: رمسيس نجيب

عن للفيلم

شاهد مقطع من الفيلم

استمع للحوار/ الموسيقى
أكتب رأيك عن الفيلم
إقرأ آراء الآخرين

حول الموقع

رؤية نقدية

 في مقال سابق ، كنا قد تحدثنا عن المخرج سعيد مرزوق ، وتناولنا باكورة أفلامه (زوجتي والكلب ) بالنقد والتحليل . وفي مقالنا هذا الأسبوع ، سيكون فيلمه الثاني ( الخوف ) محور حديثنا ، حيث يواصل سعيد مرزوق التعبير بلغة الصورة السينمائية ، ويتحرر مرة ثانية من أسوار الحدوتة التقليدية ، بل إنه ـ في فيلمه الثاني هذا ـ يحاول الإنطلاق الى أعماق الإنسان ومكوناته .. فالإنسان عند سعيد مرزوق هو الموضوع الأهم ، ومن خلاله يمكنه تناول مواضيع كثيرة مهمة .
إن ( الخوف ) فيلم يقدم الإنسان في صراعه مع الخوف .. الخوف من الحاضر ، الذي يحمل تساؤلات كثيرة دون إجابات .. الخوف من المستقبل المجهول ، وما سوف يحمله من أحداث ومفاجآت .. الخوف من الموت والخراب ، الذي يتجسد في الحرب . وكل هذه أشكال متعددة للخوف ، تناولها سعيد مرزوق في فيلمه هذا ، والذي دعى فيه ـ أيضاً ـ الإنسان بمحاربة خوفه الإجتماعي والنفسي ، حفاضاً على إنسانيته .
لقد تعرض مرزوق في ( الخوف ) لأعنف الإهتزازات التي واجهها الشعب المصري ، والشعب العربي بشكل عام ، إثر هزيمة يونيو 1967. فهو يقدم لنا قصة فتاة (سعاد حسني) نزحت الى القاهرة بعد أن قاست مرارة وقسوة العدوان على مدينتها السويس .. هذه المدينة التي أصبحت ، بفعل الحرب ، مجرد أطلال وحطام من المساكن ، إختلطت بجثث أهلها وأصدقائها وذويها . وهي تأتي للقاهرة ، مع الكثيرين من المهجرين والمغتربين ، لتجدها مدينة مزدانة بالأضواء ومزدحمة بالمقاهي العامرة .. الحياة العامة فيها طبيعية ، لا يعكر صفوها سوى ذكرى العدوان الغاشم . تلتقي بمصور شاب (نور الشريف) في أحد معارض الصور الفوتوغرافية ، والتي يطل بها أهل القاهرة على مأساة وبشاعة الحرب من خلال هذه الصور ، دون العيش في المأساة نفسها . تبدأ بين الإثنان قصة حب رقيقة ، إستطاع سعيد مرزوق أن يقدمها في إطار إنساني شاعري ، دون أن ينسينا الحدث الأهم . فهو يذكرنا دائماً بآثار الحرب النفسية على بطلته ، والمتجسدة في الخوف الساكن في أعماقها . إن سعيد مرزوق يضعنا بصدد مقارنة بين هذه الفتاة النكوبة ، والتي عاشت مأساة الحرب وإكتوت بنارها ، وبين أناس يعيشون حالة الطمأنينة المزيفة ، متناسين قرب النار منهم ، وإن عليهم أخذ الحذر منها ومقاومتها .
وفي الجزء الأخير من فيلمه ( الخوف ) ، يتخذ سعيد مرزوق من حارس العمارة رمزاً لمصدر الخوف الذي تعيشه مصر وبطليّ الفيلم في نفس الوقت ، فالحارس هو الذي يهدد خلوتهما ويخلق لديهما الإحساس بالخوف ، إضافة الى إستفزاز الخوف الكامن في أعماق الفتاة ، ومن ثم تفجير خوفها هذا في وجه الشاب ، وإتهامه بالسلبية والجبن ، وبالتالي إستفزازه هو أيضاً وهجومه على الحارس والقضاء عليه . لقد أراد سعيد مرزوق ـ هنا ـ الإيحاء بأن التخلص من الحارس يعتبر تخلصاً من الخوف وهزيمة الهزيمة نفسها . إلا أن مرزوق قد أخفق في ما أراده ، وكان تعامله مع الحارس خارجياً فقط ، متناسياً المضمون الإجتماعي والنفسي الذي تجسده شخصية الحارس ، وبأنه ـ في النهاية ـ مجرد إنسان خاضع لنفس ظروف القهر والخوف التي يخضع لها البطلين . لذلك جاءت النهاية مباشرة وساذجة بعض الشيء ، بل وتذكرنا بالقصص الكلاسيكية الرومانسية ، والتي تنتهي عادة بانتصار المحب على الشر وتخليص حبيبته من براثنه ، ومن ثم نهاية سعيدة بزواجهما .
وبالرغم من هذه النهاية ، والتي أضرت بالفيلم كثيراً ، إلا أن سعيد مرزوق قد نجح في تجسيد الخوف الذي يسكن داخل الإنسان ويسيطر على تفكيره ، ويجعله عرضة للكوابيس والأحلام الزائفة .. فهو هنا يحدثنا حديثاً سينمائياً ، يعتمد على الصورة السينمائية ، بحيث لاتحتاج لحوار لغوي لفهم وإستيعاب المشاعر والمواقف التي توحي بها هذه الصورة ، حيث أنه إستطاع أن يسخر لغة الصورة ويوضفها لخدمة المضمون العام في الفيلم . كما أن الحوار ، الذي كتبه مصطفى كامل ، كان ذكياً ومركزاً يبتعد عن المباشرة والتطويل ، ونجح في إثارة الكثير من المشكلات الإجتماعية .
ويبقى أن نقف وقفة تأملية لما قدمه سعيد مرزوق ، من لمحات ومميزات فنية وتكنيك سينمائي جديد ، والذي شاهدناه في الكثير من المشاهد .. كان أهمها : مشهد الحلم المشترك للعاشقين وهم يمارسان الحب على ورق الصحف الملقاة على الأرض ، وإظهار لقطات تبين عناوين مثل لاقيود على الحريات الشخصية ، وعناوين عن الحرب والقتال مع إسرائيل ، وعناوين أخرى عبرت بصورة خلاقة مو غير كلمة حوار واحدة . كذلك التناقض في شريط الصوت والصورة ، في مشهد وصف الشاب لشقته في البنسيون أثناء حديثه في الهاتف ، إستخدمه مرزوق بشكل موفق ، متخذاً من الصورة تجسيداً حقيقياً لهذا الوصف . وهناك أيضاً المشهد الذي يطلب فيه الشاب من الفتاة أن تشاهد القاهرة من خلال المنظار ، حيث نعرف بأنها لاترى سوى الخراب الذي حل بمدينتها ، فهذه المأساة التي عاشتها تسيطر عليها ولا تجعلها ترى سوى شيء واحد ، هو مدينتها المنكوبة ، والقريبة جداً من وجدانها . أما المشهد التخيلي لذهاب الفتاة الى البنسيون ، فهو مشهد مكرر لمشهد وصف الشاب له ، وكان من الأفضل إختصاره أو حذفه . وقد جاء إختيار سعيد مرزوق للعمارة ( تحت الإنشاء ) الغارقة بين أكوام الحجارة والرمال وسقالات البناء ، لتكون ميداناً لأحداث النصف الثاني من الفيلم ، إختياراً موفقاً وذكياً منه ، حيث المقارنة بين كل هذا وبين الخراب والدمار في مدينة السويس ، والتعبير عن حالة الخوف التي ساهمت في تجسيدها حركة الكاميرا السلسة وزوايا التصوير المدروسة بعناية ، هذا إضافة الى المؤثرات الصوتية . أما أختياره لشخصية البطل كمصور صحفي ، فلم يكن أختياراً عشوائياً أو إعتباطياً ، وإنما جاء ليكون ـ هذا الصحفي ـ شاهداً على الأحداث ، دون المشاركة الفعلية فيها بالطبع .
وبالرغم من هذا المستوى الفني والتقني ، الذي جسده سعيد مرزوق في ( الخوف ) ، إلا إننا نلمس ذلك البطء والرتابة في أحداث الفيلم ، مما أفقد الفيلم عنصري التشويق والمتابعة . وربما يكون هذا البطء مقصوداً من قبل المخرج ، إلا أنه في فيلم ( الخوف ) قد تناول موضوعاً حساساً ومهماً ، قد جعله عرضة لتدخل الرقابة الرسمية ، التي حذفت مشاهد كاملة من الفيلم ، وكان لها دور في وصول الفيلم الى النهاية التي شاهدناها .

 

جميع الحقوق محفوظة لموقع سينماتك
  (2004 - 2009)