يأتي
فيلم رأفت الميهي الثالث (للحب قصة أخيرة ـ 1984) ليؤسس أسلوباً جديداً في
السينما المصرية، وليجمع بين الواقعية المؤلمة والجمال في نفس الوقت.
وإستطاع الميهي (كمخرج) بهذا الفيلم أن يصل بصورته السينمائية الى درجة
عالية من الإتقان والجودة بقدر عنايته بمعالجة الواقع بصدق.
إن فيلم (للحب قصة قصيرة) مزيج من العلاقات الإنسانية المتناقضة، وهو ـ
أيضاً ـ مزيج من الحب والكراهية.. الحياة والموت، إنه يتحدث عن الوضوح
والغموض.. عن الصدق والزيف.. الصحة والمرض.. الخرافة والعلم.
يقدم لنا رأفت الميهي بفيلمه هذا، ومن خلال كاميرا شاعرية ذات حساسية،
موقعاً سكانياً في وسط النيل (جزيزة وراق العرب)، عالم يكاد يكون منسياً
ومعزولاً عن تطورات المدينة، لا نعرف عنه شيئاً. يقدمه لنا الميهي بواقعية
حقيقة في مشاهد شديدة الخصوصية، متغلغلاً بكاميرته بين أفراح الناس
وجنازاتهم، أحلامهم ومعتقداتهم من شعوذة وطقوس.
فالفيلم يتأرجح بين الخاص والعام، في بناء فني متماسك. فمن بين الخلفية
الإجتماعية لمجتمع الوراق، تبرز عدة وجوه وشخصيات تنفصل عن الطابع العام
لتأخذ طابعها الخاص، وليقدم الميهي من خلالها جرعات شاعرية قوية من
العلاقات الإنسانية. فمثلاً، هناك المدرس رفعت (يحيى الفخراني) وزوجته سلوى
(معالي زايد)، والتي تزوجها رغماً عن أمه المتكبرة (تحية كاريوكا)، بعد أن
خيرته بين حبه وبين ثروة والده. رفعت مصاب بداء القلب، والموت يهدده في أية
لحظة، لذا يتفق مع الدكتور حسين على كذبة مفادها أن تخطيط القلب الذي إطلعت
زوجته على نتيجته غير صحيح، وإن رفعت يمكنه أن يعيش مائة عام قادمة.. كل
هذا لأنه أحس بمدى العذاب الذي تعيشه زوجته. إلا أن هذا الإتفاق يتصادف
توقيته مع ذهاب سلوى لزيارة الشيخ التلاوي لشفاء زوجها، فتحاول أن تقنع
نفسها بأن هذا من بركات الشيخ، وتعيش في وهم السعادة المزيفة لعدة أيام،
حتى تخبرها أم رفعت بالحقيقة. عندها يموت رفعت بعد قراره السفر للعلاج،
فيموت الوهم في داخلها، وتفيق على الحقيقة المؤلمة. لذا نراها تذهب الى مقر
الشيخ التلاوي، وكر الخرافة والشعوذة ومركز أوهام الجزيرة، لتجد كرسي الشيخ
وبجانبه بقايا لأدوات تستخدم لتعاطي الحشيش والمخدرات. تقترب سلوى من
الكرسي وتضربه بالفأس الذي بجانبه، تضربه بشكل عصبي يائس، وكأنها تؤكد بأن
هذا الوهم يجب تحطيمه، وإن الإنقاذ لن يأتي أبداً من خارج الفعل الإنساني.
وهناك ـ أيضاً ـ علاقات إنسانية ثانوية ولكنها لا تقل أهمية. هناك مثلاً
الوالدين اللذين ينتظران إبنهما الغائب والذي لا يعود منذ خمس عشرة عاماً،
فالأم تعتقد بأنه مات وتخفي عن الأب، والأب يخفي عن الأم الحقيقة بأن إبنها
قاتل وهارب.. كلاهما يتحاشى الألم والصدمة النفسية للآخر.
كذلك نرى الدكتور حسين (عبدالعزيز مخيون) الذي يحب والدته العجوز ويقرر
البقاء معها لخدمتها في الوراق، تاركاً زوجته وأولاده يعيشون في الضفة
الأخرى من النهر بالزمالك حيث الثروة والمال يطغيان على العواطف والأحاسيس،
وبالرغم من أنه متزوج وله طفلان إلا أنه غير كامل من الناحية الجنسية، يعيش
عذاب نفسي حاد لا يتخلص منه إلا عندما تتوفى والدته في نفس الوقت الذي يعيش
فيه لحظة توهج جنسي مع الغازية على السرير المحاذي لسرير الأم، هنا يتحرر
الدكتور من عذاباته وعقدته في أن يخرج الى حياة جديدة.
وبالرغم من كل هذه الأحاسي والمشاعر الإنسانية السامية التي جسدها رأفت
الميهي في هذا الفيلم، إلا أن البطولة المطلقة كانت للكاميرا، التي إستطاع
الميهي توظيفها بشكل مبتكر وشديد الحساسية، وقدم بها رؤية ووثيقة واقعية
هامة عن مجتمع الوراق، وذلك من خلال سيناريو أخاذ ومدروس بعناية، يحمل في
طياته مواقف وشخصيات قادرة على أن تؤلمنا وتثيرنا وتشدنا بشكل حميمي الى
واقعها الأليم.
وبفيلم (للحب قصة أخيرة) يكون رأفت الميهي قد إستطاع أن يصل الى درجة
متقدمة من الشمولية والإبداع، وذلك لتمكنه من تقديم تقنية عالية ومقدرة فذة
في التأثير في المتفرج في نفس الوقت. وسوف يظل هذا الفيلم طويلاً محفوراً
في ذاكرة المتفرج، كما سيظل علامة بارزة في تاريخ السينما المصرية.