البحرين.. أفلام وفعاليات سينمائية

 
 
 
 
 
 

حكاية بحرينية.. تصوير لحالات خاصة جداً

كتب : حسن حداد

 
 
 
 

فيلم حكاية بحرينية

 
 
 
 
 
 
 

فعلها بسام الذوادي وتفوق على نفسه.. هذا هو الانطباع الأول الذي احتواني بعد مشاهدتي لفيلم ''حكاية بحرينية'' في عرضه السينمائي الخاص.. فالفيلم بشكل عام يشكل خطوة إلى الأمام بالنسبة لبسام الذوادي ومجمل فريقه الفني.. حيث جعلنا نشعر بمدى واقعية شخصياته، تلك التي خلقها الكاتب فريد رمضان مستفيداً من ذاكرته الخصبة وقدرته على تقديم تفاصيل حياتية نابعة من التاريخ القريب.

نجزم بأن هذا الحماس والعزم الفني.. الذي يتحلى به بسام قادر على خلق ذلك الإحساس بالفرح عند أي شخص شاهد فيلمه الأخير هذا.. خصوصاً أن الفيلم يتحدث عن فترة زمنية مازالت تحضر في ذاكرة أغلب المتفرجين. وهو جيل حضر هذه التغييرات الاجتماعية والسياسية وحتى الثقافية.. لذا من الصعب تغيير هذا الواقع من قبل أي كاتب أو مخرج.. ليكون الفيلم بمثابة شهادة لفنان آثر أن يصنع السينما التي يحبها.

في هذه الفسحة الصغيرة.. لا يسعني إلا أن أحتفي بهذا المولود الجديد.. الذي يشكل إضافة لمستقبل سينمائي منتظر.. وما سأدونه فيما يلي هي انطباعات سريعة عن فيلم بحريني آخر..!! إلى أن يتسنى لي مشاهدة الفيلم أكثر من مرة.. والتخلص من تعاطفي الطبيعي الذي يعتريني عند مشاهدة فيلم بحريني..!!

يتناول الفيلم فترة تاريخية سياسية حساسة في تاريخ الوطن العربي، وهي الفترة الممتدة من هزيمة حزيران ,1967 وحتى وفاة جمال عبدالناصر عام .1970 ويقدم الفيلم لثلاث شخصيات نسائية تحت ظروف اجتماعية صعبة، حرص فيها الكاتب فريد رمضان على تصوير لحالات خاصة جداً ـ اجتماعية ونفسية ـ استقاها من الذاكرة، تلك التي رأي أنها قد أثرت في تغيير واقع معاش لتلك الشخصيات التي اختارها.. لذا فلا يمكن الحديث عن تسلسل زمني واحد يمكن الركون إليه.. فالفيلم يقول إن الأحداث تدور في مرحلة نهاية الستينيات وبداية السبعينيات.. ولم يكن له أي داع لكتابة التواريخ على شريط الفيلم.. فتلك الأحداث ـ السياسية منها بالذات ـ كانت قادرة على تقدير الزمن لدى المتفرج.. وكان ذاك شرحاً للمشروح أصلاً.

فيلم يتعامل مع حالات مثل التي شملها الفيلم، يحتاج إلى الكثير من التفاصيل الصغيرة التي تحيط بالشخصية وتسعى إلى تقديم عناصر تسندها وتبرر تصرفاتها وتزيد من مصداقيتها.. وهذا ما افتقدته بعض الشخصيات.. وجعلت من السرد السينمائي حالة مستعصية على المتفرج.. أنا هنا لا أتكلم عن الشخصيات وواقعيتها، بل عن الحالات التي عاشتها تلك الشخصيات.. هذه الحالات الاجتماعية والنفسية نراها مبتسرة في أحيان كثيرة.. لا يدعمها الكثير من التفاصيل لكي تصل إلى المتفرج بالشكل الصحيح.. وكمثال نرى أن شخصية الأب لم ترسم بعناية وعمق، حيث نرى الأب غاضباً في جميع المشاهد بلا استثناء.. ما لم يبرره الفيلم بتاتاً.. فمن المنطقي أن يكون للغضب ظروف معينة.. إن لم يكن له أي مبرر. ربما نلاحظ أن المتفرج قد تعاطف مع هذه الشخصيات غير المكتملة إلا أنه لم يستمر في تعاطفه عند نهاية هذه الحالات.. نهاية الفيلم. في الفيلم نرى بأن التمثيل كان العنصر الأهم، حيث تخلص تماماً من ذلك الأداء المسرحي لدى غالبية الممثلين ،وفي أحيان كثيرة تخلص من الأسلوب التلفزيوني في الأداء.. بل وشعرنا بتلك الروح الحميمية المحسوسة التي تحلى بها الممثل فيما بينه وبين الكاميرا. نرى بأن مريم زيمان جسدت شخصية مركبة بتلقائية تحسد عليها.. وكانت فاطمة عبدالرحيم متألقة في دور صعب قليل الحوار.. وجمعان الرويعي يتفوق على نفسه في تقديم شحنات أدائية خلاقة بتقاسيم وجهه المعبرة.. أما الطفل نديم فكان مفاجأة الفيلم.. باعتباره يقف لأول مرة أمام الكاميرا، فكانت تعابيره من خلال حركاته التلقائية وصوته الحزين تنبئ عن معاناة يعيشها هذا الطفل.

حاول بسام الذوادي تقديم رؤية وتفاصيل إخراجية تدعم الأحداث والشخصيات وتحاول التغلب على ما أخفق فيه السيناريو، وجاءت استعانته بالموسيقى التصويرية، ليسعف الكثير من المشاهد. فالموسيقى ـ التي ألفها محمد حداد ـ كانت عنصراً مهماً في تصعيد حرارة الأحداث وإعطاء لمسة فنية معبرة ومبهرة لتناغم الأحداث مع الشخصيات.. ثم إن الموسيقى ـ بغض النظر عن قوتها وقدرتها على التعبير ـ ملأت الفيلم تماماً.. ولم يكن هناك أي مشهد خال من الموسيقى.. مع أن الصمت أحياناً يكون أبلغ من الموسيقى..!!

التصوير أيضاً كان لماحاً وذكياً في اختياره لزوايا وحركات الكاميرا، بإضاءة مؤثرة تتناسب والأحداث.. نجح بسام أيضاً في تقديم مونتاج متناغم وفاعل في تجسيد الكثير من المشاهد مستعيناً بقدرته الفاعلة على الإيحاء.. كذلك الديكور والإكسسوارات قد أعطت للشخصيات الكثير.

وقبل إنهاء هذه الانطباعات السريعة.. كان لابد لنا من الإشادة بالدور الإنتاجي الذي تولته ''الشركة البحرينية للإنتاج السينمائي''.. في باكورة أعمالها.. وهي التي ستكون عوناً وباعثاً للأمل والتفاؤل باستمرار مشاهدتنا لأفلام بحرينية أخرى.. موجهاً دعمي الكامل لكل الجهود الإنتاجية في هذا المجال.

هنيئاً لنا هذا الفيلم.. هنيئاً لبسام الذوادي في تجربته الجديدة ومحمد حداد في انعطافته الموسيقية ناحية السينما وفريد رمضان الذي راهن على مشاعرنا.. هنيئا لهم جميعا على هذا الإنجاز الفني، هنيئاً لكل العاملين في الفيلم.. وسيكون لنا بالطبع، لقاء نقدي أكثر قدرة على الدخول في مكنونات الفيلم وتفاصيله.. وذلك بعد عروض الفيلم الجماهيرية، والتي أتوقع أن يحوز على إقبال المتفرج البحريني والخليجي.

الوطن البحرينية في 16 سبتمبر 2006

 
 
 
 
 
 
 
 

في فيلم حكاية بحرينية..تناسل الحب فأنجب إبداعاً و رسالة

كتب : علي الستراوي

في ثالث تجربة سينمائية للمخرج بسام الذوادي، وباكورة إنتاج الشركة البحرينية للإنتاج السينمائي، عرضت الشركة النسخة التجريبية من فيلم ''حكاية بحرينية'' تأليف الكاتب والروائي فريد رمضان وإخراج المخرج القدير بسام الذوادي وتمثيل طاقم من الوجوه البحرينية المبدعة. وبين أحلام صغيرة تريد أن تخرج من قمعها نحو عالمٍ جديدٍ، ونحو حب انشغلت به، فناضلت نحو الإمساك والتعلق بأذياله، في بيت حمل صراعات مكتظة وفي أزقتها كبر الحي، بأحلام هؤلاء المفتونين بالحرية، وبالبوح المسجون بين أقفاص صدورهم، صراع سجّلته العيون قبل الذاكرة، فكان هذا البيت الصغير المكتظ بأحزانه، هو واحد من البيوت المجاورة لبيوت الحي الفقيرة في مدينة المحرق، و التي رأت في تحديها ذلك الشعور المشحون بالانعتاق، نحو عالمها الكبير.

ونحو كل جهات الدنيا، تظل الصورة عالقة بواقعها المر، وبيثيمتها الاجتماعية بين حلم تجره نحو واقع تحاول الهروب منه، صراع مرير عكسته حالة الفقر التي عاشها أهل البحرين في تلك السنين التي شكّلت بوادر الروح المتحدية، والمنشغلة بحفر أحلامها في واقع صخري مؤلم،  تعصر قلبها تارة بحسرة وأخرى بحلم منتظر، لعله يستطيع أن يقودهم نحو تحقيق أحلامهم التي يُصرون على التمسك بها، نحو أمل أكبر وحياة أفضل مما هم عليها.

شجون انطبعت على أسرار أطفال الحي وعلى فتياته اليافعات الناظرات للحياة بشغف مستطير، إنه الحلم العربي الأكبر، أرق سجل لنا ذاكرته بين الحب والحياة المقترة، بين عجلات سريعة الدوران في ركب الحياة الجديدة، بحثاً عن الانعتاق.

 

''المحرق'' سرة المكان المتصلة بالحب 

في اختيار المؤلف مدينة ''المحرق'' كمكان للحدث الذي دارت على أرضه أحداث الفيلم، قد ربط المؤلف بين هذا المكان كتاريخ وبين ساكنيه كواقع وجزء مهم من هذا التاريخ، لمرحلة شكّلت النواة الأولى للتغيير في البحرين خاصة، والخليج كعموم، بظهور أول بوادر الثروة الاقتصادية، في اكتشافات عدة وأهمها البترول .

هذه المرحلة التي بدأت عام ,1967 حتى مرحلة السبعينيات، وهي المرحلة التي اخذت من قبلها أرهاصات عدة لمرحلة جديدة، شهدت قيام دول عدة، نهجت ديمقراطية التغيير. فيلم »حكاية بحرينية« ينقل لنا الصورة لواقع أُسري مكتظ بجوعه وبأحلامه، نحو البحث عن حرية أوسع تقوده نحو الصراخ الكبير، فيلم اجتمعت فيه كل الوجوه المبدعة ذات الخبرة أمثال: عبد الله ملك، وعبد الله وليد، ومريم زيمان، وفاطمة عبد الرحيم، وماجدة سلطان، وجمعان الرويعي، ومبار ك خميس، ويوسف بوهلول، وعبد الله السعداوي، وابراهيم الغانم، ولطيفه مجرن، ومن الوجوه الشابة أحمد الفردان، وفاء مكي، عبد الله بحر، فهد مندي، شذى سبت، أحمد عقلان، حسن الماجد، والطفل نديم زيمان، وشيماء جناحي، وعبد الرحمن محمود، وجاسم حداد.

هذه الأسرة التي شكلت دراما هذا الفيلم، كانت قديرة في حمل هذه الرسالة الفنية، بقيادة المخرج المبدع بسام الذوادي.

وعبر المكان الذي استضاف وجوه هذا الصراع الاجتماعي تشكّلت كل أرهاصات حكاية الفيلم هذه الحكاية التي شكّل محور بطولتها ثلاث نساء هن: الفنانة مريم زيمان في دور ''لطيفة'' و الفنانة فاطمة عبد الرحيم في دور ''فاطمة'' و الفنانة ماجدة سلطان في دور ''شريفة'' وفي الجهة الأخرى من الرجال كان هناك الرجل القاسي والزوج الشرس في إدارة أسرته الذي قام به الفنان ''مبارك خميس'' والأخر الشاب المحب لفاطمة ''حمد'' الذي قام بلعب دوره الفنان جمعان الرويعي.

حلم أُناس كبروا بهتافات الرفض، وبين عجلات ناصرية وقومية عربية، حملت الشارع العربي نحو التغيير ونحو تسجيل المواقف، هتافات لم تصمت في ظل حناجر، كسرت خوفه، فخرجت للشارع تعلن حبها وبين شعور لم ينفك لحظة عن تسجيل ذاكرتنا بحياة الفقر القاسية التي انبتت بذور شذاها في الحلم الكبير، حلم الأمة المنتظر.

المظاهرات أكتظ بها الشارع العربي من المحيط الى الخليج، فليس غريباً أن تكون البحرين أول المنتمين لهذا التغيير، فالتاريخ يؤطر ويسجل ما لهذه الجزيرة من مواقف تذكر.

 

البيت أول الخيوط  الدرامية

في هذا البيت كانت الأم لطيفة وبناتها الثلاث، وطفلها وزوجها المتسلط  ''عبدالله'' يعيشون تحت قسوة هذا الزوج العصبي المزاج، شرس الطباع والمعاملة، يعامل زوجته لطيفة، وهي التي تصغره سناً بعقلية رب البيت الذي  لا يسمح فيه لأحد أن يجادله، زوّج ابنته ''فاطمة'' لزوج لاتحبه، ولاتستسيغ معاشرته، أدت هذه الزيجة لانتحار فاطمة البنت الكبرى للزوج من أم أخرى غير لطيفة، وحاول أن يمنع ابنته من تزويجها لمن تحبه فرفض لكونه شيعي، وهم سنة، فأدى هذا المنع لهروب ابنته الصغرى مع من تحب، وهنا تكبر المأساة وتكون الضحية ''لطيفة''، حيث يفرغ الزوج القاسي  كل غضبه عليها معتبراً تربيتها هي السبب في هروب البنت، وتظل المأساة تشغل واقع ذلك الطفل الصغير المهتم بتربية الحمام وبواقع حياته المُرّة في ظل قسوة ابيه وهيمنته على كل شيء، تظل عيناه تُحدقان في كل شيء، ويظل الخوف يلاحقه، نفسه تقول: كيف لي أن أقف أمام تسلط أبي، وكيف لي أن أرفض هذا الظلم؟

هذه المرحلة من القسوة امتدّت في جراحها منذ منتصف الستينات حتى بدء حتى منتصف السبعينيات، وفي رحيل جمال عبد الناصر، كرمز نضالي حلمت به لطيفة وحلم به كل حر، لطيفة لم تستطع الصمت عندما سمعت بوفاة جمال عبد الناصر، خرجت مع الخارجين، وعبرجنازة وهمية بكوا لرحيل جمال.

ظل البيت واسع الأفق وظلت ملامح تلك المرحة التاريخية عمرا جديدا للطيفة، ولسكان الحي من المحرق، مرحلة تجاوزت حدودها الأقليمية لتقول: لنبني ونرفض ماهو مُظلم.

 

الدراما هي الحدث المهم لأي عمل فني

من خلال ما جسدته القصة من واقع اجتماعي مؤثر، ذو ابعاد في المحيط الصغير والكبير للإنسان، يتضح لمن شاهد فيلم ''حكاية بحرينية'' أن المؤلف وظّف كل الأجواء عبر سيناريو الفيلم، مستفيداً من أهم مرحلة شكّلت تغيراً في الذاكرة التاريخية للإنسان البحريني، عبر كل المتغيرات التي تزامنت بظهورالطفرة الاقتصادية وبالتغيير العربي، حيث ثورة يوليو، وتأثيرها وخطابات الرئيس جمال عبد الناصر على الشارع العربي، يقابله ما أصاب الإنسان العربي من خيبة في نكسة يوليو67م، والخوف الذي صاحبه بعد هذه الهزيمة وتقديم عبد الناصر استقالته عن الرئاسة، وخروج الناس تطالب ببقائه في جميع الأقطار العربية، هذا الحلم الكبير والهاجس المهم جسده الروائي فريد رمضان عبر ثيمة اجتماعية وسياسية فتح أفقها عبر ذلك الإنسان البسيط الذي لا يحمل من الدنيا سوى عرق جسده، وعبر وجوه تشكّلت بالحب، رافضة واقعها، مستفيدة من الصحوة العربية، سيناريو وفق فيه رمضان كمؤلف روائي، وكان شاهدا حيا لحقبة زمنية لا زالت آثارها ملتصقة بواقع الأمة.

هذا السيناريو هو من الأهمية لأي عمل يُراد منه النجاح، واعتقد - ولستُ جازماً- بأن النجاح الذي قد يصاحب الفيلم هو وجود تلك الثيمة الإنسانية في تلك المرحلة التاريخية، وهي مرحلة مشحونة بالدراما القادرة على إبراز حيويتها من خلال المشهد السينمائي.

فالوجوه التي انحشرت تحت قمع الرجولة الجاهلة، هي الوجوه التي تعيش الان بين ظهرانينا، وهي التي قد أفلحت في رسم كل معالم هذا الوطن ''البحرين'' الجميلة بالحب وبناسها الذين لم تفصلهم الوجوه المذهبية، والدليل، تضحية البنت الصغرى السنّية وهروبها مع حبيبها الشيعي، وأيضاً الألم الذي حمله ذلك الإنسان البحريني من أصل يهودي، عندما اتُهم بخيانته، وبأنه يهودي، فقال: صحيح إني يهودي، ولكني بحريني، ولدت هنا وسأموت هنا ولا أعرف غير البحرين وطناً، هذه المقاربات الإنسانية هي الجدل الجميل في الطرح عبر سيناريو الفيلم ''حكاية بحرينية'' وهي ثيمة قل من يثيرها عبر الفن السينمائي، وهي جرئة حميدة وظّفها المؤلف لتقول أن شعب البحرين شعب واحد لا تقسمه الانتمائات.

 

الذوادي .. إبداع متجدّد

عبر القيادة الإخراجية، لم يكن الذوادي منفصلاً عن المخرجين العرب والأجانب، ولن أقول أنه تجاوزهم، بل استفاد منهم فإبدع في إخراجه لعمله الثالث من الأفلام الروائية، فالحكاية لم تنته عند الذوادي، لكنها متصله بعمر البحث عن الإبداع، جميل أن نشاهد هذا التطور الملحوظ عند الذوادي وجميل أن يظل هذا التحدي مقروناً بواقع الفعل، فهو إبداع متجدّد، وأصيل في جذوره العربية.

 

محمد حداد والموسيقى التصويرية

لقد أسند المخرج الذوادي، لقيادة موسيقى الفيلم التصويرية، للموسيقارالشاب محمد حداد، والذي بالفعل، حلّق بنا نحو ذلك الحنين، ذلك العمر من الحكايات الجميلة، فقاد موسيقى الفيلم نحو بر الأمان، ظل الشجرة الواقفة بأحلامها، عبر موسيقى اخذت بالفيلم نحو ناصية مهمة ومكملة للإنجاز البحريني.

الممثلون ..

في توزيع الأدوار، كانت المفاجأة، حيث أن جميع الفنانين من شباب ومخضرمين قد انخرطوا في حكاية بحرينية، نحو إصرارهم في تقديم ما عندهم حيال هذه التجربة، فمن بين هذا الحب برزت كعادتها الفنانة ماجدة سلطان ''شريفة''، ذات الصورة المرحة التي حملتها عبر طيات عباءتها، إنها صورة أهل البحرين الطيبين على سجيتهم، فهي الأسطورة في بعد انكي، وهي حاتم الطائي في وليمة الناس، زادها بسمة وزعتها هنا وهناك، وامتدّت حتى أهدتها الصورة الجميلة أن تزوج ابنتها بجذع نخلة، ما أعذب هذه البساطة القانعة بكل ما هو جميل، وماهو مفتاح للحب، إنها مفتاح هذه الحكاية، وكل المفاتيح قد اتضحت في ظل إبداع مريم زيمان وفاطمة عبد الرحيم ويوسف بوهلول، وعبد الله ملك، والوجوه الأخرى التي قدّمت عبر هذه الحكاية كل ما عندها، فكانت خير سفراء قادوا العمل الفني نحو بر الأمان، نحو كل البيوت المفتوحة بقلوب ساكنيها، إنها جدلية الروح للروح ، وذاكرة الحلم والحياة، فالحكاية بما حملت هي جزء من حكايات كثيرة عرفها وطننا، وكل حكاية لها صداها في الروح والذاكرة.

وبين الألم والواقع المرير، تظل الحكاية في حروفها واقع لحلم كلما صعب، كلما قربت حلقاته من الانتصار، هكذا جسّد حلمه بسام الذوادي ومن خلفه فريد رمضان، فكبرت الحكاية مع كل هؤلاء المخلصين والمبدعين، ليقدموا فيلماً ثالثاً في تجربة الذوادي كمخرج، فاتحاً لشراكة سينمائية بحرينية، هاجسها الصوت الشبابي والمضحي بالجهد والتعب، فالحكاية، حكايتنا التي سجّلت السينما أول خيوطها نحو الحلم، ونحو مسألة الروح عن غاياتها وعن عمقها المدفون في جدل لاينتهي حتى يبدأ، بين وجود كل هؤلاء الفنانين، ولدت حكاية فريد والذوادي، وكانت حكاية الكل في جدلها. فلكل من شارك في إظهار هذا العمل الفني للسينما، رسالة عانقت فينا حبهم وطمأنتنا أننا في البحرين، هذه الجزيرة المعطاء، يتناسل فيها الحب والإبداع.

وتظل الرسالة التي لوحت بمنديل عطائها، هي رسالة كل الناس في حزنهم وفرحهم هم مثابة القلب، أبناء هذه الأرض الطيبة.

الوطن البحرينية في 16 سبتمبر 2006

 
 
 
 
 
 
 
 

عدسة...

حكاية بحرينية.. رسم لأحلام المجتمع

سوسن دهنيم

بجرأتها وحضورها الأنيق تدخل موسيقى محمد حداد قاعة العرض، بكل ما تزخر به من دفء البحرينيين - حيث كان الكادر الموسيقي بحرينيا بأكمله ابتداء من المؤلف وامتدادا إلى العازفين مرورا بمهندسي الصوت - موسيقى مميزة كان لها حضور قوي أسست لبطل جديد لم يكن متواجدا في الدراما البحرينية بهذه الجدية وهذا التألق، رافقت أحداثا لم تكن كبقية الأحداث التي تؤثث بقية قاعات العرض في ذلك اليوم، حيث كانت تلك الأحداث تدور في البحرين بين عامي 1967 و ,1970 أحداث تتزامن مع نكسة 1967 وتمتد حتى موت الزعيم العربي جمال عبد الناصر الذي كان له حضوره وسيادته على الشعب البحريني باختلاف هوياته كبقية الشعوب التي لم تتوانَ عن نصرته عبر مسيرات لا تتجاوز الأحياء..

أحداث عبرت عن أحلام شخوص من المجتمع البحريني البسيط تكسرت إثر النكسة التي طالت هذا المجتمع باعتباره عربيا كان يعول على ''الرئيس'' كثيرا، صوّر تلك الأحداث الكاتب والروائي فريد رمضان عبر فيلم (حكاية بحرينية) الذي أخرجه المخرج البحريني بسام الذوادي عبر شخصيات تجسدت في واقعنا بمرارة وما زالت تتجسد.

حكاية بحرينية، حكاية رسمت أحلام الطفولة عبر خليفة الذي يمكنني اعتباره العين الراصدة لكل الأحداث، المراقبة عن بعد حتى تتمكن ذات يوم من تدوين ما رأته، خليفة الذي جسده الطفل نديم خليفة زيمان ببراعة وكتبه رمضان بواقعية وإخلاص حتى كأنك تشاهده مارا من أمامك في قاعة العرض لا محصورا في شاشة حبست وراءها ممثلين، كان له دور بارز بخلاف ما اعتدنا عليه في الدراما البحرينية حيث دائما ما يكون دور الطفل هامشيا إلا عبر أداء رقصات أو سيناريوهات تكون أقرب إلى الصمت، لم يكن خليفة الطفل الوحيد حيث كان سالم هو الطفل الثاني الذي يرافقه رحلاته بين البحر والبيت الذي يقضي معظم وقته على سطحه في قفص الحمام.

حكاية بحرينية حكاية رسمت أحلام الشباب كما رسمت أحلام الطفولة حيث أبرزت قصتي حب نجحت واحدة في لم شمل بطليها بينما أخفقت الأخرى، إذ تجسدت قمة المأساة عندما أحرقت فاطمة نفسها بعد تزويجها القهري من ابن عمها الذي كان يجرعها الذل والمرارة في كل مرة يلامس جسده جسدها مؤكدا لها أنها يجب أن تنسى حمد حبيبها الذي نسي جل أحلامه المعيشية والسياسية بعد رحيلها ليهاجر مخلفا وراءه أما وصديقا سقط شهيدا وشاهدا على الآلام، أما الحكاية الأخرى فهي الحكاية التي أعطت المشاهد الأمل من خلال منيرة التي تهرب مع حبيبها محمود (الشيعي) الذي رفضه والدها زوجا، وهنا قدم رمضان نموذجا كان موجودا ولا يزال في مجتمعنا البحريني الصغير الذي يحمل العديد من الطوائف والأجناس البشرية باختلاف مذاهبها ودياناتها أيضا وهذا ما أبدعه من خلال شخصية اليهودي الذي عاش صراعا نفسيا بين حبه لهؤلاء الناس وديانته من خلال مشاهد نجح المخرج في إخراجها وتجسيدها عبر اللقطات التي اقتنصها لردود أفعال هذا اليهودي.

حكاية بحرينية، حكاية تمثل حال المجتمع البحريني عبر انصياعه للثورات وأصحابها من خارج الشخوص البحرينية وذلك من خلال تقديسه للرئيس جمال عبد الناصر والذي لا يختلف كثيرا عما يحدث اليوم ويرفضه الكثير ممن يريد الاصطياد في المياه العكرة، وكأن الكاتب أراد أن يقول أن لكل زمان بطلا يعتبره هذا المجتمع المجبول على البساطة والانصياع لمشاعره الجياشة رئيسا وجدانيا يحترمه ويقدسه، دون أن ينسى وطنيته وانتمائه لبلاده في بادئ الأمر ومنتهاه، وذلك كان واضحا من خلال مقولة علي الذي جسده عبد الله ملك: ''العرب ما يصلحون من غير رئيس'' وكأنه كان لزاما على العرب أن يكونوا تحت ظل قامة سياسية تختبئ وراءها أحلامهم!

حكاية بحرينية حكاية تشي بأفكار كاتب النص إن جاز لي التخمين، حيث الاهتمام بالثقافة والكتاب من خلال الكتب المعروضة على رفوف حمد والروايات التي تقرأها منيرة..

الرفض والتمرد على الواقع الذي لا يروق له عن طريق بعض المواقف التي وشت به أكثر مما ينبغي من خلال تمرد بعض الشخصيات على واقع لا هم له إلا تهميشهم..

رفض الطائفية وتقسيم المجتمع من خلال هروب منيرة مع حبيبها الشيعي.. وغيرها من المواقف التي أوقفتني أمام شخصية فريد رمضان لا كاتب النص.

بشكل عام كان العرض مختلفا ذاك الذي حضرناه يوم السبت الفائت والذي وضع البحرين عن طريق المخرج بسام الذوادي والكاتب فريد رمضان والكادر التمثيلي الرائع والموسيقي محمد حداد وعلى رأسهم الشركة البحرينية للإنتاج السينمائي أمام أول خطوة على السلم السينمائي المتميز الذي سيحصد النجاحات الواحدة تلو الأخرى ما دام محافظا على هذا المستوى الذي نتمنى أن يتطور أكثر وأكثر في الأعمال القادمة من خلال تلافي بعض الجزئيات البسيطة التي مرت دون الالتفات إليها والتي لم تنقص من جمالية فيلم جعلنا نفخر بوجود مثله بين الأفلام العربية واضعا اسم البحرين مع بقية الدول الصانعة للسينما المميزة.

الوطن البحرينية في 16 سبتمبر 2006

 
 
 
 
 
 
 
 

المهرجانات العربية تتنافس على فيلم «حكاية بحرينية» لبسام الذوادي

عمان  ناجح حسن

في الوقت الذي بدأ فيه أكثر من مهرجان سينمائي عربي ودولي من بينها دبي ومراكش والقاهرة وأيام قرطاج السينمائية ونانت في فرنسا وسواها بالتنافس على عرض أحدث إنجاز سينمائي بحريني.. جرى في العاصمة البحرينية المنامة تنظيم أكثر من عرض خاص للفيلم السينمائي الروائي الطويل «حكاية بحرينية» أحدث أفلام المخرج البحريني بسام الذوادي وثالث أعماله الروائية الطويلة بعد عمليه السابقين: «الحاجز» 1990- الذي يعد أول فيلم بحريني طويل وفيلم- «زائر» 2004 وكلاهما جالا بالعديد في مهرجانات السينما العربية والدولية وآثارا الكثير من الجدل والإعجاب في أوساط السينما العربية .

وقد أمضى الذوادي فترة طويلة في الاستعدادات والتحضيرات اللازمة بغية الاتكاء على نص يتناغم مع البيئة التي نشأ فيها وعايشها جيل المخرج بما تنطوي عليه من سلوكيات وممارسات لأفراد بسطاء وتتضمن تعابير تجسد رؤيته الجمالية والفكرية بما يتناسب والحالة الاجتماعية والاقتصادية والسياسية التي عاشتها البحرين في أوضاع صعبة تشبه تحولات الحالة العربية عموما إبان حقبة عقد الستينات من القرن الماضي بكل ما كانت تحمله من آمال وآلام .

وعقب أن تجاوز الذوادي معضلة تأمين الميزانية الإنتاجية المناسبة التي بلغت ما يقارب المليون دولار اميركي انطلق في العمل على إنجاز مراحل تصوير الفيلم التي استمرت عدة شهور بطاقم تمثيلي وتقني محلي دارت أحداثه في أكثر من منطقة بالبحرين وعلى أطراف العاصمة لتتلاءم مع موضوعه الذي يعاين أحداث فترة قريبة من حياة المجتمع هناك وهي تتناول تأثيرات وقع هزيمة حرب العام 1967 على المجتمع البحريني من ناحية والمجتمع الخليجي عموما، من خلال خط درامي جريء يرمي إلى التميز في قدرته على استعادة لحكاية من صلب الواقع جمع فيه ثلاث نسوة وحكاياتهن التي تتلخص في ألام وابنتاها إضافة إلى شخصيات أخرى تدور من حولهم قصص فرعية قادمة من نسيج المجتمع.. وفيه تسعى كل شخصية إلى تحقيق ذاتها من خلال كسر تقاليد وأعراف سائدة تقف كالحاجز عائقا أمام طريقهم في الحياة .

فالأم كما يشير سيناريو العمل تعاني من قسوة الأب العامل البسيط الذي يعيش في عزلة عما يدور من حوله، وإحدى الابنتين تحب شابا منتميا لأحد الأحزاب وناشط في العمل السياسي، لكنها لا تتمكن من تحقيق حلمها بالزواج منه بسبب رفض الأب وجبروته مما يحتم عليها بان تأخذ على عاتقها بالعمل على فك قيدها بالتضحية في نفسها ، وعلى خلاف شقيقتها هناك الابنة الثانية التي تقيم علاقة مع شاب فاعل بالعمل السياسي ، كان قد دخل بيت العائلة وهو يعاني من جروح أصيب بها لحظة صدام مع الشرطة، فنجدها وقد اختارت مصيرها الشخصي باندفاع ذاتي بعيدا عن سلطة العائلة على الرغم من معارضة الأب، ولتتوج علاقتها بالشاب بالاقتران به في خطوة بدت أشبه ما يكون بالتمرد على المفاهيم الاجتماعية والسياسية الدارجة.

ترصد أحداث الفيلم التي كشف جانبا منها المخرج الذوادي للرأي في حديث مع كاتب هذه السطور بالتوثيق والذاكرة الشخصية للفترة بين أعوام 1967 إلى العام 1971 جوانب من الحياة اليومية في حقبة مليئة بالأحداث الجسام ، وشخصيات هامشية تعيش صراعا نفسيا بين انتمائها لوطنها ، ورغبتها في الحفاظ على علاقاتها الإنسانية داخل بيئتها الاجتماعية في حمى الصراع السياسي ، ونظرة الناس العاديين تجاه تداعيات تلك الأحداث ، فهناك شريحة العمال في صراعهم من أجل حقوقهم العمالية وحياتهم الإنسانية البسيطة، التي تدفع بأحدهم إلى مواجهة الموت في إحدى التظاهرات . وهناك أيضا نموذج العامل البسيط العاشق، الذي يخسر حبيبته بالتزامن مع سقوط وانهيار الأحلام برمتها.

بيد أن سيناريو الفيلم لا يلبث ان يقتفي مسحة من الأمل ليضعها بين شخوصه من خلال وجود فتى لم يتجاوز الثانية عشرة من عمره يبدو وكأنه محور الأحداث التي تتحرك من حوله.. فهو يراقب قسوة البيئة التي ينحدر منها ويتساءل دوما في حيرة بين محاولة فهم الأحاسيس والمشاعر الكامنة في أعماق تلك الشخصيات ورؤيته الطافحة بالبراءة والتسامح.

يجيء فيلم «حكاية بحرينية» ضمن حالة حراك مشهودة في خريطة المشهد السينمائي لمنطقة الخليج العربي حيث أعلن في الفترة القريبة الماضية عن ميلاد أكثر من فيلم روائي طويل سواء في سلطنة عمان أو السعودية وأيضا في دولتي الكويت والأمارات وسوى ذلك من مشاريع قيد الإنجاز في قطر.

يحسب لسيناريو الفيلم اقتحامه الجريء لمناطق جديدة في التناول السينمائي عايشتها ذاكرة جيل المخرج الشاب بتلك الفترة في البحرين و هي من المرات النادرة التي يسلط فيها الضوء على أناس لم يتم التعرض لهم سابقا في الدراما البحرينية التي يجري فيها توثيق هذه الفترة و تسجيلها على نحو يرتبط بالبعد الإنساني.

يشار أن المخرج السينمائي البحريني بسام الذوادي نال تعليمه السينمائي بين مصر والولايات المتحدة وهو يعمل حاليا في إدارة التلفزيون البحريني. وكان له دور مشهود على صعيد الثقافة السينمائية بالبحرين في تأسيس نادي البحرين للسينما بالمساهمة مع آخرين مثل : أمين صالح وحسن حداد وكاتب السيناريو فريد رمضان وسواهم كثير.

إنجاز فيلم «حكاية بحرينية» في مثل هذه الظروف التي تعاني منها السينما العربية أكثر من أزمة سواء على صعيد المضمون أو التمويل هو برهان أكيد على التصميم والمثابرة التي قادت مخرجه بان ينجح في وضع اسم بلده البحرين على خريطة المشهد السينمائي العربي .

الرأي الأردنية في 10 أكتوبر 2006

 
 
 
 
 
 
 

جميع الحقوق محفوظة لموقع سينماتك © 2004