تعرف على صاحب "سينماتك"  وعلى كل ما كتبه في السينما

Our Logo

  حول الموقعخارطة الموقعجديد الموقعما كـتـبـتـهسينما الدنيااشتعال الحوارأرشيف الموقعسجل الزوار 

الدائرة.. الإثارة بطريقة هادئة

آخر الإضافات المهمة في السينما الخليجية

فهد الاسطاء

أميل كثيرا إلى تحديد السينما الخليجية منذ إطلاق هذا المصطلح بتلك الأفلام التي تقدمها دول مجلس التعاون المتمثلة في السعودية والإمارات والكويت وقطر والبحرين وعمان حيث يظهر مستوى أعلى من التقارب في الفكر والواقع الاجتماعي والتماثل في ظروف النشأة، فيما يمكن الحديث عن السينما العراقية بصورة مستقلة باعتبارها السينما الأقدم والأغزر إنتاجا والتي يعتبرها بعض المؤرخين كرابع الصناعات السينمائية في الوطن العربي، إذ تعود بدايات العروض السينمائية فيها إلى بداية القرن العشرين بينما كانت بوادر صناعة الفيلم العراقي في أربعينات القرن الماضي. ولذا فهي أيضا الأقدر على مجاراة التطور السينمائي والمنافسة في مختلف المهرجانات السينمائية خاصة ما يتعلق بسينما المهجر العراقية وهو ما نشهده في حضورها في أشهر المهرجانات السينمائية في العالم. ولذا فانه حينما يأتي الحديث عن السينما الخليجية في الوقت الحالي وهو الوقت الذي يشهد تطورا على مستوى الكم والكيف في صناعة الفيلم الروائي الطويل فإنه لا يكاد يذكر التاريخ السينمائي سوى تجارب نادرة أهمها الفيلم الكويتي للمخرج خالد الصديق «بس يا بحر» في سبعينات القرن الماضي.

لكننا في نفس الوقت ليس لدينا حتى هذه اللحظة ما يمكن أن يكرس مصطلح السينما الخليجية، حيث مازلنا نشهد قلة التجارب الفيلمية المعتبرة أيضا بينما تراوحت معظم الأفلام الخليجية مؤخرا ما بين أفلام الشركات التجارية كفيلمي روتانا «كيف الحال» و«مناحي» أو أفلام الجهود الفردية الارتجالية مثل الإماراتي «عقاب» والسعودي «صباح الليل» والكويتي «منتصف الليل» و«شباب كول» وفيلم «طرب فايشن» بالإضافة لعدد من التجارب الشبابية التي تفرزها مثل مهرجانات دولة الإمارات السينمائية فيما يمكن حصر الأفلام الفنية بتجارب محدودة هي الأخرى مثل الفيلم البحريني «حكاية بحرينية» للمخرج بسام الذوادي أو «ظلال الصمت» للسعودي عبد الله المحيسن.

ومؤخرا كان لنا موعد مع فيلم جديد ربما يشكل في الوقت نفسه استفاقة أخرى للسينما الخليجية ويكاد يكون الإضافة الأهم حتى الآن على المستوى الفني لهذه الأفلام حينما قدم المخرج الشاب الإماراتي نواف الجناحي تجربته الأولى مع الفيلم الروائي الطويل «الدائرة».

والذي عرف وتابع الجناحي منذ بداياته في عالم الإخراج لا يمكن أن ينتظر أقل مما شاهد عبر هذا الفيلم الجميل الذي هو في الوقت نفسه أشبه بأولى ثمرات الحركة السينمائية الإماراتية الشابة التي بدأت في السنوات الأخيرة بقيادة السينمائي الكبير مسعود أمر الله مدير مهرجان دبي والخليج السينمائيين. فمنذ بدايات المخرج الجناحي الأولى مع الأفلام القصيرة قبل خمس سنوات في «هاجس» ثم «على طريق» ثم «أرواح» وأخير أفضل تجاربه القصيرة «مرايا الصمت» الذي طاف العديد من المهرجانات السينمائية للأفلام القصيرة، حقق الكثير من الإنجازات والإشادة قبل أن يتوجه لتقديم فيلمه الطويل الأول بإنتاج مشترك من مجموعة «إم بي سي»، الذي سعى من خلال كتابته للنص إلى تكوين المعادلة الأصعب التي تجمع ما بين الناحية الفنية والتي تكون غالبا محور اهتمام النقاد والمتابعين، وهو ما نجح فيه إلى حد كبير حينما تلقى العديد من الإشادات والانطباعات الجيدة وقت عرض الفيلم في قسم أضواء في مهرجان الخليج السينمائي الثاني في دبي ابريل (نيسان) الماضي وما بين الناحية الشعبية التي تستدعي الحضور الجماهيري، وهو ما حققه أيضا بطريقة جيدة حيث تشير الأخبار إلى نفاد التذاكر قبل بدء العرض حينما تم عرض الفيلم في الصالات التجارية قبل أسبوعين.

وحقق الجناحي هذا النجاح لاعتماده في كتابته للنص على قصة تحمل جانبا كبيرا من الترقب والإثارة لكنه تناولها بأكبر قدر من الهدوء والتروي ليترك مجالا أكبر للتعمق في شخصيات الفيلم وفرز مستوى العلاقة بينها والمراوحة في إيقاع الفيلم بما يترك للحدث فرصته من التأثير والتحليل، أي أنه من نوعية الأفلام التي ترغب بعد مشاهدته بالحديث مع آخرين حوله والتأكيد على تلك المشاهد المؤثرة أو حتى الاختلاف حول مدلولاتها. وبحسب علمي، كان الجناحي قد أخذ وقته جيدا في كتابة النص، في الوقت الذي تكفل أيضا الأستاذ مسعود أمر الله بالمعالجة الدرامية مما يعطينا شعورا بأن من وقف خلف هذا الفيلم كان يملك حسا كبيرا من المسؤولية تتجاوز إعجاب الجمهور والنقاد إلى الحرص على تكريس البعد الفني للأفلام الخليجية وتدشين سلسلة من هذا المستوى الإنتاجي لينعكس في الأخير على مستوى السينما الخليجية بشكل عام.

يحكي الفيلم قصة إبراهيم (قام الممثل السعودي عبد المحسن النمر بأداء رائع لهذا الدور)، وهو شاب صحافي يعاني من مرض مميت في الوقت الذي يعاني قلقا شديدا واضطرابا في حياته ينعكس حتى على مستوى الاطمئنان العائلي بسبب مشكلته مع شريكه في أحد المشاريع التجارية الذي يعتقد إبراهيم أنه يعمل بصورة غير قانونية وأنه قد أخذ نصيبه من المال في هذه الشراكة، ويسعى لاسترداد ماله من أجل الاطمئنان على وضع زوجته التي لا تدري عن مرضه شيئا. وتسوق الأقدار إبراهيم ليشهد عملية سرقة في أحد بيوت الجيران يقوم بها المجرم المحترف شهاب (الإماراتي علي الجابري في تمثيل استثنائي) وهو الذي يجد نفسه مجبرا على مواصلة هذه العمليات الإجرامية لتسديد دينه الكبير تجاه رئيسه قبل أن يتخلى عن هذا العمل للعناية بأخته. وبطريقة دراماتيكية يلتقي الصحافي إبراهيم والمجرم شهاب وسط عملية السرقة التي يقوم بها شهاب. ويحدث بينهما حوار فلسفي يعيد للأذهان جدليات الإنسان ونسبية الأخلاق ومفهوم الصواب والخطأ، وهو المشهد الذي استنفر الطاقة التمثيلية الرائعة للممثلين لإعطاء أكبر قدر ممكن من الواقعية والإمساك بخيط الانسجام الذي يرسمه المخرج لينتهي باتفاق بينهما على القيام بعملية تبادل مصالح فيما ستأخذ الأحداث منحى آخر.

وبالإضافة إلى تمكن المخرج (الذي شارك في التمثيل هو الآخر) من توجيه ممثليه بطريقة جيدة، كان للتوظيف الجميل للإضاءة وزوايا التصوير دور مهم في تكوين المشاهد بثيمتها الرئيسية القائمة على التروي والإيقاع الهادئ ومسحة القلق والكآبة التي تعكسها أيضا شخصيات الفيلم الرئيسية.

أعتقد أن نواف الجناحي هو جزء من منظومة شبابية تعمل في السينما، وكانت وراء تجاوز دولة الإمارات لباقي الدول الخليجية قد ساهم بهذه الحركة في نوع من الإلهام الذي من شأنه أن يستثير من جديد طموحات بقية الشباب السينمائي الخليجي ليقدموا هم أيضا تجاربهم في الفيلم الروائي الطويل بعد سنوات من العمل على مستوى الأفلام القصيرة، ليتحقق في النهاية ما كان الكثير يقولونه من أن السينما الخليجية ينتظرها مستقبل مشرق يضعها في مصاف سينما الوطن العربي الشهيرة، معلق بأفكار وطموحات هؤلاء الشباب.

falesta@gmail.com

الشرق الأوسط في

29/05/2009

 

جميع الحقوق محفوظة لموقع سينماتك
  (2004 - 2009)