تعرف على صاحب "سينماتك"  وعلى كل ما كتبه في السينما

Our Logo

  حول الموقعخارطة الموقعجديد الموقعما كـتـبـتـهسينما الدنيااشتعال الحوارأرشيف الموقعسجل الزوار 

خالد يوسف.. المخرج الذى فقد فنه

كتب : احمد باشا

إذا ختمنا على فم «خالد يوسف» الناطق دوما.. لتكلمنا أفلامه.. وتشهد عليه أعماله التسعة.. التى لاقى بعضها نجاحا جماهيريا.. وجاء معظمها مغايرا للموجة السينمائية السائدة فى حينها.. يأتى خالد فى آخر صف مخرجى الواقعية الاجتماعية التى قدمها فى «هى فوضى» و«حين ميسرة»، وأخيرا «دكان شحاتة»، فلا يمكن أن تقارن لغته السينمائية بصلاح أبوسيف ولا رؤيته الاجتماعية بعاطف الطيب أما فى تجربته الفلسفية - كما يصفها هو - «الريس عمر حرب» فيحتل خالد المركز بعد الأخير إذا صحت مقارنته بداود عبدالسيد ورأفت الميهى، بل حتى وهو مَن يصف نفسه بالتلميذ لسينما أستاذه ومربيه فنيا يوسف شاهين، لا يمت ما قدمه خالد طوال مشواره بما فيه التجربة الإخراجية المشتركة مع «چو» لفيلم «هى فوضى» بأى صلة «شاهينية» من حيث ثراء السينما فى كادرات المشاهد وجماليات الصورة والمؤثرات لينتهى الدرس برحيل الأستاذ، ذلك إذا كان هناك درس أصلا!

ومع ذلك لا يمكن لأحد أن يبخس حق خالد وموهبته فى اصطياد أفكار جريئة وانحيازه لمشاهد صادمة، ولرؤى وأفكار قد يتعارض بعضها مع السلطة والدين والمجتمع، وأحيانا مع الفن نفسه.. وكلها خلطة نجاح مثيرة.. إذا أضفنا إليها معاركه التى يتعمدها مع الرقابة ووسائل الإعلام وأجهزة الدولة مع كل عمل يطرح له.. وكلها سمات ثورية ميزت شخصية خالد يوسف صاحب المرجعية اليسارية التى انطوى تحت لواء أفكارها منذ أن كان طالبا فى كلية الهندسة بشبرا - جامعة بنها - التى تخرج فيها 1990 ورأس وقتها اتحاد الطلاب بالجامعة، وشهدت تلك الفترة تشكيله سياسيا وفنيا، حيث أخرج حينها مسرحية غنائية راقصة مع بعض الطلبة، تسببت فى حالة من الضيق بالجامعة بسبب احتوائها على مشاهد لا تليق حسب الجامعة، وإن كانت مبشرة لفكر خالد يوسف، الذى كان عضوا بارزا وقائدا فى المظاهرات الجامعية التى صورته «بطلا» فى أعين زميلاته اللاتى التففن حوله لمواقفه ومعاركه التى جرها إلى مشواره الفنى لتخرج أفلامه زاعقة تماما مثل المظاهرات التى كان يقودها!

مشروع سياسى

ربما تأثير اليسار فى حياة خالد يوسف جعله ينحاز إلى قضايا اجتماعية وسياسية ودينية، حاول التعبير عنها فى أفلامه بالتسليط على المهمشين فى «حين ميسرة» و«دكان شحاتة»، ومقاومة السلطة فى «هى فوضى»، وإدانة الأغنياء فى «ويجا» و«خيانة مشروعة»، واللافت أنها كلها تأتى خلافا لنشأة خالد يوسف المولود فى1965 بقرية «كفر شكر» بمحافظة القليوبية، لأب كان يشغل منصب العمدة، وله شقيق ضابط شرطة - مأمور قسم الخصوص - وأقارب عدة فى جهاز الشرطة منهم أبناء شقيقته، ومع ذلك يعمد خالد إلى الهجوم العنيف على جهاز الشرطة وتصويره سلبيا دائما سواء فى أفلامه أو فى تصريحاته الصحفية! وربما كون القرية مسقط رأسه هى نفسها معقل «آل محيى الدين» بانتماءاتها السياسية المختلفة، إلا أنها كانت سببا فى تأثر خالد يوسف بشخصية واتجاهات كبير العائلة خالد محيى الدين، الذى كان فى الوقت نفسه صديق والد خالد يوسف، ويبدو أن المخرج خالد يوسف منحاز إلى أفكاره السياسية على حساب أعماله الفنية التى توجته ليحصل على ميدالية «زعيم الحزب خالد محيى الدين»، من حزب التجمع فى إطار احتفاله بعيد تأسيسه الثالث والثلاثين، والتى تعد أرفع وسام يمنحه الحزب تقديرا لأعماله الفنية وأفكاره السياسية والسينمائية!

خيانة

وفى سبيل ذلك يخون «خالد يوسف» الدراما لصالح السياسة، فلم يستطع تخيل فيلم بوليسى له «خيانة مشروعة» لا يحتمل سوى إطلاق الألغاز ومحاولة حلها، ولا يطيق سوى مشاهد المطاردات فيقحم فيه ما ليس له محل من الإعراب الفنى، وأقصد لىّ عنق الدراما بجعل «مى عز الدين» صحفية لتكون المبرر فى الاستعانة بظهور «إبراهيم عيسى» كرئيس تحرير صحيفة معارضة يتحدث عن محاربة الفساد، وكذلك «ظهور كمال أبو عيطة» أشهر متظاهر يسارى كمرشح فى انتخابات مجلس الشعب! وهى نفس السقطة الدرامية فى فيلمه الجديد «دكان شحاتة».. المتأثر بقصة النبى يوسف فى سياق معاصر، ويتماس مع «الإخوة الأعداء »حيث لا ينسى السيناريو فيه إقحام الخط السياسى المتصاعد مع الأحداث التى تصل إلى الانتخابات الرئاسية الأخيرة، حيث نجد لافتات المرشحين الرئيسيين أيمن نور ونعمان جمعة مع الرئيس مبارك واضحة.. كما يحاول الخوض فى خبايا تلك الانتخابات مثل الاستعانة بالبلطجة والرشاوى الخفية وسائقى الميكروباصات دون أن نعرف من هو بالتحديد المرشح الذى يفعل ذلك! وكان مشهده فى حفل ختام وتوزيع جوائز المهرجان القومى للسينما حين صعد لتسلم جائزة الإخراج عن فيلم «الريس عمر حرب» وتركه لمنصة التتويج ليتوجه لمصافحة وتحية «جمال الغيطانى» - رئيس لجنة التحكيم - عندما ذكر وطالب فى كلمته بإلغاء الرقابة فى وجود على أبوشادى - رئيس الرقابة - الخطوة الأولى فى مخطط خالد يوسف المتجدد مع كل عمل له، ومحاولة جر الرأى العام والميديا إلى موقفه وتسريب أخبار مغلوطة عن فيلمه ومنعه رقابيا لحشد اهتمام جماهيرى يضمن له إيرادا فى موسم سينمائى ضيق الوقت ومشحون بكثير من الأعمال! خالد يجيد صناعة اللعبة إعلاميا.. والزج بأسماء مسئولين وأجهزة للفت الأنظار.. فبعد معركة فيلمه الثانى «زواج بقرار جمهورى» الذى تعطل بسبب إصراره على ظهور مشهد لرئيس الجمهورية فيه، وتوسط د. زكريا عزمى - رئيس ديوان رئيس الجمهورية - بالسماح بالمشهد وعرض الفيلم به.. عاد خالد ليكرر الأمر نفسه والإشارة إلى لجوئه إلى الرئيس فى حالة إصرار الرقابة على حذف مشهد من فيلم «دكان شحاتة» وهو نفسه الذى حمل النظام الحالى ما يتعرض له فيلمه كما يقول! كما خان خالد مشروعه الفنى لصالح مشروعه السياسى.. فهاهو يخون الأخير فى سبيل مصالح ومآرب ستكشفها الأيام القادمة، والتى خلع فيها عباءة النضال السياسى والمعارض العتيد ليتحالف مع البيزنس فى إطار مشروع مهرجان سينمائى تجارى وسياحى فى مدينة شرم الشيخ يتم الإعداد له حاليا، والذى يتولى تمويله كامل أبو على المنتج الأثير والأكثر تعاونا مع خالد يوسف الذى استغل صداقته وعلاقته الوطيدة به لإقامة المهرجان، وهو من أفكار خالد والدافع والمحرك له، والذى جرت فيه خطوات طويلة بدءا من اعتماد ميزانية له تصل إلى 100 مليون جنيه، واختيار يسرا لرئاسته، والتى اشترطت بدورها وجود «عمرو بدر» - أحد خبراء السياحة المرموقين - لتسويقه سياحيا وعالميا.. كما يشارك فى تمويله وتوفير مقر له رجل الأعمال حسين سالم ومعه نجيب ساويرس! فكيف لرجل يناضل ضد الدولة، ورجال أعمالها ومسئوليها.. يحمل على أكتافه أفكار اليسار.. أن يتحرر من كل ذلك فجأة.. ليضع يدا معهم وأخرى فى أعينهم؟!

للجنس فقط

يظل «خالد يوسف» طاهيا جيدا للطبخة السينمائية الجماهيرية.. وفيها تكمن موهبته وتميزه، بإضافة مقادير من العنف والمخدرات والدعارة، ولا مانع من إضافة بعض السياسة أو الفكاهة، وقبل كل ذلك الكثير من الجنس، وشعرة حذرة من الدين. وكما أن للجنس أهمية كبرى لدى «خالد يوسف» جعلت تلك المشاهد فى أفلامه عبارة عن تنويعات جنسية من اغتصاب وشذوذ وسادية.. تشعرك أنه ينشغل كثيرا فى إعداده لتلك المشاهد ومحاولة تبريرها دراميا! عادة ما تسقط أى تبريرات لخالد أمام مشاهده الجنسية.. فلا سبيل أمامه سوى التلحف بحقه فى حرية التعبير، وتقديم الصورة كما يريدها بصفته مخرج العمل والمسئول عنه.. وحقيقة لا علاقة بين دفوع خالد وما يلجأ له من مط وتطويل لمشهد اغتصاب فج لسمية الخشاب نرى فيه ملابسها الداخلية «الشورت» يخلع منها عنوة وهى على السرير فى «حين ميسرة»، أو إقحام «غادة عبد الرازق» فى معركتين نسائيتين استعمل فيهما شد الشعر والسب والصفع، على كل ذلك يؤسس لساديتها وشبقها الجنسى الذى يظهر فجأة عند رؤيتها للدم كما هو فى «الريس عمر حرب»! عموما تبدو المقادير مختلة فى يد «خالد» لتخرج الطبخة السينمائية حارة أكثر من اللازم، وبنكهة الإثارة الفجة بما لا يستطيع المشاهد أن يتذوقها.. وهو يصر أن نتناول منها ونهضمها! وبذلك يقدم نفسه كمعادل ذكورى للاعتماد على الجنس كعنصر فاعل فى كل أعماله الدرامية، فى مقابل «إيناس الدغيدى» التى كانت لها الأسبقية لكنه تجاوزها بمراحل! الفارق بين «خالد» و«إيناس».. كون الأخيرة لم تحمل مشاهدها وأفلامها أى أبعاد سياسية إلا نادرا، وإنما تعزوها إلى قضايا ومشكلات اجتماعية واقتصادية تكون دافعا للجنس ومشاهده.. بخلاف «خالد» الذى يعمد إلى خلط كل عناصر الإثارة سواء استقامت مع بعضها أم لا !

ضد الرقابة

إذا كان كل ما تقدم قد يحسبه البعض ضد «خالد يوسف» فإن كسره تابو الرقابة، وتقليم مقص الرقيب فى أفلامه أمر جدير بالملاحظة والإشادة بقدرته على الدفاع عن فنه ورؤيته.. وإن كان الأسلوب الذى يعتمد عليه فى ذلك يحسب ضده بإدارة المعركة بافتعال مبالغ فيه يصل إلى حد الترهيب، بل يعمد إلى سبق الأحداث بإثارة جدل حول فيلمه حتى قبل عرضه على الرقابة بالتشهير الإعلامى المتجاوز.. مع أن الرقابة مع تعنتها أحيانا قد تستجيب فى حالات الإبداع الفنى الحقيقى مع مبدعين آخرين غيره بالحوار وليس بالشجار ! .. للدرجة التى تتصور فيها أن «خالد» ورفيقه فى أفلامه الأخيرة السيناريست «ناصر عبد الرحمن» يضعان فى ذهنيهما كل ما قد تعترض عليه الرقابة ليضماه إلى أفلامهما فى مرحلة الكتابة ثم التصوير، وكل ذلك دفع كثيرا من النقاد ليصنفوا «خالد يوسف» كواحد من المخرجين الباحثين عن الإثارة والجدل، ويعتقد بعضهم أن هذا النوع من الفن يعد من أساليب البحث عن الشهرة فقط لا غير دون النظر إلى المضمون والهدف، بل يصل الأمر إلى أن يرى فى ذلك سبيلا لسقوط السينما وانحدارها!

ستار ميكر

يتمتع «خالد يوسف» بقدرة صنع هالة من النجومية المفتعلة حول أبطال أعماله أو من يقبلون العمل معه.. فيشترط فيهم الطاعة العمياء ويضعهم فى مناطق الجدل التى تجعلهم تحت أضواء النقد لفترات من الزمن خصوصا النساء منهم! .. واللاتى عادة يخرجن للحديث عن «الأستاذ» - كما ينادون خالد - وعبقريته الفنية وقدرته على توظيف أصعب المشاهد وأكثرها إثارة فى سياق العمل.. وهو ما يدفع تلك الأقاويل لترتفع إلى مرتبة أعلى فى المدح المتبادل بين خالد وبطلات أفلامه، تصل إلى حد انتشار الشائعات عن ارتباط مرتقب بينهما.. جرى ذلك مع سمية الخشاب، ومنة شلبى التى وصل الأمر إلى إعلان الخطوبة تليفزيونيا من طرف واحد «منة»، رغم اعتراض والدتها، لكون خالد متزوجا حتى تم فسخ الخطبة ! أخيرا.. فوت «خالد» على نفسه فرصة عمره ليقود تيارا وجيلا من المخرجين الجادين فى ظرف إنتاجى وسياسى يسمح له بالكثير من غيره، ويقدم سينما تخاطب العقل، لا أن تسقط به إلى ما بين الرجلين.. فسينما خالد يوسف التى يقول أنها واقعية تميل إلى التسجيلية النمطية وابتعدت عن الخيال والجماليات فلم يضف شيئا، أو حتى يتعامل معها بلغة درامية وسينمائية!

ويبدو أنه أدمن الهجوم المنظم والمرتب والمدبر تجاه كل الدنيا.. وفى المقابل يلقى من مصير ما صنعت يداه من الجمهور والنقاد.. فلم يبق أمامه سوى الاستمرار فى تقديم ما يؤمن به وما علينا إلا النقد.

روز اليوسف المصرية في

16/05/2009

 

جميع الحقوق محفوظة لموقع سينماتك
  (2004 - 2009)