تعرف على صاحب "سينماتك"  وعلى كل ما كتبه في السينما

Our Logo

  حول الموقعخارطة الموقعجديد الموقعما كـتـبـتـهسينما الدنيااشتعال الحوارأرشيف الموقعسجل الزوار 

ضوء

سينما زمن البراءة

عدنان مدانات

تهيمن مشاعر رومانسية على الكثيرين ممن أوغلوا في العمر عندما يتذكرون الأفلام القديمة التي تعايشوا معها وأحبوها أو أثرت فيهم في سنوات صباهم سواء من خلال القصص التي ترويها أو من خلال ممثليها وممثلاتها، فيتحدثون عنها باعتبارها سينما الماضي الجميل البريء.

يستخدم عامة الناس عند الإشارة إلى سينما صفة محببة تعكسها تعابير من نوع “سحر السينما أيام زمان” فتملأ المشاعر بالحنين لأفلام سواء أكانت بالأبيض والأسود أم بالألوان، وتوقظ الذاكرة التي تستعيد علاقاتها مع تلك السينما مصفية إياها من عيوبها، راسمة لها صورة زاهية نقية من الشوائب، ففي ذاكرة الناس أن “سينما أيام زمان” كانت سينما جميلة ناعمة تروي قصصا تدغدغ المشاعر، لا عنف فيها، ممتعة في أجوائها وتعتمد على ممثلين وممثلات تحولوا إلى نجوم محبوبين بين أوساط جماهير المشاهدين.

لا تنتمي سينما الماضي فقط إلى زمن طفولة أو صبا المشاهدين الذين يتذكرونها بحب، بل تنتمي أيضا إلى زمن طفولة وصبا السينما نفسها، زمن براءة الناس وبراءة السينما، لهذا أصبحت تلك الأفلام جزءا من الماضي ومجالاً رحباً لذاكرة حية لطفولة السينما وطفولة المتفرج.

سينما أيام زمان كانت، في معظمها المتاح للعروض الجماهيرية، سينما مثالية، سينما كانت توصف بأنها مصنع للأحلام، وتعكس صورة غير حقيقية للواقع ولمشاكل الإنسان وتقدم شخصيات تبدو كأنها تعيش خارج الزمن، وهذا الجانب الآخر من تلك السينما القديمة هو ما كان يعتبره النقاد والسينمائيون الجادون أمراً سلبياً، في حين أنه هو ما كان يعجب ويثير المشاهدين ويدغدغ أحلامهم ويؤثر في أفكارهم وعاداتهم وسلوكهم.

تمتاز السينما عن غيرها من الفنون بارتباطها الوثيق بالذاكرة الإنسانية. بقية الفنون والآداب السابقة على السينما نشأت في زمن سحيق موغل في القدم وغائر في التاريخ. ولذلك فهي، بالنسبة لإنسان القرن العشرين وما بعده، لا تشكل ذاكرة شخصية، أما السينما التي ولدت منذ قرن ونيف من الزمن فقط،  فهي من عمر جيلين من البشر، أولهما جيل ولدت معه وولد معها ورافقته من الطفولة إلى الشيخوخة، أو كما يقال، من المهد إلى اللحد.

وثانيهما، جيل ولد معها ولا يزال يعايشها. والسينما لذلك اكتسبت صفة الذاكرة الحية القريبة العهد ولم تصبح تاريخا أو تراثا من الماضي، وذلك لأن الذاكرة، سواء كانت قريبة أو بعيدة العهد، تبقى ملتبسة ومخادعة، تحكمها المشاعر والانفعالات والحاجات النفسية والرغبات الدفينة وليس المحاكمة العقلية المنطقية الباردة  والموضوعية المجردة من الأهواء الشخصية.

كانت أفلام زمان تصنع وفق نوايا طيبة ومخلصة لهذا الفن الجديد. وكانت مواضيعها وحكاياتها تمتع الناس أو تؤثر فيهم منسجمة أو متوافقة مع مستوى الوعي العام آنذاك بالفن السينمائي والخبرة الإنسانية المتحصلة في هذا المجال. ولكن تلك السينما لم تكن تخلو من سذاجة  وتبدو في كثير من الأحيان أشبه بلعبة مسلية متبادلة بين صانعي الفيلم وبين الجمهور المتفاعل معها.

هذا النوع من العلاقة المرتبط بالذاكرة والحنين، هو ما كانت تنفرد به السينما وتتميز به عن غيرها من الفنون والآداب، فالأعمال الأدبية، مهما أعجب بها القارئ في شبابه أو صباه ومهما ظل يتذكرها باعتبارها إبداعا ذا قيمة عالية، فإنها لن توقظ في نفوس الناس مشاعر الحنين.

لا تتمتع السينما المعاصرة الساعية وراء الترويج الجماهيري بتلك الخاصية التي تتمتع بها السينما القديمة، من حيث إمكانية امتدادها في الزمن وتحولها إلى ذاكرة تستعاد بمشاعر الحنين، فالسينما التجارية المعاصرة بغالبيتها تفتقد براءة العلاقة بفن السينما وتمتلئ بالمشاهد والأحداث التي لا يطيب للمرء تخزينها في الذاكرة، خاصة مشاهد العنف والقتال والجرائم والجنس الفاحش، والتي لا تقتصر على أفلام الكبار، بل تشمل حتى أفلام الصغار بما فيها أفلام الرسوم المتحركة التي فقدت بدورها براءتها.

وهو أمر بات بإمكان المشاهد العصري ابن زماننا، التأكد منه، من دون أن يمنعه ذلك من تقبل الأفلام والاستمتاع بمشاهدتها، والمشكلة تكمن هنا في أن تعامل غالبية الناس مع  السينما لا يتم بوصفها فناً له استحقاقاته ويجب تقييمها كذلك ، بل في استمرار التعامل مع السينما على أنها وسيلة ترفيه وتشويق وإثارة ولو لزمن محدود لا يبقى له أثر بعدما ينتهي.

الخليج الإماراتية في

16/05/2009

 

جميع الحقوق محفوظة لموقع سينماتك
  (2004 - 2009)