تعرف على صاحب "سينماتك"  وعلى كل ما كتبه في السينما

Our Logo

  حول الموقعخارطة الموقعجديد الموقعما كـتـبـتـهسينما الدنيااشتعال الحوارأرشيف الموقعسجل الزوار 

السينما الخليجية.. آفاق وعقبات

حظي فيلم كيف الحال الذي حاولت الجهة المنتجة أن تسوقه كأول فيلم سعودي بكثير من التغطية الإعلانية على القنوات الفضائية التي تتبع الشركة المنتجة نفسها، اعتبره البعض فتحا فنيا وانقلابا في النظرة للفن في المملكة العربية السعودية تحديدا، وهذه مغالطة أخرى لأن الإبداع السعودي في مختلف المجالات من رواية وقصة وشعر وفن تشكيلي وحتى موسيقى متقدم ويمثل حالة تستحق الدراسة بالفعل، والدراما السعودية قدمت أيضا الكثير من الأعمال المتميزة التي تميزت في جرأتها على النقد الاجتماعي، أما السينما فبقيت تظهر في محاولات شبابية مختلفة تركت على محدوديتها تركت أثرا طيبا لدى المتابعين القلائل الذين حظوا بفرصة مشاهدتها.

كيف الحال لم يكن سوى مجرد فيلم تجاري أو سهرة تلفزيونية تقدم على شاشات السينما، مجرد صور لا تختلف كثيرا عن كليبات الأغاني ولكن المتقنة منها في وجود مخرج كندي من أصول فلسطينية ازيدور مسلم مع سيناريو كتبه المؤلف السينمائي المصري بلال فضل في قصة حاولت أن تعطي انطباعا بفهم حقيقة التحولات الاجتماعية في السعودية وفشلت في ذلك بصورة ذريعة، وحتى المشاركة في مهرجان كان لم تكن كافية لتقنع أحدا بجودة الفيلم أو حتى أهليته ليمثل الوجه السينمائي لحركة الإبداع السعودية، وفوق ذلك حاول السطو على ريادية فيلم آخر وهو ''ظلال الصمت'' الذي قدمه المخرج السعودي عبدالله المحيسن الذي قدم تجربة معقولة في السينما الوثائقية، والفيلم لم يكن يناقش مجرد حبكة اجتماعية خفيفة ومسلية ولكن قضايا تتعلق بالإنسان العربي وعلاقاته بالماضي والمستقبل والمخاوف والهواجس التي يحملها في ظل ثقافة منغلقة يواجهها إما بالانصياع أو التمرد، واستطاع الفيلم أن يشارك في العديد من المهرجانات الدولية مثل مهرجان روما وكان وروتردام دون ذلك الدعم المفرط إعلانيا وترويجيا.

عادت السينما السعودية لتقدم في الموسم الأخير فيلم كوميدي خفيف يحاول أن يقدم الممثل فايز المالكي في دور يندرج تحت المصطلح الشائع في الكوميديا وهو Slapstick وهو الكوميديا التي تعتمد على المبالغة في الأداء الحركي، وليس بالضرورة طبعا أن يحال ذلك إلى أنها كوميديا رخيصة أو تهريجية كما توحي الترجمة الحرفية ولكنها نوع من الأداء يمكن أن يقدم بصورة راقية مثلما كان شارلي شابلن وجيم كاري أو صورة رخيصة ومبتذلة مثل أداء الممثل المصري محمد سعد، وفايز المالكي يقع في مرتبة وسط بين الرقي والابتذال ولكنه وفي ظل اعتبارات بدايات السينما السعودية يعتبر خطوة مبشرة على أية حال، مناحي كان أول فيلم يعرض في السعودية وتم افتتاح عروضه في مدينة جدة التي تعد من أكثر المدن السعودية انفتاحا، مما أثار العديد من السجالات بين التيارات المحافظة والمعتدلين في السعودية انتهت بموقف يعتبر تاريخيا لرئيس هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر التي تمثل رأس الحربة للتيارات المحافظة في السعودية الذي صرح بأنه لا يمانع من عرض بعض الأفلام السينمائية إذا كانت تدعو إلى الخير، وهذه الرؤية تنسجم تاريخيا مع رؤية الإسلام للشعر الذي جعل موضوع القصيدة هو المعيار الأساسي للحكم عليها.

هذه المقدمة الطويلة عن التطورات الأخيرة في السينما السعودية هو مدخل لمناقشة السينما الخليجية التي يمكن أن تعد إضافة حقيقية للإبداع البصري العربي كما قدمت الدراما الخليجية في الثمانينيات والتسعينيات، أما الدراما الخليجية الجديدة فإنها تمثل حالتها الخاصة التي تطرح قضايا لا يمكن فهمها من خارج الخصوصية الخليجية، لذلك فإن الأحكام على هذه الدراما تمثل تعسفا فكريا إذا وضعت خارج إطار الظروف السائدة في منطقة الخليج العربي وما يصاحبها من هموم وأسئلة اجتماعية، ولكن عدم النضج وغياب المهنية التي يعاني منه النقد الخليجي بشكل عام يبقي كل التجربة الدرامية ضحية انطباعات بعيدة في الغالب عن النقد الفني البناء.

السينما الخليجية لا يمكن أن تستمر أسيرة هذه المحاولات التجارية فقط، فمنطق الأشياء يؤشر على أن الكم بالضرورة يؤدي إلى ظهور إضافات نوعية ولو كانت محدودة، والعجلة عندما تدور تفرض ظروفا أخرى ليس من الصعب التكهن بها بقراءة التجارب السينمائية الخليجية السابقة وخاصة في الكويت والبحرين، والتي كانت تمثل الإرهاصات الأولى التي تراجعت بسرعة أمام ثقافة الرخاء المادي التي ولدت لاحقا ثقافة موازية للاسترخاء الفكري أخذت في التراجع مع المستجدات التي واجهت الإنسان الخليجي ودفعته لرؤية تحمل بعدا حداثيا ولو محدودا للعالم.

فيلم ''بس يا بحر'' الذي قدمه المخرج الكويتي خالد الصديق سنة 1972 يعد بمثابة بيضة الديك في السينما الخليجية وأحد أفضل التجارب السينمائية العربية ككل، فهو لوحة فنية في بساطتها يمكن أن تستدعي للذاكرة رائعة شادي عبد السلام المومياء، فالفيلم ينطلق من ظروف الحياة السائدة في الكويت قبل الطفرة النفطية حيث مثل صيد اللؤلؤ مصدرا مهما للدخل في المجتمع الكويتي في تجمعاته الحضرية الصغيرة على ساحل الخليج، والكويتيون يحملون رؤية متفردة للبحر، فهو الصديق الذي يمكنه أن يعطي بدون حدود للصيادين الذين يخرجون كل يوم على موعد مع رزقهم، وكذلك للشباب الذين تملؤهم الفتوة والطموح فيغوصون لجمع اللؤلؤ تحت قيادة رجال محنكين يعرفون أخلاق البحر، وبموازاة البحر المتقلب الذي ينقلب عدوا في لحظات ويهجم بشروره على ذلك المجتمع الهادئ الصغير، تموج وراء الأبواب المغلقة الصراعات العائلية التي تحمل نفس أبعاد المشكلة مع البحر، وفي النهاية يقطف البحر زهرة الشاب الصغير لتعلن أمه للبحر كفايتها من تلك الصداقة التي لا يعول عليها ولا يؤمن جانبها بينما تمضي الطقوس الشعبية لترد شرور البحر عليه، الفيلم أتى بمثابة الفتح البصري حيث استغل المخرج كل الطاقات في الكاميرا ليصور علاقة الإنسان بالبحر من الشاطئ حيث بعض الطمأنينة وفي داخل البحر حيث يصبح هو السيد والطاغية أمام الضعف الإنساني.

فكرة بس يا بحر وتنفيذه يجعل كل التجارب الخليجية تتضاءل أمامه ولكنه يؤكد على وجود الإمكانية لبدء حركة سينمائية قوية في الخليج، وذلك ينقلنا إلى الحالة البحرينية وهي المتقدمة في فهمها للسينما من خلال وجود نقاد حقيقيين يمتلكون سعة الإطلاع والوعي بالفن السينمائي و يتابعون مستجداته باستمرار، وكذلك توجد في البحرين أكثر من خمسين صالة عرض سينمائية مجهزة بصورة جيدة وهو رقم كبير قياسا بعدد سكان البحرين، وشهدت البحرين أيضا أكثر من تجربة تتميز بالنضج والتجريب وخاصة في مجال القصة والسيناريو، ولعل أول تجربة روائية طويلة للسينما البحرينية في فيلم الحاجز للمخرج بسام الذوادي سنة 1993 أظهرت هذه المسألة بوضوح، فالفيلم ناقش مسألة العزلة الاجتماعية التي يقيمها الأفراد حول أنفسهم لتصبح حاجزا يحول دون التواصل الاجتماعي ويزيد من عمق أزمة الإنسان في مواجهة وحدته الناشئة أساسا عن قناعته بعدم قدرة الآخرين على فهمه وتقديره، واصل الذوادي في ظل ظروف مالية صعبة تقديم التجارب السينمائية ليكون صاحب التواجد الأبرز في التجربة البحرينية.

البحرين أيضا شهدت عدة تجارب إيجابية مع شيوع سينما الهواة الذين يستخدمون كاميرا الديجيتال في إنجاز أفلامهم القصيرة كما أشار الناقد البحريني حسن حداد في دراسته المهمة عن السينما البحرينية، ولكن هذا لا يكفي وحده فالسينما في النهاية صناعة وليست مجرد هواية، ويمكن لهذه الخبرات أن ترفد صناعة سينمائية خليجية قوية، فالخليج بسبب التقارب في ثقافات شعوبه يتحمل فكرة العمل المشترك الذي يمكن أن يعبر عن الهوية الجمعية ككل.

الإمارات برغم أنها تمتلك مؤهلات قيام صناعة سينمائية كاملة إلا أنها تفتقر لتجربة ملموسة في القطاع السينمائي، فمن ناحية يعد المجتمع الإماراتي منفتحا بالقياس لبقية الدول الخليجية الأخرى نتيجة الحركة الاقتصادية النشطة التي شهدتها الإمارات في السنوات الأخيرة، يضاف إلى ذلك وجود صالات عرض عالمية المستوى ومهرجانين سينمائيين كبيرين في الجانب التسويقي على الأقل في كل من دبي وأبو ظبي، ومدينة للاستوديوهات في دبي يمكن أن تستقطب السينمائيين العرب للاستفادة من التسهيلات الفنية والتقنية الموجودة فيها.

توجد نية إماراتية للمضي في تأسيس صناعة سينما والمشكلة تكمن في الابتعاد عن الموضوعية والمظهرية في كثير من القرارات مثل تأسيس أكاديمية للسينما في الإمارات مع أنها تكلفة غير ضرورية في ظل وجود أكثر من محطة لدراسة السينما لبعض الشباب الواعدين الذين يمكن أن يضعوا بصماتهم على العمل الفني، وحتى المهرجانات التي أتت في إطار التواجد الإعلامي فلا يمكن أن تضيف شيئا حقيقيا وفي النهاية يمكن للإمارات أن تستعين بصناع سينمائيين عرب مثلما فعلت العراق قبل ذلك حتى تأسست تجربة سينمائية عراقية متميزة، ويمكن أيضا أن تدخل في مشروعات مشتركة مع دول مثل البحرين تمتلك تجربة يمكن أن تتماشى مع ما يريده الإماراتيون من السينما وتعبر عن مجتمعهم.

السينمائي الحقيقي هو نتاج ثقافة كاملة وليس مجرد تعليم وإنفاق متواصل، فالمخرج الحقيقي ليس من يتعلم تقنيات السينما ولو في أرقى معاهد العالم ولكنه صاحب الرؤية التي تعبر عن ثقافة مجتمعه وتستطيع أن تعبر عنه، وهذه مسألة ليست مرتبطة بالوفرة المادية، دون أن ينفي ذلك أهمية وجود الدعم الرسمي الذي سيوفر فرصة كبيرة للإمارات في مجال السينما، ويمكن والحالة تلك أن تندمج الإمارات بإمكانياتها وتوجهاتها في مشروعات عربية وخليجية تستطيع أن تؤسس للتفاعل مع العمل السينمائي الحقيقي وتؤهل كوادر إماراتية في التمثيل والإخراج والمهام الفنية مثل الصوت والإضاءة، فالحديث ما زال مبكرا عن سينما سعودية أو كويتية أو إماراتية أو بحرينية مستقلة ولكن السينما الخليجية التي تعتمد مثل الدراما على التعاون المشترك بين مختلف دول الخليج العربي هي الرهان الذي يمكن أن يؤسس لصناعة سينما تمتلك دول الخليج العربي كل مقوماتها الكامنة، وتبقى قضية تغيير النظرة للسينما معلقة على ما تقدمه الصناعة وقدرته على مخاطبة المتلقي الخليجي والعربي والوصول بالخليج ككل إلى العالم من خلال فن استطاع أن يصل بدول افريقية صغيرة في إمكانياتها ليضع قضاياها أمام الجميع وتحت بؤرة الضوء.

الرأي الأردنية في

14/05/2009

 

جميع الحقوق محفوظة لموقع سينماتك
  (2004 - 2009)