تعرف على صاحب "سينماتك"  وعلى كل ما كتبه في السينما

Our Logo

  حول الموقعخارطة الموقعجديد الموقعما كـتـبـتـهسينما الدنيااشتعال الحوارأرشيف الموقعسجل الزوار 

السينما الأردنية - فليم "القبطان أبو رائد":

تشارلي تشابلين "الأردني"

مارتينا صبرا

ترجمة: رائد الباش

انطلق في بعض دور السينما الألمانية عرض فليم سينمائي أردني - فيلم "القبطان أبو رائد". وهذا الفيلم الذي يعتبر أوَّل فيلم للمخرج الأمريكي الأردني، أمين مطالقة المولود عام 1976 حصل على العديد من الجوائز الدولية. مارتينا صبرا شاهدت الفيلم وكتبت عنه القراءة التالية.

تدور حياة الأرمل أبو رائد الذي يعيش في منتصف عقده السادس في مسارات متقلِّبة. وهذا الرجل المسن الهادئ والمنطوي على نفسه يسافر يوميًا بالحافلة إلى مطار عمَّان. وبعد وصوله المطار يبدأ وهو مرتديًا الزي الأزرق الخاص بشركة للتنظيفات بدفع عربة التنظيف عبر أروقة المطار، كما أنَّه يجثو أحيانًا على ركبه على الرغم من كبر سنِّه من أجل مسح الأرض وتنظيفها.

وكثيرًا ما ينظر إليه المسافرون العابرون نظرة ازدراء واحتقار. ولا يكاد يخطر ببال أحد أنَّ هذا الرجل المندسّ في زي شركة التنظيف الأزرق يمكن أن يكون إنسانًا مثقَّفًا ومطَّلعًا بشكل غير عادي وظريفًا. "أردت أن أخرج صيغة أردنية حديثة لشخصية تشارلي تشابلين »المتشرِّد The Tramp«"، مثلما يقول المخرج الأمريكي الأردني، أمين مطالقة الذي ولد عام 1976 في عمَّان ودرس في المعهد السينمائي الأمريكي في لوس أنجلس حول بطل فيلمه "القبطان أبو رائد".

وفي الحقيقة يذكِّر أبو رائد - الذي يؤدِّي دوره بغاية النجاح الممثِّل البريطاني الأردني نديم صوالحة - مشاهديه في بعض الأحيان بأشهر شخصية لعب دورها الممثِّل تشاري تشابلين؛ إذ تتميَّز الشخصيَّتان برحابة الصدر ولكن أيضًا بالكآبة التي تصل حدّ اليأس من الوجود.

استسلام للقدر وفقر وأحزان

والأيَّام التي يقضيها أبو رائد في عمله لا تعتبر وحدها قليلة الروعة والحيوية، بل كذلك أوقاته التي يقضيها بعد عودته من العمل؛ حيث يغلب على الحياة العادية في حيِّه الواقع في جبل القلعة في عمَّان الفقر والعنف واليأس وخيبة الأمل؛ فجاره العاطل عن العمل الذي يؤدِّي دوره بجدارة الممثِّل غاندي صابر، هذا الشاب الذي يسكن في المنزل الواقع أسفل منزله يرهب باستمرار وهو في حالة الثمالة زوجته التي أدَّت دورها دينا رعد يغنم ويسيء معاملتها. وكذلك يكاد ينقطع الأمل لدى الكثيرين من أطفال حيِّه في إتمام الدراسة المدرسية، وذلك لأنَّهم يضطرون إلى العمل في فترة مبكِّرة من أجل مساعدة أسرهم في تأمين قوت يومهم.

وفي هذا المحيط المحزن الكئيب لا يوجد سوى القليل مما يمكن أن يخرج أبو رائد من سباته. فأبو رائد - هذا الرجل المسن الملتحي ذو العينين الشاحبتين ولكن اللتين ما تزالان تشعَّان دائمًا بالحياة يتسلَّى قبل كلِّ شيء بالمنظر الرائع من شرفة منزله، وكذلك بالمطالعة - فعلى رفوف منزله الصغير تتراكم آلاف من الكتب.

وكذلك يغرق أبو رائد أثناء احتسائه الشاي وهو ينظر إلى مركز مدينة عمَّان القديمة وإلى مسرح عمَّان الروماني العتيق في ذكريات الأيَّام السالفة من حياته، كما أنَّه يناجي زوجته الميِّتة خلسة وبصمت.

قبَّعة قبطان منسية تغيِّر حياته

وخلا ذلك يحدِّد الاستسلام للأقدار رتابة حياة أبو رائد وشعوره - إلى أن تنتزعه في أحد الأيَّام حادثة تافهة من روتينيه اليومي المعتاد؛ فعندما يجد في المطار قبَّعة قبطان منسية ويأخذها معه ببساطة ليعود إلى بيته وهو يضع هذه القبَّعة على رأسه يعتبره صبي من أبناء جيرانه طيَّارًا. ويشاع هذا الخبر بسرعة البرق. وفي اليوم التالي تجتمع مجموعة من الصبية والفتيان أمام باب بيت أبو رائد. ويرغب هؤلاء الصبية والفتيان في معرفة طبيعة عمل الطيَّار.

ويتردَّد أبو رائد في البدء، بيد أنَّه يتأثَّر بعد ذلك بحماسة الأطفال. وبعد ذلك يبدأ في كلِّ يوم بالجلوس معهم ويروي لهم قصصًا من بلدان بعيدة ويشاطرهم ما عايشه في باريس ونيويورك واليونان وكذلك في الهند - بلدان لم يسافر إليها بنفسه على الإطلاق، بل تعرَّف عليها من الكتب وحسب.

رحلات في عالم الخيال

وهذه الرحلات التي يقوم بها أبو رائد في عالم الخيال وكذلك ميل الأطفال إلى سماع قصصه وتؤدِّي على نحو غير معقول إلى جعل هذا الرجل المسن الذي يطلق عليه الأطفال اسم القبطان أبو رائد يهتم أكثر ومن جديد بالناس الحقيقيين المحيطين به. وهكذا يعتني بابن جاره العنيف، ويحاول حماية هذا الطفل. وكذلك يحاول بكلِّ الحيل إبعاد صبي آخر من أبناء جيرانه عن العمل وحمله على إتمام دراسته المدرسية.
وحتى أنَّه يتصادق في آخر المطاف مع شابة في المطار. وعلى الرغم من أنَّ هذه الشابة التي تعمل قائدة طائرة (تؤدِّي دورها الممثِّلة رنا سلطان) وتبلغ من العمر ثلاثين عامًا ليست فقيرة، إلاَّ أنَّها تشعر بأنَّها منبوذة وقريبة لذلك من أبو رائد، بسبب رفضها رغبة أبيها في تزويجها. وتنشأ بين هذين الشخصين المنعزلين علاقة أب مع ابنته - علاقة على قدر كبير من الحنان تمنح المشاهدين في النهاية وعلى الرغم من الصدمات والانتكاسات الكثيرة بصيصًا من الأمل.

صور هادئة وإيقاع كثيف

والمخرج أمين مطالقة يروي صيغته العربية لشخصية تشارلي تشابلين "المتشرِّد" بصور سديدة وهادئة وبإيقاع كثيف ومُلحَّن بعناية، بحيث أنَّ هذا الفيلم لا يبدو في أي موضع مملاً وطويلاً. ولا شكّ في أنَّ ذلك يعود إلى كون أمين مطالقة - على العكس من الكثر من المخرجين العرب - لم يدرس الإخراج فقط، بل هو أيضًا كاتب سيناريوهات ماهر.

وكذلك من الجدير ملاحظة الدقة التي يصوِّر بها أمين مطالقة المحيطات والأوساط المختلفة في العاصمة الأردنية - ما في ذلك من مسرورات باطنية إلى الرموز اللغوية وحتى الإيماءات والحركات. ولكن أكثر ما يعجب المشاهدين هو مقدرة أمين مطالقة على تصوير الانفعالات المعقَّدة والمتناقضة. كما أنَّ قصة الفيلم لا تنزلق إلى مستوى مبتذل حتى وإن كانت عاطفية للغاية. وعلى العكس من ذلك فإنَّ هذا الفيلم يصيب بشكل دقيق جدًا الإحساس بالحياة لدى أبناء عمَّان؛ أشخاص ينجذبون بين صحوة تكون أحيانًا مؤلمة وبين الحنين العميق إلى قليل من الجنون وأحيانًا إلى قليل من الشِعر الذي يبعث الحيوية والنشاط في رتابة الحياة.

حقوق الطبع: قنطرة 2009

قنطرة في

16/03/2009

 

جميع الحقوق محفوظة لموقع سينماتك
  (2004 - 2009)