حول الموقعخارطة الموقعجديد الموقعما كـتـبـتـهسينما الدنيااشتعال الحوارأرشيف الموقع 

قال إن لديه قائمة سوداء.. وإن اتهامه بالتطبيع كان مؤامرة من النظام السابق

عمرو واكد لـ«الشرق الأوسط»: أنا مع وضع دستور جديد من الألف إلى الياء

سها الشرقاوي

أكد عمرو واكد أن شعوره الوطني ولد في ليلة 23 يناير (كانون الثاني)، عندما قرر أن يشارك في مظاهرات مصر في يوم 25 من يناير لإحساسه أن «الموضوع جدي هذه المرة».. واكد الذي شارك في الثورة المصرية من بدايتها، وظل موجودا بفاعلية لنهايتها، أطلع «الشرق الأوسط» في القاهرة عن رأيه في المتغيرات التي يشهدها الشارع المصري كفنان ومواطن وثائر.. في الحوار التالي..

·         هل من الممكن أن تقدم المؤسسة العسكرية مرشحا للرئاسة في الانتخابات المقبلة؟

- أعتقد أن ذلك احتمال بعيد، فالقوات المسلحة كيان متصل بالشعب وتحكمها آيديولوجية وطنية، ودورها هو حماية مصر والدفاع عنها، ولا توجد بها آيديولوجيات سياسية.. ولذلك فهي تستجيب وتساند مطالب الشعب في التحول إلى حياة مدنية ديمقراطية. وأتمنى أن يمد الجيش فترته الانتقالية من 6 أشهر إلى عام ونصف.

·         ترفض الحكم العسكري وتريد مد فترته الانتقالية إلى عام ونصف؟

- 6 أشهر ليست فترة كافية لكي نقيم نظاما متكاملا، خاصة أن الشعب يفتقر إلى الثقافة السياسية التي حرمه منها النظام السابق.. ولذلك، فإن قصر المدة سيؤدي إلى خروج نظام جديد يشبه النظام السابق.. ولكن لو امتدت الفترة الانتقالية، فسوف يتيح ذلك فرصة للأحزاب والقوى السياسية التي برزت بعد الثورة وتمثلها كي تنضج وتباشر دورها في إقامة حياة سياسية سليمة.

·         لماذا يطلق على الثورة «ثورة شباب 25 يناير»؟

- الذي أطلق على الثورة هذا الاسم يريد أن يفقد الثورة شرعيتها، لأنها في الأساس ثورة شعب بأكمله.. فالمجتمع بكل أطيافه خرج إلى الشارع، من نساء وأطفال وشباب وشيوخ. ومن الطبيعي أن يكون الشباب في الصفوف الأولى كما هو متبع في كل الثورات السابقة.

·         هل كان لك دور سياسي قبل 25 يناير؟

- لا.. لم يكن عندي ميول سياسية، ولكن كانت عندي أفكار وآراء سياسية. ولكني لم أكن أتحدث عن تلك الأفكار، لأن الحرية الحقيقية كانت غائبة، إلا مرة واحدة عندما طلبت مني إحدى الصحف أن أكتب مقالا.. فهاجمت الحكومة لأنها تبني الجدار الفولاذي بيننا وبين الإخوة الفلسطينيين، وتهمش دور مصر في القضية من أجل نيل رضا أميركا وإسرائيل.

·         هل ترى أن إسرائيل قلقة مما حدث في مصر؟

- بالتأكيد، أرى أن إسرائيل قلقلة للغاية مما يحدث، لأنها لا تحب أن يكون للشعب دور في الحياة السياسية في مصر.. لأنها تعرف الشعب المصري جيدا، وتعرف أنه إذا تركت له المساحة لكي يعبر عن نفسه، وكانت القيادة معبرة عنه، فسوف يمثل ذلك خطرا على إسرائيل ومصالحها في المنطقة كلها.. وكذلك الثورات التي تحدث الآن في المنطقة العربية تزعزع الأمن في إسرائيل، فهذه الدول قريبة منها وتعتبرها إسرائيل عدوا لها.. ولذلك فهي قلقة من هذه الثورات لأنها من الممكن أن تخلق مناخا جديدا مناوئا لإسرائيل.

·         اتهمت أنت شخصيا بالتطبيع مع إسرائيل، فما تعليقك؟

- نعم حدث ذلك، وكانت هذه مؤامرة من النظام السابق.. فعندما كنت أشارك في عمل عالمي فوجئت أثناء التصوير بوجود ممثلة إسرائيلية، ولم يكن لدي فرصة للانسحاب بسبب الشرط الجزائي الباهظ في العقد.. وتناول الإعلام المصري، الموجه من النظام، الخبر بشكل مستفز ومسيء، حيث أرادوا أن يبلغوا رسالة إلى العالم مفادها أن الفنانين المصريين يتعاملون مع الكيان الصهيوني ويؤيدون التطبيع.

·         لماذا تقول إنها مؤامرة ضدك من النظام؟

- كل الشواهد تؤكد على ذلك.. وعندما حاولت أن أرد على تلك المؤامرة، وأن أوضح وجهة نظري المناوئة لإسرائيل في أحد البرامج بالتلفزيون المصري الحكومي، رفضوا أن أقول وجهة نظري.. بل وأرادوا أن أؤكد العكس، وأن أتكلم عن التطبيع مع إسرائيل وفقا لاتفاقية السلام معهم.

·         هل تفكر في المرحلة المقبلة في الانضمام إلى حزب معين؟

- الحقيقة لا أريد الانضمام إلى أي حزب، وأنا لا أحب ممارسة السياسية، وأفضل أن أرى الصورة من بعيد. وفي الأساس أنا فنان، وهناك كثيرون أفضل مني لتمثيل الأحزاب من محترفي لعبة السياسة.. وأرى أن دور الفنان يجب أن يكون لصالح الشعب قبل أن يكون لأي حزب.

·         هل ترى أنك أخذت تقديرك الكافي كفنان؟

- أرى أنني محظوظ لأنني لم أحصل على حقي حتى الآن.. لأنني لو أخذت حقي في ظل النظام السابق وتوهجت في ظله، لشعرت أنني ألمع في وسط فاسد، وربما اضطررت لاتباعه رغما عني. وأرى أن السينما في أزمة، لكني أعتقد أن المستقبل سيكون أفضل بعد الثورة، وسوف نتخلص من فكرة الاحتكار في سوق العرض لأنه سوف يتفتت تدريجيا.

·         هل أنت مع التعديلات الدستورية؟

- لا.. أنا مع وضع دستور جديد من الألف إلى الياء.. حيث إنني لست مع ترقيع الدستور. ولا أعتقد أن ذلك يستغرق وقتا طويلا كما يقول البعض، فمن الممكن أن نستعين بمواد من الدساتير القديمة التي تعبر عن التغيير الذي شهدته مصر بعد ثورة 25 يناير.

·         يقال إننا أسقطنا النظام دون نظام آخر واضح.. ما رأيك في هذه المقولة؟

- أنا ضد هذه المقولة، لأنني أرى أننا بالفعل عندنا نظام آخر وكوادر مؤهلة لإدارته.. ولا يعني وجود الفساد على رأس كيان أن هذا الكيان كله فاسد، ولكن فساد أصحاب القرار يطغى دائما على الكيان ككل.

·         هل تفكر في المشاركة بعمل عن الثورة؟

- طبعا أتمني أن أشارك في عمل عن الثورة، ولكن لا بد أن يأخذ وقته.

·         هل كنت تتابع ردود فعل المجتمع الدولي أثناء الثورة؟

- نعم بالطبع تابعت ردود الفعل ووجدت أن بعض رؤساء الدول ساندوا مبارك في البداية اعتقادا منهم أن الأمر بسيط، وحركة الانقلاب سوف يتم التعامل معها.. ولكن أفضل تعليق أعجبني، ولا أتذكر تحديدا من قاله، هو أن «ما يفعله الشعب المصري الآن شيء عادي، فهو دائما ما يكتب أو يغير التاريخ».. فقد أشعرني هذا التعليق بالفخامة والعظمة.

·         ولماذا ترفض الرقابة على المصنفات الفنية؟

- لا بد أن ينتهي عصر الرقابة والخضوع لأي إملاءات على العمل الفني.. فلا أقبل أن يفرض علي شيء لكي أفعله، فهذا يصادر الأفكار المختلفة والجديدة. وهذا ما أتمناه، وأقول للرقابة: «أنت مالك تحكم على أخلاقي ليه؟!».

ولكن هذا لا يمنع من أن يكون لكل مرحلة سنية ما يناسبها، وهذا ما أفعله ما ابني طلال.. فكل مرحلة عمرية لها أفكار وأعمال.

·         هل لديك قائمة سوداء لثورة 25 يناير؟

- نعم أنا عندي قائمة سوداء خاصة بي فقط، وأرى أن الرئيس السابق على رأس هذه القائمة، والفنانون الذين هاجموا وحاولوا تشويه الثورة وتآمروا على شباب التحرير، فيجب أن يحاكموا.. وكذلك الصامتون الذين لم يقولوا آراء أثناء الثورة وانتظروا إلى ما ستنتهي إليه حتى يحددوا وجهتهم وفقا لمن سوف ينتصر.

·         لماذا كتبت في صفحتك على «فيس بوك»: «ربنا ينتقم من الفنانين المدعين»؟

- بعد أن رأيت الموت بعيني وعاصرت ما حدث في ميدان التحرير، فوجئت بأشخاص «يركبون الموجة» ويدعون أنهم من الثوار في حوارات وأغنيات عن الثورة!! فعبرت بذلك عن رأيي في أن أصحاب هذه التصرفات يجب أن يكفوا عن ذلك.

·         كيف ترى مستقبل مصر في الفترة المقبلة؟

- أنا متفائل للغاية، وأرى أن الناس كسرت حاجز الخوف.. ولدينا شباب مبشر بالخير، والشعب بدأ يسترد حقوقه السياسية.. وخطوة بخطوة سوف نحقق كل ما نريد.

الشرق الأوسط في

18/03/2011

 

بسبب ثورة 25 يناير:

حنان مطاوع: اختلفت في الرأي مع أشرف زكي فأغلق التليفون بوجهي

القاهرة من محمد عاطف

أكدت الفنانة حنان مطاوع ان خلافا في الرأي مع د. أشرف زكي خلال أحداث ثورة 25 يناير جعل نقيب الممثلين المستقيل يغلق الهاتف بوجهها، اعتراضاً على رأيها في الثورة.

وقالت: المعروف ان الخلاف في الرأي لا يفسد للود قضية، لكن ما وجدته من البعض في تفسيرات وآراء حول ثورة التحرير جعلني في دهشة من الأمر.

أوضحت حنان مطاوع انها تؤمن برأيها جدا لأنها تعودت على قراءة الأحداث جيدا، وعدم التسرع بطرح وجهة نظرها، وانها نشأت بطريقة الاعتماد على نفسها حتى انها بدأت خطواتها في التمثيل حتى لا تثقل بهمومها على والدتها الفنانة الكبيرة سهير المرشدي، التي كانت تتقاضى معاشاً عن والدها الفنان الراحل كرم مطاوع مقداره ثلاثمئة جنيه فقط لا غير، وبالتالي كان لا بد ان تبدأ خطواتها الفعلية في مواجهة الحياة، وكانت وقتها في مرحلة الدراسة الجامعية، وأصرت على العمل في هذه الفترة المبكرة من حياتها لتشعر بذاتها وتزداد ثقتها في نفسها كما تربت على ذلك.

حول نوعية أدوارها المقبلة وكيف تنظر للمشهد الفني حاليا قالت: مازلنا في مرحلة دراسة لما يمكن أن نقدمه خلال الفترة المقبلة، ولدي أعمال رشحت لها قبل ثورة 25 يناير وأدرس الموقف جيدا قبل البدء في تنفيذ أعمالي، خاصة انني أتلقى على بريدي الالكتروني من خلال الايميل الخاص بي تعليقات من الجمهور وآراء جيدة جدا حول ما يرغبون فيه بالأعمال الفنية والأدوار التي يمكنني أن أعبر عنهم خلالها.

عن المشهد الفني المقبل قالت: بالتأكيد هناك تحديات أمامه وإعادة صياغة للمشهد الفني لأن المنتجين يبحثون عن أعمال ترضي أذواق الجمهور، خاصة الشباب ومنهم الذين قاموا بثورة 25 يناير، لديهم طموحات في كل شيء بما فيها الأعمال الفنية، التي يرغبون في تحقيقها خلال المرحلة المقبلة، وأنا معهم وسأقدم الأدوار التي تستعرض أفكارهم وآمالهم في المستقبل.

حول التغيير سيكون في السينما أكثر أم الدراما التلفزيونية، قالت حنان مطاوع: التغيير يشمل كل المجالات الفنية بالتأكيد، وأنا انتهيت من تجربة سينمائية قبل ثورة يناير بعنوان 'حفلة منتصف الليل' وهو فيلم يصلح لأي وقت لأنه من نوعية الاكشن الاجتماعي الذي يفضله المشاهد العربي.

القدس العربي في

18/03/2011

 

من 'الكرنك' لنجيب محفوظ الى 'عمارة يعقوبيان' و'هي فوضى':

دور السينما والرواية المصرية في إذكاء روح المواجهة

يسري الغول  

'وجه القاهرة غريب عني... أحاديث الناس تغيرت. أرى وجه المدينة مريضاً يوشك على البكاء، امرأة مذعورة تخشى اغتصابها آخر الليل'. هكذا ابتدأ جمال الغيطاني روايته المعروفة ' الزيني بركات' مواجهاً الدولة بحقيقة غفلت عنها، أو تناستها في خضم التعذيب والقهر الذي مارسته طوال عقود طويلة مضت.
ولعل الحديث حول تأثير الأدب المصري وتحديداً الرواية المصرية على ثورة 25 كانون الثاني (يناير) 2011 يكاد يكون له الدور الأبرز في إلهاب النفوس وإذكائها ضد إرهاب الدولة، واستبداد السلطة، حيث أصبح مجرد وجود (أمين الشرطة) في المكان، يمثل عنصر قلق لمجتمع بأكمله بسبب الرشاوى والإهانة التي أرهقت المواطن المصري، حسب ما يذكره الروائي خالد الخميسي في 'تاكسي، حواديت المشاوير' وفيلم 'هي فوضى' لخالد يوسف.

الأدب المصري، بشكل عام، كان وما يزال ذا تأثير فاعل في أروقة وأزقة العشوائيات المصرية، والمقاهي الشعبية التي ضجت بأدب البؤس والحرمان وقسوة الجوع والفقر والاضطهاد،علماً بأن ذلك لم يكن في عصر الرئيس مبارك وحده، بل سبقه بكثير، إبّان حكم عبد الناصر والسادات ومن سبقوهما من الملوك والمماليك أيضاً، وقد ظهرت إشارات واضحة حول إرهاب تلك الأنظمة في عدد من روايات يوسف القعيد ويوسف إدريس ونجيب محفوظ وغيرهما. ولعل رواية (الكرنك) لنجيب محفوظ كانت بمثابة ناقوس يُقرع، كي تلتفت الأنظمة الاستبدادية إلى الواقع المرير الذي وصلت إليه الأمة بسببها.

في تلك الفترة أيضاً كان الفن السينمائي المصري، يشارك الرواية والقصيدة المصرية الهموم، فتمت ترجمة (الكرنك) على أرض الواقع من خلال إنتاجه سينمائيا عام 1975، وتم إنتاج فيلم 'وراء الشمس' و'البريء' لأحمد زكي، رغم أنه لم يتم عرض الأخير إلا بعد موافقة وزير الثقافة السابق فاروق حسني على عرضه في دور العرض والسينما والمحطات بعد منعه لسنوات طوال. ولقد شعر المشاهد العربي بالمرارة حين شاهد فيلم 'إحنا بتوع الأتوبيس' لعادل إمام وعبد المنعم مدبولي، ذلك الفيلم الذي نفى آدمية الإنسان وأظهر سطوة المحقق وجبروته حين يأمر السجناء بالنباح وتقليد الكلاب، وهم يُضربون بالسياط. فالسادية التي يعاني منها معظم الضباط المصريين بدت واضحة في السنوات الأخيرة، حيث ظهر تعذيب الشبان المصريين وإهانتهم في مواقع اليو تيوب والفيس بوك وغيرها. ولعل هذا ما تحدث عنه الأسواني في روايتيه ' عمارة يعقوبيان' و'شيكاغو'.

المخرج المصري خالد يوسف أراد أن يصل بالشارع المصري إلى فوهة البركان. فقد كانت أفلامه الأخيرة تعمل بشكل مباشر وواضح على إذكاء روح المواجهة مع السلطة، ففيلم (دكان شحاته)، يصف ما وصلت إليه حال البلاد من فقر يدفع بسكان القرى إلى سرقة الطحين والمونة أثناء مرور أحد القطارات المحملة بتلك البضائع، الأمر الذي فجر حالة من الصحوة لدى المصريين في الداخل والخارج لفهم ما يجري في المحروسة مصر. أما فيلمه (هي فوضى)، والذي جاء كختام لرحلة المخرج المصري يوسف شاهين ومشاركة تلميذه خالد يوسف، فيجسد بانوراما جامعة لصور الفساد والفوضى التي عايشها المجتمع المصري في العقد الأول من الألفية الثالثة. وتدور أحداث الفيلم بشكل أساسي حول شخصية واحدة وهي شخصية أمين الشرطة، فيبرز الفساد المتجسد في القمع المباشر والرشوة والمحسوبية وتزوير الانتخابات والسيطرة الغاشمة للسلطة والكبت الجنسي. كما يبرز الفيلم نوعا من المقاومة وصولا إلى ثورة جماعية في النهاية. فيلم (حين ميسرة) يتعرض للمهمشين والمسحوقين اجتماعياً واقتصادياً، وهم سكان العشوائيات ومشاكلهم المؤلمة. وليست أفلام خالد يوسف وحدها التي دقت جدران الخزان وإنما هناك العديد من الأفلام الأخرى، مثل فيلم (عزبة آدم)، التي تظهر الضابط (سعد) كيف يقوم بتلفيق القضية لأحد المتورطين رغم أنه ليس القاتل مقابل أن يعمل الآخر (القاتل) كمخبر لسعد في القرية، وهذا ما يجري في كثير من أقسام الشرطة وفي القرى المصرية والصعيد. وفيلم (طباخ الريس) رغم أنه يجعل الرئيس مغيباً عما يجري في مصر، إلا أنه يحاول أن يقول بأن مصر الكنانة في ورطة من حفنة الليبراليين والأرستقراطيين المتشبثين أو المتعاونين مع رجالات السلطة والحكم.

عام 1989 كتب الروائي المصري جمال الغيطاني روايته (الزيني بركات) وكانت محاولة لاستنهاض التاريخ والماضي من أجل توضيح الحاضر، حيث يقول الباحث إبراهيم السعافين حول تلك الرواية ' بأنها عالجت ظاهرة القمع والخوف واتكأت على أسبابها وبينت مظاهرها المرعبة في الحياة العربية، فالغيطاني حين يحاصره الراهن بقمعه واستبداده وقهره، حين يمارس أقسى أشكال العنف والرعب والقهر في السجن المعاصر يعود بنا مستنطقاً تاريخ ابن إياس (بدائع الزهور) ليجد صورة مرعبة لكبير البصاصين الشهاب الأعظم زكريا بن راضي ووالي الحسبة الزيني بركات... يُسقط هذه الصورة على الحاضر بل يُسقط الحاضر عليها فيبني منها ما هو أقل إيلاماً من الحاضر'.

لقد أرسى الغيطاني سمة القمع في تكوين شخصية مصرية مهزوزة ومهزومة من الداخل، وهذا ما جعل الدكتور محمد صلاح وهو شخصية ديناميكية متخيلة في رواية ' شيكاغو' إلى أن ينتحر حين لم يستطع أن يقول أمام الرئيس المصري في أمريكا (كفى استبداداً للسلطة وكفى لإرهاب الدولة، ولا لقانون الطوارئ) لأنه خشي من اغتصاب أخواته في مصر أو أي من أقاربه هناك.

هُزمت النفوس المصرية بيد كبرائها ورؤسائها، وهذا ما دفع الغيطاني إلى أن يتجه في روايته بغير ما تجرأ به أدباء العولمة اليوم، ليخبرنا كيف هزموا. فقد كانت الرمزية تغلب على أعماله، شأنه شأن كثير من الأدباء العرب المقموعين المضطهدين في بلادهم، وهذا ينقلنا إلى مربع الأدب العربي بشكل عام، لنرى كيف اتجه إيميل حبيبي في روايته ' المتشائل' مستخدماً الرمزية المفرطة، خشية من بطش المحتل الذي مارس القهر ضد فلسطينيي الداخل، كما كتاب العراق أيضاً الذين غمرتهم الفنتازية إبان عهد الرئيس السابق صدام حسين، فكتب محمد خضير ' في درجة 45 مئوي'، و' بصرياثا' وكتب أحمد خلف ' خريف البلدة' و' في ظلال المشكينو' وذلك بغير ما كتب أدباء المهجر العراقيون الذين اتسمت أعمالهم بالواقعية والسوداوية المفرطة، مثل قصائد الشاعر مظفر النواب، وتلميذه أحمد مطر الذي عرّف طبيعة المرحلة بلافتاته القوية والصارخة، وأذكره حين قال: ' صرخت لا من شدة الألم / لكن صدى صوتي/ خاف من الموتِ / فارتد لي نعم'. لقد تستر كتابنا خلف أحصنة الفنتازيا والماضي من أجل صون الرأس وما حوى. فهذا الروائي والقاص السوري زكريا تامر استطاع أن يصنع لنفسه مدرسة من أهم مدارس القصة العربية، حين انطلق من الكوميديا السوداء في جميع أعماله، كإشارة حمراء توحي بما قد تؤول إليه الأمور في الوطن المضطهد. وهذا مؤنس الرزاز الذي تزخر أعماله بالفنتازيا في ' مذكرات ديناصور'، و' اعترافات كاتم صوت' و' أحياء في البحر الميت'، و' سلطان النوم وزرقاء اليمامة'، والكثير الكثير من الأعمال التي أعلنت عداء المثقف والمثقفين مع السلطة.

ومع انفتاح المجتمعات العربية بسبب العولمة، والتطور التكنولوجي، كانت مرحلة جديدة تدفع بالمصريين إلى مواجهة النظام الحاكم في محاولة لتحريك المصري ، فـ ' عمارة يعقوبيان' التي صدرت عام 2002 لعلاء الأسواني، والتي أنتجت كفيلم ومسلسل مصريين أيضاً، تمثل ضربة قاسمة للنظام القائم حينذاك، فقد أظهر الفيلم مدى بشاعة القمع والإرهاب الذي تمارسه الأجهزة الأمنية، من خلال اغتصاب الشبان وضربهم بالسوط وقتلهم لو اقتضى الأمر. كما عرّج الأسواني على ظاهرة فساد أنظمة الحكم، وفساد الحزب الوطني أيضاً ودور كمال الفولي في تزوير الانتخابات وشراء الذمم مقابل أموال باهظة تدفع له ولغيره. ويتطرق الروائي أيضاً إلى الفقر المجتمعي الذي وصلت إليه البلاد بسبب طغمة الفساد الحاكمة، حيث باتت الفتيات عرضة للزنا مقابل لقمة العيش يدفعهن في ذلك الأمهات من أجل غريزة البقاء. وقد ظهرت أزمة (بيع الجسد) في عدد من قصص الروائي والقاص المصري سعيد الكفراوي. الأمر الذي يوضح أسباب قضايا السعار الجنسي المنتشرة اليوم في مصر بكثرة، فالفساد المالي والإداري والفقر المدقع في مصر الكنانة وتدهور أخلاق الشبان المُتغاضَى عنه من طرف النظام، هو ما يؤطر لحالة السعار تلك، حيث يعرض الآن فيلم 867 حول قضايا التحرش الجنسي، وهو ما يعتبر دليلاً على أن المثقف والأديب والفنان اليوم في مواجهة مع السلطة التي تغض الطرف عن تلك القضية الخطيرة.
إن دور الأدب مهم جداً لإحداث الهبة الثورية، وهو ما حدث بالفعل، فتأججت النفوس بسبب الكم الهائل من الاحتقان الداخلي، فالمثقفون والأدباء والفنانون عجّلوا بحركة التغيير، وهنا يجب أن نعود إلى رواية ' شيكاغو' التي تحدثت عن عدة مخاطر، أهمها قضايا التعذيب التي مارسها (صفوت بك) بخلاف المحققين الآخرين، فهو لا يقوم بالقتل أو التعذيب الجسدي وإنما يمارس التعذيب العصبي والنفسي، حيث يقوم بإحضار زوجة المعتقل السياسي أو أمه ليمارس معها أحد الجنود الجنس أمام نظر الابن أو الزوج وصفوت بيك يضحك ويقول (الخير في العتاقي) لتنهار شخصية المصري الفتية. ثم ينتقل الأسواني إلى مشكلة الأقليات الدينية في مصر، وأهمها مشكلة الأقباط، التي أنشأ من أجلها النظام جهازاً لإحداث الفتنة بين المصريين لضمان بقاء سلطاتهم، وهذا برز في فيلم عادل الإمام وعمر الشريف الموسوم بـ (حسن ومرقص). ولعل قضية اتهام وزير الداخلية السابق حبيب العادلي بتفجير كنيسة القديسين دليل واضح على ما كانت تقوم به الأنظمة المستبدة لبقاء سلطانها.

كتب كثيرون في قصصهم ورواياتهم حول المعاناة في أقبية السجون والقلاع الأمنية داخل الأزقة المصرية، فبهاء طاهر، الذي أعلن بعد أحداث 25 كانون الثاني (يناير) عن رفضه جائزة مبارك التي حصل عليها عام 2009، تحدث بوضوح في مجموعته الأخيرة (لم أعرف أن الطواويس تطير) 2008 عن العربدة التي يمارسها أزلام النظام في الأزقة والأحياء المصرية، في قصة ' سكان القصر'. كما جال فؤاد قنديل في أعماله الروائية والقصصية في عالم القمع والاضطهاد والفقر والجوع والحرمان، ولعل ذلك بدا واضحاً في أعماله الكثيرة، مثل ' موسم العنف الجميل' و' قبلة الحياة' و' عصر واوا' و' لاكم الليل' و' رائحة الوداع'. وقال بعد نجاح الثورة المصرية الأخيرة: ' إن الشباب المصري قام بأهم ثورة في التاريخ المصري كله، وكان يجب القيام بها، لأن الأوضاع في عهد مبارك كانت الأسوأ، حيث هناك ترّدٍ في جميع القطاعات، والشباب يتعرضون للإهانة في أقسام الشرطة...' يؤكد ذلك الروائي المصري المعروف إبراهيم عبد المجيد، صاحب رواية ' لا أحد ينام في الإسكندرية' و' الصياد واليمام' التي أُنتجت كفيلم سينمائي قبل عامين، فيقول ' إن نظام مبارك فاشي ودكتاتوري وكاذب، يختلق خديعة جديدة بتلبية مطالب بسيطة وبتسليط البلطجية وقطاع الطرق واللصوص..'. أما خالد الخميسي الذي صدرت له رواية ' سفينة نوح' قبل أعوام والتي خاضت في معاناة المهاجرين المصريين ونزوحهم، والمعاناة التي يلاقونها من أجل الهرب إلى مصر، ثم فاجأ الجميع بحواديت المشاوير، كتابه الموسوم بـ' تاكسي' والتي رغم بساطة لغتها، إلا أنها استطاعت نقل معاناة الشارع المصري دون مواربة، فقد أصبح المجتمع متسوّلا ً بسبب الفقر ويختلق القصص التي تدمى لها القلوب من أجل أن يمُنّ أحد الركاب على السائق ببعض القروش، وغيرها.

كل ذلك دفع بالشارع المصري إلى أن يجلس على فوهة البركان، وأن يؤجج مشاعر الغضب في نفوس المصرين الذين ينتظرون ساعة الحسم التي جاءت على غفلة من الزمن، وباغتت الأنظمة الاستبدادية. أشعل فتيلها هؤلاء المثقفون، والفنانون الذين رسموا لوحة جديدة لمجتمع مصري حر، بعيداً عن قيادة الطاغوت الفاسدة والمستبدة.

كاتب من فلسطين

القدس العربي في

18/03/2011

جميع الحقوق محفوظة لموقع سينماتك
  (2004 - 2010)