حول الموقعخارطة الموقعجديد الموقعما كـتـبـتـهسينما الدنيااشتعال الحوارأرشيف الموقع 

عام محيّر... لكنه صالح للقفز نحو مستقبل واعد

ابراهيم العريس

لم يكن العام المنتهي عاماً سينمائياً كبيراً. فيه وجدت السينما حالها كحال صناعة النبيذ: موسم يهبط بفعل عوامل عديدة، منها ما هو ذاتي ومنها ما هو موضوعي. وبالتالي تصبح المقارنة ضرورية مع عام سبقه، والأمل كبير في عام سيأتي. تفرض المقارنة نفسها حتى وإن كان هناك دائماً من يستبعدها ولو من منطلق أن «الهبوط» تدريجي يزداد حدة عاماً بعد عام، بمعنى أن العام 2009 شهد من الأفلام كميات ونوعيات أفضل من العام الذي يليه، لكنه كان أقل قوة من العام الذي سبقه... وهكذا. غير ان حال السينما اليوم، حتى وإن سجل من الهبوط ما جعل المهرجانات العالمية الكبيرة تعتذر عن تدني مستوى عروضها بالمبرر المعتاد (إننا نعرض ما ينتجه المبدعون لا أكثر ولا أقل، إن كنتم ترون ان ما نعرضه ضعيف، هاتوا لنا ما هو أفضل وخذوا من العروض ما تشاؤون)، حال السينما اليوم يرسم من العلامات ما يشي بأننا إن وصفناه بـ «العام الانتقالي» لن نبدو متفائلين أكثر مما يجب. وآية ذلك ما لا يقل عن ثلاث لحظات مرت خلال العام - ربما يرتبط بعضها إنتاجياً بما سبقه - تفتح على الأعوام المقبلة وعوداً أقل ما يمكنها ان تقوله هو ان موت السينما ليس حتمياً بالتأكيد، وليس في برنامج عمل اي من الأعوام المقبلة. وإذا كان لنا ان نربط تلك اللحظات بعلاماتها المباشرة تحت اسم واحد، سيكون الاسم: ثلاث زيجات. طبعاً ليست هذه الزيجات جديدة، لا في شكلها ولا في مضمونها، لكنها في تضافرها ودلالاتها تبدو فاتحة على المستقبل آفاقاً واعدة، أساسية لا يمكن إلا لقصير النظر ألا يفهم هويتها. وهذه الزيجات هي: الزواج بين التقنية وأقصى درجات الخيال (كما تجلى بشكل خاص في فيلم «آفاتار» لجيمس كاميرون)، الزواج بين السينما وهموم المجتمع في شكل لم يعد يشكل ظاهرة استثنائية جديرة بالدراسة (أفلام وودي آلن، مايك لي ولا سيما أخير أليخاندرو ابنياريتو «بيوتيفيل»... بين مئات الأعمال الأخرى)، وأخيراً الزواج بين السينما والتلفزيون (بشكليه، أولهما المتجلي في «كارلوس» أوليفييه السايس، والثاني المتجلي في نشاطات سينمائيين كبار يعملون الآن تلفزيونياً لحساب شبكة أتش بي أو).

بعد ثالث

وإذا كان من الصعب هنا التوقف عند كل فيلم أو مجموعة أفلام من نتاجات هذا العام لإعطائه، أو إعطائها دلالات ترتبط بمصير السينما ومستقبلها، فإن من الممكن، في المقابل رسم علامات أساسية تشي بأهمية هذه الزيجات القديمة/ الجديدة، في هذا المصير. فبالنسبة مثلاً الى «آفاتار» بنجاحه الساحق، تقنياً وجماهيرياً، لا شك في ان ما يمكن الإشارة إليه هو ان ضخامة السينما، ولا سيما في لجوئها الى البعد الثالث، ما يحول المشهد الى احتفال لا سابق له في تاريخ الصورة، تعيد الاعتبار الى الصالات وإلى عملية اجتذاب الجمهور، حتى وإن بتنا نعرف ان الشاشة «الصغيرة» لم تستغرق وقتاً طويلاً قبل ان تحذو حذو أختها الكبيرة. صحيح ان المشاريع الضخمة الثلاثية الأبعاد المنبثقة من «آفاتار» لم تسفر عن كل وعودها حتى الآن، لكن ثمة واقعاً لا يمكن من الآن وصاعداً نسيانه: إذا كانت سينما المواضيع والفنون الإبداعية الفردية في خطر الآن، إذ تصبح التلفزة عالمها، فإن السينما الضخمة، ذات الألعاب البصرية مقبلة أكثر وأكثر، مطيلة عمر الفرجة السينمائية بدورها أكثر وأكثر. وهذا ما نعنيه بالزواج بين السينما والتقنية، حيث، مهما تضخمت امكانات التلفزيون والإنترنت، ستظل الصالات (ولا سيما بالنسبة الى الشبان) نقطة الجذب الأكثر قدرة على الاستقطاب.

هنا قد يقول قائل ان إطالة عمر السينما، بهذا الشكل، قد تفيد الأعمال الاستعراضية الضخمة، لكن السينما ذات المواضيع ستنزاح أكثر وأكثر ناحية التلفزيون. الى حد كبير هذا صحيح، ولكن في شكل نسبي. وذلك بكل بساطة، لأن ما يدور الحديث حوله هنا، ليس الصالات، كوسيط لعرض الأفلام، بل الفعل السينمائي نفسه كنتاج إبداعي له شروطه ولغاته ومبدعوه، خارج إطار الألعاب التقنية. حيث، إذا كان صحيحاً - وصاخباً في دلالاته التي تبدو حديث الكل في هذه الأيام - ان الصالات ستحتفل أقل وأقل بالسينما الاجتماعية والإبداعات الفردية، لمصلحة ضخامة تقنية وألعاب بصرية، فإن انفتاح العالم على هموم العالم، وترسخ إنماط شديدة الحداثة والالتزام من مبدعي السينما، تبدو وكأنها تفتح هذا الفن - بصرف النظر عن وسيط عرضه - على سجالات كبيرة وضخمة حول فن قد يبدل من وسائط وصوله، لكنه سيظل يحتل مكانة كبيرة في تاريخ السينما وتاريخ صنعها وكذلك في جغرافية المهرجانات. ومن هنا قد يصح ان نقول إذا ماتت علاقة الأفلام الإبداعية بالصالات وجمهور هذه الصالات، فإن وجودها لن ينتهي بل قد يكون هذا لصالحها، إذ ربما تتخلص من بعض ما شابها من أنظمة نجوم وبهرج وتنازلات استوعبت أفكار الكبار ضمن منظومة أموال الأقوياء ورغبات الجمهور العريض. وبالتالي، هنا، حتى وإن كان العرض التلفزيوني (أو على الأسطوانات أو على الإنترنت وأخواته) هو مآل السينما الجادة، فإن الحقيقة التي يقولها لنا هذا العام الانتقالي، هي ان دروس التيارات السينمائية الكبرى التي كانت بدعة مع بدايات النصف الثاني من القرن العشرين، بدأت تنضج في اتجاه واقعيات ولغات سينمائية حقيقية.

بعيداً من القلق

وهذا الزواج الثاني (بين السينما والمجتمع والإبداع) يقودنا الى الزواج الثالث الذي نتحدث عنه، بين السينما والتلفزيون هنا... ولكن هذه المرة، ليس انطلاقاً من فكرة استفادة السينما - التي لديها ما تقول - من التلفزيون وإمكاناته من دون ان تقدم تنازلات بهرجية أو نجومية، بل من فكرة معاكسة تماماً، وهي استفادة التلفزيون نفسه من إبداع أهل السينما. صحيح اننا نشير الى هذا الأمر في مكان آخر من صفحات «الحياة»، ومع هذا لا نجد بأساً في أن نختتم به هنا ايضاً كلامنا: فمنذ سنوات عدة، ومنذ ترسخ التلفزيون أكثر وأكثر كظاهرة اجتماعية فريدة من نوعها، كنا نقول - بل ننادي - بأن التلفزيون، إذ يستهلك كل إمكاناته ولغاته، لن يجد بداً ذات يوم من أن يلجأ الى المكان الذي لديه إمكانات إبداعية لا نهاية لها: الى السينما وأهلها، ليس فقط كي يعرض ما ينتجوه من إبداع، بل كي يعزز بإبداعاتهم ولغاتهم إنتاجاته نفسها. كنا - ولا نزال - نقول ان لدى السينمائيين ما يحتاجه التلفزيون: الابتكار اللغوي المتواصل، المواضيع التي لا تنفذ، الخبرة في ما يحب الجمهور الحقيقي أن يشاهد، ومعرفة متطلبات طبقات وسطى تميل الى فردية الفرجة أكثر وأكثر مفضلة البيوت على الصالات. وفي يقيننا ان ما لجأت إليه شبكة «اتش بي أو» خلال الأعوام الأخيرة ولا سيما هذا العام، من الاستعانة بكبار مبدعي السينما لتحقيق مسلسلات وأعمال «تلفزيونية» بلغات الفن السابع وجمالياته، ليس أكثر من خطوة عادلة تجاه فن وفنانين، لم يتوقفوا عن ضخ الشاشة الصغيرة منذ فورتها بما شكّل خزانها الرئيس من الذاكرة السينمائية، كما تجاه مبدعين بات في يدهم تجديد التلفزيون وإخراجه من بلادته.

مرة أخرى، ليس جديداً اي من هذا. لكن تضافره في عام واحد، وسط أسئلة القلق، يقول لنا اننا أكثر مما نشهد أي شيء آخر، ولا سيما «هبوط» الإنتاج السينمائي، إنما نشهد عاماً انتقالياً بامتياز.

عن كبار رحلوا في الأزمان الانتقالية 

لم يكن هذا العام السينمائي الذي ينقضي اليوم، جيداً، على السينما نفسها في شكل عام ولا على السينمائيين في شكل خاص لا سيما في فرنسا. فهذه خسرت في عام واحد ما لا يقل عن أربعة من سينمائييها المميزين، وكل في مجاله. أما السينما الأميركية، فإنها، وسط خسارات عدة، وتبدلات عدة من ناحية أخرى، خسرت بدورها، مخرجين على الأقل من أصحاب الأسماء الكبيرة في التاريخ الهوليوودي الحافل... ما يبدو وكأنه إمعان من الفن السابع في عيش عام انتقالي «يتخلص» فيه من «القديم» ليخوض في الجديد، بعدما صار «جدد» العقدين الأخيرين، كلاسيكيي الأزمان الحديثة. هي سنّة الكون والتاريخ، ولكن لم يكن قليلاً على أهل السينما ومحبيها، أن يكتشفوا عند نهاية العام أنّ عدد السينمائيين الكبار الراحلين، بلغ - تقريباً - أكثر من أي عدد مات في عام واحد منذ زمن بعيد، هذا إذا نحّينا جانباً ما حدث قبل سنوات قليلة حين رحل اثنان من أساطين السينما (برغمان وأنطونيوني) ليس في عام واحد أو حتى شهر واحد، بل في يوم تفصل بينهما ساعات قليلة.

ونبدأ هنا، على غير العادة، من فرنسا، التي كانت خسائرها السينمائية أكبر، إذ بدأت سلسلتها السوداء باكراً بموت إريك رومير، أحد أقطاب الموجة الجديدة ومدرسة «كراسات السينما» الذي حقق خلال خمسين سنة، شرائط عدة في ما يشبه السلاسل الأخلاقية والمرتبطة بالفصول والأعمال ذات الصبغة الاجتماعية، بحيث اعتبر الى حد ما، نوعاً من مؤرخ سينمائي لتبدلات أخلاقية معينة في المجتمع الذي عبر عنه، في أفلام له مثل «ركبة كلير» و «ليلتي عند مود» و «بولين على الشاطئ» وصولاً الى «حكايات أخلاقية» و «حكايات الربيع» و «الصيف» و«الخريف»... الى آخره. كان إريك رومير (1920 - 2010) واحداً من مؤسسي الحركة النقدية التي تحول معظم كبارها (تروفو، غودار، شابرول...) الى مخرجين صنعوا للسينما الفرنسية والأوروبية مكانة رائدة - على الصعد اللغوية الفنية - في العالم.

مثله كان كلود شابرول (1930 - 2010) ناقداً في «كراسات السينما» ثم سينمائياً. غير أن شابرول بعد مساهمة أساسية في الموجة الجديدة اتجه بالتدريج الى سينما أكثر شعبية، بوليسية واجتماعية بالأحرى، واتخذ من ألفريد هتشكوك مثالاً أعلى له، مجدداً في اللغة البوليسية، مطلاً على الكلاسيكيات إطلالة جديدة، ملاحقاً الأحداث الإجرامية جاعلاً منها أفلاماً. من أبرز أفلام شابرول «أبناء العم»، «سيرج الجميل»، «مدام بوفاري»، «الحفلة»، «العقد الرائع»، «الجحيم»، «زهرة الشر»، «فيوليت نوزيار»... الخ.

بوليسي التوجه كان أيضاً آلان كورنو، الذي من دون أن ينتمي إلى الموجة الجديدة وتاريخها المجيد، استعار لغتها. كورنو حين رحل هذا العام كان لا يزال في السابعة والستين، لكنه خلّف نحو ثلث قرن من نشاط سينمائي شعبي وحداثي، كانت علامته الكبرى فيلم «كل صباحات العالم». أما آخر أفلامه فكان يعرض حين رحل، فبدا وصية ختام لحياة مفعمة. هذا الفيلم هو «جريمة حب»، الذي بدا في شكل ما مفتتحاً نوعاً جديداً - أميركي الهوى، نفساني السمات - في عالم سينما الجريمة. لكن من المؤسف أن كورنو لن يكون هنا ليتابع.

في الخسارات الفرنسية أيضاً، اليوناني الأصل، الفرنسي النشاط، مسرحاً وسينما، باباتيكس، الذي أبى العام أن ينتهي قبل أن يأخذه معه. باباتاكيس (1918 - 2010) ولد في إديس أبيبا بإثيوبيا، وعاش معظم حياته متنقلاً بين بلده الأصلي اليونان وفرنسا. واشتهر ككاتب سيناريو ومنتج أكثر مما اشتهر كمخرج، على رغم ان الأفلام التي أخرجها، على قلّتها، لفتت أنظار النقاد بطبيعيتها وجرأة مواضيعها وهو حقق أكثرها في فرنسا. ومن أبرزها، أخيرُهُ (عام 1991)، «لاعبو التوازن» مع ميشال بيكولي.

وإذا كانت فرنسا ودّعت أربعةً من مخرجيها، فإن إيطاليا بدورها ودّعت واحداً من كبار كلاسيكيي السينما الهزلية ذات المضمون السياسي والاجتماعي: ماريو مونيتشيلي (1915 - 2010). ومونيتشيلي حين رحل قبل أسابيع، كان يعتبر الأكبر سناً بين المخرجين الإيطاليين الذين ظلوا يعملون لأطول فترة ممكنة... كما انه قطب أساسي من أقطاب مدرسة «الضحك الجديد»، الى جانب ريزي وكومنشيني وسكولا وغيرهم. ومن أبرز أفلامه «الحرب الكبرى» و «آباء وأبناء» و «عزيزي ميشالي» و «أصدقائي» وغيرها من أفلام عرفت كيف تزاوج بين الضحك والنقد السياسي والاجتماعي المرير.

وهنا، في مجال الحديث عن السينما الفكاهية الاجتماعية، يقفز بالطبع اسم الأميركي بليك ادواردز (1922 - 2010) الذي حتى وإن كان توقف عن الإنتاج سنوات طويلة قبل رحيله آخر هذا العام، كان اسماً لامعاً لم يختفِ قطُّ من عالم السينما، سواء كان ذلك بفضل كوميدياته الحيوية مثل سلسلة «الفهد الزهري»، أو دراماته العاطفية مثل «إفطار عند تيفاني» (عن رواية ترومان كابوتي) أو «أيام الورد والخمر» (أحد أجمل أفلام جاك ليمون) أو أفلام المغامرة مثل «السباق الكبير» أو «اختبار في القتل»...

غير أن الخسارة الأفدح للسينما الأميركية كانت بالطبع تتمثل في رحيل آرثر بن، أحد الكبار الذين كانت سينماهم في الستينات والسبعينات من القرن الماضي، إرهاصاً أساسياً بولادة جيل المتمردين (كوبولا، سكورسيزي... الخ)، في هوليوود المعاصرة. وحسبنا أن نذكر هنا أفلاماً مثل «بوني وكلايد» و «الرجل الصغير الكبير» و «المطاردة» و «مطعم آليس»... حتى ندرك أهمية آرثر بن (1922 - 2010)، ذلك الذي يمكن القول إن هوليوود الجديدة إنما ولدت معه كما مع أبناء جيله الذي طحن الى حد ما، بين كلاسيكيي الأزمان الغابرة، ومجددي الأزمان الحديثة. ومن هنا اعتبر رحيل آرثر بن إشارة الى بدء مرحلة انتقالية جديدة في عاصمة السينما، يصبح فيها متمردو الأمس كلاسيكيي اليوم، بينما يتساقط «الجدود» واحداً بعد الآخر.

10 أفلام أنقذت عاماً بائساً  

حتى وإن كان من الممكن أن يؤخذ على العام المنتهي، اليوم 2010، خلوّه في شكل عام من الأفلام الكبيرة المرشحة لأن تدخل تاريخ الفن السابع من الباب العريض، وحتى وإن كانت مهرجانات العام السينمائية الرئيسة، من «كان» الى «برلين» و «البندقية» قد اشتكت من أن ضعف ما عرض فيها من أفلام إنما يعود الى مشكلة في المنتوج نفسه أكثر مما هو سوء في الاختيار. وبالتالي، حتى وإن كان غلاة أهل المهنة والمراقبين والنقاد قد وقفوا عند نهاية العام حائرين يفكرون بمستقبل هذا الفن، كإبداع وليس فقط كإنتاج، على ضوء ما حدث، أو ما لم يحدث هذا العام، فإن ثمة عدداً لا بأس به، نسبياً، من أفلام عرفت كيف تنفد بجلدها من الجدب العام ومن وضع باتت فيه الهوة العددية - على الأقل - واسعة بين كمّ الأفلام المنتجة ونوعيتها. واللافت أن معظم استفتاءات الرأي التي أجريت، إنما توقفت عند هذه الأفلام بعينها في معظم الأحوال، مع ملاحظة أساسية وهي أنه كان ثمة من بين هذه الأفلام كثرة فرزت النقاد حقاً، بين قوم رأوا فيها تحفاً وآخرين رأوها لا تستحق أن تشاهد. ولعل المثلين الأكثر سطوعاً على هذا فيلم «العم بونمي...» التايلاندي، وفيلم وودي آلن الأخير «سوف تلتقين رجلاً طويلاً أسمر». وبالنسبة إلينا هنا، كي نلعب اللعبة أسوة بغيرها، سنتوقف عند العشرة أفلام التي رأيناها تستحق تمييزاً لهذا العام، وربما ليس دائماً لأسباب فنية، علماً بأن لائحتنا تخلو، للمرة الأولى منذ سنوات، من أي فيلم عربي وهو ما يشعرنا بقدر كبير من الأسف والأسى.

> في المقام الأول كان هناك فيلم «عام آخر» لمايك لي، المبدع الإنكليزي، الذي حتى وإن كان قد سبق له أن قدم، لأهل المهرجانات («كان» بخاصة) ولجمهور خاص بعض الشيء أفلاماً كبيرة في السابق (مثل «عار» و «أسرار وأكاذيب»)، فإنه تجاوز نفسه هذه المرة في فيلم عائلي حميم، يكاد لا يروي شيئاً سوى حكاية أربعة فصول من حياة عائلة وبعض أصدقائها. «عام آخر» فيلم إنساني بامتياز وعمل قوي من النوع الذي يتقن الإنكليز إبداعه. ومع هذا، على رغم أن الفيلم اعتبر منذ عرضه في دورة «كان» الأخيرة، تحفة استثنائية، عميت عنه عيون المحكمين في حفل الختام ولم يخصّوه بأية جائزة أو ذكر، ما اعتبر عاراً على اللجنة التي استحقت أن تشتم وتعتبر غير مناسبة للحكم على أي فيلم من الأفلام.

> في المقابل، أثنى كثر على اللجنة نفسها إذ أعطت ثاني أكبر جائزة الى الفيلم الفرنسي «عن الآلهة والبشر» لكزافييه بوفوا... في هذا الفيلم لم يكن الموضوع هو المغري (يتحدث عن اغتيال سبعة رهبان فرنسيين في الجزائر أواخر القرن الفائت)، بل الطريقة التي رسم بها المخرج أحداث الفيلم، أي صورة الأيام الأخيرة التي عاشها الرهبان في ديرهم المنعزل في الأرياف الجزائرية مختلطين في ألفة مدهشة مع السكان المحليين، وكذلك الالتباس الذي أنهى به المخرج فيلمه من دون أن يوضح تماماً أي طرف اغتال الرهبان حقاً: السلطة أو الإسلاميون المتشددون. فيلم كبير وهادئ «عن الآلهة والبشر» استحق نجاحاته النقدية، كما مئات ألوف المتفرجين الذين تدفقوا لمشاهدته معيدين الاعتبار الى سينما فرنسية كانت تكاد تلفظ أنفاسها خلال السنوات الأخيرة.

> الكبير جان - لوك غودار، أعاد بدوره الاعتبار الى السينما الفرنسية، حتى وإن كان فيلمه الجديد «فيلم - اشتراكية» مثله سويسرياً. هذا الفيلم عرض بدوره في دورة «كان» الأخيرة، لكنه لم يكن مرشحاً لأية جائزة. ومن هنا كان منسياً في حفل الختام تماماً. ولكن بعد ذلك، وإذ بدأت تنسى معظم الأفلام المهرجانية، ها هو «فيلم - اشتراكية» ملء السمع والبصر، الى درجة أن أهل الأوسكار أمضوا أسابيع طويلة خلال الصيف المنصرم باحثين عن عنوان غودار في قرية سويسرية صغيرة كي يبلغوه أنهم قرروا تكريمه وتكريم فيلمه وتاريخه السينمائي المجيد، خلال حفلة الأوسكار المقبلة. في المقابل لم يفكر أي من المهرجانات العربية المتكاثرة كالفطر بأي تكريم لغودار مع أن الجزء المتعلق بفلسطين في هذا الفيلم يعتبر واحدة من أقوى المرافعات دفاعاً عن قضيتها. ومع أن هذا الجانب الفلسطيني ليس جديداً على غودار صاحب «موسيقانا» و«الجندي الصغير».

> فلسطين ولكن، من جانب مقابل تحضر في الفيلم/ الظاهرة، للعام 2010: «كارلوس» للفرنسي من أصل مصري أوليفييه السايس. فيلم لأنه واحد من أبرز ما حققه سينمائي في العام المنتهي، وظاهرة لأنه شكل ذروة النقاش حول الفيلم السينمائي والفيلم التلفزيوني. «كارلوس» كما بتنا نعرف الآن فيلم عرض في أكثر من 5 ساعات تلفزيونية. وفي أقل من 3 ساعات سينمائية، جامعاً الوسيطين معاً، ليقدم حكاية الإرهابي الأشهر، القابع الآن في السجون الفرنسية والذي أمضى حياته «يناضل» - على طريقته، طبعاً، من أجل فلسطين. مهما يكن، على عكس ما كان يمكن توقعه، أتى «كارلوس» عملاً فنياً مبدعاً، لا يبتعد تاريخياً أو سياسياً عن قدر ما من الأمانة، لكنه يدنو فنياً من الأعمال السينمائية الملحمية الكبيرة، وإذا كان لنا أن ننصح هنا من سيشاهد الفيلم على الأسطوانات المدمجة وسيحيّره الاختيار بين النسخة التلفزيونية الطويلة والنسخة السينمائية الأقل طولاً، فإننا سننصح بالنسخة الطويلة، مع ضمانه أنه لن تكون هناك لحظة ملل.

> ... إذا كانت كل الأفلام التي ذكرناها حتى الآن تنتمي الى الواقع السياسي والتاريخي الاجتماعي في شكل أو آخر، فإن الفيلم التالي على لائحتنا وهو «الشبكة الاجتماعية» ينتمي الى جزء لم يكن متوقعاً من الواقع: الواقع الإلكتروني... ذلك أنه، في إخراج مميز من صاحب «سبعة» و «زودياك» دافيد فينشر، يتابع المغامرة الحياتية والاقتصادية والمعلوماتية المدهشة للفتى العشريني الذي «اخترع» موقع «فيسبوك»، فغيّر به وجه العالم ووجه العلاقات الاجتماعية بشكل لا عودة عنه، معيداً الى الفرد اجتماعيته، وإن في شكل افتراضي، بعدما بشر «أنبياء» كثر بزوال العلاقات الاجتماعية لمصلحة فردية معلنة.

> المجتمع... ولكن من ناحية مقلوبة تماماً... وتكاد تنتمي الى بؤسوية كانت سائدة أيام «الواقعية الجديدة» الإيطالية، هو محور فيلم «بيوتيفل» للمكسيكي الأصل، الإسباني - الأوروبي الهوى أليخاندرو اينياريتو، الذي كان قدم أكثر من عمل رائع خلال السنوات الأخيرة بدءاً بـ «غراميات كلية» وصولاً الى «بابل». هذه المرة اتبع اينياريتو، إذ صوّر فيلمه الجديد في برشلونة أسلوباً كلاسيكياً ليصور حياة فرد ضائع بين حياة عائلية مضطربة ومهنية خطرة، وسرطان سيميته بعد وقت قليل. لقد أتى هذا الفيلم كبيراً مؤثراً... وربما بفضل أداء بطله، أكثر مما بفضل لغته السينمائية وموضوعه المدرّ للعواطف والدموع. فبطل الفيلم الإسباني خافيير بارديم، قدم هنا أداء جعله يستأهل جائزة مهرجان «كان» ويصنف بين كبار الكبار بين ممثلي السينما في الأزمنة الحديثة.

> فيلم «آغورا» للإسباني أليخاندرو أمينابار، كان من المفترض أن يصنف بين أفلام العام السابق 2009، غير أنه بعدما عرض في دورة «كان» لذلك العام، تأخرت عروضه العالمية حتى العام التالي. ولعل هذا كان من حسن حظه، ففي العام 2009، ما كان في إمكانه أن يبرز بين العشرة الأول، لأن العام ذاك كان عام إنتاج سينمائي كبير. وبالتالي برز «آغورا» في العام 2010، أولاً بفضل موضوعه: التسامح والتطرف الديني (حمداً لله لم يكن الحديث عن التطرف الإسلامي هذه المرة!)، ثم بفضل أسلوبه السينمائي الرائع: فيلم من النوع الذي ينتمي الى الملاحم الرومانية والإغريقية، على موضوع شديد الراهنية وبأداء ولغة سينمائية شديدي الحداثة. يتحدث الفيلم عن مقتل فيلسوفة مكتبة الإسكندرية هيباتيا، أيام الانتشار الأول للمسيحية في مصر وقمعها حين انتصرت لحرية الفكر.

> ليس قمع حرية الفكر، كما يمكننا أن نعرف، هو الذي دفع المخرج الإيراني عباس كياروستامي الى تحقيق آخر أفلامه - حتى الآن -، بين إيطاليا وفرنسا، ومع ممثلين أوروبيين، خارج إطار سينماه الملتصقة تماماً ببيئته الإيرانية، بل ربما هي الرغبة في التغيير، أو إغراء أوروبي ما. المهم أن النتيجة كانت فيلم «نسخة طبق الأصل» الذي أحبه كثر، فيما كرهه البعض (ومن بين هذا البعض، طبعاً، السلطات الرقابية الإيرانية، التي تصاعدت كراهيتها له حين كتب مخرجه رسالة انتقد فيها قمع السينمائيين من قبل نظام أحمدي نجاد في إيران). الفيلم حميم ومبهم، لكنه فاتن، يذكر بنوع من السينما لم يعد كثر من المخرجين يحفلون به، وهو يتحدث عن لقاء بين رجل وامرأة في قرية إيطالية، من دون أن ندري ما إذا كانا شخصين التقيا لتوهما ويتعارفان ليعيشا افتراضياً حياة زوجين، أو زوجين التقيا بعد غياب أحبا أن يمثلا على بعضهما بعضاً دوري الغريبين.

> لائحة مثل هذه التي نوردها هنا، ما كان يمكنها أن تبدو مكتملة إن هي خلت من فيلم لواحد من آخر الكبار العاملين في الفن السابع الأميركي، مارتن سكورسيزي. وهو وفّر علينا عناء البحث، طبعاً، بفيلمه الأخير - قبل غوصه في العمل التلفزيوني كما يبدو - «شاتر آيلند» المأخوذ عن رواية رائعة لكاتب بوسطن الكبير دينيس لاهان. فيلم مبهم، بوليسي، نفسي، مشوق، قاس، اشتغله سكورسيزي، كعادته كما يشتغل الجوهرجي على قطعة ثمينة، فأتى فيلماً كبيراً... لكنه أتى في الوقت نفسه واحداً من تلك الأفلام التي قد تدخل تاريخ السينما... ولكن في بطء شديد. «شاتر آيلند» رحلة في داخل مفتش أكثر مما هو رحلة من حول جريمة تقع في مصح عزل في جزيرة قاسية مرعبة.

> وهنا، طالما أننا ذكرنا سكورسيزي، لا بد من أن نذكر فرانسيس فورد كوبولا، الذي لفرطإحساسه بفشل انتاجاته الأخيرة، ولفرط انشغاله بالإنتاج وبالنبيذ، كاد يصبح نسياً منسياً، خلال العقد الأخير. فكوبولا هذا، حقق في العام 2009 فيلماً صغيراً/ كبيراً، لم يقيض له أن يعرض إلا في العام 2010 في معظم البلدان، وكان هذا من حظه أسوة بما حدث مع «آغورا» المذكور أعلاه، كما من حظ هذه اللائحة. فلولاه كان على لائحتنا أن تتوقف مع الفيلم التاسع. أما عرضه في هذا العام فإنه أهّله لدخول لائحة العشرة الأفضل. وهو، على أية حال، فيلم لكل الأزمنة تبرز قيمته في شكل تدريجي. وهو، في شكل أو آخر، عودة من صاحب «العراب» و «يوم الحشر الآن» الى ذاته وأسرته، ولو في شكل رمزي، من خلال حكاية أخ مراهق يكتشف أخاه الأكبر، بعدما بارح هذا الأخير الحياة العائلية، في الأرجنتين، فيحاول استعادة العلاقة معه. الفيلم هو، طبعاً، «تيترو»، الذي بدأ كثر يعتبرونه واحداً من أجمل ما حقق كوبولا في تاريخه، وفيلمه الأكثر... أوروبية.

الحياة اللندنية في

31/12/2010

جميع الحقوق محفوظة لموقع سينماتك
  (2004 - 2010)