حول الموقعخارطة الموقعجديد الموقعما كـتـبـتـهسينما الدنيااشتعال الحوارأرشيف الموقع 

«أيام بيروت السينمائية» تنطلق اليوم بـ«كل يوم عيد» لديما الحر وتستمر بأفلام عربية

نديم جرجورة

إنه موعدٌ مُنتظر. ليس الموعد سنوياً، لأن اللقاء يتمّ مرّة واحدة كل عامين. هذا أفضل، ربما. فالعامان يتيحان لمنظّمي الموعد فرصة جمع أكبر عدد ممكن من الأفلام الجديدة، لعرضها في عشرة أيام متتالية. يتيحان لهم البحث عن الأفضل، وإن جعلوا اللقاء هذا حيّزاً لمعاينة الجديد، بقناعة مفادها أن ليس الجديد كلّه جميلاً ومهمّاً وبارعاً في طرح الأسئلة الجمالية والدرامية والإنسانية والثقافية، لكنه يستحق العرض في بيروت. بقناعة مفادها أن المهتمّ بالشأن السينمائي يستحقّ، هو أيضاً، مُشاهدة الأفلام هذه في بيروت. فالرغبة في تقديم الجديد أقوى، ولو قليلاً، من التشدّد في الاختيار. مع أن التشدّد في الاختيار واجبٌ إبداعي مرتبطٌ بحسّ أخلاقي وبمسؤولية ثقافية إزاء الأفلام المختارة وعروضها.

أميل إلى القول إن منظّمي «أيام بيروت السينمائية» توّاقون إلى إتاحة مجال ما أمام صانعي الأفلام العربية لعرضها في بيروت، بهدف إيصالها إلى أكبر عدد ممكن من المُشاهدين المهتمّين. لهذا، تخفّ حدّة التشدّد في الانتقاء قليلاً. فالأهم، ربما، كامنٌ في تحويل اللقاء إلى حيز ثقافي وفني للتواصل.

وعلى المُشاهدين أنفسهم غربلة ما يُشاهدون ويتلقّون ويتفاعلون معه ويتأثّرون به، سلباً أو إيجاباً. تماماً كما أن على النقّاد والسينمائيين وضع الأفلام وأشكالها ومضامينها على بساط التشريح النقدي والفني والجمالي، لمناقشتها وتحليلها والبحث في مقوّماتها الإبداعية. وهذا، بالضبط، ما تفعله إدارة الـ«أيام»: عرض أفلام عربية مُنتجة خلال العامين الفائتين. تنظيم لقاءات أشبه بـ«دروس سينمائية»، متمثّلة بلقائين اثنين مع السينمائيين اللبناني غسان سلهب والجزائري طارق تقيّة الحادية عشرة قبل ظهر يومي الخميس والجمعة 23 و24 أيلول الجاري، في «معهد الدراسات المسرحية والسمعية والبصرية « في «جامعة القدّيس يوسف». بالإضافة إلى لقاء مع المخرج الفرنسي أوليفييه أساياس، مخرج الفيلم الإشكالي «كارلوس» الذي يُعرض عند السادسة من مساء السبت في 25 أيلول الجاري، في اليوم نفسه الذي يشهد اللقاء بأساياس، الحادية عشرة قبل الظهر.

هنا مقالتان اثنتان، تناولت الأولى المناخ العام للتجربة الثقافية الخاصّة بـ«جمعية بيروت دي سي» ومهرجانها السينمائي العربي هذا، إلى قراءة أولى لبعض الأفلام المعروضة في الأيام الأولى؛ وقدّمت الثانية قراءة نقدية لأفلام روائية قصيرة وأخرى وثائقية.

 

كلاكيت

مشروع سينمائي ملتبس

نديم جرجورة

لم يكن مؤتمراً صحافياً عادياً، إذ بدا ترويجاً لمشروع سينمائي ملتبس وغامض، جيء به من كندا بحثاً عن تمويل، أو عمّا يُشبه التمويل. لم يكن لقاءً واضح المعالم، لأنه لم يهدف إلى إعلان برمجة لدورة جديدة من مهرجان أثار نقاشات حادّة سابقاً، بل مجرّد لقاء اجتماعي عابر. ذلك أن ما جرى قبل ظهر الاثنين الفائت في «نقابة الصحافة اللبنانية»، شكّل إضافة أخرى الى لائحة التخبّط الذي تعانيه «نقابة الفنيين السينمائيين في لبنان»، على الرغم من أن النيّة صادقة، والرغبة في ممارسة عمل سينمائي جدّية. لكن النيّة وحدها لا تصنع شيئاً، وإن كانت صادقة؛ والرغبة أيضاً، إذا افتقدت خططاً طويلة الأمد، واستقطاباً لخبرات وقدرات محلية، وانفتاحاً حقيقياً على العاملين جميعهم في شتّى أنواع الحقول الفنية البصرية.

عقدت «نقابة الفنيين السينمائيين» مؤتمراً صحافياً لإعلان أمرين اثنين: أولاً، أرادت النقابة باسم رئيسها صبحي سيف الدين طمأنة المعنيين بالأمر إلى أن الدورة الثانية لما يُسمّى بـ«المهرجان اللبناني للسينما والتلفزيون» ستُقام بين الأول والخامس من آذار المقبل. ثانياً، جيء بمخرج شاب يُدعى شاكر خزعل، للترويج لفيلم ما في إطار ما وُصف بـ«السينما في حياة الأمم». غير أن الملاحظات السلبية عديدة، لأنها طغت على المؤتمر الصحافي كلّه تقريباً، متمثّلة بكلمات مستشار «نقابة الصحافة اللبنانية» فؤاد الحركة ونقيب الفنيين سيف الدين والمخرج خزعل رئيس «البعثة الفنية الكندية»، الذين اتّحدوا معاً لتلقين الحضور، الذي غابت عنه الغالبية الساحقة من السينمائيين والصحافيين والنقّاد المشهود لهم بالتزامهم السينما همّاً جمالياً وإبداعياً وثقافياً وفكرياً، دروساً في معاني السينما والصورة والعلاقات القائمة بينهما وبين المجتمع والناس. دروس جامدة لم يعد أحدٌ يتداولها لبديهيتها الواضحة، باستنثاء أولئك المقيمين في أزمنة ولّت. فبدلاً من الاكتفاء بكلمة مقتضبة عن فحوى اللقاء، استرسل المستشار بمفاهيم عامة وفضفاضة وغير مجدية عن السينما وأحوالها، ما عكس فراغاً واضحاً في النصّ المكتوب أمامه. وبدلاً من تقديم المهرجان المذكور بتوسّع أكبر، وبتحديد أعمق لعناوينه وتفاصيله وأنشطته، اكتفى سيف الدين بالعموميات، التي لا تغني ولا تُسمن. أما خزعل، ومن معه من فريق عمل أجنبي متورّط في العمل الإعلاني، كما بدا واضحاً، فروَّج لفيلمه، وتباهى بمعرفته القيّمة بأن السينما هي اللغة الوحيدة التي تجمع الناس جميعهم بعضهم إلى بعض. يا له من اكتشاف حديث.

هذا نموذج مختزل عن مؤتمر صحافي يُفترض به أن يتخصّص بالسينما من دون سواها. غير أن «نقابة الفنيين السينمائيين في لبنان» لم تعد تفرّق بين الشاشتين الكبيرة والصغيرة، مع أنها ادّعت مراراً حرصها على السينما. وهذا كلّه، من دون التوقّف عند مغالطات قيلت، خصوصاً لجهة أنه لا يوجد أحد في لبنان من المتخصّصين السينمائيين مهتمّ بإقامة مهرجانات سينمائية، باستثناء النقابة. يا للهول.

السفير اللبنانية في

16/09/2010

 

الحضور الفلسطيني.. الكاميرا تفضح اهتراء المجتمع  

إنه موعدٌ منتظر. «أيام بيروت السينمائية»، التي تنظّمها «جمعية بيروت دي سي» منذ العام 2001، باتت جزءاً أساسياً في المشهد السينمائي اللبناني بأفقه العربي. لا مسابقة رسمية ولا جوائز. هذه ميزة ثانية، تلي التعمّق، أكثر فأكثر، في الحراك الإنتاجي العربي، بحثاً عن أكبر عدد ممكن من الأفلام القيّمة. «أيام بيروت السينمائية» تبدأ دورتها السادسة مساء اليوم، بالعرض اللبناني الأول لـ«كل يوم عيد»، الروائي الطويل الأول للمخرجة اللبنانية ديما الحرّ. هذه ميزة ثالثة: السعي الدائم إلى جعل حفلة الافتتاح لقاء لبنانياً صرفاً. فهذه الحفلة تفتتح عالماً متشعّباً من الأفلام والأفكار والجماليات والسجالات والنقاشات. والإصرار على اختيار فيلم لبناني لإطلاق كل دورة، نابعٌ من إحساس بضرورة جعل الـ«أيام» لبنانية منفتحة، إلى أقصى حدّ، على المساحة الجغرافية وفضائها الثقافي في العالم العربي، وفي دول الاغتراب العربي أيضاً.

وقائع إنسانية

الفيلم المختار لحفلة الافتتاح، المُقامة عند السابعة والنصف من مساء اليوم في صالة سينما «متروبوليس/ أمبير صوفيل» في الأشرفية، انعكاس لحِرَفية متفتّحة على جمالية الصورة، وعلى عمق المعاينة الدرامية لحالة إنسانية، تنطلق من المحليّ لتغطّي واقعاً إنسانياً وأخلاقياً أشمل وأكبر. الجانب السياسي فيه مغلّف بأسلوب سينمائي ارتكز على الإيقاع السردي الهادئ، وعلى جمال الطبيعة وقسوتها في تحويل عدسة الكاميرا إلى مرآة شفّافة وصادمة لحجم البؤس، ولبراعة المناخ الدرامي العام في التقاط التفاصيل والحكايات والحالات والعلاقات. «كل يوم عيد» (2009، 85 د.)، المزمع إطلاق عروضه التجارية اللبنانية في الثلاثين من أيلول الجاري، حَفَر في أعماق الذاكرة المحلية، وغاص في تشعّبات القهر والوحشة والألم، وأنجز رحلة في الذات والمحيط بها معاً (كتبت الحرّ سيناريو الفيلم بالتعاون مع ربيع مروّة). فالنسوة الثلاث (هيام عبّاس ومنال خضر وريّا حيدر) يواجهنَ مصاعب شتّى في رحلتهنّ ونساء أخريات، قرّرن جميعهنّ زيارة أزواجهنّ المسجونين في مكان ما بعيداً عن بيروت. الصمت الطاغي غالباً على السياق العام، يُقابله غليانٌ داخليّ في الذات والعقل والروح، الخاصّة بكل واحدة منهنّ. والطبيعة القاسية التي يجدن أنفسهنّ في أحضانها فجأة، يُقابلها انجراف النسوة الثلاث، اللواتي ينفصلن عن الأخريات إثر تعرّض الباص لعطل ما، باتجاه التعمّق الداخلي أكثر فأكثر في الذات والانفعالات والهواجس والإسقاطات الجمّة، وسط تداعي الذكريات وارتفاع حدّة الراهن في إغراقهنّ بالوحدة والتمزّق.

مع ديما الحرّ وفيلمها الروائي الطويل الأول هذا، تبدأ أيام الدورة السادسة للمهرجان اللبناني المتخصّص بالسينما العربية. ومع الفيلم الفرنسي المثير للجدل والنقاش «كارلوس» لأوليفييه أساياس، الذي يُعرض عند السادسة من مساء السبت في الخامس والعشرين من أيلول الجاري، تُختَتم العروض كلّها، علماً بأن اليوم الأخير للمهرجان، في السادس والعشرين من الشهر نفسه، مخصّص بفلسطين بعنوان «مهرجان فلسطين في السينما الجديدة»، في إطار الاحتفال بـ«القدس عاصمة الثقافة العربية»، بالتعاون بين «جمعية بيروت دي سي» و«مؤسّسة التعاون» و«مركز الجنى» و«الحملة الأهلية الفلسطينية» للاحتفالية المذكورة أعلاه، وذلك بعرض أربعة أفلام هي: «إلى أبي» لعبد السلام شحادة (الخامسة بعد الظهر)، «مملكة النساء» لدانا أبو رحمة (السادسة والنصف مساء)، «المرّ والرمان» لنجوى النجّار (الثامنة مساء) و«عيد ميلاد ليلى» لرشيد مشهراوي (العاشرة ليلاً).

فلسطين

الاختيار الفلسطيني، وإن بدا مستقلاّ عن المناخ العام للعروض والمختارات، يُشكّل محطّة للتواصل مع تنويع مختلف، أعاد صوغ حكايات فلسطينية مستلّة من قلب الصراع اليومي الدائم بين الفلسطيني ونفسه أولاً، وبين الفلسطيني والمحتلّ الإسرائيلي ثانياً. في الشقّ الأول، هناك قراءة لتفاصيل اجتماعية وإنسانية وتربوية وتاريخية خاصّة بالمجتمع الفلسطيني نفسه، وبالغليان الحاصل فيه بشكل عادي على المستويين الاجتماعي والتربوي تحديداً، كما يحدث عادة في مجتمعات عربية أخرى، من دون تناسي واقع الاحتلال الإسرائيلي وممارساته العنيفة، التي تظهر، غالباً، في خلفية المشهد، أو في لقطاته البعيدة، أو في مناخه العام. في الشقّ الثاني، لا يُمكن التغاضي عن الآثار المدمِّرة التي خلّفها (ولا يزال يُخلّفها) الاحتلال الإسرائيلي، وإن لم يسع المخرجون جميعهم إلى تبيان الاحتلال وآثاره بشكل مباشر. فالهمّ الفردي، أي الاشتغال على الإنسان الفرد ومعاناته وهواجسه وأفكاره وانفعالاته، طاغ. في حين أن اللعبة الدرامية متنوّعة الأشكال والمضامين: في الفيلم الوثائقي الأخير لشحادة، هناك رحلة في التاريخ، من خلال البحث في عالم التصوير الفوتوغرافي وتقنياته وامتداداته الإنسانية والتربوية والاجتماعية داخل البيئة الفلسطينية وتحوّلاتها، وصولاً إلى التطوّر الحاصل على مستوى التصوير، قبل بلوغ مرحلة الفيديو وتقنياته. في هذا كلّه، يُقارب شحادة، بهدوء فني وبصري وسردي، المسائل الحياتية والتبدّلات الطارئة على الفلسطينيين منذ نكبة العام 1948، لغاية اليوم. مع أبي رحمة، دخلت الكاميرا المخيم الفلسطيني عين الحلوة، لاستعادة إحدى أصعب التجارب التي مرّت بها نساء المخيم، أثناء اعتقال أزواجهنّ من قبل الاحتلال الإسرائيلي للبنان بين العامين 1982 و1984، وكيفية اشتغالاتهن اليومية لحماية المخيم وأبنائه، وللمساهمة الفعّالة في صموده الحياتي اليومي. أما النجّار، فاختارت أحد أقسى المواضيع تحريماً في مجتمع عربي، بتقاليده التربوية والاجتماعية التقليدية المحافظة، وهو المجتمع الفلسطيني، مضيفةً اليه محرَّماً آخر، ناتجاً من طبيعة الصراع التاريخي بين الفلسطينيين والمحتل الإسرائيلي. فهي، بتوغّلها داخل البيئة والنفس البشرية والقناعات الجامدة، ضربت وتراً حسّاساً بسردها قصّة زوجة أسير فلسطيني في سجن إسرائيلي لنضاله ضد المحتلّ، وعلاقتها العاطفية برجل آخر، ما أثار نقمة عليها من قبل أولئك الرافضين الدائمين لأي بحث سينمائي أو ثقافي أو اجتماعي في شؤون الفرد وحاجاته وانفعالاته. بينما سرد مشهراوي تفاصيل يوم واحد، أمضاه سائق سيارة أجرة باحثاً عن لقمة العيش، والتحدّيات الصعبة التي واجهها داخل البيئة الفلسطينية أساساً، قبل أن يختم نهاره بإجابة تختزل وقائع البؤس الفلسطيني الداخلي، ردّاً على سؤال زوجته عن كيفية تمضيته نهاره، فقال: «عادي». كأن التحدّيات والمصاعب والمآزق كلّها باتت «عادية» في بيئة خاضعة لموت تدريجي، منبثق من الاحتلال الإسرائيلي، وطالع أيضاً من الاهتراء الداخلي في المجتمع الفلسطيني.

تكريم

غير أن فلسطين حاضرةٌ، أيضاً، خارج الاحتفال بها في اليوم الأخير. ارتأت إدارة «أيام بيروت السينمائية» تكريم الفلسطيني البلجيكي ميشال خليفي، بعرض فيلمين اثنين له: أول وثائقي أنجزه بعنوان «الذاكرة الخصبة» (99 د.، الخامسة بعد ظهر الأحد المقبل)، وآخِر روائي طويل حقّقه بعنوان «زنديق» (84 د.، السابعة والنصف مساء بعد غد السبت). كأن إدارة الـ«أيام» أرادت تقديم اختصار ما للسيرة المهنية الخاصّة بالمُكرَّم، بدءاً من ولادته السينمائية الأولى، المتمثّلة بالوثائقي الذي أنجزه في العام 1980 بعنوان «الذاكرة الخصبة»، وصولاً إلى آخر أعماله «زنديق» (2009). في الفيلم الوثائقي، غاص خليفي في يوميات العيش الفلسطيني في ظلّ الاحتلال، من خلال امرأتين هما فرح حاطوم (أرملة، تعيش مع أولادها وأحفادها) والكاتبة سحر خليفة. معهما، ذهب المخرج إلى التخوم القاسية التي حاصرت المعيش والانفعال والألم والحكايات. وبفضلهما، شرّح بعض البيئة المجتمعية والثقافية، باحثاً في أعماق المكان والحالات معاً. أما «زنديق»، الروائي الطويل الثالث له بعد «عرس الجليل» (1987) و«حكاية الجواهر الثلاث» (1996)، فظلّ دون الحدّ الأدنى المطلوب في صناعة فيلم، إذ بدا مرتبكاً وتائهاً وسط كَمّ من المفارقات المشغولة بسذاجة وتسطيح. اللافت للانتباه أن «زنديق» يُعتبر، بالنسبة إليّ على الأقلّ، النقيض الفعلي لـ«عرس الجليل». فهذا الأخير، الذي تعرّض لحملة عنيفة من فلسطينيين وعرب تحديداً بسبب غوصه في عمق الأزمة الاجتماعية والتربوية الفلسطينية (وإن في ظلّ الاحتلال)، حافظ على حِرَفية أفضل، ومتانة أقوى في الكتابة والمعالجة. في حين أن «زنديق» تفلّت من كل قيد سينمائي مطلوب في صناعة الأفلام، من دون أن يبلغ التفلّت مرتبة الاختبار البصري، أو ما يُعرف بالتجريب.

وفلسطين حاضرةٌ، أيضاً وأيضاً، بالفيلم الوثائقي «العودة إلى الذات»، وهو الثاني لمخرجه بلال يوسف (مواليد الناصرة، 1979)، بعد «عبر الحدود». الأهمية الأولى للفيلم كامنةٌ في موضوعه: أبناء الموحّدين الدروز في فلسطين المحتلّة، وعلاقتهم الصعبة بالمحتلّ وبأبناء بلدهم. المادة المختارة مؤثّرة وصادمة: يُفرض على الرجال تمضية خدمة إجبارية في الجيش الإسرائيلي. أحياناً، لا يجد هؤلاء عملاً آخر غير التطوّع في جيش الاحتلال، أو الخدمة الدائمة فيه. وهذا يؤدّي بهم، أو ببعضهم على الأقلّ، إلى ازدواجية متناقضة في المشاعر والهوية والحضور الإنساني في البيئة الفلسطينية والكيان الإسرائيلي معاً. الكلام الذي قيل أمام الكاميرا طرح سؤال الهوية، وغاص في الحدّ الواهي جداً بين الاستشهاد والموت: ماذا يُقال عن جندي إسرائيلي درزي قُتل أثناء تأدية «واجبه»؟ هل هو شهيد، أم قتيل؟ هذا اختصار كبير جداً للمضمون الدرامي. هذه دعوة إلى مشاهدة الفيلم (السادسة والنصف مساء بعد غد السبت)، والمشاركة الفعلية في طرح الأسئلة الصعبة على الذات، وفي السعي الدؤوب إلى الحصول على أجوبة، أو على ما يُشبه الأجوبة. هذا فيلم جميل الصنعة، على الرغم من قسوة الموضوع وخطورته. ولهذا كلّه، يحتاج إلى قراءة نقدية متأنية تأتي لاحقاً.

السفير اللبنانية في

16/09/2010

 

ثقافات / سينما

جون كارلن من الصحافة الرياضية الى هوليوود

حميد مشهداني من برشلونة 

هنا أحد ساكني قريتي المتوسطية بريطاني الجنسية ولد في لندن عام 1956، قبل ان يستقر مدينتي “ستجس” منذ اكثر من 12 عاما كان مراسلا رياضيا لعدد من الصحف اللندنية وبعدها مارس نفس الصحافة في جريدة الغارديان والاندبندت وفي عام 1998 انتدبته هذه الاخيرة الى “برشلونة” ليكتب تحقيقا عن “بوبي روبسون” البريطاني مدرب فريق “برشلونة” حينذاك. هذا اصر على ان يزوره في بيته بمدينة “سيتجس” الساحلية جنوب برشلونة 35 كيلومتر، في ذالك الوقت كان أكثر من نصف أعضاء الفريق يسكنون هذه المدينة الصغيرة بسبب ترفها وحريتها وتأريخها في انطلاقة حركة “المودرنزم” الكاتالاني في العمارة والتشكيل التي قادها الرسام والمسرحي”سانتياغو روسينيول” في اواخر القرن التاسع عشر.

كانت ضيافة “روبسون”مؤثرة في قرار “كارلن” ليختار هذه المدينة التي ابهرته كمقر لسكن مقبل ودائم، وهو المراسل الصحفي الذي عاش في العديد من مدن العالم ولكن ليس أكثر من سنة. وهو يعتبره المسؤل عن هذا الاختيار، فهذا طاف معه المدينة وحيها القديم ومتاحفها، وفي ذاته كان يحلم العيش فيها ولكنه كان يتصور انه سيحقق ذالك بعد تقاعده، وفجأة بعد 6 أشهر تلقى الصحفي الشاب عرضا من أكبر صحيفة في اسبانيا وهي جريدة “الباييس” ليسافر هنا وهناك كاتبا لتحقيقات ومقابلات مع شخصيات مهمة في كل أنحاء العالم وهنا وجد فرصته في تحقيق حلمه في السكن الدائم في “سيتجيس” في اخر تصريحاته لمجلة محلية يقول “مضت 12 سنة وهذا كثير أعتقد انني لم اعش أكثر من هذا في اي مدينة أخرى، فأنا لاأشعر بالالتصاق مع اي مكان لانني أعتقده عائقا للعمل الصحافي وتعابير الوطنية والقومية لا أشعر بها على الاطلاق ولا افهمها وهذا يشعرني بالضعف الذي كثيرا ما يسبب لي الصداع. ابي “اسكتلندي” وفي الثالثة من عمري انتقلنا الى عاصمة ألارجنتين”و عشت فترة طويلة في جنوب افريفيا وبعدها عشت في اكثر من 8 مدن ولكن ليس اكثر من سنة. والان ومنذ 12 عام وأنا اعيش في هذه المدينة وكوني صحفيا في سفر دائم اشعر بالارتياح لقربها من المطار ومن مدينة برشلونة.

قبل أشهر التقيته صدفة بجانبي على منضدة بار “ايرلندي” طويلة، لم أقاوم رغبتي في السؤال عن علاقته بالمخرج الرائع “كلنت ايستوود” والممثل ”مورغان فريمان” اللذين اشتروا حقوق روايته الاخيرة ”العنصر الانساني” او “العامل الانساني” التي كتبها عن “نيلسون مانديلا” والتي صارت فلما مشهورا اسمه “القاهر” رغم شكي بصحة هذه الترجمة. قال ”لم اصدق يوما ان روايتي ستصير فلما عالميا على يد اعظم المخرجين مثل “ايستوود” ودور مانديلا سيلعبه “مورغان فريمان” قبل ذالك أتصل بي وكيل ”فريمان” لشراء حقوق الرواية وأن “كلنت ايستوود” قرأها وهو مهتم جدا بإخراجها سينمائيا وافقت بسرعة، وبعد 3 ايام وصل بيتي احد منتجي كاليفورنيا وبقي معي هنا مدة أسبوع، باحثا معي تفاصيل تحويل الرواية الى سيناريو، وطرحت بعض الافكار وشرحت له علاقتي الشخصية بـ”نيلسون مانديلا” وهنا انتهت علاقتي ودوري في هذه القصة فمن انا لكي انصح كاتب سيناريو الفلم؟ ومن أنا كي اقدم النصائح للمخرج؟ ولم اقم بأي دور في عملية انجاز الفلم النهائية”.

إنه يعتقد ان الفلم كان رائعا واعجب كثيرا بأداء فريمان دور “مانديلا” وشعر بالغضب عدم حصوله على جائزة الاوسكار، وبعد مراحل الانتاج والاخراج و عرض الفلم عالميا عاد “جون كارلن” لطبيعتعه الاسكتلندية، ولكن بابا واسعا فتح امامه في “هوليوود” حيث أرسل مؤخرا سيناريو جديد.طلبوا منه ان يكتب كتابا اخر عن “مانديلا” بسبب معرفته الشخصية لهذا القائد السياسي لعدة سنوات، فهو عاش كل التحولات السياسية في جنوب افريقيا منذ سنوات التمييز العنصري والتحول الديمقراطي والانتخابات التي توجت بفوزه الساحق ولكنه رفض هذا العرض، قبل ان يغادر “جوهانسبورغ” الى واشنطن كمراسل هناك أرسل “فاكس” مودعا مانديلا قبل اسبوع من سفره، وبعد 15 دقيقة أتصلت به سكريترة الرئيس تسأله اذا كان بإمكانه حضور حفلة عشاء خاصة بعد يومين، وأخبرته ان الرئيس سيكون سعيدا بحضوره. يقول “كارلن” ان تلك الدعوة كانت أكبر مديح حصلته في حياتي ويواصل ”كانت الحفلة على شرف أحد رفاق مانديلا القدماء حيث صادف عيد ميلاد هذا الرجل، ولم نكن أكثر من 50 مدعوا معظمهم من رفاق الرئيس القدماء، وفي خطابه ذكرني مادحا نشاطي الصحفي ضد التمييز العنصري، شعرت بشيء بالخجل من كلماته تلك وما يؤسفني هو انني فقدت شريط الفيديو الذي يبرهن على ذالك وكصحفي اعتقد انني كند محظوظا جدا وسعيدا بمعرفتي مانديلا”

في عام 1995 التيارات والطائفية والاحزاب السياسية كانت حساسة حدا وهو لم يمض عاما كرئيس لدولة جنوب افريقيا والديقرطية الجديدة كانت كما كأس قابل للكسر في اية لحظة كانت مهددة، ودولة التحول كانت على حافة هاوية، وكان من الضروري والسرعة ان يصير حدثا مهما يوحد الوطن من البيض ومن السود وصادف حينذاك نهائيات بطولة العالم في لعبة “الرجبي” وكان مانديلا مع فريقه الوطني الذي كانت اكثرية أعضائه من البيض فهو نزل الملعب ليحيهم واحدا واحد، وأصر على الفوز بينما كانت الدولة الوليدة على وشك الانهيار، وفاز الفريق الوطني، هنا ياتي العنصر الانساني حيث ذالك النصر والانجاز المحدود في زمن قصير ساعد كثيرا في عملية التحول الديمقراطي التي كان يقودها هذا الرجل بصبر لا له مثيل.

محور الرواية هو شخصية مانديلا الذي اقنع شعبه بضرورة التعايش السلمي مع البيض الذين حكموا جنوب أفريقيا بقسوة على مدى عشرات السنين، وأكبت كل الصيحات التي كانت تدعوا الى الانتقام من البيض، ولكن شخصيته و تأريخه وصوته كان اعلى من كل عواء الانتقام، فكسب احترام شعبه بسوده وبيضه.

ويقول كارلن “على المستوى الشخصي وما أثار انتباهي في هذا الرجل هو ثباته على بين ما يدعي وبين ينفذ، فقد كان رجلا راسخ المبادئ وفي الكثير من الاحيان اضطر تعنيف انصاره تطرفهم في بداية التحول السياسي الحساسة التي كانت تعيشها جنوب أفريقيا وإطفاء فتيل الفتن، لم يكن ليستطيع ارتكاب اي خطأ فهو كان “رئيس الكل” من السود ومن البيض، بعد عدة عقود من العنف العنصري واللاعدل كان مانديلا يتامل مستقبل شعبه، وقاوم الطائفية والاثنية والاصولية عند ابناء شعبه ففي جنوب أفريقيا كما هو معروف هناك المئات من الطوائف والعشائر واللغات، أكثر مما هو في العراق عشرات المرات. هو استطاع توحيدهم على مشروع ديمقراطي عادل وهذا كان معجزة، فبعد انتصار مانديلا في الانتخابات الاولى، كانت التوقعات تثير الخوف على البيض بشكل خاص ولكن لم يحدث شيء من هذا وبالتأكيد سيذكره التأريخ كقائد فريد في هذا العصر.

يقول كارلن “انه كان فريدا في سلوكه الشخصي الذي كان حريصا على ان يتطابق مع خطابه السياسي والاخلاقي فهو يعير نفس الاهتمام مع مزارع او طباخ كما مع ملكة بريطانيا التي تعتبر من أكثر الشخصيات برودة على وجه الارض، وهي كانت تذوب حينما تلتقي مانديلا، العالم سيكون محظوظا اذا ظهرت شخصية سياسية مثل “نيلسون مانديلا”كل 100 عام.

اخيرا من الطرائف التي تصور تواضعه هي انه مرة كان في زيارة رسمية الى الصين ووفي أحد فنادق “شنغهاي” حيث كان يسكن الغرفة الرئاسية وجدت سيدة التنظيف وترتيب الغرف ان مانديلا رتب سريره وفراشه هو شخصيا، وهذه الاخيرة شعرت بحزن كبير وكانت على حافة الكآبة، وحينما سمع الرئيس هذه القصة دعاها الى جناحه الرئاسي، وأعتذر منها اولا وشرح لها انه على الاطلاق لم يشك بمهنيتها وقدرتها، وقال لها انه بعد حوالي 3 عقود من السجن تعود على ان يرتب سريره وفراشه وهي عادة كان يود التخلص منها ولكنه لم يستطع لحد الان.

إيلاف في

16/09/2010

جميع الحقوق محفوظة لموقع سينماتك
  (2004 - 2010)