حول الموقعخارطة الموقعجديد الموقعما كـتـبـتـهسينما الدنيااشتعال الحوارأرشيف الموقع 

كيارستمي:

لا أشاهد أفلامي وربما لا أفهمها أيضاً!

طهران – ندى الأزهري

تحط في إيران وفي جعبتك اسم. تحاول أن تقتني أفلامه فلا تقع عليها، تبحث عنه في مهرجانات وطنه فلا تعثر عليه، تسعى للقائه فتتعثر المحاولة مرة تلو أخرى. لكنك تبقى متمسكاً بسعيك وأنت تأمل برؤية من أبدع عملاً لا ينسى. وكان المحطة التي توقفتَ عندها في قطار كيارستمي.

زقاق مسدود، في نهايته دار من حجر آجر أصفر تتميز به بيوت طهران القديمة، تحيط بالدار أشجار وارفة. في الجوار، ترتفع بناية في طور البناء، اختفى قرميدها خلف رخام أبيض بارد، تبدو في الزقاق مثل سدّ يحجب منافذ الضوء. كم مرة طرقوا باب هذه الدار ليسألوا صاحبها عن نيته للبيع. «لا ثم لا ثم لا!»، «حسناً، ستضطر إلى ذلك يوماً!» كانوا يردون واثقين. «لن أغادرها إلا إلى القبر».

عباس كيارستمي ينتظرنا في داره، كان مصاباً ببعض الرضوض جراء وقوعه أمس، عليه المغادرة في اليوم التالي لحضور مهرجان في دولة أوروبية، لا يكف عن الأسفار هنا وهناك، يدعونه إلى تكريم، مشاركة في لجان تحكيم، أو لعرض أعماله التصويرية... دعانا للدخول وهو يرد بالإنكليزية على مكالمة هاتفية، كان يكتفي ببضع عبارات شديدة الإيجاز، خشيت أن يفعل المثل في حديثه الى «الحياة».

على الطاولة كانت أطباق من فواكه الصيف والمكسرات والحلوى بانتظارنا، كعادة الإيرانيين المحببة في الاستقبال. سألنا بلطف إن كنا نرغب بالشاي.

·     سيد كيارستمي، لقد حددت لنا موعد اللقاء من الرابعة بعد الظهر إلى الخامسة، لا أرغب بأن تضيع دقائق منه في تحضير الشاي.

ابتسم وهو يعلق «لا بأس لقد أتيتما قبل الموعد بخمس دقائق! هل تريدان أيضاً ورقاً للكتابة؟».

كنت مع صديقة مشتركة، كانت تترجم من الفارسية. سألتها قبل قدومنا إن كان هناك أسئلة معينة قد لا تروق لكيارستمي، سؤالي حول موقفه من اعتقال جعفر بناهي على وجه التحديد؟ فنفت وقالت إنه ليس من النوع الذي يتضايق من أمور كتلك.

·         ما هي في رأيك التغيرات التي طرأت على سينما كيارستمي خاصة وعلى السينما الإيرانية عامة بعد الثورة الإسلامية؟

- لقد دفعت الثورة بالسينمائيين إلى التغيير في نمط الإخراج وفي نوعية الأفلام التي يصنعونها، هذا في شكل عام بالطبع. ولكن فيما يخصني لم يطرأ أي تحوّل على أعمالي. لو حذف تاريخ أي من أفلامي، فسيكون من العسير معرفة ما إذا كان الفيلم يعود إلى ما قبل الثورة أو بعدها.

قد يدعو كلامي هذا إلى طرح السؤال عما إذا كنت ثورياً قبل الثورة؟ إن متابعة أفلامي تتيح معرفة الجواب!

·         هل يمكنك تقديم توضيحات عن الأثر الذي طبعت به الثورة السينما الإيرانية؟

- لست الشخص المناسب للحديث عن ذلك فأنا لا أتابع السينما الإيرانية، يجب طرحه على من يتابعها. إنما أعتقد أنه من الأفضل تجنب إطلاق الأحكام في شكل عام، فلكل حالة خصوصيتها ولكل مخرج أسلوبه في تناول المواضيع، وتتطلب الإجابة على السؤال الاطلاع على أعماله كافة. لكن قد يكون بمقدوري القول إن هناك أفلاماً جيدة على رغم وجود العوائق والضغوط، وإنه من المهم أن نبحث عن الدور الذي تلعبه تلك الضغوط في عقلية صانع الفيلم وتفكيره. إن بعضهم يخضع لها تماماً ويحقق بالتالي أفلاماً تناسب النظام، فيما يجد بعض آخر طريقه الخاص بالرغم منها.

·         قلت إنك لا تتابع السينما الإيرانية، فما هي الأسباب؟

- إنها مسألة وقت. أشاهد في بعض الأحيان أفلاماً لمخرجين شباب كما أتابع أعمالاً لبعض من أعرف. أما في المهرجانات فلا يتيح لي انشغالي رؤية الأفلام. ما قلته عن متابعتي السينما الإيرانية ينطبق على السينما العالمية. في واقع الأمر لا أحبذ «المخاطرة» بالذهاب إلى السينما، فذلك يستدعي الانتظار وقضاء ساعتين في مشاهدة فيلم قد يكون، بعد كل هذا الجهد، مخيباً للآمال.

·     من خلال هذه المتابعة المحدودة للسينما الإيرانية، أثمة أسماء لفتت انتباهك؟ هل يوجد من يمكن اعتباره الآن أملاً لهذه السينما؟

- إنها أسماء تنحصر في السينما المستقلة أو السينما الفردية، حيث لكل مؤلف نهجه وصبغته الخاصة ويستحسن أن ننظر إلى كل منهم على حدة. منذ الفيلم الأول لأصغر فرهادي لا أفوّت عملاً له. لقد راودني إحساس منذ البداية بأنه مخرج واعد، وأنا أنتظر أفلامه دائماً.

·         تقول في إحدى مقابلاتك انك تتعلم من أفلامك، فهل يوجد أيضاً مخرجون ممن يمكن القول إنهم أثروا فيك أو إنك تعلمت منهم؟

- لا يمكنني القول إنني تعلمت من أفلامي، لا يخيل إليّ أنني صرحت بشيء من هذا القبيل. ولكن ربما يصلح ما ذكرت على التطور الذي يحصل في النواحي التقنية وطريقة الإخراج في كل فيلم. بوسعي القول إنني تعلمت من العاملين معي ومن الممثلين لا سيما غير المحترفين منهم. محاولاتي للاقتراب من هؤلاء علمتني وأفادتني في شكل كبير.

أما عن متابعتي المخرجين العالميين وعن تأثري بهم، فأجيبك كما أجبت عن السؤال السابق. وفي الحقيقة لا أحبذ ذكر أسماء لأنني لا أشعر بالراحة فيما بعد حين أكتشف أنني قد نسيت بعضها. إذاً، ومن دون ذكر الأسماء، أعتبر أنني كنت تحت تأثير الواقعية الإيطالية الجديدة، وأن كل لقطة جيدة تترك فيّ أثراً حتى لو كانت في فيلم سيئ. أيضاً، كنت في مرحلة معينة أشاهد بكثرة أفلام كوروساوا وأوزو، كذلك باستر كيتون الذي أعشق أعماله، ويمكنني أن أضيف أفلام الوسترن الأمريكية التي تركت علاماتها علي. إنما ما يمسني حقاً هو الحياة نفسها، إنها أكثر ما يؤثر بيّ. في الدروس التي ألقيها وفي ورشات العمل، أصر على طلابي وباستمرار بألا يقعوا تحت سيطرة أي فيلم أو أي مؤلف، أنصحهم بالنظر إلى ما حولهم وأن يصنعوا فيلماً من الحياة اليومية. فهنا يمكن إدراك مدى موهبة وقوة صانع الفيلم.

الحياة والموت

·     تحوم باستمرار في أعمالك حول أسئلة وجودية وتتطرق إلى الحياة والموت كما يرى بعضهم، إنما من وجهة نظرك الشخصية، ما هي المسائل التي تتكرر في أعمالك أكثر من غيرها؟

- قد لا يكون ما يرد في أفلامي، عن سابق قصد وتصميم. لقد اعتبر أحد النقاد ممن لم أكن على معرفة به، أنني في مجمل أعمالي ومن بدايتها حتى آخرها، كنت أركز باستمرار على العلاقات الإنسانية وأبحث بوجه خاص عن وسائل لإلغاء «سوء الفهم» الحاصل بين الأفراد، بين الإنسان ومحيطه. وحين أفكر جيداً في مقولته أجد أنه ربما كان محقاً! هناك دراسات نشرت عام ألفين، ذكرت أن القرن العشرين كان، وبامتياز، قرن «سوء التفاهم» بين البشر!

أعتقد أن الفيلم الجيد هو الذي يمنح معرفة ما، ويجعل الإنسان يدرك أموراً معينة. في كل أفلامي نعثر على سوء الفهم هذا، في «الخبز والشارع» نرى الطفل يسيء فهم الكلب الذي في الشارع ويعتقد أنه سيهجم عليه وعلى الخبز الذي بحوزته، في «أين منزل الصديق» يتكرر سوء الفهم بين الطفل ومحيطه، يتواجد هذا في «لقطة مقربة» أيضاً... في الحقيقة (يضيف مبتسماً) يمكن أن نطلق على جلّ أفلامي عنواناً واحداً هو» سوء تفاهم - 1»، «سوء تفاهم - 2» وهكذا...

·         فيلمك «أين منزل الصديق» هو أجمل أفلامك، أتوافق؟

- إنه الفيلم الذي يحبه الكثيرون.

·         هذا الفيلم هو الذي شهرك في أوروبا من خلال مهرجان نانت للقارات الثلاث.

- هذا صحيح، يعود الفضل في ذلك إلى آلان جالادو. لقد عرض «أين منزل الصديق» للمرة الأولى في أوروبا في مدينة نانت. وكانت مهرجانات غربية عدة قد رفضته.

·     حين شاهد شابرول فيلمه «جنون برجوازي» قال إنه أسوأ فيلم في العالم! هل حصل هذا معك؟ وهل ثمة فيلم تحبه شخصياً لكنه لم ينجح، أو آخر نجح لكنه لا يعجبك؟

في حقيقة الأمر، أنا لا أرى أفلامي. وأضيف (مبتسماً) بأنني لا أفهمها! عندما ينتهي العمل أقلب الصفحة وأتوجه إلى مشروع آخر، إنما قد يحصل وأشاهد أحد أفلامي في المهرجانات كما حدث حديثاً في كوريا، فبعد ثلاثين سنةً من تحقيقه أتيحت لي رؤية «المسافر»، وأعترف أنني أحببته! ولكنني في شكل عام لا أستطيع تقدير أو عدم تقدير أعمالي، ويلزمني فاصل زمني للحكم عليها، ليس بمقدوري على سبيل المثال، إبداء رأيي الآن في فيلمي الأخير «نسخة طبق الأصل».

نسخة من الحياة

·     غدوت سينمائياً عالمياً مشهوراً، لكنك لم تكف عن كونك سينمائياً إيرانياً إلا في فيلمك الأخير، كيف تعاملت مع ممثلين عالميين ومحترفين للمرة الأولى؟

- إذا أدرك الإنسان القضايا الإنسانية في كل مكان، وفهم مشاكل البشر التي لا تتعلق باللغة ولا بالأمة، وكان كائناً عالمياً، فإنه سيمنح فيلماً عالمياً. حين أرسلت سيناريو «نسخة طبق الأصل» إلى سكورسيزي كي يعرضه على روبرت دو نيرو ليمثل الدور الأول، رد هذا في رسالة الكترونية قائلاً انه كان متأثراً بما قرأ، وأن هذا السيناريو أعاد إلى ذاكرته كل النساء اللواتي عرفهن في حياته،

و«الله يعلم كم كان عددهن كبيراً»! كما ذكر. وفي موقف مماثل فإن جولييت بينوش حين اتصلت بشريك حياتها للحديث عن السيناريو قالت له «قد تظن أن الفيلم عن علاقتنا أنا وأنت، ولكن صدقني لم أفه له بشيء»!

أما عن تعاملي مع المشاهير فلم يشكل لي أدنى صعوبة. كانت بينوش متواضعة وتحملت كل شيء بصبر وودّ ولم تتصرف بما يدعوني للتذكر بأن نجمة فرنسية شهيرة تعمل معي، بل على العكس كانت العلاقة معها في منتهى اليسر، وكانت علاوة على هذا تستخدم حضورها القوي كممثلة لمصلحة العمل. لقد أبديت لبينوش استعدادي لإجراء بعض التعديلات الطفيفة إن حدث ووجدت أن ثمة ما يعبر عن شخصيتي كإيراني ومسلم. ولكنها قالت إنها لم تجد ما يستدعي هذا.

·         هل كنت تجد شخصياً في العمل ما يمكنه أن يعبر عن كونك إيراني ومسلم؟

- من وجهة نظري لم يكن هناك شيء من هذا القبيل، ولو كنت لحظت ذلك لحذفته. أعتبر أن كل فيلم هو صناعة فنية عالمية، وبالتالي إن كان ثمة إشارة إلى منطقة بعينها أو أمة فيجب إلغاؤه.

·         وشهرتك العالمية، كيف تعاملت معها وهل ثمة من ضغوط عليك بسببها؟

- لم يكن لشهرتي من أثر في عملي، فعملية الخلق عندي لا تتأثر بالشهرة. ولكن ربما نشأت عنها مشاكل في المجتمع وفي العلاقات مع المحيط. لا يرفض الآخرون نجاح المشهورين فحسب بل ويزعجهم ذلك، وقد تكون تلك إحدى الضغوط التي كان علي تحملها.

·     كيف ينظر إلى أفلامك في إيران، أنت من يستهوي الغرب، كيف تنظر إلى الانتقادات الموجهة إلى سينماك هنا من قبل النقاد، الحكومة، الناس...

- أوافقك على أن النقد يقف ضدي ولكن ليس الجمهور، الناس تتشابه في كل بلد، بمعنى أن ثمة طبقات تحب أفلامي وأخرى لا تستسيغها. ومن سوء الحظ فقد تقولب ذوق الجمهور في السنوات الأخيرة من خلال الأفلام التي تنتج حالياً، كما فتر اهتمامه بالأفلام الإيرانية. غير أن هذا الوضع لا ينطبق على إيران فقط بل ينسحب على العالم أجمع.

أما الحكومة فتبدو كأنها اكتشفت السينما لاستخدامها في الدعاية الأيديولوجية، وبالتالي ليس من المتوقع منها أن تنظر بعين التقدير إلى الأفلام الجيدة والمستقلة منها على وجه التحديد. لهذا يجب أن نقبل أن لدى الحكومة نقدها الخاص الذي ينشر عقائدها الخاصة التي تؤثر في الجمهور الذي يتابعها ويقرأها. كما تحمل نظرة الحكومة الكثير من سوء الظن، فعندما تنجح أفلامي في الخارج ويصفق لها الغرب جمهوراً ونقاداً، ينظر إلى ذلك بعين الريبة في بلدي، إن أفكارهم عن الغرب محشوة بسوء الظن لأنهم ينظرون إليه كمتآمر، وبالتالي ينبع رأيهم الحذر في أعمالي من العلاقة مع الغرب. ولو لم تكن أفلامي ناجحة في الخارج لربما كانت هناك رؤية مغايرة في الداخل.

أعود إلى النقاد عامة، أنا أظن أنهم كالجمهور أي أن لكل رؤاه وذوقه، ولا تشكل مواقفهم أدنى مشكلة بالنسبة لي، فلو حاز عملي على قبول الجميع وجب الشك حينها بالفيلم ذاته. في فرنسا مثلاً منح أحد النقاد أربعة نجوم لـ «نسخة طبق الأصل» وأعطاه آخر نجمة واحدة، وأذكر أنه حين عرض «طعم الكرز» في الولايات المتحدة تفاوت رأي اثنين من النقاد المهمين، فاعتبر أحدهم أن الفيلم من دون قيمة وقال عنه الثاني إنه تحفة! وقد قرأت قولاً لكاتب قال فيه «حين يختلف النقاد فإن المبدعين يتنفسون الصعداء».

البيت لا البلد

·     أنت مصر على البقاء في إيران، على رغم كونك مخرجاً عالمياً وعلى رغم المضايقات، هل هذا لاعتقادك أن صانعي الأفلام يبدعون في شكل أفضل في بلدهم؟

- فيما يتعلق بي لا يشكل العمل المسألة الأكثر أهمية، إن ما آخذه بالحسبان هو حياتي الخاصة، شعوري بالراحة هنا، في هذه الدار، في هذا الزقاق المسدود الذي يدعى قائم. بيد أنني أوافقك في هذه النظرية، نحن نبدع في شكل أفضل في وطننا، مع أنني وأكرر، أعتبر هذا الأمر ثانوياً. أبقى هنا لأنني أفضّل هنا. لقد لاحظ أحد أصدقائي أنني في كل مرة أنوي فيها السفر إلى الخارج أجد نفسي فجأة مريضاً! (كان على كيارستمي المغادرة في اليوم التالي إلى أوروبا وقد وجد الطريقة أمس ليقع ويصاب برضوض!).

·         ذكرت الدار ولم تذكر الوطن!

- لست «مفتخراً» ببلدي (نفس الكلمة بالفارسية)، ولا أظن أنه المكان الأنسب للعيش إنما لدي عاداتي في هذا المنزل، ذكرياتي... هنا مكاني الذي أتحدث فيه بنفس لغة أصدقائي والآخرين. حين أفكر بالمكان وأذكره فإن البيت هو ما يحضر في مخيلتي وليس إيران.

·     قلت في الرسالة المفتوحة التي وجهتها لإطلاق سراح المخرج جعفر بناهي جملة أثارت انتباهي «قد لا أكون موافقاً على العبارات المفرطة التي تفوّه بها بناهي» ما قصدت بذلك؟ هذا الشق الأول من السؤال. والشق الثاني حول اتهامك من قبل البعض بالحذر السياسي ومن قبل آخرين بالتعامل مع النظام! بمَ ترد؟

- بخصوص جعفر، أنا لا أنظر إلى الأمور بمنظار مطلق، ولا أرى الأشياء بيضاء أو سوداء فقط. وإذا لم أكن مخطئاً فقد كتبت أنني لا أقدر الطريقة التي يتصرف بها بناهي، أسلوبه في إثارة الضجيج وفي الدفاع عن التظاهرات. لم يكن دافعي لتحرير الرسالة وقوعي تحت تأثير ضغوط ما، بل لأدافع عن حقائق أؤمن بها. ثمة أمران لا أحبذ تواجدهما لدى الفنان. الأول هو الضوضاء واللغط الذي يثيره من حوله للفت النظر، والثاني اعتماده السلبية في مواقفه. أفضل الوقوف بين الطرفين. إن الحقيقة الوحيدة الهامة التي ذكرتها في الرسالة وأكدت عليها هي الدعوة لإطلاق سراح بناهي. لقد نددت بموقف الحكومة واعتبرتها المسؤولة عن توقيفه لأنها بمنعه عن العمل أجبرته على التصوير سراً، وهذه حقيقة ثانية أشرت إليها وقد دافعت عن الاثنتين معاً في الرسالة. إنما لا يمكن إنكار أن ثمة حقيقة أخرى، فأنا أعتبر أنه من المسيء لحكومة أن تعتقل فناناً وتحبسه وبنفس القدر من السوء أن يفعل الفنان ما يستدعى حبسه. وينطبق ما ذكرت على رجال السياسة في رأيي.

أما الاتهام الذي وجه لي عبر «رسالة مفتوحة إلى جولييت بينوش» فقد جاء من بعض الإيرانيين المقيمين في الخارج. إن رسالتهم تلك لا تتسم بأي منطق! يتهمون الممثلة وهي إيطالية بأنها تعمل لمصلحة الحكومة الإيرانية. أمر لا يصدق وغير منطقي. قالوا إنني بين ندا (الشابة الإيرانية التي سقطت في تظاهرات الاحتجاجات) وبين بينوش، فقد اخترت الأخيرة.

إن مصدر كل هذه الأقاويل هو إيرانيون يعيشون في الخارج، لا يشعرون بالرضا إزاء ما جرى، لقد فقد هؤلاء كل منطق بسبب كراهيتهم للنظام وباتت حالتهم مرضية. ما

 يحصل هو من أسباب رفضي للرحيل عن هنا، فأنا أخشى برحيلي أن أصير على شاكلتهم.حقاً، إن لم نكن في الحياة مخلصين مع ذواتنا فسيصيبنا التعفن.

·     هل تنسحب هذه التوصيفات على مخملباف الذي يعيش في الخارج؟ (يقيم مخملباف في فرنسا وكان دافع عن الإصلاحيين وهاجم بشدة النظام في إيران واتهمه بتزوير الانتخابات).

- لن أقول شيئاً بخصوص مخملباف. لم أر منه ما يستدعي أقوالي المذكورة، كل إنسان يختار مواقفه. لقد اتهمت بأنني اخترت بين ندا وبينوش. عندما اغتيلت ندا كنا نصور من زمن في إيطاليا. سألتني في بداية حديثنا عن الضغوط التي أتعرض لها، هذا واحد منها!

* هذا الحوار جزء من نص طويل سينشر في كتاب عن السينما الإيرانية المعاصرة يصدر عن مؤسسة السينما في سورية.

الحياة اللندنية في

27/08/2010

جميع الحقوق محفوظة لموقع سينماتك
  (2004 - 2010)