حول الموقعخارطة الموقعجديد الموقعما كـتـبـتـهسينما الدنيااشتعال الحوارأرشيف الموقع 

التوغل في الميثولوجيا والفانتازيا هل يصنع فيلماً عظيماً؟

بروكسيل - طاهر علوان

ربما كان من سمات الأفلام التي تتميز بالإغراق في الخيال والفانتازيا وأفلام الرعب المبنية على تقديم الكائنات الغريبة، هو انفصالها عن الواقع وكونها بعيدة تماماً عن عالم المشاهد وحياته اليومية. ولهذا بمجرد أن ينتهي من مشاهدتها ينساها، لأنه ببساطة يكون كمن دخل متحفاً لكائنات منقرضة أو مفترضة وبمجرد خروجه من المتحف تنتهي علاقته بما شاهد - لكن المسألة تكتسب بعداً آخر عندما يمتزج الرعب وعالم الكائنات الغرائبية مع الواقع المعاش وعندما تكون الوحوش أو الأشباح أو زوار الظلام جزءاً من الحياة اليومية. هم أناس طبيعيون لا شيء يدل على انهم غير ذلك ثم لا يلبثون أن يتحولوا الى كائنات أخرى.

لعل هذا الإيهام هو أعلى ما يمكن ان تبلغه (الصنعة) السينمائية في أفلام الرعب، خصوصاً بكسر ذلك الحاجز المفترض بين ما هو وهمي وما هو خيالي وما هو واقعي الى درجة ان المشاهد يغدو جزءاً من لعبة.

لا شك في أن هذا يقودنا الى الطريقة التي يلجأ اليها بعض المخرجين الى للاستفادة من الشكل الواقعي والبناء عليه ثم إدخال المحصلات الى منطقة أخرى بعيدة تماماً من الواقع بمعطياته ومحصلاته الفيزيائية والطبيعية المجردة. وقد يكون ذلك كافياً الى إثارة نوع من الجدل يتعلق بحدود العلاقة ما بين العالمين: الواقعي والخيالي والكيفية والحدود والمستويات التي يتحقق الامتزاج بينهما؟

ولأن لا قاعدة أزلية تحكم تلك العلاقة فإن مهارات المخرجين وكتّاب السيناريو تتجه الى استثمار تلك الثنائية: الواقعي/ الغرائبي الى أقصاها، وبالتالي تخليق نمط فيلمي ونمط من التلقي يخرج الفيلم عن التأطير الواقعي المجرد وكذلك يخرجه عن وضعه في خانة الخيالي والافتراضي.

لعل هذه الحدود المفترضة وبسبب المرونة التي ينطوي عليها التقسيم والتنميط وتحديد النوع الفيلمي هي التي تتيح لصانعي الفيلم أن يقوموا بعمل انتقائي في تخير شكل المعالجة الفيلمية التي يريدونها.

ولعل هذه الثنائية: الواقعي/ الغرائبي هي إحدى إشكاليات بعض أفلام الجريمة والعنف يضاف إليها الرعب، وفي حقيقة الأمر أن تنميط الأفلام الى أفلام جريمة وعنف هو أمر معروف ومألوف وهو نوع Genre وله خواصه ومزاياه التي يختلف بها عما عداه من الأنواع الأخرى فكيف إذا اندمج مع ما هو واقعي بالمطلق؟ والى أي حد يمكن الباحث أو المحلل وحتى المشاهد العادي ان يخرج الفيلم من دائرة محددة الى دوائر ومستويات أخرى في القراءة النقدية؟ وهل تصنع تلك الفانتازيا المبنية على الميثولوجيا فيلماً عظيماً حقاً؟

بموازاة ذلك سنجد أن المقوم الأساس لمثل هذا التحول الذي نجده في هذا النوع من الأفلام يكمن في الشخصية الفيلمية، التي يتم توظيفها لتعميق الإحساس بالاندماج ما بين الغرائبي والواقعي، لأن المسألة تتعدى حدود المكان الواقعي الى المكان الغرائبي، وتتعدى أزمنة السرد الى مستويات تتعلق بالشخصية التي يبنى عليها كل شيء وبمجرد أن يتكامل بناؤها وتغدو هي المحور الذي تتحرك من حوله عوامل وعناصر أخرى، عندها نكون وجهاً لوجه أمام ذلك المزيج الأخاذ بين ما هو واقعي وما هو غرائبي في البناء الفيلمي وبذلك نجد أن الفيلم برمته قد دخل في دائرة تلك العلاقة الملتبسة بين ما هو افتراضي وما هو واقعي، إذاً يغدو من الصعب التكهن في المواضع التي ستتحول فيها الشخصية الى عالمها الآخر الافتراضي.

يؤسس المخرج السكوتلندي (كولم ماكارثي)، لنفسه رؤية مختلفة الى حد كبير عما درج المشاهد على مشاهدته من أفلام الرعب، هو مخرج مولع بالمزج الذي تحدثنا عنه وبصناعة دراما فيلمية يتداخل فيها الواقعي مع الغرائبي. إنه مخرج يشق طريقاً خاصة به فهو علاوة على انغماره باكتشاف الحياة غير المرئية في جانبها الواقعي لأناس من الطبقة الوسطى أو ادنى من الطبقة الوسطى في المجتمع الا انه يرصدهم وهم يدخلون دائرة افتراضية، وهم ينسلخون من ذواتهم الى ذوات أخرى، وهم يتحولون الى كائنات تبث الرعب في الآخرين وتزعزع سكون الحياة وسيرورتها المعتادة. وينطبق هذا، بخاصة، على فيلمه الجديد «أوتكاست».

تقع أحداث الفيلم في مدينة ادنبره السكوتلندية عندما تأتي امرأة وابنها الى ضواحي المدينة بحثاً عن سكن اجتماعي، وتعثر على المكان، لكنه مكان محطم وخرب. الا ان الأم تقبله، لتبدأ رحلة شخصيتين عاديتين تماماً في الظاهر، أم في الخمسينات من عمرها (ماري) وشاب لم يتعدَّ العشرين من عمره (فريجال)، تبدأ المرأة طقسها الغريب السحر الأسود - في آخر الليل في رسم اشكال غريبة على جدران المنزل وقراءة تعاويذ، وصنع مزيج من الأصباغ التي ترسم بها تعاويذها من دمها ومن سوائل أخرى وفرشاتها هي خصلات من شعرها. وتبدأ الأحداث بالتلاحق سريعاً، هي تخرج في كل يوم الى مكان غير معلوم بينما يمضي ابنها يومه في اكتشاف المكان والتعرف إلى (بيترونيلا) التي تسكن الى جواره هي وشقيقها المعاق وأمها المدمنة على الكحول. وهنالك الى جانب هذه الفتاة الشابة الفاتنة والجريئة فتاة اخرى تشارك مراهقي الحي عبثهم اليومي وربما تشترك الاثنتان في توفير المتعة الجسدية إلا أن (بيترونيلا) سرعان ما تتحول الى عالم (فريجال) ويغدو هو هدفها وسط تحذير الأم المتواصل ووحشيتها في التعامل مع ابنها بعدم مس أي امرأة في الكون فهذا من أكبر الممنوعات. ويعيش الشاب صراعاً مريراً وصامتاً ما بين تعلقه بتلك الفتاة والردع المتواصل للأم. ذات مرة تختفي في الليل وفي مكان محدد شخصيتان يجهز عليهما شخص أو كائن لا نعرف ملامحه ولا من يكون، ويظهر فيما بعد أن هنالك شخصاً آخر (كاثال) له ثأر مع الأم وهو ينافسها في السحر الأسود الذي تمارسه وهو يلاحقها من مكان الى مكان مستخدماً الطيور والتعاويذ السحرية والوشم للعثور عليها. وبعد صراع مرير مع الذات يقرر (فريجال) الهرب مع ( بيترونيلا). ولكن الأم تكتشف العلاقة وتحجر على الابن ليتزامن ذلك مع اكتشاف عدوها اللدود (كاثال) لها ولتقتل على يديه وليقتل هو على يد كائن وحشي ما هو الا الابن وقد تلبس شخصية وحشية اخرى. يهرب (فريجال) مع (بيترونيلا) وخلال لقاء حميم بينهما يتحول مرة أخرى الى كائن وحشي يريد قتلها لكنها تجهز عليه وبموته يعود الى سيرته الأولى وشكله الودود الذي أحيته (بيترونيلا) وقتلته أو قتلت الإنسان الشرير فيه.

نظرة في الواقعية

يقر المخرج كولم ماكارثي خلال استضافته في مهرجان السينما الغرائبية في بروكسيل انه سعى في فيلمه الى نوع من الواقعية الاجتماعية. وهو يذهب الى انه مزج بين الشخصيات الواقعية التي تعيش في بيئة اجتماعية بسيطة (بيترونيلا وأمها وأخيها، الساحرة وابنها، العجوز الذي يراقب كل شيء من دون ان يكون له دور يذكر، ثلة المراهقين الذين يطاردون الفتيات...) هؤلاء «يشكلون نسيجاً اجتماعياً طبيعياً من الممكن ان تراه في أي ضاحية»، وهو تأسيس واعٍ لنسيج اجتماعي معتاد لا يلبث ان يبنى عليه واقع موازٍ، يتمثل في الحياة السرية لعالم السحرة والمشعوذين.

ولا يخفي المخرج تأثره بالحكايات الشعبية السكوتلندية والإرلندية في شكل خاص وإنه نشأ عليها وعلى قصص السحرة والقصص الخرافية والكائنات الغريبة، قائلاً إنه استفاد مما يعرف في التراث السكوتاندي بـ (السينجاي) وهو راوي القصص الخرافية. ويرى مكارثي ان الفيلم بصفة عامة ما هو الا مزيج من عنصرين هما الحكاية الخرافية والقصة الغرائبية من جهة والعنصر الآخر هو الكيفية التي ستظهر عليها تلك الحكاية عندما تدمج مع الواقع اليومي والمعاش من جهة اخرى.

ويمضي مكارثي في تفسير رؤيته ذلك الواقع بأنه يمكن ان يتواصل مع الحكايات والخرافات ويغدو ذلك الواقع واقعاً ميثولوجياً بمعنى انه واقع تمت (أسطرته) أي ادماجه مع عالم الأساطير. وبمقدار ما يشعر المشاهد بالثقة إزاء الشكل الواقعي فإن الخطوة التالية تكمن في استدراجه أو بالأحرى دفعه لاكتشاف الوجه الآخر لذلك الواقع ولتلك الحقيقة المجردة. ولعل السينما البريطانية وجدت مخرجين عملوا على هذا النوع من الإدماج مثل المخرج مايك لي والمخرج آلان كلارك.

نافذة أمل

ومما لا شك فيه أن مشهد التعاويذ وصناعة السحر الذي تمارسه الأم وهي عارية في الوقت نفسه والمشهد الذي يمارسه عدوها (كاثال) تحضير السحر، مشهدان متوازيان، ماري متوارية تمارس السحر في صومعتها المعتمة التي تتناهبها الأصوات والعتمة، وكاثال الذي يعيش تشرداً مستمراً ولا أرض تستطيع ان تحتويه لأنه يصل الليل بالنهار للتوصل الى ماري وابنها وهو عدوهما اللدود، مشاهد متلاحقة من نوع قطع الأنفاس ولكنها مشاهد تتداخل مع مفردات حياتية يومية طبيعية لأناس يعيشون أيامهم العادية.

مقابل هذا نجد أن قصة الحب الواقعية الشفافة بين فريجال والفتاة فتحت نافذة من الأمل في الخروج من تلك الدوامة التي تعيشها الشخصيات وتأسيس حياة اخرى هي مساحة اخرى من الأمل لا سيما أنها علاقة حب تحظى بتعاطف كبير إذ صيغت بشاعرية وبساطة: فريجال المطيع البسيط والوديع لأمه الى درجة العبودية والخنوع والفتاة التي تفني أيامها في رعاية أمها الثملة المدمنة على الكحول من جهة ورعاية أخيها المعاق، المنغولي الذي لا ترعاه فقط وتحنو عليه ولكنها تحبه، الى درجة انها تفضل رعايته على سعادتها الشخصية عشية قرارها الفرار مع فريجال لبدء حياة جديدة.

بموازاة ذلك نجد أن دوافع فريجال للفرار هي أولاً استجابة لاكتشاف ذلك الحب الذي لم يعرفه والذي منحته إياه تلك الفتاة وللتحرر من سطوة الأم المستبدة والشريرة. وبالنسبة الى الفتاة هو خلاص من الدوامة والخطر اللذين يتهددان حياتها بعد اختفاء صديقتها في ظروف غامضة فضلاً عن اختفاء موظفة السكن الاجتماعي.

لكن نافذة الأمل الوحيدة ممثلة في علاقة الحب تلك سرعان ما تتهاوى وتتحطم محطمة معها فريجال وحبيبته بعدما يتكشف ناثال عن كائن بشع متلبس بالسحر ويسعى لقتلها لتخدمها الصدفة والقدر للدفاع عن نفسها وقتله وهو متلبس ذلك الكائن الشرير فما إن يقتل حتى يعود سيرته الأولى وهو ذلك الشاب الوديع المسالم الذي أحبته وإذا به مقتولاً على يدها لينتهي بها المطاف ان تظهر في آخر مشاهد الفيلم وهي تستجدي المارة ولكن بهاءها نفسه ووجهها ممتلئ بالحياة. نحن هنا أمام فيلم متماسك من دون شك ذي بناء درامي متقن لكن ليس الفانتازيا والميثولوجيا وحدها هي التي مكنت المخرج من صنع هذا الفيلم المتميز.

الحياة اللندنية في

27/08/2010

 

المخرج سبايك لي يوثّق خليج الوجع الأميركي ثانية

واشنطن - علي عبدالأمير 

قبل اربع سنوات حمل المخرج الاميركي سبايك لي كاميراته الى نيو اورليانز لتوثيق الكوارث التي جلبها «إعصار كاترينا» عام 2005 وما تركه من آثار وخيمة ما انفك الناس في الولاية المطلة على خليج المكسيك يعانون منها، وصورها في فيلم وثائقي حمل عنوان «عندما انكسرت السدود: قداس في أربع حركات» جاء في أربع ساعات ونال اهتماماً واسعاً توج ببعض الجوائز.

ومع اقتراب الذكرى السنوية الخامسة لإعصار كاترينا ها هو صاحب فيلم «إفعل الشيء الصحيح» يعود الى نيو اورليانز على أمل تصوير حكاية عن انتعاش المدينة وتجدد الحياة فيها، لكنه بدلاً من ذلك، صوّر فيلماً وثائقياً جديداً حمل عنوان «بإذن الله وإذا لم ترتفع مياه الخور» مبدئياً هو فيلم سينمائي مع ان أول ساعتين منه عرضتا على تلفزيون «أتش بي أو» المستقل على ان تعرض الساعتان الاخريان بعده ضمن سياق توثيقي وتعبيري بدا إلى حد كبير متصلاً بالفيلم السابق «عندما انكسرت السدود»، وان تضمن فضلاً عن تداعيات كاترينا، التسرب النفطي الذي غمر ساحل خليج المكسيك وهو ما بدا للمخرج لي وفريقه فرصة مثالية للتذكير بالأهوال التي تعيشها المنطقة منذ سنوات وما يكابده أهلها لاستعادة حيوية لطالما ارتبطت بالسياحة الثقافية بعامة وفنون موسيقى الجاز بخاصة. علماً بأن عدداً من مهرجانات السينما بدأ يفاوض لي على عرض الفيلم.

مشاهد لا تنسى

ويقول سبايك لي انه بعد فيلمه السابق «عندما انكسرت السدود» قرر العودة الى نيو اورليانز تزامناً مع الذكرى السنوية الخامسة لإعصار كاترينا الذي حطم السدود المانعة لمياه البحر من الدخول الى المدينة، عله يصنع فيلماً عن مستوى الانتعاش في حياة المدينة، لكن إيقاع الفيلم تغير بسبب كارثة جديدة شهدتها المنطقة ذاتها فيما كان فريق العمل في المكان ذاته، كارثة التسرب النفطي التي شملت مناطق واسعة من ساحل خليج المكسيك.

ويلفت المخرج المثير للجدل في حديث الى صحيفة «نيويورك تايمز» انه لن ينسى مشاهد مواطنين أميركيين كانوا يقفون فوق سطوح منازلهم، وهم يرفعون لافتات تقول، «ساعدني، أنقذني»، في إشارة الى مشاهد التداعيات الإنسانية لإعصار كاترينا، والنقد الغاضب الواسع الذي تعرضت له حينها إدارة الرئيس بوش بسبب بطء إجراءات إنقاذ المدينة وأهلها، ولذا خطط سبايك لي لإجراء مقابلات مع الرئيس السابق بوش ونائبه تشيني، ومهندس سياسات البيت الأبيض الجمهوري كارل روف، فضلاً عن مستشارة الامن القومي ثم وزيرة الخارجية كوندوليزا رايس. لكن لا أحد منهم وافق على الظهور في الفيلم بل حتى حاكم ولاية لويزيانا الجمهوري، بوبي جيندال رفض ذلك، ومثله فعل أيضاً وزير شؤون الأمن الداخلي في حكومة بوش مايكل شيرتوف.

ويرفض المخرج سبايك لي الفكرة القائلة بأنه موقفه المعروف بنقده الساخر للادارة الاميركية اليمينية هو ما دعا اركان الجمهوريين الى عدم الاستجابة لطلبه في المشاركة بالفيلم، مؤكداً انه لا يتفق مع وجهة نظر كهذه، وانه مخرج «عادل جداً» في تعاطيه مع الحقائق في الافلام الوثائقية، مع انه يحرص في الوقت نفسه على طرح بعض الأسئلة الصعبة على المشاركين في صنع تلك الحقائق وهو ما قد يدفعهم الى عدم المشاركة.

أكاذيب شركة

وبدت تغطية المخرج سبايك لي في فيلمه الجديد لكارثة تسرب النفط عامل جذب لمشاهدته، لاسيما ان الناس لا يعتقدون أن 75 بالمئة من النفط المتسرب قد اختفى كما تقول شركة «بريتش بترليوم» والسلطات الأميركية. ويؤكد صاحب فيلم «أربع فتيات صغيرات» الذي فاز بجائزة أوسكار احسن فيلم وثائقي عام 1997 انه من السذاجة الاعتقاد بأن اكبر بقعة نفط طافية في العالم يمكن ان تختفي مؤكداً، انها لن تختفي بعد 5 أو 10 أو حتى 15سنة من الآن(...).

سبايك لي يستعيد بشيء من الوجع ما واجهته مدينة موسيقى الجاز ومركز الثقافة الفرنسية في اميركا: نيو اورليانز، فثمة مأساة كاترينا، وانهيار السدود، والآن التسرب النفطي الأكبر في العالم، في أقل من خمس سنوات، ما يجعله كثيراً على اهل المدينة الذين يقول لي عنهم: انهم اقوياء ويتعاملون بمرونة عالية ولكنهم مع ذلك لا يزالون بشراً، ولا يمكن لقصة معاناتهم ان تصل الى نهاية سريعة.

الحياة اللندنية في

27/08/2010

 

النقد السينمائي المغربي ... من متعة المشاهدة الى تفكيك الصور

الرباط - نور الدين محقق 

في الوقت الذي تنتهي فيه حركة النقد السينمائي العربي، لا سيما في المشرق بتحول كثر ممن اعتادوا الكتابة عن الفن السابع، الى مستشارين للمهرجانات، الخليجية بخاصة، والى موظفين لدى المنتجين أو ما يشبه ذلك، تواصل الحركة النقدية السينمائية حضورها الفاعل في الحياة الثقافية المغربية في شكل عام. وهنا نظرة الى سمات هذه الحركة في المغرب، حيث يعرف المهتمون بهذا النوع من الثقافة أن للنقد المغربي تاريخاً عريضاً، إضافة الى أن حاضره فاعل على صعيد السجالات العامة حول الإنتاج السينمائي في هذا البلد، علماً أن تاريخ هذه الحركة النقدية أنتج مؤسسات ومبدعين في كتابة السيناريو وإخراج الأفلام.

بدأ النقد السينمائي المغربي منذ زمن بعيد في رحاب الأندية السينمائية المغربية، حيث كانت عملية تحليل الفيلم تتركز خصوصاً على تفكيك بنية مضمونه، ومحاولة إيجاد القيم المجتمعية الموجودة في هذا المضمون، بحسب رؤية الناقد السينمائي للأمر، أو على الأصح بحسب رؤية المنشط السينمائي لذلك، إذ إن النقد السينمائي في هذه الحالة كان يغيب أو يغيب تحت ذرائع شتى، منها ما هو ايديولويجي ومنها ما هو ذاتي معرفي. لكن على رغم هذا الأمر، فقد كانت مشاهدة الأفلام في هذه المرحلة مسألة مهمة، كما كانت السينما تشكل بؤرة ثقافية أساسية. وهو ما جعل النقد السينمائي يأخذ وجوده ويبدأ في الإعلان عن نفسه، خصوصاً مع توافر مجموعة من النقاد السينمائيين المهمين الذين سعوا للانتقال بالنقد السينمائي المغربي من مرحلته الشفوية إلى مرحلة الكتابة والمسؤولية. وهو ما جعلهم محط أنظار الوسط الثقافي آنذاك. نذكر من بين هؤلاء النقاد نور الدين الصايل وخليل الدمون ومحمد الدهان وغيرهم.

ومع تقدم الوقت، برز نقاد آخرون، بعضهم جاء من هذه الأندية السينمائية ذاتها، وبعضهم الآخر جاء من رحاب الجامعة، ما تولد عنه بروز تيارات نقدية سينمائية متعددة، قد تلتقي في ما بينها وقد تختلف. ونذكر من هؤلاء حمادي كيروم ومحمد كلاوي ومحمد باكريم والمختار ايت عمر وبشير القمري ومصطفى المسناوي ومحمد صوف وخالد الخضري وسواهم... كما كان لدور الصحافة الثقافية فضل كبير على تطور النقد السينمائي المغربي حيث بدأت عملية تحليل وتفكيك بنية الأفلام تأخذ مجالها وتصل إلى شريحة كبيرة من المتلقين، على رغم أن الصحافة الثقافية ظلت تميل خصوصاً إلى النقد الانطباعي السريع المتولد من المشاهدة الأولى للأفلام التي يتم عرضها في صالات السينما. وذلك يعود طبعاً إلى رغبة الصحف في متابعة الأنشطة الثقافية والفنية لحظة حدوثها وبأسرع ما يمكن.

عمل جماعي

ومع تكاثر الأقلام النقدية السينمائية في المغرب، تم تأسيس اتحاد نقاد السينما في المغرب الذي ترأسه الناقد الجامعي بشير القمري، ثم بعد ذلك الجمعية المغربية لنقاد السينما، والتي يرأسها حالياً الناقد السينمائي المعروف خليل الدمون وتضم في عضويتها مجموعة من الأقلام النقدية السينمائية المهمة المهتمة بالمجال السينمائي المغربي والعربي والعالمي. هذا من دون أن ننسى جمعيات ثقافية أخرى تهتم بهذا المجال النقدي السينمائي، وساهمت وتساهم في الاهتمام بفن السينما ومنحه ما يستحقه من الاهتمام ويوجد ضمن أعضائها هي الأخرى نقاد سينمائيون معروفون. هكذا وجدنا أن هذه الجمعيات أصبحت لا تكتفي بحضور المهرجانات السينمائية ومتابعة أشغالها، أو مشاركة بعض أفرادها في لجان التحكيم سواء الرسمية منها أو المتعلقة بجائزة النقد السينمائي، وإنما بدأت في إصدار مجموعة من الكتب السينمائية المهمة، سواء تلك التي تقتصر على مقاربة التجربة السينمائية لأحد المخرجين المغاربة أو تلك التي تتناول موضوعاً سينمائياً معيناً وتشتغل عليه من زوايا نقدية متعددة. يمكن أن نشير في هذا الصدد إلى بعض هذه الكتب على سبيل التمثيل لا الحصر، مثل الكتاب المهم الذي أصدرته الجمعية المغربية لنقاد السينما أخيراً 2010 باللغتين العربية والفرنسية عن «التجربة السينمائية للمخرجة فريدة بليزيد» ضمن لقاء «سينمائيون ونقاد» والذي شارك فيه كل من نور الدين محقق ومحمد اشويكة وعز الدين الوافي وسعيد شملال ومبارك حسني وحميد العيدوني وبوشتى فرقزايد وفاطمة إغودان وإدريس الجعايدي وسوزان كاوش، أو الكتاب الذي أصدرته جمعية القبس للسينما والثقافة حديثاً 2010 باللغتين العربية والفرنسية هو الآخر، حول تجربة المخرج المغربي مومن السميحي تحت عنوان «سينما مومن السميحي: قلق التجريب وفاعلية التأسيس النظري» وشاركت فيه مجموعة من النقاد السينمائيين المغاربة نذكر من بينهم: ادريس الجعايدي وحميد اتباتو وأحمد السيجلماسي ومحمد اشويكة ونورالدين محقق وبوشتى فرقزايد وعثمان بيساني. وإضافة إلى هذا صدرت مجموعة من الكتب النقدية الأخرى المتعلقة بالمجال السينمائي بصفة عامة أو المتعلقة بتجربة سينمائية محددة بصفة خاصة، وهي كتب نقدية أعادت الاهتمام بالمجال النقدي السينمائي إلى الواجهة، حيث بدأت الساحة الثقافية المغربية تهتم في شكل واضح بعملية التمييز بين أنواع النقد السينمائي المختلفة، مميزة في هذا الجانب بين النقد الأكاديمي العلمي والنقد التحليلي التفكيكي والنقد الصحافي بمختلف تجلياته الانطباعية منها والتحليلية.

غياب

وقد بينت عملية صدور هذه الكتب خصوصاً الجماعية منها حضور مجموعة من الأسماء النقدية السينمائية في مختلف هذه الكتب والتي أبانت عن مدى اهتمامها بالفن السينمائي وسعيها الحثيث للدفع به نحو آفاق نقدية واسعة. لكن مع ذلك وعلى رغم كل هذه الايجابيات، فإذا كان النقد السينمائي المغربي يعرف هذا الزخم من الإصدارات، فإنه مع ذلك يعاني الآن، خصوصاً بعد تكاثر الأقلام النقدية السينمائية المغربية، عدم وجود مجلات ثقافية خاصة به، وقد كان للمجلة السينمائية «سني.ما» التي أصدرتها الجمعية المغربية لنقاد السينما مكان مهم في هذا الصدد حيث ساهمت في تسليط الأضواء على المشهد السينمائي المغربي وعلى تقديم صورة فاعلة للنقد السينمائي المغربي، وهي دعوة إلى إعادة الاهتمام بها وإصدار أعداد جديدة منها تعبر عن المشهد السينمائي المغربي الآني وتدفع به إلى آفاق سينمائية أرحب وأكثر غنى، كما أن تقلص حضور النقد السينمائي في الصحافة اليومية قد أثر في عملية اشعاعه أيضاً وإيصاله إلى المتلقي الراغب فيه.

الحياة اللندنية في

27/08/2010

جميع الحقوق محفوظة لموقع سينماتك
  (2004 - 2010)