حول الموقعخارطة الموقعجديد الموقعما كـتـبـتـهسينما الدنيااشتعال الحوارأرشيف الموقع 

أفلامٌ يفوح منها عطر المُوسيقى،

نماذج من أفلام تجريبية فرنسية تتوّهج بالبهجة والفرح

صلاح سرميني ـ باريس

مع الازدهار المُتزايد لما يُسمّى بالسينما التجريبيّة، تحرصُ كلّ المهرجانات الأوروبية الكُبرى، والصُغرى على برمجة هذه النوعية من الأفلام المُختلفة في الشكل، والمضمون عن السائد، والمألوف .
وبشكلٍ عام، لا يخلو مهرجانٌ سينمائيٌّ أوروبيٌّ من فيلمٍ تجريبيّ واحدٍ - على الأقلّ- بدءاً من أكثرها حجماً، شهرةً، وأهميةً، وحتى أصغرها شأناً.

وتجدُ هذه النوعية حصةً أكبر، ومكانةً أكثر أهميةً في التظاهرات المُخصّصة للأفلام القصيرة تحديداً، وبنسبةٍ أقلّ في مثيلها للأفلام الطويلة، بينما تحتفي بعضها بكلّ ما هو تجريبيٌّ، وطليعيٌّ فيما يتعلق بالصورة السينمائية، والإلكترونية .

تُعيدنا السينما التجريبية بجمالها، ورونقها إلى جوهر الإمكانيات التعبيرية للصور المُتحركة، قبل أن يُسيطر عليها البناء الحكائيّ.

وقد ترافقَ التجريب مع تاريخ السينما نفسها، بدءاً من الأفلام القصيرة الأولى للأخوين لوميير، جورج ميلييس، أدوين بورتر، غريفيث، إيزنشتين، بودوفكين،....وحتى آخر الأفلام حداثةً .

وبفضله، حافظت السينما على حيويتها، تنوّعها، سحرها، وقدرتها على الصمود في مواجهة الاكتشافات التقنية الجديدة .

وفي الوقت الذي لا يعرف المُتفرج العاديّ الكثير عن السينما التجريبيّة، إلاّ أنّه يشاهد كلّ يومٍ استخداماتها، واستيحاءاتها على شاشات القنوات التلفزيونية، أكان ذلك من خلال الإعلانات التجارية، الأغاني المُصوّرة، أو مقدمات البرامج التلفزيونية .

تقدم الأفلام المُقترحة اليوم فكرةً أوليةً عن السينما التجريبية في فرنسا، وفرصةً للتعرّف على بعض أفلامها، سينمائييّها، واستخداماتها الجمالية .

براءة البدايات الأولى

تُجبرنا السينما التجريبيّة على نسيان/أو تناسي تراث السينما التقليدية، الروائية، والتسجيلية، بركائزهما الدرامية، والجمالية على السواء .

وتعود بنا - في الوقت نفسه- إلى صفاء، وبراءة البدايات الأولى للصور المُتحركة - والسينما فيما بعد - لتكتشف بدون هوادةٍ إمكانياتها التعبيرية السمعية/البصرية، بإزاحة البناء القصصيّ عن كاهلها ما أُمكن، أو بتدميره، وخلق بُنى جديدة لتجسيده .

ومع الأمر الواقع الذي تعيشه السينما اليوم، بسيطرة الحكاية عليها، فقد تخيّرت السينما التجريبية اتجاهاتٍ مختلفة، يلتقي بعضها مع السينما الحكائية، ويبتعدُ البعض كثيراً ليقترب من الفنون التشكيلية، ولكنها في مجموعها، تمنحُ المتفرج تجربة مشاهدةٍ مُتفرّدة، لا يُماثلها أيّ نوعٍ من الفنون التي نعرفها.

وإذّ تعتمد الكتابة في السينما التقليدية/السائدة على قراءة الحكاية، أحداثها، وشخصياتها، وتُهمل تماماً الدعامة التي تجسّدت من خلالها، ألا وهي الصورة/الصوت، وعناصرهما الجمالية/أو اللاجمالية، فإنّ السينما التجريبية لا تفرضُ قراءاتٍ مُحدّدة، ولكن، مشاهداتٍ مختلفة، هي جوهر العلاقة ما بين المتفرج، والعمل السينمائيّ .

وتنهمكُ الكتابة حينها في البحث عن مصادر القبح، أو الجمال، المتعة، أو القرف، الابتهاج، أو الإحباط،....في آفاق الصورة، والصوت معاً .

وتجب الإشارة، بأنّ السينمائيين التجريبيّين تشغلهم القضايا الصغرى، والكبرى للمجتمع، أو العالم الذي يعيشون فيه، كما العلاقة مع "الوسيط" نفسه :

الشريط الحسّاس، الأداة/الكاميرا، التطورات المخبريّة، المونتاج، أجهزة العرض، وخواصّ الصورة الإلكترونية في حالة الفيديو....

والتجسيد بطريقةٍ مُغايرة عن كلّ وسائل التعبير الأخرى: الكتابة، الرسم، النحت، المسرح، ...إلخ
ولم تسترخِ أجساد الغالبية العظمى من السينمائيين التجريبيين على مقاعد مدارس، ومعاهد السينما، ومن لم يدرسها دراسةً نظريةً، فقد جاء إليها من آفاقٍ مختلفة : الأدب، الشعر، الصحافة، الفنّ التشكيليّ، التصوير الفوتوغرافيّ، الرسم، والنحت....

وفي مراهقتهم، وشبابهم لعبوا كثيراً بكاميرات 8 مللي سوبر، وحفروا بصماتهم الأولى فوق أشرطتها، قبل أن يكتشفوا الكاميرا 16 مللي، أو استمرّوا في عشقهم لكاميراتهم الصغيرة، ولكنهم لم يقتربوا كثيراً من الكاميرا 35 مللي لأسبابٍ اقتصادية طبعاً.

وشريط 8 مللي سوبر مقاسٌ لم يسمح بتسجيلٍ متزامنٍ للصوت، والصورة، ولهذا يعمدُ السينمائيّون التجريبيون إلى إنجاز شريط صوتٍ منفصلٍ يُرافقٍ الصورة، ولا يتزامن معها، ويعتمدُ غالباً على الموسيقى، ولهذا السبب، يتحول الكثير من هذه الأفلام إلى "موسيقى بصرية".

وفي الآن نفسه، تتجسّدُ من خلال الصورة ممارساتٍ مختلفة : جماليّة اللقطة الكبيرة، إعادة الأفلمة، المونتاج أثناء التصوير، التحريك في عوالم مُتخيّلة، الحركات الجسدية المُسترسلة، أو المُتهيّجة، تدخلات متعددّة على الشريط الحسّاس، نوعية خاصّة للإضاءة، الألوان، وحُبيبات الصورة .

عطر الموسيقى، والرقص المُتوّهج

المنظر الطبيعيّ الحديث هو غالباً منظر"مدينيّ"، وتظهر الرؤية التي نمتلكها عن المدينة من خلال الاستخدام الذي نصنعه من الطبيعة، وكيف نقوم بترويضها، ويبدو بأنّ زمن الطبيعة يختفي لصالح ديناميكية تتخيّر الإيقاع، "الحال"، ويتوجّه أحياناً نحو التجريد المُطلق .

كما كانت الموسيقى دائماً منبعاً لإلهام السينمائيين، وقد سمحَ الاستخدام الحسيّ المُتزامن بإيجاد تداعياتٍ تلقائية بين إحساساتٍ مختلفة، يبدو بأنها تتجاوب فيما بينها مثل عطرٍ ما، يُذكرنا بلونٍ معين .
وتتجسّد علاقة الصوت، والصورة بمُقتضى تقاطعاتٍ، تغييراتٍ، واتجاهاتٍ أقلّ، أو أكثر تحديداً، ويسمح بمشاهدة ما نسمع بالتفكير في البناء البصريّ وفق تنظيمٍ يُجيب على منطقية الخطاب الموسيقيّ، وبإظهار صورة تتوهج بأشكال، وألوانٍ كما الألعاب النارية.

من مدينة إلى أخرى

تنقلنا "Héléne Moinerie" في فيلمها "من مدينةٍ إلى أخرى" (D'une cité à l'autre) ـ 5 دقائق ـ عبر صورٍ فوتوغرافية مكسوّة باللون الأزرق، التقطت في الأحياء الشعبية المُكتظّة بالأجانب، إلى رسوماتٍ على الطبقة الحسّاسة للشريط، تتناوبُ مع لقطات نساءٍ أفريقياتٍ تهتزّ أجسادهنّ على إيقاعات الموسيقى، يزدادُ حضور الألوان المرسومة باليد، وتتحوّل صور النساء إلى ألوانٍ مُبتهجة، وأشكالٍ مجرّدة. بينما يتخيّر "Gérard Courant" المُخرج الأكثر كسلاً في العالم- أن يضع كاميرا 8 مللي سوبر أمام إحدى الشخصيات الفنيّة المعروفة/أو الغير معروفة، ويطلبُ منها أن تفعل ما تشاء خلال فترة التصوير، وهي المدة الزمنية لعلبة الخام الموجودة في الكاميرا (3 دقائق تقريباً)، ومنذ إنجازه لهذه الفكرة البسيطة، فقد تخطى اليوم أكثر من 2290 "سينيماتون"Cinématon " عنوان السلسلة، ومن بينها بورتريهاتٍ لصلاح أبو سيف، محمد بوعمّاري، مرزاق علواش، ياسمين خلاط، أسامة محمد، جان شمعون، ميّ المصري،...
في البورتريه رقم (133)، الذي تمّ تصويره في " Vitrolles"/فرنسا، بتاريخ 30 مايو من عام 1981، يمنحُ السينمائيّ المصريّ "يوسف شاهين" نفسه بهدوءٍ لهذه اللعبة الطريفة، وعليه أن يشغل الحيّز الزمانيّ، والمكانيّ.. بدايةً، ينظرُ إلى الكاميرا/المُتفرج مفكراً، لا يرغب أن يفعل شيئاً، ثمّ يبدو السأم، والملل على وجهه، ولكنه يصمدُ بانتظار انتهاء الشريط في علبته .

يوسف شاهين في "سيناماتون"

وفي "ESCIUE" ـ 9 دقائق ـ للإيطالية "Marico Valente" تُرافق موسيقى طقوسية ومضاتٍ ضوئية تظهر، وتختفي فوق شاشةٍ تُسيطر عليها العتمة، فينهكُ المُتفرج بالبحث عن الصورة التي تمنحنا بعضاً من تفاصيلها، رجلٌ وحيدٌ في غابةٍ يمارس رقصاً طقوسيّاً.

ينضحُ الفيلم بروحٍ شرقية، تُذكرنا بطقوس الصوفية، ورقصات الدراويش، وتبخلُ الصورة بإضاءتها عمداً، لتتركَ المتفرج يبحثُ عن تفاصيلها، وكحال "من مدينةٍ إلى أخرى"، تستمرُ الموسيقى، بعد أن تحوّلت الصورة إلى ألوانٍ، وأشكالٍ مُتوهجّة.

أما "نسيان/غفلة"(Oversight) ـ 12 دقيقة ـ لمُخرجه "Gérard Cairaschi"، فهو قصيدةٌ سينمائيةٌ، واحتفاليةُ رقيقةٌ بالطبيعة، بموسيقاها الكونيّة، وبالصمت، والسكون، ينتقلُ الفيلم من الواقع إلى طبيعةٍ مُتخيلة، حيث تتهادى فوق الشاشة صورٌ حلميةٌ مُتوهمّة، وتعود بذاكرتها البصرية إلى الماضيّ، تستوحي مفرداتها من الرسومات، والتخطيطات اليابانية.. وبالتدريج، يتشابكُ الحلم مع سحر الصور المُتحرّكة، فتتوالى لوحاتٌ تشكيلية لتخلق وهم الحركة، تستعينُ بموسيقى تنطلقُ خجولةً أمام كمٍ من الصور المُتألقة جمالاً، ورونقاً، لا نشعر بتتابعها المُذهل، بل نسترخي معها، ونستغرقُ في حالةٍ تأمليةٍ وجدانية، وما تكاد ترتاح اللقطات قليلاً، حتى تعود إلى زخمها المُتدّفق، وموسيقى تُرافقها بحنانٍ، وهمهمة حواراتٍ باليابانية، تُذكرنا بإستيحاءات المخرج، الذي يعود بنا إلى الطبيعة مرةً أخرى، يُوقظنا بالأحرى من غفوةٍ قصيرة، ليُنهي حلمه، ويُعيدنا إلى الواقع، صالة العرض، وجمهوراً ساكناً .

وفي " تلوّن"(Chrominances) ـ 6 دقائق ـ لمُخرجه "Nicolas Berthelot"، تتوهجُ الأشكال الهندسية على الشاشة، تتداخلُ، تتعانق، تتلّون، تتراقصُ بإيقاعٍ مُتدّفق، تدعو المتفرج إلى طقوسها الاحتفاليّة التشكيليّة، تتقاربُ الخطوط العمودية، وتتباعد مثل إغواء مُتبادلٍ بين راقصٍ، وراقصة، ولكنها لا تتوقف عن الحركة، ولا يمكن للمُتفرج بدوره الصمود أمام محاكاتها، فيتركَ خياله يتداعى في رقصٍ مُتخيّل، كل على طريقته .

هل تستوحي الأشكال الهندسية حركاتها من إيقاعات الموسيقى، أم تخلّقت هذه من حركة الخطوط، والدوائر ؟

لا يهمّ، يكفي أنه فيلمٌ يدعونا إلى الابتهاج، والفرح .

الأوراق اللاصقة 

الأوراق اللاصقة (Les papiers colles) ـ 2 دقيقة ـ لـ "Mikel Aioutz" ، خطوطٌ، ألوانٌ، وأشكالٌ لا تتوقف عن الحركة، لقد تمّ رسمها وتخطيطها فوق الطبقة الحسّاسة للفيلم، لتُدخلنا في عوالم موسيقى الجاز، لوحات السويسريّ "Paul Klee (1879-1940)، الألمانيّ من أصلٍ روسيّ" Vassily Kandinsky" (1899-1944)، و"الحروفية/ Le lettrisme" في الفنّ التشكيليّ التي ظهرت عام 1945
أما "حركة"(Motion) ـ 5 دقائق ـ ل" Yannick Koller"، فإنها كاميرا مُضطرّبة، مُرتجفة، وعنيفة، تدفقٌ مونتاجيّ صورةً، صورة، لقطاتٌ ضبابية، مياهٌ متفجرّة مثل براكين، وموسيقى تبتهج بلمعان الصورة، وإضاءتها المُتوهجّة .

وفي "عملٌ متواصل"(Work in progress) ـ 3 دقائق، و30 ثانية ـ لـ" David Méadeb" ، يتدخل السينمائيّ فوق الطبقة الحسّاسة لشريط الصورة عن طريق التخطيط، الحكّ، التلوين، والإزالة بمادةٍ كيماوية للصور الأصلية لفيلمٍ تمّ تصويره، أو عُثر عليه، وموسيقى تستلهمُ إيقاعاتها من التدفق المُتواتر لإطارات الصورة.

في فلم "المومياء بنصف كلمة" (La momie à mi-mots) ـ 42 دقيقة ـ لمُخرجه "Laury Granier"، اقترابٌ جماليٌّ آخر من الرقص، وتجسيدٌ مختلفٌ لحركات راقصين يذكروننا بأفلام السينمائيّ الكنديّ "نورمان ماكلارين"(رقصةٌ ثُنائية/ Pas de deux،العاشق لنفسه/ Narcisse) تتجلى عن طريق مزج الصور، إبطائها، والتدخل معملياً بألوانها، ونصوعها.

يلحقها موكبٌ جنائزيٌّ فوق نهر "السين"، مُستوحى بدوره من كرنفالات "فينيسيّا" الإيطالية، ويقتربُ من الأجواء الأسطورية لأفلام "بيير باولو بازوليني".

وعندما يعود الرقص، والراقصون من جديد، تلتحفُ الصورة باللون الأزرق، محافظةً على نفس السياق الشعريّ الذي بدأته.

ضفاف

في"ضفاف" ( Des Rives) ـ 10 دقائق ـ لمُخرجه "Yan Beauvais"، تُسيطر الصورة الغير مُتجانسة، وتصبح الصورة "المُفردة" بمثابة "جمع"، لقد فقدت "تعددّيتها"، ونحن هنا، لم نعد نتابعُ فيلماً يستثمرُ الصورة الواحدة بعد الأخرى، ولا تلك التي تكتفي بمظهرها الخارجي، وإنما في حضور "تزحلقٍ"، و"تجاورٍ" للصور.

الجزيرة الوثائقية في

05/07/2010

جميع الحقوق محفوظة لموقع سينماتك
  (2004 - 2010)