حول الموقعخارطة الموقعجديد الموقعما كـتـبـتـهسينما الدنيااشتعال الحوارأرشيف الموقع 

فيلم "شبه طبيعيّ" نموذجٌ لثقافة الاحتلال

هل هي معاداةٌ سينمائيةٌ للسامية، أم للصهيونية ؟

صلاح سرميني ـ باريس

تحت عنوان "مُعاداةٌ سينمائيّة للسامية"، نشرت صحيفة "ليبراسيون" الفرنسية بتاريخ 30/03/2010 خبراً بدون توقيع، أشار بأنّ المركز الفرنسي للثقافة، والفنون في القاهرة رضخَ لابتزاز مُخرجاً مصرياً (بدون أن يذكر اسم المخرج أحمد عاطف)، ونعته بمُعاداته للسامية، وزعمَ بأنّ الإدارة استبعدته من لجنة التحكيم.

ويصفُ الصحفي الفيلم بالصغير(Un petit film) محاولة في التقليل من تأثيره، ويعزو الموقف المُناهض بعرضه إلى الجنسية الإسرائيلية لمخرجته.

في نفس الفترة، تناقلت الصحافة أخبار إعادة الوزير الفرنسي للعلاقات الخارجية الفيلم المقصود إلى البرمجة، طالباً من الوسط السينمائي المصري الحكم عليه كما هو، وليس انطلاقاً من السيرة المهنية لمُخرجته.

***

بالنسبة لي، من حُسن حظّ إدارة "اللقاء السادس للصورة" الذي كان مُزمعاً انعقاده خلال الفترة من 8 إلى 15 أبريل 2010، بأنّ أحداً لم يشاهد بعد الفيلم الفرنسي الروائي القصير "Presque normal/شبه طبيعيّ" لمُخرجته الإسرائيلية "Keren Ben Rafael"، وحكمَ عليه كفيلمٍ كما طلب الوزير الفرنسي، وإلاّ كان من المُحتمل تضاعف خطورة ردود الأفعال الغاضبة، وعدم اقتصارها على انسحاب أعضاء لجنة التحكيم، ومعظم الأفلام المصرية المُشاركة، والمخرجين، والهيئات الحكومية، والخاصة المُساهمة، وبيانات الاستهجان المُناهضة .

وعلى عكس وجهة النظر المُشكّكة بصدق تلك المواقف، أو مُزايداتها (كما تنبأ بها الصحفي "محمود عبد الرحيم" في صحيفة "القدس العربي" بتاريخ 21 أبريل 2010)، فإنني اليوم، وبعد أن تسنّى لي مشاهدة الفيلم، أعلنُ تأييدي للموقف المصريّ الجماعيّ الحازم ضدّ عرض هذا الفيلم في قلب العاصمة المصرية، حتى وإن كان في ذلك في قاعة مبنى اشتراه الفرنسيون، ورفعوا عليه العلم الوطنيّ.

بدايةً، ووُفق المعلومات المُتوفرّة في موقع المركز الفرنسي للثقافة، والتعاون في القاهرة، تُعتبر "لطيفة فهمي" مسئولة "اللقاء"، صاحبة القرار الأول في الاختيارات، ولهذا، من العبث التنصل من مسئوليتها المُباشرة بزجّ الفيلم (عمداً) في التظاهرة.

بكلّ بساطة، برمجتها للفيلم بدون مُشاهدته ـ على حدّ تصريحاتها ـ "مُصيبة"، وإذا كانت قد شاهدته مُسبقاً، الفرضية الأرجح، فهي "مصيبةُ أعظم" تستحقّ أن يطالها الغضب، الاحتجاج، والاستياء.

لأنه، وبحكم مُتابعتي لأفلام التخرج لمعهد السينما الفرنسي الأشهر(La Femis)، والأفلام الفرنسية القصيرة بشكلٍ عام، أؤكد بأنّ هناك أفلاماً من إنتاج عام 2009 أفضل بكثيرٍ من "شبه طبيعيّ" العاديّ جداً، ولن أقول "المُتواضع" كي لا يتهمني أحدٌ بالتحامل على الفيلم بسبب الجنسية الإسرائيلية للمُخرجة.

قانونياً، الفيلم من إنتاج فرنسيّ رئيسيّ (معهد السينما بدعمٍ من المركز الوطني للسينما، ووزارة الخارجية الفرنسية)، وبمُساهمة جهاتٍ إسرائيلية (مؤسّسة سيتكوفسكي، المُؤسسة اليهودية الفرنسية، مدرسة سام شبيغل، قسم السينما في جامعة تل أبيب). 

وعلى الرغم من فرنسية الإنتاج الغالبة، إلاّ أنه فيلمٌ إسرائيليّ المُحتوى(هناك وجهات نظرٍ عربية، وأجنبية كثيرة تميل إلى منح أيّ فيلم جنسية مخرجه، بالإضافة إلى الجهة الإنتاجية).

يرتكزُ الفيلم على فكرةٍ مُثيرة، بريئة ظاهرياً، خبيثة باطنياً، وحتى صهيونية المغزى، حالما يكشف السيناريو عن استيحاءاتها (التقارب الزمنيّ بين الاحتفال بيوم الاستقلال، وذكرى شهداء الحرب)، وهنا، لا أدري كيف تسامحت "لطيفة فهمي" مع هذه القناعة المُعلنة، واعتبرت الأمر "شبه طبيعيّ".

أتخيل، بأنها وقعت على رأسها قبل اختيار الفيلم، فورّطت نفسها، ومعها إدارة المركز الفرنسي للثقافة، والتعاون، أو تجرأت الاستهانة بمشاعر المُتفرج المصري، أو راهنت على استفزازه الآنيّ، وغضبه اللحظيّ، أو رغبت فرض مفهوماً "قبيحاً" لمعنى الحرية، حرية أن يعرض المركز ما يشاء من الأفلام، ولكنها، كمصرية، كان عليها التفكير كثيراً قبل الإقدام على اختيارٍ "أخرق" لا يأخذ بعين الاعتبار آراء، وأفكار، ومشاعر مواطنيها .

(هل تتجرأ إدارة المركز على برمجة تظاهرة تحت عنوان "منتصف ليلٍ ورديّ"، كما فعل مهرجان "كليرمون فيران" الفرنسيّ في دورته ال32 عام 2010، وعرضَ مجموعةً من الأفلام على شاكلة "This is the girl" لمُخرجته الفرنسية "Catherine Corringer" ؟).

رُبما اعتقدت السيدة "فهمي"، بأن المُتفرج المصري سوف يرتاد قاعة العرض ، ولن يُفرّق بين الفرنسية، والعبرية، لغة الجيران أولاد العمّ، ورُبما يتسامح برقيٍّ، وتحضرٍ مع فيلمٍ إنسانيّ النزعة تجري أحداثه في "تل أبيب"، وأكثر من ذلك، سوف يستمتعُ كثيراً بالتعرّف على قصة الطفل "شاي" الذي امتنعت عائلته عن الاحتفال بعيد ميلاده لأنه يُصادف ذكرى وفاة "إسحاق" الزوج الأول لأمه، ولكنّ الصبيّ الأذكى، المهموم بتصحيح هذا الغبن، يُرتبُ بنفسه خطوات تحويل ذلك الحدث المُؤلم إلى بداية حياةٍ جديدة، بحيث تُوازن العائلة بين أحزانها، وأفراحها.

تراجيديا عائلية تتمحور حول "إسحاق" جنديّ "مسكينٌ" مات في الحرب (والمُتفرج ليس غبياً كي لا يعرف من قتله)، عائلة "مسكينة" فقدت شاباً يافعاً، جدةٌ "مسكينة" ثكلى بموت ابنها المُبكر، أمٌ "مسكينة" راضخة للأمر الواقع، وطفلٌ "مسكينٌ" يحصدُ نتائج قدرية.

إشكالية درامية تمزج مابين الموت، والحياة، ومجموعة من البشر "المساكين" ضحية قدراً ظالماً، صدفة نادرة، أو حرباً للدفاع عن الوطن.

مساكينٌ، وضحايا، تيمة يهودية بامتياز، تُثير تعاطف أكثر القلوب الغربية تحجراً، وإحساساً بالذنب، فلِمَ لا تزجّه "مسكينةٌ" أخرى في برمجة "اللقاء السادس للصورة"، وتُنجزُ فعلاً نضالياً لتعريف المُتفرج المصري بعدوّه، وبالآن، تستدرّ منه القليل، أو الكثير من تعاطفه، أو على الأقلّ إعجابه، ومن يدري أيّ نوعيةٍ من الأفلام سوف تتسرّب مُستقبلاً إلى برمجة الدورة السابعة ؟.

لقد شاهدتُ الفيلم في بيتي الكائن في عمارةٍ تسكنها عائلاتٍ يهودية، تعودتُ بأن أفتح لبعض أفرادها باب المدخل الرئيسيّ احتراماً مني لمُعتقداتهم الدينيّة التي تمنعهم من استخدام الكهرباء في أيام السبت، وبعدها، أضيع وسط آلافٍ منهم يسكنون في نفس الحيّ،.. كما يدفعني فضولي الاحترافيّ إلى مشاهدة الأفلام الإسرائيلية في صالات السينما الباريسية، أو المهرجانات السينمائية التي أتابعها، وخاصة "مهرجان السينما الإسرائيلية" الذي ينعقدُ في باريس منذ عشرة أعوام،...ومع ذلك، استفزني الفيلم، فكيف لو شاهده متفرجٌ مصريّ أقربَ مني جغرافياً إلى غزة المُحاصرة.

و"لطيفة فهمي" التي لم تُشاهد الفيلم، أو شاهدته مُغمضة العينين، لم تسمع سابقاً عن ردود أفعال مخرجين مصريين تصعقهم المُفاجأة عندما يلتقون صدفةً في مهرجانٍ ما بسينمائيّ إسرائيلي، ورُبما لم يصل إلى مسامعها انسحاب المخرج المصري "سعد هنداوي"، وفيلمه "ألوان السما السبعة" من إحدى دورات المهرجان الدولي لأفلام الحب في مونز/بلجيكا بعد أن تبيّن له تنظيمه لبرنامجٍ خاصّ احتفاءً بمُناسبة مرور 60 عاماً على استقلال إسرائيل (ذكرى النكبة بالنسبة لنا) .

حسناً، سوف تستهجنُ السلطات الإسرائيلية مواقف الوسط السينمائي المصري (وهل ينتظر أحدٌ بأن تُصفق لهم؟)، وسوف تنعتهم بالمُعاداة للسامية، التهمة الأكثر استخداماً، ورواجاً.

بالمُقابل، يتوّجب علينا التحلي بالواقعية، والسلوكيات المُتحضرة، وقبول كلّ شيئ يصدر عن إسرائيل، بدءاً من احتلال الأراضي الفلسطينية منذ عام 1948، وحتى آخر بيتٍ هدمته جرافاتها، أو قصفته طائراتها، وآخر فلسطينيّ قتلته قذيفة، أو رصاصة، وآخر أرضٍ صادرتها لبناء مستوطنة جديدة.

في فرنسا، تقوم قيامة الجالية اليهودية عندما يُدنسُ أحد المُتطرفين المعتوهين مقبرةً يهودية (وهو فعلٌ عنصريّ بكلّ المقاييس يستحقّ الإدانة)، ولكن، أن يُطرب فيلمٌ "مسكينٌ" مئات المصريين "الأحياء"  بحوارات شخصيات تعتبرُ الاحتلال "استقلالاً"، هو استفزازٌ شائنٌ ليس أقلّ تأثيراً من تدنيس شواهد قبور "الموتى"، ومن "الطبيعيّ جداً" أن لا تتوقع إدارة المركز الفرنسي، ولا السلطات الفرنسية، والإسرائيلية بأن تبقى الأفواه مفتوحةً على آخرها تبتلعُ بشراهةٍ مرضية ثقافة الاحتلال.

الجزيرة الوثائقية في

26/04/2010

جميع الحقوق محفوظة لموقع سينماتك
  (2004 - 2010)