حول الموقعخارطة الموقعجديد الموقعما كـتـبـتـهسينما الدنيااشتعال الحوارأرشيف الموقع 

فيلم 'الجانب الاعمى':

عن تحديات العلاقة بين 'أمريكا السوداء' و'أمريكا البيضاء' في ثوب الرياضة

فازت عنه بولاك بأوسكار أحسن ممثلة

لندن ـ من هيام حسان

لا يتفق الجميع على تصنيف فيلم الجانب الأعمى ((the blind side، فالبعض مثلاً يراه فيلماً عن الرياضة والرياضيين أما البعض الآخر فيرى أن جوانباً أخرى في الفيلم تطمس النواحي المتعلقة بالرياضة وتضعه في مصاف الافلام التي تبحث في الهموم الاجتماعية في أمريكا. ولكن المؤكد الآن أن الكثيرين يتفقون على نجاح الفيلم وقبوله جماهيرياً خاصةً بعد أن فازت بطلته (ساندرا بولاك) بجائزة الاوسكار لأفضل ممثلة عن دورها في هذا الفيلم، محطمة في طريقها الى ذلك رقماً قياسياً ان جاز التعبير فقد تقدمت على مرشحة أخرى عرف عنها فوزها المتكرر والمتوقع لجوائز الاوسكار عن فئة أحسن ممثلة وهي الممثلة الامريكية المعروفة ميريل ستريب. هذا لا يحجب على كل حال حقيقة 'فوز' بولاك في الفترة ذاتها بجائزة أسوأ ممثلة عن فيلم آخر لها، وان كان يحمل دلالة أخرى على نجاح فيلم الجانب الاعمى.

تؤدي بولاك (40 عاماً) في الفيلم دور أم من جنوب أمريكا ميسورة الحال وتنتمي الى العرقية البيضاء وتظهر خلال الفيلم الذي تمتد مدته الى ساعتين وبضعة دقائق كسيدة مسيحية تؤمن بفعل الخير والحزب الجمهوري. وهي قيم تدفعها الى تبني شاب من أصول افريقية أمريكية مشرد ومتواضع الامكانات وقليل الحظ ومن أسرة مفككة لأم مدمنة على المخدرات. ولا تكتفي (لي آن: بولاك) بتبني الفتى وتوفير المسكن والطعام والكساء له بل تتولى أمر توسيع فرصه في الحياة من خلال الاهتمام بتعليمه وتنمية مهاراته الرياضية، وهو أمر لا يتم بسهولة في ظل الحال البائس التي شب عليها الفتى مايكل (والذي يكنى مايكل الضخم نظراً لضخامة حجمه). تقوم الام الحاضنة لي آن بتذليل مختلف الصعوبات بما فيها تلك النابعة من التمييز والثقافة العنصرية وتسعى الى تنمية موهبته الرياضية وتستعين بمعلمة خاصة لتمكينه من تحصيل العلامات التي تضمن له الحصول على مقعد في الجامعة وتأمين منحة رياضية له.

رغم كل الصعوبات والمحبطات تفلح لي آن في مسعاها وتحول الفتى مايكل ضحية المجتمع والاسرة غير الصالحة الى فتى رياضي له وزنه في المجتمع ومستقبله المشرق باحتمالات النجاح، وذلك بفضلٍ من دأبها ومثابرتها واصرارها على النجاح في مهمتها الى الحد الذي دفعها أحياناً للتدخل وأخذ دور المدرب الرياضي له أيضاً. بل لقد كان تدخلها في تدريبه الرياضي مفصلياً وأساسياً في تغيير مصير مايكل الذي وقعت على نقط قوته وضعفه فأحسنت استثمارها. وقد لاحظت لي آن أن ابنها المتبنى ذي موهبة عالية في توفير الحماية والاحاطة بالآخرين فجعلت من ذلك دافعاً له يستخدمه في تكنيكه الرياضي ضد خصومه، قائلةً له: تصور أنك تحمي عائلتك الا تتحرك لحمايتهم من الخصوم. وهو ما لم يعرف اليه المدرب سبيلاً ما أثار استغرابه الشديد عندما لاحظ التغير الكلي الذي طرأ على الأداء الرياضي لمايكل الذي كان متردداً في استخدام قواه العضلية ضد الآخرين لأسبابٍ تعود الى ظروف نشأته.

قصة الفيلم مأخوذة عن قصة حقيقية بالوقائع ذاتها التي وجدت طريقها للفضاء العام بادئ ذي بدء من خلال رواية تحمل الاسم نفسه، ومع ذلك وجد البعض فيها ما يشير الى لطخة عنصرية من تلك التي ما تزال تحفل بها سينما هوليوود، فهي بكل بساطة قصة أخرى عن السيد/ة الابيض الذي يمد يد العون للبؤساء المحرومين من الأصول الافريقية. اللافت أن بطلة الفيلم (لي آن) تقول في احد مشاهد الفيلم أنها قرأت في صحيفة خبر وفاة أحد الشبان الأفارقة الذين كان متوقعاً لهم مستقبلاً رياضياً باهراً لولا أن نالت منه عصابة من العصابات المنتشرة في الحي الذي يقطن به وقطعت عليه طريق أحلامه الوردية، وهي حادثة دعتها لأن تتدخل في حياة (مايكل الضخم) على النحو الذي فعلت وأن تحاول تغيير المصير الذي قد يتهدده الى مصير أفضل وأحسن. وكأنها سلسلة من القصص الحقيقية التي تتصل وتتشابك مع بعضها البعض لتصيغ مصائر أبطالها.

لا تقف الاشارات عند هذا الحد فيما يخص 'أمريكا البيضاء' و'أمريكا السوداء' وما اعترى العلاقة بينهما من تغيير خلال السنوات الاخيرة. فمثلاً ترد (لي آن) على احدى صديقاتها التي تقول لها بأنك قد أفلحت في تغيير حياة الفتى مايكل بأن العكس ما حدث وأن مايكل هو الذي غير حياتها. وقد يكون في هذا شيء من المبالغة بعض الشيء فالفيلم أوضح بجلاء حجم التغيير الذي أحدثته السيدة البيضاء في حياة الفتى المشرد حتى لقد قلبتها قلباً من حياة فشل وتشرد وضياع الى حياة نجاح واشراق وتألق في الوقت الذي لم نشهد فيه أي تغيير على حياة السيدة لي آن سوى اجتماع أفراد عائلتها حول المائدة لتناول الطعام على نحوٍ تقليدي وتلاوة صلاة عيد الشكر بعد أن لاحظت الام التزام مايكل الطارئ على حياتهم بالجلوس على المائدة فيما أفراد أسرتها موزعين على الآرائك حاملين أطباقهم بأيديهم ومتحلقين حول التلفاز.

البعض يذهب في التأويل والتفسير في العلاقة بين الامريكيتين في الفيلم حد القول انها تأتي تجسيداً جديداً للتغيير الجذري الذي أحدثه أوباما في المشهد من خلال فوزه في الانتخابات الامريكية العام الماضي. وهاهي آن لي نفسها تكرر ما سبق وقيل في قصة وصول أوباما عندما تقول عن مايكل 'ان موهبته الحقيقية أنه ينسى' وبتعبير آخر أنه يفعل كما فعل أوباما فينسى ما تعرض له من تمييز وسوء حظ كي يصل الى بر الأمان.

قد تكون 'وصفة النسيان' هذه ناجعة بالفعل بالنسبة لأمريكا السوداء ولكن الفائدة من ورائها قد لا تتأتى بدون 'الأيادي البيضاء'. هذه على الاقل خلاصة الرسالة التي يقدمها الفيلم والذي قد لا يحمل في وجهة نظر البعض من علامات الواقعية سوى الاشارة الى كونه مستقى من قصة حقيقية ما كان سيصدقها الجميع لولا أنها لم تقع بالفعل.

أياً كان الموقف من القصة ومدى واقعيتها فان الفيلم يستحق المشاهدة على الاقل للاستمتاع بالأداء الرائع الذي أبدته بولاك من خلاله، وأظهرت فيه مخزوناً جديداً من موهبتها في التمثيل رغم اللهجة الجنوبية التي التزمت بها طوال الوقت وصبغة الشعر الأصفر التي لم نرها بها من قبل!

القدس العربي في

06/04/2010

 

ثقافات / سينما

"وقف إطلاق النار": أول فيلم ألماني عن حرب العراق

أسامة الشحماني من برلين:  

تحاول مجموعة الأفلام العالمية، التي ظهرت حتى الآن، عن الحرب الأمريكية على العراق توثيق وإثبات كون الحرب إستندت في مسوِّغاتها الدولية على أكذوبة أسلحة التدمير الشامل، ثمَّ حجم الدمار المرافق للإضطراب و التخبط، الذي إتسمت به تحركات الجيش الأمريكي في مجمل عملياته العسكرية في العراق، فضلاً عن عدم وضوح المشروع السياسي والإقتصادي، الذي من المفترض أن تقومَ على أساسه تلك القوات بإعادة إعمار البلد. على إنَّ فيلم "وقف إطلاق النار"، الذي دخل صالات العرض السويسرية مطلع هذا الشهر، لا يندرج ضمن هذه الدلالات. الفيلم يتحدث عن أولئك الناس الذين يبدون وكأنهم على إستعدادٍ دائم للمجازفة بحياتهم و التضحية من أجل ما يعتقدون أنه جديرٌ بذلك. أناسٌ ربما لا نسمعُ عنهم شيئاً، أو لا نعرف عن حياتهم وما مروا به في مسيرة بحثهم عن الحقائق سوى بعض الملاحظات الهامشية التي تكتب بحروف صغيرة وتمر على عجل في شريط أخبار، لا يحرص أغلبنا على الإنتباه لمضامينه. "وقف إطلاق النار" من أفلام الإنتاج المشترك (سويسري/ألماني). وهو من تأليف وإخراج كاتب السيناريو الألماني Lancelot von Naso، الذي تميَّز في تقديم موضوعته في هذا الفلم بالمزاوجة بين الواقعية والخيال، الجد والهزل، فنال إعجاب النقاد، وحاز على جوائز دولية عديدة، من بينها جائزة "المشاهد الذهبي" التي تنضمها مدينة زيورخ. 

"وقف إطلاق النار" فيلمٌ مشوِّق في أحداثه وصوره إذ تحكي قصته ما تتعرض له مجموعة مكونة من خمسة أشخاص، قرروا القيام برحلة من بغداد الى الفلوجة لأغراض إنسانية إبان الحرب الأمريكية على تلك المدينة، أي في شهر نيسان من العام 2004. رحلة مرهقة يتعانق فيها الواقعي بالفنتازي، يمرون فيها على أطلال طرقات وقصبات منسية مزقها الإهمال و تناهشت أوصالها تراكمات معاولُ الحروب. المجموعة إستغلت الفترة الزمنية التي قرر الجانب الأمريكي فيها وقف إطلاق النار لمدة أربع وعشرين ساعة لا غير، لإنجاز تلك المهمة، التي شرعوا بها من دون أيِّ ورقة أو تصريح رسمي يجيز لهم القيام بذلك التحرك. ولذا فهم في نهاية المطاف في درجة دون الصفر من أي ضمان على حياتهم، على إن هذا لم يكن ليثبِّط عزيمة أحدٍ منهم، لأن الثابت لديهم هو وجوب الوصول الى الفلوجة. لقد تحركوا على مسؤوليتهم ولم يكن أمامهم للقيام بتلك المغامرة، وضمان نجاح أهدافها إلا أن يشكلوا شراكة أو تضامناً وجدانياً يظهرهم وكأنهم شخصٌ واحد يتعامل بروية وحكمة مع كلِّ ما يحفُّ بالمسيرة من تهديدات وتحديات، مثَّلَ الجندي الأمريكي أكبر صورها. أفراد تلك الرحلة هم: الممرضة الهولندية كيم (Thekla Reuten) العاملة في إحدى المنظمات غير الحكومية في بغداد، والتي تريد بأيِّ شكل كان نقل إمدادات إغاثة سريعة الى الجرحى والمصابين من المدنيين في مستشفى الفلوجة. الطبيب الفرنسي ألين لاروخ (Matthias Habich)، الحريص على شرف مهنة الطب والذي يعتقد أن عليه مواصلة مهنته كطبيب على أحسن وجه، مهما كلَّف الأمر، وهو على قناعة تامة بأن نهايته ستكون في العراق. المراسل التلفزيوني الشاب أوليفر(Max von Pufendorf)، الذي يبحث عن أيِّ مناسبة ليقوم بتغطية مصورة خاصة بالقناة الإخبارية التي يعمل لحسابها، ويرى أنه الآن أمام فرصة تاريخية للإنفراد بنقل حقيقة ما يحدث في الفلوجة، تلك المنطقة الساخنة، الحافل مسرحُ أحداثها بحكايات مروعة، يمكن أن تدخله عالم النجومية و الصحافة العالمية. المصور السينمائي المحترف رالف (Hannes Jaenicke)، الذي، وعلى الرغم مما عُرف به من ولع بركوب المخاطر، لم يكن موافقاً في باديء الأمر على قرار زميله أوليفر للقيام بتلك المخاطرة، إلا إنه يوافق في نهاية الأمر ويستقل الحافلة صحبة كامرته التي أراد لها أن تعكس من وراء ضيق منافذ الحافلة سعة ملامح الرعب المهيمن على الوجوه، وعمق ما يقبض على عنق الإنسان من كوارث. الشخصية الخامسة هي سائق المركبة القديمة التي تقل هذه المجموعة من بغداد الى الفلوجة وهو حسام العراقي (Husam Chadat)، المتشبِّث بمقود حافلته برغم ما يحيط بها من تفجيرات و عصف، لا يصدق أحد من المجموعة أنه سيخرج منها على قيد الحياة.

لقد نجح المخرج فون ناسو في تقديم فيلمٍ خالٍ تماماً مما إعتادت أفلام الحروب على أن تضعه من مكونات، من قبيل (إستخبارات، عمليات عسكرية، صراع مصالح، تعاملات وعمالة خارجية.. وغيرها). وهو تناولٌ مختلف عن الأطر العامة التي طالما إحتوت مضامين البحث في صور الحروب، إذ لم يقدم مشهد الحرب بوصفه أمراً متعلقاً بوجهات نظر الجنود والمحاربين، وإنما قدَّم رؤية الحرب من منظورٍ إنساني يتجلَّى في عيون الأطباء والصحفيين وعمال الإغاثة. وحرص على أن يشكل نسيجاً متجانساً من أحداث ومعطيات غير متجانسة، تتداخل فيها مشاهد الإثارة السياسية بصور درامية غرائبية و فجائية، تسرِّبُ القلق للمتلقي وتجعله جزءاً من دائرة الإنفعال و الشد النفسي. وهنا تمكن المخرج من أن يسحبَ المتلقي الى تلك الأجواء، إذ سرعان ما يشعر المشاهد أنه أسير دائرة الحدث، أو أنه الراكب السادس المصاحب لركاب تلك الحافلة و رحلتها العجيبة من بغداد الى الفلوجة. 

والى جانب البعد الإنساني والأخلاقي الذي حمله الفيلم، هناك قصة واقعية بسيطة ومثيرة للغاية، وهي حكاية إعجاب الصحفي الشاب أوليفر بالممرضة كيم، إذ ما انفكت نظراته تحاصرها على إمتداد قسوة الرحلة وكل ما أحاط بالمجموعة من مخاطر. وربما أراد المخرج من خلال هذه الومضة العاطفية السريعة أن يرمِّز للجانب الآخر من حياة الإنسان، وأن يداخل بين الإلتزام المهني العام والطموح الشخصي الخاص، وكيفيِّات تمازجهما لإدارك الهدف والوصول الى النجاح.

a-usama1971@hotmail.com

إيلاف في

06/04/2010

 

رُمُوز الوثائقي:

المُخْرج التّونسي هشام بن عمّار

الهادي خليل 

ذَاعَ صِيتُ المُخْرج الوَثَائِقِيّ التُّونسِي هِشَام بن عمَّار بِصِفَةٍ مَلْحُوظَة سَوَاء فِي بَلَدِهِ أَوْ عَلَى المُسْتَوَيَيْن العَرَبِيّ وَالعَالَمِيّ. هُوَ من مَوَالِيد سَنَة 1958 بِتُونس العَاصِمَة، نَشَطَ فِي نَوَادِي السِّينِمَا وَدَرَّسَ تَارِيخ السِّينِمَا بِمَعْهَد الصَّحَافَة وَعُلُوم الأَخْبَار بِتُونس.

يمثّل هِشَام بن عمَّار الذّاكرة الراعية لأَنْمَاطِ الحياة الماضية، الآيلة إلى الزّوال والتي نراها تنبعث، من جديد، من رمادها، ولو بعناءٍ مُضْنٍ، مُتَصَدِّيَةً، هكذا، للهجمات المتكرّرة التي تَشُنُّهَا التّحَوُّلات العمرانيّة والتّغيّرات الذّهنيّة، والزَّحف المهيمن للصّناعات التّكنولوجيّة. هشام بن عمّار هو قريب جِدًّا من شخوصه حتّى ليَحْصُلَ لنا انْطِبَاعٌ بِأَنَّها عاشت لِمُدَّة طَوِيلة في رَحِمِ مَنَابِعِ ذَاتِهِ الحَمِيمَة، ظَلَّ يَرْعَاهَا وَيُغُدُّهَا مِنْ رُوحه وَوجْدَانِهِ وَمُخَيَّلته، مُرْتَقِبًا اللحظة السّانحة التي تُمَكِّنُهُ من الالتقاء بهذه الشّخوص في الموعد المناسب والمحفّز للّقيات الإبداعيّة.

أنجز فيلمين وثائقيّين هما "كافِي شانْطَا" وَ"رَايس الأبْحَار"، صوَّرهما تِبَاعًا، سنة 1998 وَسَنة 2000. مِنْهُمَا تَنْبَعِثُ حَفَاوَةُ الضِّيَافَة الحَارَّة بين السّينمائي وشُخُوصه وَبفضلهما نستعيد طقوس الفنّ التّقليدي التي حفلت بها أوساط مقاهي "باب سويقة"، بالأمس، وهو حيّ شعبيّ بِقلب مدينة تونس العتيقة النّابض، أو عادات وتقاليد صائدي سمك "التنّ" بالهوّاريّة وسيدي داود في الوطن القبلي التّونسي.

في شريطي "كافي شانطا" و"رايس الأبحار"، نلاحظ نُزُوعًا نحو الدقّة المتيقّظة التِي تُولي اهتمامًا كبيراً لكلّ الحركات التي يومئ بها كل من المغنّين والرّاقصين في حيّ باب سويقة، وبحّارة الهوّاريّة وسيدي داود. يستهلّ الفيلم الوثائقي الأوّل بِتَصْوِيرِ جُمْلَةٍ من المهيّئات التحضيريّة التي تسبق المشهد الفرجوي: التّجميل والطّلي بالمساحيق، عمليّة شدّ القلوس، توطيد حبال الطَّبْلَة، تَفَقُّد الإِنَارَة، التّمتّع بِتدخين سيجارة قَصْد التَّرْكِيز، تعليق المُلْصَقَات المُبَرْقَشَة اللّون الخ. لم يتسنّ لهؤُلاء الفنَّانِين فرض وجودهم إلاّ من خلال العناء الذي كابدوه ودفعوا ضريبته غاليا. ففي مشهد استأثر به الراقص المشهور "حمّادي لغبابي"، الذي يعود له الفضل في نشر الرّقص في الأوساط الرّجاليّة الشّعبيّة، نشاهده يقدّم شروحا، قولاً وحركَةً، ليذكرّنا بكلّ الجهد الذي بذله لِيُطَوِّعَ جسد الرّجال، عند المداس وعند موضع ضمور البطن ليصبح هؤلاء قادرين على أداء فنّ كُنَّا حسبناه حِكْرًا على النّساء فقط. إنّ الذي يتكلّم، هنا، ليس الفنّان فحسب وإنّما، أيضًا، البيداغوجي المُعَلّم الذي يشير إلى سرّ الحذق الماهر الدّقيق في الأداء وإلى المقادير المناسبة التي يجب التحكّم فيها بمرونة متناهية ولطف ظريف، حتّى يتجاوب التّثنّي الرّجولي مع البطء الأنثوي منسجمًا بعضه مع بعض.

في شريطي "كافي شانطا" و"رايس الأبحار"، يتجلّى الواقع على نحو من الكثافة، عامرًا، متحفّرًا. إنّ أخطر ما يهدّد الشّريط الوثائقي هو الوقوع في حبائل التّلقائيّة، ونعني به ترك الكاميرا تصوّر وتتحرّك على هواها دون ضابط يُحدّد تَوَجُّهَهَا، أو الإمعان فِي اللّقطات العريضة التي تتسبّب رُبَّمَا في إحداث الفجوة بين المصوِّرين والمُصَوَّرِين. لذا، يستوجب التّدقيق المُتْقِنُ في كيفيّة سلّم اللّقطات واختيار زوايا النّظر والمكان الذي تُوضعُ فيه الكاميرا. كما تَسْتَدْعِي عملية التّصوير التّريّث المتأنّي الصّائب حتّى يتسنّى التقاط رعشة الرّغبة، واصطياد الضّحكة العامرة بالجنون التي يفوه شذاها عبر مناظر الطّبيعة البهيجة أو من خلال تضاريس السّياق البيئي الخلاّب. ومن هذه الوجهة بالذّات، فإنّ شريط "رايس الأبحار، فيما يَقْتَرِنُ بِبِنْيَتِهِ الدّراميّة وإيقاع وتيرته والتّشذيب والتّكثيف والتّخييل الذي يميّزه، يبدو أكثر متانة وسحرا من شريط "كافي شانطا".

أَخْرَجَ هشام بن عمَّار شريطه الوَثَائِقِي الثَّالِث "شُفْت النّجُوم فِي القَايْلَة" سَنَة 2006. وَعِوَضَ أَن يَنْزَلِقَ فَنُّهُ السِّينِمَائِي فِي مَآزق الثُّنَائِيَّة المُزدوِجَة من صنف وَاقع/خَيَال، ذَاتِيَّة/ موضوعِيَّة، فهو يَسْلُكُ دَرْبًا آخر مُغايرًا، يَكتَشفُ الوَاقعَ على نَحْوٍ يصبح الواقِعُ، هو نفسُهُ، مَصْدَرَ إِلهام الخيال وثرائه ومَنْبَع الطّرفَة السَّرْدِيَّة. هذا الاختيار ينمُّ عَنْ مَسْعًى مِعْطَاء، يرفضُ التّوَجُّهَ الوَعْظِي، الإِرْشَادِي الذي يسُودُ، عَادَةً، بَيْنَ مُخْرِجِينَ سِينِمَائِيِّين يَتَقَمَّصًون دَوْر الموجّهين المُتَيَقِّظين الفطنين حَيَالَ جَمَاعَات أَوْ أفْرادٍ يَقَعُ تصويرهم وَهُمْ فِي وضع الذين يتلقّون أَوَامر وَيَمْتثلون لمشِيئَة المخرج. كَمَا أَنَّ هُنَالِكَ خِصْلَةٌ أخرى تُمَيِّز أَفْلاَمه أَلاَ وَهيَ تِلْكَ المُتَمَثِّلَة في هذا الوفاء لِمَاهِيَّة الفنّ السّينمائيّ وَأُصُوله مِثْلَمَا يَتَجَسَّدُ ذَلِكَ فِي المُوْنتَاج وَالإِيقَاع وَالتَّعَامل السّلس المشرق مَع المُصَوِّرِين.

يستحضر "شُفْت النّجُوم فِي القَايْلَة" الذِي يدُومُ الثّمانين دقيقة ذكرى نفر من الملاكمين التّونسيّين تركُوا بَصَمَاتهم الخاصّة على صفحات من هذه "الرّياضة النّبيلة"، أمثال "صالح كرّاش"، "رزقي بن صالح"، "فيكتور يونغ بيراز"، "الهادي التّيجاني"، "الصادق عمران"، "إبراهيم المحواشي"، "البشير المنُّوبي"، "الطاهر بلحسن" "الهادي بلخير"، "زَلاَبَانِي"، "فتحي الميساوي" وَغَيْرِهم. ومن خلال مَا اتَّسَمَ به مسَارُهُمْ من تقلّبات وهزّات، تُرْسَمُ صُورةُ تاريخ تونس السّياسي والاجتماعي، فيبدو معروضا على الشّاشة لتتملاّهُ أنظَارُنَا منذ سنة 1911، أي السَّنَة التِي بَرَزَ فِيهَا "صالح كراش"، أوّل ملاكم تونسي، حتّى يومنا هذا.

الجزيرة الوثائقية في

06/04/2010

جميع الحقوق محفوظة لموقع سينماتك
  (2004 - 2010)