جديد حداد

 
 
 
 

من ذاكرة السينما..

البوسطجي.. ( 2 )

 
 
 
 

مجلة

هنا البحرين

 
 
 
 
 
 

بفيلم (البوسطجي)، استطاع حسين كمال أن يحقق استخداماً متقناً للمونتاج بقيادة المونتيرة رشيدة عبدالسلام، والتي عملت معه في أغلب أفلامه فيما بعد. كذلك استفاد كثيراً من التفاصيل الصغيرة والشخصيات الثانوية، في إغناء الخط الدرامي الرئيسي وتعميقه. وحقق أيضاً توازناً موفقاً وملحوظاً بين السيطرة على أدواته الفنية والتقنية كمخرج، وبين المضمون الذي يطرحه الفيلم.

ففي بيت البوسطجي، الذي استأجره من العمدة، وكان مهجوراً في السابق.. هذا البيت كان يمثل سجن البوسطجي في القرية. فالبيت واسع جداً، إلا أن جدرانه متهدمة، والمكان مشبع بالرطوبة، مما ساهم في إحساس البوسطجي بالكآبة، وانزوائه في ركن من أركان هذا البيت الكبير. كما إن الصور الإباحية التي لصقت على الجدران، ومشهد الغازية، إضافة إلى هذا الجو القذر الذي يعيشه، كل هذه العناصر تمثل حرمانه الاجتماعي والجنسي، وتحول هذا الحرمان إلى وسيلة خاطئة للإشباع. كذلك مكتب البوسطة، بتكوينه وشباكه الحديدي، يمثل سجناً آخراً والبوسطجي سجيناً فيه.

أما مشهد الاغتصاب في برج الحمام، فيتحدث عنه حسين كمال، ويقول: (...أنا أنفذ اللقطة أو المشهد ليعطي معنى محدداً.. فمثلاً عندما قرأت مشهد البرج في السيناريو أول مرة، كنت أسمع طبولاً تدوي في المكان، وبنيت تصوري للمشهد على أساس توظيف الكاميرا والموسيقى والديكور والإكسسوار لخدمة مضمون محدد. فمع الطبول قدمت سلامة ومريم بثلاث زوايا رئيسية مختلفة، تهدف إلى تعريف المتفرج بالمكان الذي يجمع بين الحمام الأبيض رمز البراءة والطهر، في حركة متواصلة من أعلى ومن أسفل، ثم الرجل والفتاة على أرض البرج، وكان الميزانسين مرسوماً، في محاولة لعجنهم مع بعض، أو تذويبهم داخل بعض. ثم بزاوية منخفضة مع صرخة الاغتصاب، وتسكن الحركة فجأة، لتبلور موقف الرفض والإدانة...).

ثم يأتي مشهد المجلات الإباحية في مكتب البوسطة، والذي أعطى فكرة سيئة لأهالي القرية عن البوسطجي، واستغلال هذه الفكرة لتحطيم شخصيته. وبالرغم من رفضهم لما في هذه المجلات ظاهرياً، إلا أن أمنيتهم هي ما بداخلها.. هنا إبراز لذلك التناقض في شخصياتهم.

يتحدث حسين كمال عن أسلوبه السينمائي، فيقول: (...أسلوبي أستمده من العمل نفسه، آخذ المشهد وأذوب فيه، فالمشهد هو الذي يفرض عليّ الطريقة التي أنفذها به.. العمل المكتوب هو الذي يفرض ويحدد أسلوب المعالجة، حيث إنني أترك نفسي له تماماً...).

عندما أراد حسين كمال إخراج فيلم (البوسطجي)، سافر إلى أسيوط وأقام ثلاثة أسابيع هناك، إضافة إلى ذهابه إلى قرية النحيلة، والتي تبعد ساعة ونصف عن أسيوط، يراقب ويتعايش مع جو الفيلم قبل البدء في الإخراج. فقد كان حسين كمال شديد الحرص على إظهار القرية بشكل واقعي صادق، ومختلف عن الشكل الذي ظهرت فيه فيما سبق من أفلام قدمتها السينما المصرية. كذلك استطاعت شخصيات الفيلم أن تقنعنا بمصداقيتها وذوبانها في هذا الواقع، وكانت موازية لكافة العناصر الفنية الأخرى.

هنا.. ليس بوسعنا إلا التأكيد على أن حسين كمال في فيلمه (البوسطجي)، استطاع أن يحطم بعض قيود السينما التقليدية ـ في الستينيات من القرن الماضي، وتقديم شكل فني وسينمائي جديد ومغاير، قد وضعه في مصاف المخرجين المجددين آنذاك.

 

هنا البحرين في

22.12.2010

 
 
 
 
 
 

جميع الحقوق محفوظة لموقع سينماتك
  (2004 - 2018)