Our Logo

  ما كـتـبـتـهأفلامدراساتروادنجومترجماتبرامج 

نشر هذا المقال في مجلة هنا البحرين في 9 ديسمبر 1992

سعيد مرزوق

إنقاذ ما يمكن إنقاذه

إنتاج عام

1983

بطاقة الفيلم

مديحة كامل + ميرفت أمين + حسين فهمي + محمود ياسين + دلال عبد العزيز + توفيق الدقن

سيناريو وحوار: سعيد مرزوق ـ قصة: سعيد مرزوق, إبراهيم الجرواني ـ تصوير: محسن نصر ـ مناظر: ماهر عبد النور ـ مونتاج: فكري رستم ـ إنتاج: الأنوار المصرية

عن للفيلم

شاهد مقطع من الفيلم

استمع للحوار/ الموسيقى
أكتب رأيك عن الفيلم
إقرأ آراء الآخرين

حول الموقع

رؤية نقدية

عندما عرض فيلم (إنقاذ ما يمكن إنقاذه) عام 1983 ، كان قد جلب معه أكبر ضجة رقابية تعرض لها فيلم سينمائي في تاريخ السينما المصرية . الفيلم من بطولة محمود ياسين وميرفت أمين وحسين فهمي ، ومن إخراج سعيد مرزوق .
لقد أصبح مقدراً للمخرج سعيد مرزوق ـ دون قصد طبعاً ـ ان يقوم بفضح ذلك المستوى العقلي والفكري المحدود الذي وصلت إليه الرقابة المصرية ، والتنبيه الى جوانب إدارية سلبية عديدة في هذا الجهاز الخطير . فتجربة سعيد مرزوق مع الرقابة في فيلميه (الخوف ، المذنبون ، إنقاذ ما يمكن إنقاذه) ، ليس إلا دليل على قولنا هذا .
فبعد العرض الخاص لفيلم (إنقاذ ما يمكن إنقاذه) ، أعلن النقاد ـ في قاعة العرض وفي الصحافة فيما بعد ـ سخطهم علي الفيلم وصانعوه وطالبوا بمنع عرضه ومحاكمتهم ، كما طالبوا بتدخل اللجنة العليا للرقابة وإعادة النظر في عرض هذا الفيلم جماهيرياً . علماً بان المخرج والمنتج قد حصلا على كل الموافقات القانونية المسبقة على السيناريو وتعديلاته ومن ثم الموافقة على عرضه الجماهيري .
وأمام هذا الهجوم الشرس على الفيلم ، ما كان من الرقابة ومن وزير الثقافة شخصياً إلا إعادة النظر مرة أخرى في تصريح الاجازة للفيلم بالعرض . وبدأت رحلة مريرة للفيلم ، بتنقله بين ردهات الرقابة واللجنة العليا للرقابة ولجنة التظلمات . وإستمرت هذه الرحلة ما يقارب الثلاث سنوات ، وهي الفترة ما بين إنتاج الفيلم والسماح له بالعرض الجماهيري .
ان قضية فيلم (إنقاذ ما يمكن إنقاذه) الرقابية ، هي بمثابة تجسيد صارخ عن مدى الاجحاف والظلم الذي يتعرض له الفنان والمبدع ، والذي يضطره إبداعه للتعامل مع هذه التناقضات الفكرية والادارية الشكلية .
فهذا الفيلم الذي كتب له السيناريو والحوار المخرج نفسه ، يطرح نماذج كثيرة للفساد والانحراف ، كما يطرح فكره السياسي والاجتماعي المتعلق بالواقع الاقتصادي وإفرازاته . وهو بذلك يفترض إنهيار القيم الاخلاقية وسيطرة رجال الانفتاح على مجريات الامور . وهو بذلك يدعو لمحاربة هذا الفساد رتدارك الامر وإنقاذ ما يمكن إنقاذه قبل فوات الاوان . وهذا بالطبع هدف إيجابي قدمه سعيد مرزوق . كما ان أسلوبه الفني الذي إختاره لتجسيد ذلك هو أسلوب علمي كأحد مناهج الفن السينمائي ، وهو تعرية السلبيات والتنبؤ بالاخطار التي تهدد كيان المجتمع . وهذا ايضاً من حقه كفنان يقدم وجهة نظره فيما يدور من حوله . وعلينا نحن كمتلقين إحترام وجهة النظر هذه حتى لو إختلفنا معها . فمجمل الاتهامات التي وجهت للمخرج وفيلمه هذا والتي مفادها بان الفيلم يسيء الى مصر والى الثورة ، جميعها إتهامات باطلة . فسعيد مرزوق قد أوضح موقفه وأكد على عدم التعميم ، حيث جاء ذلك على لسان إحدى شخصياته في الفيلم . ثم ان مقولة (الاساءة الى مصر) أصبحت متداولة كثيراً في تلك الفترة ، بل وأتخذت كسلاح فكري وإرهابي إستخدمه التعض لمحاربة المختلفين معهم في وجهة النظر .
بعد هذا الحديث الطويل عن الرقابة ، نأتي لنناقش سعيد مرزوق وفيلمه نقاشاً فنياً ، بعيداً عن كل ما هو خارج هذا الإطار ، مع ملاحضتنا بان غالبية المقالات التي نشرت عن الفيلم ، لم تتخذ أسلوب النقد الفني ، بل إهتمت بما يطرحه الفيلم من فكرة وموضوع ، بينهم من هاجم وبينهم من دافع عن الفيلم ومخرجه .
والفيلم بشكل عام ، إتصف بالمباشرة في الطرح السياسي والفكري ، كما انه جاء مشحوناً بالحوار الكثيف ، مما أضعف من لغة الصورة السينمائية . فالفيلم يعلن منذ أول مشاهده ، وبشكل مباشر ، عن مضنونه وإتجاهه السياسي ، هذا إضافة الى الشكل السينمائي التقليدي ، حيث لم يقدم السيناريو أي جديد ، لا علي مستوى اللغة والتعبير السينمائي ولا حتي علي مستوى المضمون .
لقد إعتمد سعيد مرزوق علي نفس الاسلوب الذي قدمه من قبل في فيلمه (المذنبون) . أي انه في فيلمه (إنقاذ ما يمكن إنقاذه) قدم ايضاً ما يشبه الريبورتاج المصور ، وذلك باستعراضه لما يراه هو من سلوكيات وأخلاقيات صاحبت مرحلة الانفتاح ، والتي شاهدناها في افلام مصرية كثيرة ، علماً بان مرزوق هنا قدمها بشكل أكثر جرأة ، محاولاً إلباس الفيلم ثوباً سياسياً فضفاضاً ليميزه عن تلك الافلام .
إحتوى الفيلم علي مشاهد لم تمثل أية إضافة ضرورية لمضمون الفيلم ، بل وساهمت ايضاً في ضعف السيناريو والتمطيط فيه .. مثل مشهد (الفلاش باك) الذي يصور الباشا وهو يطبب المتظاهرين في قصره .. كذلك مشهد حلقات الذكر التي إشترك فيها حسين فهمي وميرفت أمين .. ايضاً هناك مشهد الحب التخيلي بينهما ، الذي جاء على الارجح كضرورة إنتاجية تجارية في المقام الاول هذا بالرغم من انه نفذ بشكل متقن وبارع ، محملاً بايحاء جنسي مثير غير مبتذل .. هذا إضافة الى مشهد (الفلاش باك) الذي يظهر شخصيات الفيلم أيام زمان وهم في القارب ، فقد كان مطولاً لدرجة الملل ، بالرغم من الجهد الفني المبذول من المخرج في تنفيذه ، حيث جعل مرزوق الكاميرا تدور حول القارب لتكشف عما بداخله من وراء الملايات .. أما مشهد القبض على مسببي الفساد ، فقد إحتوى على الكثير من المبالغة في الاداء وحشره بمواقف وحوار كوميدي ، مما أضعف المشهد وجرده من إيحاءاته الاساسية الجادة ، مع ملاحظة ان سعيد مرزوق إستخدم شخصية سمير غانم الهزلية في محاولة منه إضفاء طابع كوميدي ترفيهي إعتقد بانه مرغوب من المتفرج .
ان سعيد مرزوق عندما أراد كتابة هذا الفيلم ، حاول تلافي الانتقادات التي وجهت لفيلمه (المذنبون) وهي عدم توضيح أسباب الفساد وكيفية مواجهته .. لذلك نراه في فيلمه التالي يدين الفساد ويحذر من الآثار التي ستترتب عليه ، بل ويدعو في النهاية الى مواجهته . إلا ان هذا قد أضر كثيراً بالفيلم ولم يفده ، باعتبار ان الفن بشكل عام ليس مطلوباً منه تقديم حلول ، وإنما التنبيه الى السلبيات والمشكلات .
لذلك جاءت نهاية الفيلم مباشرة ، عندما سيطرت السلطة الامنية على مجريات الامور وألقت القبض على شلة المنحرفين . لقد أراد سعيد مرزوق ان يطرح الحلول لكل تلك الانحرافات ، ولكنه لم يوفق في ذلك فنياً ، فلو انه إتخذ من التحليل الفكري السياسي والاجتماعي عوناً في محاربته لمسببي الفساد ، لاستطاع الابتعاد عن تلك النهاية المباشرة والتقليدية التي شاهدناها كثيراً في افلام الانفتاح وما قبلها .
وبالرغم من كل هذه السلبيات ، إلا ان هناك عناصر سينمائية اخرى إستفاد منها سعيد مرزوق في فيلمه هذا ووفق في إستخدامها .. فقد كان للمونتاج دور كبير في إضفاء نوع من التشويق والحركة على الفيلم .. كذلك التصوير حيث كانت حركة الكاميرا متميزة بل ومبهرة في أحيان كثيرة ، وتمتاز بالحيوية والخفة والتلقائية ، وذلك أثناء حركتها في المطار وتجوالها في القصر وإنسيابها بين زوايا مركز الشرطة ودهاليز المحافظة ، فقد كشفت بشكل خاطف وموح ، عن بعض مشاكل المواطنين مع الروتين وإنتشار الواسطة . كما ان مرزوق قد وفق الى حد كبير في جعله من مشهد الاغتصاب الاخير دعوة للمواطنين بالمشاركة في التخلص من الفساد ، وذلك بتجسيد هذا المشهد من خلال مكبر الصوت . فليس من الطبيعي ان يقف أي مواطن مكتوف الايدي أمام موقف مثير كهذا ، تمثل في صرخات الاستجداء والنجدة التي تطلقها ميرفت أمين من خلال مكبر الصوت . كما ان هذا قد فات على الدين وصفوا الفيلم بانه يدعو الى الثورة والارهاب ، بتدخل المواطنين بالعصي في النهاية .
يبفى ان نقول بان سعيد مرزوق بفيلمه هذا قد نجح في تقديم فيلم تجاري جاد ، إستطاع من خلاله الجمع بين الكوميديا والرقص والحشيش ، إضافة الى النقد الاجتماعي . في محاولة منه لتقديم توابل السينما التجارية ، وإعطاء صفة جماهيرية للفيلم وضمان نجاحه تجارياً .

 

جميع الحقوق محفوظة لموقع سينماتك
  (2004 - 2009)