|
فقد
بدأ شادي بكتابة فيلمه ( المومياء ) ، يدفعه إحساس قوي بالرغبة في تقديم
ماهو جديد وجاد ، دون النظر الى إمكانية تنفيذه أو عدمها . وإستغرق في
كتابة السيناريو عاماً ونصف العام ، تاركاً ورائه كل شيء لا يتعلق
بالمومياء . كان صادقاً مع نفسه منذ البداية ، حيث كان يعيش أزمة مالية
قاسية ، بالرغم من العروض الكثيرة التي كانت تعرض عليه لتصميم وتنفيذ
الديكور ، والتي كنت ذات أجور مغرية ، إلا أنه وجد نفسه غير قادر على عمل
أي شيء غير المومياء ، وشعر بأنه سيكذب عليهم وعلى نفسه لو قبل بالعمل فيها
.
بعد إنتهائه من كتابة المومياء ، بدأ شادي بالبحث عن طريقة لتنفيذه ، وقتها
كان يعمل مع روسيلليني ، فعرض عليه السيناريو ، وبعد أن قرأه روسيلليني لم
يصدق بأن هذا السيناريو يبحث عمن ينفذه . فأخذه فوراً الى وزير الثقافة
المصري ، وكان ذلك بمثابة تزكية وإعتراف صادق من مخرج عالمي كبير ، بأهمية
الفيلم وأهمية تنفيذه ، لذلك دخل السيناريو ضمن مشاريع مؤسسة السينما .
لقد كانت مرحلة تنفيذ فيلم ( المومياء ) تجربة صعبة ، مع مخرج صعب يحمل
فكراً وأسلوباً مختلفين . وتكمن تلك الصعوبة في أنه إستخدم الكاميرا التي
تفكر ، فالكاميرا عند شادي لا تنقل الملامح فقط ، وإنما تربط عناصر التمثيل
والأداء الصوتي بكادرات فكرية تُوظَف داخل بناء الفيلم بشكل كامل . فدراسته
للعمارة منحته القدرة على البناء ، بناء الفيلم بكامله ، فهو يقتصد ويستفيد
من كل العناصر المكونة للمشهد ، وأن يكون لكل عنصر شخصية مميزة ، ووظيفة
تتمشى مع بقية المشاهد ، وذلك حتى يصبح العمل في النهاية قطعة من المعمار
الحيّ ، له روحه الخاصة ، ويتدفق بالحياة .
إن كل لقطة ، كما يقول شادي ، محددة ومرقمة في السيناريو ، وباستطاعته ـ
أيضاً ـ أن يحدد عدد لقطات الفيلم منذ البداية وقبل التصوير ، لأنه لا يؤمن
بالإرتجال أثناء التصوير في الفيلم الروائي ... أذهب لوحدي الى أماكن
التصوير ، وأصورها بالفوتوغرافيا ، حتى يصبح كل شيء واضح تماماً في ذهني
... . كذلك ، فهو يحدد على السيناريو الوقت الذي يتم فيه التصوير بالنسبة
للمواقع الطبيعية ، إنه لا يحدد رقم العدسة للمصور ، وإنما يخبره بما يريد
ويترك له تحديد الرقم المناسب للعدسة . فشادي فنان يؤمن بالتخصص كلٍ في
مجاله . فقد إستعان بالكاتب علاء الديب لصياغة كل حوار المومياء ، فالصياغة
الأدبية للحوار عنده ـ كما يقول ـ غير مكتملة وضعيفة . ولكي تظهر الصورة
كما يريدها أو كما يتصورها ، يلتقي شادي مع مدير التصوير عبدالعزيز فهمي في
جلسات طويلة ، يناقشه ويشرح له ويعيد عليه حكاية الموضوع كما يشعر به ،
فالمسألة بالنسبة لشادي ليست مجرد حكاية الفيلم أو ما يقوله ، إنما المهم
إحساس المصور بالأشياء.. فعن إستخدامه للألوان ، يتحدث شادي عبدالسلام ،
فيقول : ... أهمية اللون أن يظهر عندما أحتاج إليه ، وأنا لا أحتاج إليه
أكثر من مرتين أو ثلاث في الفيلم ... . فصحيح بأن شادي قد صور المومياء
بالألوان الطبيعية ، إلا أنه كان حريصاً على إعطاء اللون دلالته الدرامية ،
وإلا فلاداعي لإظهاره . فمثلاً في أحد المشاهد ، يستخدم فيه الأبيض والأسود
فقط للمشهد بكامله ، فيما عدا لقطة واحدة يظهر فيها لون محدد ، فالمشهد
يظهر جنازة الأب ، وكل القبيلة ترتدي الزي الالأسود في مقابل اللون الفاتح
للجبل .. يقول شادي : ...النقطة السيكولوجية عندي في هذا المشهد هي إرتباط
الشاب بأبيه الذي لم نره ، وبالتالي لم نتعرف على مشاعر الإبن نحوه ، وليس
هناك حوار يدل على هذه المشاعر ، فالمشهد كله صامت ، إنما هناك اللحظة التي
تصور وجه الإبن ورأسه ينحني حزناً على قبر أبيه ، فنرى الأرض من وجهة نظره
مغطاة باللون البنفسجي ، وهو لون الورد المفروش على القبر ، وعن طريق هذا
اللون وحده ، أردت أن أعبر عن العاطفة التي تربط بين الإبن وأبيه ... . إن
هكذا تصور ، ليس إلا دليلاً على إن شادي عبدالسلام يتمتع بحس سينمائي ذو
شاعرية شفافة وعميقة في نفس الوقت ، ولا يفكر بهذه الطريقة ، في تنفيذ مشهد
واحد ، إلا مخرج متمكن من تقنياته الفنية وأدواته السينمائية .
لقد صورت أغلب مشاهد المومياء خارج الأستوديو ، وهذا يعني بأن المخرج لن
يستطيع أن يلون الأرض والجبال والآثار على مزاجه ، لذلك إستفاد شادي من
الشمس ودورتها التي تلون الطبيعة ، فقد كان يصور في الصباح مشاهد الصباح ،
وفي الظهر والليل كذلك . وكانت دورة الشمس اليومية هي التي تحكم عمله ،
وعلى أساس حركتها تم وضع جدول العمل ، حى تتحقق وحدة اللون المطلوبة للفيلم
. كانت هناك ـ أيضاً ـ صعوبة التصوير في الليل بالنسبة للمشهد الأخير ، وهم
ينقلون التوابيت من بطن الجبل الى النهر ، فقد كان من الصعب تصويره في
الليل ، وذلك لأن الطبقة الحساسة على الشريط لن تسمح بظهور شيء ، لعدم توفر
الضوء ، وكان شادي حريص كل الحرص على عدم إستخدام إضاءة صناعية ، فهي ترمي
ظلالاً على الأرض ، وهو لا يريد في هذا الفيلم الرحساس بالكهرباء إطلاقاً .
لذلك إتفق مع مدير التصوير على تنفيذ هذا المشهد خلال وقت محدد وضيق جداً ،
وهو لحظة ما بعد الغروب مباشرة ، حيث يختفي قرص الشمس وتبقى أشعته في
السماء ، يبقى ضوء الشمس لكن دون إحمراره . ويصر شادي على التصوير في هذا
الوقت بالذات ، لإن الطبيعة في الأقصر ـ كما يقول ـ في هذا الوقت ، تلون
الجبال باللون البنفسجي الماءل الى الإحمرار . إن هذا المشهد يمتد عرضه على
الشاشة إثنتي عشرة دقيقة فقط ، ويتكون من ثماني وعشرون لقطة ، ولم يكن من
الممكن أن يتم تصوير هذا العدد من اللقطات دفعة واحدة أو في يوم واحد من
تلك اللحظة المحددة ، إذاً ماذا فعل هذا المخرج العبقري ؟ لقد صور في كل
يوم لقطة واحدة فقط من هذا المشهد ، وبالتالي إستغرق تصوير هذا المشهد
ثمانية وعشرون يوماً ، وذلك حتى يحتفظ المخرج باللون الواحد للمشهد كله .
إن هذه الدقة وقوة الملاحظة لا تصدر إلا من مخرج حساس وغير عادي ، فأي مخرج
عادي قد يصور فيلماً كاملاً مدته ساعتان في ثمانية وعشرون يوماً ، وليس
مشهداً مدته إثنتي عشرة دقيقة .. حقاً إن شادي عبدالسلام لمخرج عبقري .
بعد إنجاز الفيلم مباشرة ، وقبل عرضه على جماهيرياً ، عرض بشكل خاص على
النقاد والمهتمين بالسينما ، فقوبل بعاصفة من النقد بين التأييد والمعارضة
، وأمام هذه العاصفة كان من الممكن أن ينهار صاحب ( المومياء ) ، لولا وجود
النقد المخلص الذي وقف الى جانبه ورد الثقة الي نفسه ومنحه إحساساً بأن
جهده لتقديم شيء جديد لم يذهب هباءً ، فقد كان يريد أن يعرف هل هو على خطأ
أم على صواب في أول تجربة إخراجية له . ولم يقتصر دور النقاد في تحقيق
توازنه النفسي فحسب ، بل كان لهم الفضل ـ أيضاً ـ في توجيه نظر الآخرين الى
الفيلم ، وإكتشاف قيمه الجديدة .
بعدها خرج فيلم ( المومياء ) الى المهرجانات السينمائية الدولية ، ليحصل
على عدة جوائز .. فقد حصد أربع جوائز عالمية وسبع شهادات تقديرية من سبع
مهرجانات ، وكان أهمها جائزة جورج سادول الفرنسية عام 1970 .
يرى البعض من السينمائيين ، بأن شادي عبدالسلام يهتم بالشكل على حساب
المضمون ، بمعنى إن إهتمامه وتركيزه على القضايا الحرفية السينمائية يجعل
المضمون في مرحلة تالية ، وهذا غير صحيح ، فاهتمامه الحرفي يخدم ـ أساساً ـ
القضية التي يريد أن يعبر عنها ، باعتبار أن الشكل له الدور الهام والفعال
في تطور المضمون . ويقول شادي في هذا الصدد: (...أنا مؤمن بأن للسينما لغة
خاصة بها ، وهي لا تعتمد على الكلمة المنطوقة ، وإنما على الصورة
السينمائية التي تخدم الإطار العام للفيلم ، والحرفية بالنسبة للمخرج هي
آخر شيء يفكر فيه ، بل من الكريه أن يكون المخرج مجرد حرفي فقط ، لا بد أن
يكون للمخرج وجهة نظر ورأي يلتزم به ، حرفة المخرج تماثل معرفتي لاستخدام
القلم...).
إن الفكرة عند شادي عبدالسلام هي الفيلم كله ، والفيلم هو الفكرة . فنحن في
(المومياء) لن نجد لقطة أو مشهد أو حدث يمكنه أن يعبر عن فكرة الفيلم ،
فالفكرة تجري في شريين الفيلم بأكمله . |