Our Logo

  ما كـتـبـتـهأفلامدراساتروادنجومترجماتبرامج 

نشر هذا المقال في مجلة هنا البحرين في 4 ديسمبر 1991

علي بدرخان

الكرنك

إنتاج عام

1975

بطاقة الفيلم

سعاد حسني + نور الشريف + كمال الشناوي + محمد صبحي + شويكار + أحمد بدير + عماد حمدي + يونس شلبي

سيناريو وحوار: ممدوح الليثي ـ قصة: نجيب محفوظ ـ تصوير: محسن نصر ـ مناظر: ماهر عبد النور ـ موسيقى: جمال سلامة ـ مونتاج: سعيد الشيخ ـ إنتاج: ممدوح الليثي

عن للفيلم

شاهد مقطع من الفيلم

شاهد مقطع آخر من الفيلم

أكتب رأيك عن الفيلم
إقرأ آراء الآخرين

حول الموقع

رؤية نقدية

يأتي الفيلم الثاني لعلي بدرخان (الكرنك ـ 1975)، ليؤسس مع أفلام (على من نطلق الرصاص ـ العصفور ـ زائر الفجر) ما يسمى بالسينما السياسية . ولو كان فيلم (الكرنك) هو أكثرها جرأة ، وذلك بإستعراضه بشكل واضح وصريح جداً للنظام السياسي في إستخدامه لكل أدوات القهر والتنكيل ، ضد كل من يخالفه في الفكر والرأي السياسي ، أو حتى ضد إثنين متحابين ليدمرهما لدرجة التخريب ، ويفسد العلاقات الإنسانية الجميلة فيما بينهما.
ولا يخفى على الجميع ، في أن فيلم (الكرنك) قد صحبته ضجة كبيرة في الوسط الفني والصحافة ، وحتى على المستوى الجماهيري ، وذلك لأن الجميع إعتبره تأريخاً لفترة سياسية ، تعتبر من أهم فترات التاريخ السياسي المصري ( وهي الفترة التي إمتدت منذ الهزيمة في 1967 وحتى حرب أكتوبر 1973) ، مروراً بحركة التصحيح في 15 مايو 1971) وإعتبره البعض تشويهاً لثورة يوليو 1953 وقائدها عبد الناصر ، بل هجوماً على مراكز القوى في تلك الفترة ، وتملقاً لحركة التصحيح التي قادها الرئيس السادات .
إلا أن بدرخان يدافع عن فيلمه هذا ، فيقول: (...توقيت عرض الفيلم بعد وفاة عبد الناصر هو الذي أعطى إنطباعاً بأن المقصود منه مهاجمة المرحلة الناصرية ، وهذا غير صحيح . فالمقصود من الفيلم كشف بعض الممارسات التي كانت تصدر من بعض الأشخاص المتسترين برداء النظام ، والتي إستهدفت كرامة الإنسان وتحطيم معنوياته . وهذه الممارسات موجودة في أي نظام وفي كل زمان...).
بدأت فكرة (الكرنك) عند بدرخان ، بعد قراءته للقصة التي كتبها نجيب محفوظ ونشرتها الصحافة . بعدها قرأ بأن الكاتب ممدوح الليثي قد إشترى القصة وسينتجها سينمائياً . فما كان من بدرخان إلا أن إتصل بالليثي وقال له: (...أنا نفسي أخرج الكرنك ، ومن غير فلوس أبداً!!...). وهذا بالطبع دليلاً على إقتناع بدرخان بالقصة وأهميتها . وبهذا يكون بدرخان قد خطى خطوة في طريق السينما السياسية.
يبدأ فيلم (الكرنك) وينتهي بحرب أكتوبر ، وهو إقحام مفتعل ـ إن كان من الناحية الدرامية أو حتى الفكرية .ولا يعني هذا سوى الإستغلال التجاري والتملق . فمن الملاحظ بأن السينما المصرية في تلك الموحلة قد إتخذت من حرب أكتوبر ديكوراً جديداً للأفلام التجارية ، مثلما كانت السينما في الخمسينات والستينات تتملق ثورة يوليو ، وذلك بأن تجعل من الثورة نهاية سعيدة للفيلم . وربما كان هذا إرضاءً للنظام الحاكم وللرقابة ، مما يعطي للفيلم إمتيازات كثيرة أهمها الحصول على أولوية العرض . أما بالنسبة لفيلم (الكرنك) فمن هذه البداية والنهاية نستنتج بأنه يقول بأن غياب الحرية والقانون وسيطرة الإرهاب والقمع يؤدي الى الهزيمة ، وعودة الحرية وسيادة القانون يؤدي الى النصر . وهذا بحد ذاته قد أوقع الفيلم في خطأ فكري كبير ورؤية ساذجة ، على حساب الرؤية الموضوعية للواقع والتاريخ . فالحديث عن الهزائم والإنتصارات لا يكون هكذا.
عموماً.. نتابع فيلمنا مابين هذه البداية والنهاية. فمن خلال (فلاش باك) يستمر طوال الفيلم ، نشاهد ثلاث شخصيات ، إسماعيل الشيخ (نور الشريف) و زينب دياب (سعاد حسني) و حلمي حمادة (محمد صبحي) ، وهم زملاء في كلية الطب ، ثلاثة من أبناء الشعب الكادحين ، ينتمون الى جيل الثورة ويؤمنون بها . إسماعيل وزينب تربطهما علاقة حب قوية صادقة ، ويعيشان في وضع معيشي بسيط يجعلهما يدافعان عن الثورة وإنجازاتها التي إستفادا منها كثيراً ، مثل مجانية التعليم وغيرها . إلا أنه يتم إعتقالهما لمجرد أنهما قالا رأياً صريحاً وواقعياً في توزيع القماش ( الذي يكتبون عليه الشعارات السياسية ) على الفلاحين الذين لا يعرفون القراءة ، حيث أن هذا أنفع لهم . ويقف الثلاثة أمام خالد صفوان (كمال الشناوي) مدير المخابرات ، مرة بتهمة الإنتماء الى الإخوان المسلمين ومرة بتهمة الإنتماء للشيوعيين . وتكون نتيجة تجربتهم في المعتقل سيطرة الخوف واليأس والإنهاك على إسماعيل وزينب ، وفقدانهما للقدرة على الفعل والتفكير ، وذلك نتيجة تعرضهم للتعذيب النفسي والجسدي . فزينب تفقد عذريتها في المعتقل ، وإسماعيل بمحاولته منع حدوث ذلك يعترف على نفسه وعلى زميله حلمي بأشياء ملفقة . أما حلمي فيتحول الى العمل السياسي السري بإعتباره واعياً للتناقضات المحيطة به ، نتيجة لما عاناه داخل المعتقل وفتح عينيه على أشياء كانت غائبه عنه ، وبالتالي يقتل هناك أثناء إعتقاله الثالث تحت أيدي زبانية خالد صفوان . وبذلك يصبح الزملاء الثلاثة ضحية لممارسات متسترة برداء النظام ، إستهدفت كرامة الإنسان فيهم ، وأفسدت العلاقات الإنسانية فيما بينهم.
من خلال الفلاش باك الطويل هذا ، يقدم بدرخان فيلماً متميزاً وكبيراً يعتبر علامة بارزة في مسيرة السينما المصرية .. لولا أنه قد إحتوى على مغالطات تاريخية ، قد أضرت بالفيلم كثيراً ، كانت الرقابة ونظام الحكم آنذاك ورائها ، وذلك لتعزيز ذلك الحكم وحركته التصحيحية تلك . وقد أعلن بدرخان ذلك فعلاً ، ولكن بعد عشر سنوات من ذلك التاريخ . وبهذا يكون بدرخان قد برأ نفسه من تهمة تملق النظام ، حيث أعلن بأن رئاسة الجمهورية قد تدخلت مباشرة في الفيلم ، ليظهر بهذه الصورة . ولكن بالرغم من هذه المغالطات التاريخية والساسية في (الكرنك) ، إلا أن بدرخان في فيلمه هذا كان يحدثنا عن الثورة والإرهاب حديثاً صريحاً وجاداً وواقعياً ، إستطاع من خلاله إدانة الإرهاب والقمع بجميع أشكاله في أي زمان ومكان.
ويبقى أن نقف وقفة تأملية لما قدمه هذا المخرج من لمحات إبداعية ومميزات فنية ، جعلت من الفيلم علامة بارزة ومهمة ، بغض النظر عن موضوعه الجريء والصريح.
ففي (الكرنك) يوفق بدرخان في إختيار ممثليه الى حد كبير ، فسعاد حسني ونور الشريف وكمال الشناوي كانوا في قمة أدائهم ، بل وتعتبر أدوارهم في هذا الفيلم من بين أهم أدوارهم على مدى تاريخهم الفني بأكمله . أما بقية العناصر الفنية الأخرى ، من تصوير ومونتاج وموسيقى وغيرها ، فهي لم تتجاوز الدور الوظيفي الى الدور التعبيري ، إلا في مشاهد قليلة . وذلك لإعتماد الفيلم ـ بشكل واضح ـ على الحوار الكثيف والساخن والمتدفق ، والذي ساهم الى حد كبير في الإضعاف من لغة الصورة السينمائية ووظيفتها التعبيرية . فمثلاً نجد بدرخان ينجح في إستخدام الإضاءة والمونتاج في مشاهد ، مثل مشهد الإعتقال الأول للثلاثة ، وكان للإضاءة دوراً هاماً في خلق الجو المناسب لزوار الفجر في البيوت والحارة . كما أنه يثبت مقدرته في شحن المتفرج بالغضب وإدانة القهر والإرهاب ، وذلك من خلال مشهد قوي وغير مباشر لإسماعيل وزينب وهما يتمشيان في الشوارع ليلاً ، وقد تحتم عليهما التبليغ عن صديقهما حلمي وعن الإجتماع السري الذي عقد في منزله . ثم المشهد الذي يليه في بيت زميلهما الفنان ، ذلك المشهد الذي تستسلم فيه زينب لحبيبها في الفراش ، ليكتشف المأساة في تضحيته داخل المعتقل ، ويصدم بتلك الخدعة الكبرى . هنا ينجح بدرخان في تجسيد كل تلك الأحاسيس والمشاعر ، بمساعدة الإضاءة الدرامية المعبرة والمونتاج الخلاق ، بالإضافة لإستغلالة لإمكانيات الديكور . أما المونتير سعيد الشيخ ، قيوفق الى حد كبير في ضبط التصاعد الدرامي في اللقطات بين وجه زينب وبين ورقة ملقاة في الشارع تتقاذفها السيارات المسرعة عند محاولة إنتحارها . وفي نفس الوقت لم يحقق الشيخ نفس المستوى الفني في مشهد مقتل حلمي ، حيث فشل في تحقيق التقطيع المناسب وإستخدام الأحجام المناسبة للقطات ، مما أدى الى هبوط مستوى هذا المشهد.
أما من ناحية الكتابة الدرامية (السيناريو) فنلاحظ مدى إلحاح النظرة التجارية لدى ممدوح الليثي وعلي بدرخان ، أو حتى نية التخفيف من مأساوية الأحداث ، والتي دفعتهما لحشر مواقف وأحداث بقصد الإضحاك والتقليل من صدمة المتفرج ، متجاهلين بأن ذلك قد يهدد بإختلال البناء الدرامي في فيلم يناقش الثورة والإرهاب . وهذا بالطبع لا ينفي من أن السيناريو قد إهتم بشكل خاص على إستعراض التفاصيل الدقيقة في تجسيد أدوات وطرق التعذيب ، من جلد وصلب وتعذيب بالكهرباء ، حتى يصل الإمتهان الإنساني ذروته في مشهد إغتصاب زينب ، وهو مشهد قوي ومؤثر ومتقن ، يحقق فيه بدرخان مستوى جيد في الإخراج.
وبالرغم من بعض السلبيات التي سجلناها عن هذا الفيلم ، إلا أنه يظل واحداً من بين الأفلام الهامة والجادة ، وذلك لتبنيه قضية حساسة في الواقع الإجتماعي والسياسي ، ونجاحه في كسب تعاطف المتفرج مع قضيته هذه.

 

جميع الحقوق محفوظة لموقع سينماتك
  (2004 - 2009)