تعرف على صاحب "سينماتك"  وعلى كل ما كتبه في السينما

Our Logo

  حول الموقعخارطة الموقعجديد الموقعما كـتـبـتـهسينما الدنيااشتعال الحوارأرشيف الموقعسجل الزوار 

إخرسى.. يا شهرزاد

كتبت : هناء فتحي

لم أتخلص بعد من تلك اللخبطة التى طوقنى بها- شهرزاد الفيلم.. إلا أن- «شهرزاد»- الحكايا لايزال طوقها الساحر يشدنى معه إلى بلاد خرافية بعيدة وقصية. حين شرع وحيد حامد فى كتابة فيلمه «احكى يا شهر زاد» كان قد قرر أن يعتمد بشكل واضح على كتاب ألف ليلة وليلة خاصة الحكاية الأهم «الحمَّال والتلات بنات»، تلك الحكاية التى ناقشت زنى المحارم.. وهى نفس الحكاية التى حدثت وتحدث حتى الآن.

خرج أفيش الفيلم حاملاً عنوانه بالعامية وليس بالفصحى: «احكى يا شهرزاد».. والصح هو «احكِ يا شهرزاد»، إلا أن الكاتب قد أوحى لنا بأنه استعار لغة الكتاب المكتوبة بالعامية.

وبالرغم من كل ذلك فإن شهرزاد الفيلم ليست هى شهرزاد الرواية.. حتى لو خرج علينا أصحاب الفيلم ليعترفوا بأنهم فعلاً لم يقدموا شهرزاد الحكايا.. إلا أنهم حاولوا وتمنوا. ليست هناك شخصية واحدة فى الفيلم اسمها شهرزاد ولا حتى منى زكى بطلة الفيلم ومقدمة حكاياته.. فهى مذيعة تليفزيونية جميلة وأنيقة وغنية ولها زوج وسيم يعمل صحفياً انتهازياً ولديه سيارة BMW آخر موديل.. ويبدوان كأى زوجين مرفهين سعيدين.. إلا أن المشهد الأول للفيلم يبدأ بكابوس ليس له أى مبرر يأتى فى منام منى زكى.. وتتتابع مشاهد الفيلم كله وننسى الكابوس.. وتنساه البطلة أيضاً ولا أدرى ما الداعى له.. فالكوابيس لا تأتى إلا للمقهورين والمذعورين والضائعين.. حتى أن السيناريو لم يبن أى من أحداثه على هذا الكابوس.

رغم أن السيناريو كان مولعاً بالحكى والحكايا إلا أن هذه الحكايات غير مترابطة ببعضها البعض.. نعم هناك أفلام كثيرة لا تلتقى فيها الشخصيات بعضها البعض، إلا أنه ثمة خيوط خفية «تلضمها» كالعقد الملون خرزه.. كان الرابط الأوحد هو المذيعة منى زكى حين تستضيف هذه الشخصيات فى برنامجها الذى ليس اسمه «احكِ يا شهرزاد» مع أن الضيوف يأتون ليحكوا. فى كتاب «ألف ليلة وليلة» خرجت شهرزاد من الكتاب كأول امرأة مكتملة.. وفى ظنى كانت شهرزاد هى أول مدافعة عن حقوق النسوة وسوف تظل هى آخر امرأة.. كانت هى من قلبت عقل الرجل وحركت قلبه بعد أن كان شهريار لا يرى فى المرأة غير سنتيمترات من المتعة، وسنتيمترات أخرى يمنحها لمسرور السياف كى يسيل من الرقبة أنهاراً من الدماء، إلا أن منى زكى فى الفيلم أعادت شهرزاد لقفص الجوارى، فهى امرأة مقهورة من زوج انتهازى يعمل صحفياً ويطمح لرئاسة التحرير.. ويفعل أى شىء ويقدم أى شىء ثمناً للحصول على المنصب، وزوجته البطلة تساعده وتقدم له التنازل تلو الآخر حتى ترضى عنه الأجهزة المعنية بصعوده.. وتكتشف فى نهاية الفيلم أنها هى الأخرى مجرد حالة مسحوقة ومهزومة.. كل الحالات النسائية فى الفيلم هكذا.. وكل الرجال ولاد ستين فى سبعين.. تقرر فى لحظة شجاعة استثنائية أن تكون هى المذيعة والضيفة.. هى السائلة والمسئولة.. هى الطبيبة والحالة.. وينتهى الفيلم وهى تستعد للحكى مثل ضيفاتها الأخريات. رغم أن منى زكى قد أدت مشاهدها القليلة بحرفية عالية الأداء إلا أنها تاريخياً قد ردت شهرزاد لأزمنة الجوارى الأوليات.. أولئك اللاتى كانت شهرزاد فى حكاياتها الألف وواحد قد دفعتهن لأزمنة الخيال العلمى. جاء العمود الفقرى للفيلم معتمداً على أعصاب وغضاريف حكاية «الحمال والتلات بنات».. وتلك الحكاية التى تُروى عن الأعمى الذى تزوج امرأة وضاجع بناتها الثلاث واحدة تلو الأخرى، والفيلم كما فى الحكايا سعت الأخوات الثلاث إليه.. إلا أن أختاً منهن- فى الفيلم- تقرر قتله دفاعاً عن الشرف والكرامة.. أما فى «ألف ليلة وليلة» فتنتهى أحداث الحكاية بلا قتل وبلا مواجهة.
يظن الكثيرون أن هذه الحكاية من فيلم وحيد حامد «احكى يا شهرزاد» قد استعارها من قصة ليوسف إدريس بعنوان «بيت من لحم»، والحقيقة أن يوسف إدريس نفسه قد استعار «بيت من لحم» من حكاية «الحمال والتلات بنات» فى كتاب «ألف ليلة وليلة» لابن المقفع. برع مخرج الفيلم يسرى نصرالله فى اختيار ممثليه، بل يحسب له كل أولئك الممثلات اللاتى أدين أدوارهن بمهارة.. وكن يمثلن لأول مرة.. وجاءت أبرزهن الجميلة «ثناء عكرود» فى دور الطبيبة لها قسمات وصوت معبرين إلى أبعد مدى. وكان محمود حميدة رائعاً فى دور الرجل الخسيس والزوج النصاب الذى يحتال على العوانس والمطلقات ويسلب أموالهن.. كان أداؤه شديد الروعة خاصة فى المشهد الذى جمعه مع ثناء عكرود فى «البارك». ولأن عنوان الفيلم جاء موحياً بنص وأحداث أسطورية حدثت فى حكايا شهرزاد إلا أننى لم أجد غابات ملونة ولا سمكاً يتحدث فى قيعان البحار، ولا حيوانات وأشجاراً تتحاور وتصنع السحر ليتجرعه الأمير والأميرة ليشفيا ويبرءا من دابر صنعته الساحرة الشريرة، ولم يكن بالفيلم رياح تزمجر وأخرى تصنع موسيقى الكون.. جاء الفيلم شديد الحداثة فى تصويره وكادراته وزواياه مع أنه أوحى لنا بكل تلك الأجواء الساحرة.. حتى موسيقى وسيمفونية كورساكوف الشهيرة عن شهرزاد لم يستعن بها تامر كروان واضع موسيقى الفيلم، إلا أنها جاءت لتلائم تماماً تلك الأحداث البعيدة عن التهاويم والخرافات والأساطير التى ظننت- وليس كل الظن إثماً- أننى سوف أشاهد فيلماً لا يحكى فقط عن الليالى الألف وواحد من حكايا شهرزاد بل سوف يحكى الحكاية الأهم التى لم تحكها شهرزاد وهى الحكاية الألف واثنين.

روز اليوسف المصرية في

27/06/2009

 

جميع الحقوق محفوظة لموقع سينماتك
  (2004 - 2009)