تعرف على صاحب "سينماتك"  وعلى كل ما كتبه في السينما

Our Logo

  حول الموقعخارطة الموقعجديد الموقعما كـتـبـتـهسينما الدنيااشتعال الحوارأرشيف الموقعسجل الزوار 

«إبراهيم الأبيض».. الأكشن على الطريقة المصرية

السيناريو حمل أخطاء فادحة لا يمكن أن تمر على مخرج مبتدئ

رانيا يوسف

حرب أهلية وفوضى اجتماعية لمجتمع ساقط منحرف نفسيا هي التسمية الأنسب التي يحق لنا أن نطلقها على العمل الثاني للمخرج مروان حامد صانع فيلم «إبراهيم الأبيض». إنه مخرج انفصل عن أي واقع، وشرد في سيناريو يخلو من أي ترابط درامي إلى خيال مخيف لمجتمع سادي لا يرتبط مع الواقع بصله من قريب أو بعيد. جعل المخرج السلاح الأبيض اللغة السائدة على الحوار، لغة جديدة لمنطقة تقطر دما من سمائها، جزء اقتطعته كاميرا المخرج من عالم افتراضي متخيل ليس له وجود حقيقي سوى في مخيلة صانعيه، وإن تم إلصاقه بالهوية الشعبية المصرية، فهذا أيضاً خيال آخر لكنه خيال مصطنع ومفتعل يرتقي إلى أعلى قمم الابتذال الفني. فالأحداث بالغة العنف حد افتراش الشاشة طوال ساعتين بلون الدماء الذي يجذب جيل الشباب مرتادي هذه النوعية المقتبسة بعشوائية الهواة من الأفلام الأميركية. «إبراهيم الأبيض»، والأبيض هنا نسبه لتوطن السلاح الأبيض بجميع أنواعه في يد إبراهيم بطل الفيلم وكأنها قطعة لا تتجزأ من جسده، شخصية هلامية خارقة لكل قوانين الإنسانية. إنه سفاح وقاتل في عالم مجهول الزمان والمكان، وإن كان عنصر المكان محدداً داخل بعض مشاهد الفيلم على أنه جزء من أحياء القاهرة الفقيرة المعدمة، لكن يخيل لنا في بعض المشاهد طمس ملامح المكان رغم التصريح به أشبه بالدلالة الرمزية. إن العنف لا يرتبط بمكان ولا بطبقة اجتماعية محددة، وهذا الظهور والاختفاء المتخيل لمعالم المكان صنع هوية غامضة للشخصيات أعطاها قوة أخرى غير القوة البدنية، قوة الغموض واستنباط أسباب وقوعها في هذه الهوة الإجرامية. إنها نماذج متجاوزة لما يشبهها في الحارات الشعبية المصرية من شخصيات اتخذت القوة طريقاً لاستمرار وجودها على هامش هذا المجتمع الذي دائماً ما يتنصل منها ويرفضها وينبذها طبقياً بل وينعتها بقاع المجتمع.

يقدم لنا فيلم إبراهيم الأبيض دراما العنف للعنف فقط، دون تبرير مقنع لأي حدث، ودون أن يحافظ على إيقاع متوازن للسيناريو المجوف الذي حمل أخطاء فادحة لا يمكن أن تمر مرور الكرام على مخرج مبتدئ أو فنان هاو. استكمالا لعشوائية الصورة جاء السيناريو، فشهدنا شخصيات تظهر وتختفي لا نعرف من أين أتت، وما تأثيرها على الحدث، وأين اختفت، كما أن الجمل الحوارية غير مكتملة المعنى تطرح علامات استفهام لأشياء مجهولة ننتظر إجابة عليها، فلا نشهد سوى الانغماس أكثر وأكثر في الغموض والانتقال من جديد للعنف، رغم أن العمل طغت عليه لغة الصورة بعد سقوط السيناريو. وتبع ضعف السيناريو وعشوائية الصورة الإيقاع المتباطئ للمونتاج الذي يبدو كلعبة الشطرنج ينقل المخرج المشاهد سريعاً من مشاهد المعارك الممتدة طوال الفيلم إلى مشاهد الرومانسية بين حورية وإبراهيم، هذه العلاقة الغريبة التي تشبه المنحنى صعوداً بإحساس الحب، الذي لا يعطينا الفيلم أيضا أي خلفية لنشأته أو أسبابه، وهبوطاً بالرغبة في الانتقام والثأر من إبراهيم الذي قتل والد حورية. ويصعد بنا مرة أخرى لنرى مأساة الحبيبين، فحورية الفتاة التي قتل أبوها على يد إبراهيم شخصية مزدوجة الأفعال، مرة نجدها غارقة في الحب مع قاتل أبيها ومرة يدفعها الانتقام منه إلى الاتفاق مع خصمه على التخلص منه. ومن بعدها تركض إليه لتموت بين ذراعيه قبل أن يلتقط أنفاسه الأخيرة.

ويبدو أن الكاتب لا يريد أن يمس شخصية الأبطال بسوء، وأن يخرج الجمهور من صالة العرض في حالة رضا تام مترحماً على المأساة التي شهدت مصرع بطلي الفيلم. إنها صورة تكميلية للنمطية المتبعة في ختام الحدث الدرامي الذي اشتهرت به الأعمال المصرية وكان عنصرا مهما في نجاح السينما جماهيرياً، اللعب على استثارة مشاعر العطف عند المشاهد، الذي بكى على السفاح ورفض موت هذا الأسطورة التي لا يقهرها جيش من الرجال، دون التفكير في أحقية العقاب على أفعاله. وهنا تتولد قوة أكثر خطورة وهي قوة التأثير على المشاهد وتحويل مسار الحق، فأخلاق الشخصية لم تعد تهم المشاهد بقدر ما يهتم بنصرة الأقوى، مما يساهم في ترويج ثقافة القوة البدنية لدى الشباب، والعضلات لا العقل.

لقد حقق الفنان أحمد السقا شهرة كبيرة بأدائه لأدوار الحركة على الشاشة من خلال سلسلة أعماله المتوالية بداية من فيلم «شورت وفانلة وكاب» وصولا إلى فيلم «الجزيرة». لكن في إبراهيم الأبيض تضاعفت قوى السقا البدنية وكأنه اختزلها من مجمل أعماله السابقة ليفجرها مرة واحدة في وجه المشاهد هنا، رغم أنه ظهر في بعض اللقطات أكثر بدانة ومنهك القوى قياساً بأعماله السابقة. إن إبراهيم سفاح، الذي يمثله السقا، يرهب الناس بسلاحه الذي لا يفارقه، فقد شهد مقتل والده وهو طفل على يد بلطجي الحي جزاء لمشاجرة وقعت بين زوجته وبين إحدى جاراتها، فيترسخ ذلك المشهد في ذاكرته إلى أن يقع في الاختيار بين نقيضين، إما أن يكون حاملاً للسلاح أو مقتولاً به، وتساعده والدته على الاختيار لتضعه في إطار الجلاد الذي لا يقهر، ويبدأ دخول دائرة لا تنتهي من القتل والتخريب وشلال الدم الذي لا ينضب أمام قوة تفوقه بمراحل. لكن المخرج يبقى لآخر لحظة محافظاً على دعم ملامح شخصيته الأسطورية بقوة واهية مفتعلة تحافظ على هيبته الزائفة وسمعته المرعبة داخل الحي الذي يسكنه. وأبدع مهندس الديكور في رسم لوحة فنية بالتكوينات الضيقة وخصوصاً تلك التي برزت في مشاهد المطاردات بين إبراهيم والشرطة، مع المونتاج السريع الذي أعطى إيحاء باتساع المكان الذي تحيطه الجبال من كل زاوية.

وتأتي النهاية أكثر دراماتيكية من مشاهد العراك والدم، وهي نهاية مبهمة تتشابه مع نهاية روميو وجيوليت، فالبطلان يموتان معا وتنتهي الأسطورة، لكن يبقى السؤال قائماً: هل ما جمعهما هو الحب أم الانتقام؟

مروان حامد كشف لنا دون قصد أن عمله الأول «عمارة يعقوبيان» لم تصنعه رؤيته الإبداعية كمخرج يتعامل لأول مرة مع السوق السينمائي، ولكن قوة العمل الأدبي وخبرة وتوازن العناصر الفنية التي اشتركت في الفيلم وسيطرت على جميع أركانه بذكاء المحترفين. وأثبت حامد في «إبراهيم الأبيض» أن الأحكام المبنية على التجربة الأولى أحكام خاطئة، فالمخرج مازال في أول الطريق وتنقصه خبرات كثيرة لن يكتسبها طالما تفتح له الأبواب دون أن يطرقها وتقدم له الشهرة الزائفة دون أن يسعى بنفسه للحصول عليها بجدارة.

الشرق الأوسط في

12/06/2009

 

جميع الحقوق محفوظة لموقع سينماتك
  (2004 - 2009)