تعرف على صاحب "سينماتك"  وعلى كل ما كتبه في السينما

Our Logo

  حول الموقعخارطة الموقعجديد الموقعما كـتـبـتـهسينما الدنيااشتعال الحوارأرشيف الموقعسجل الزوار 

فيلم "هارفى وفرصته الأخيرة": صراع الأجيال والحلول ممكنة

رمضان سليم

لعل من أهم المميزات التى تتصف بها السينما الامريكية. أنها تضع فى الاعتبار دائما وجود ‏أفلام خاصة بشرائح عمرية معينة، لايبدو فى الظاهر أنها تصلح لبطولة هذه الافلام أو لعب ‏أدوار لهذه الشخصيات.

ولعلنا نقصد بذلك الأفلام التى تتركز فيها المعالجة حول الابطال من ‏كبار السن، ممن تعدوا الستين أحيانا، وفى السنوات الاخيرة كانت هناك أفلام كثيرة تدور فى ‏هذه الأجواء، ومنها على سبيل المثال "قائمة الدلو – الشك – فى بلاد الله – لا مكان للمسنين" ‏وغير ذلك من الأفلام ان هذا الأمر لا ينطبق على السينما الأمريكية فقط، ولكن على السينما ‏الأوروبية ايضا، والتى تتفنن أكثر فى طرح ومعالجة القضايا الخاصة بالاعمار المتوسطة ‏والكبيرة، بصرف النظر عن عوائد شباك التذاكر.

حيث فى الغالب توزع هذه الافلام بكثرة من ‏خلال الاقراص المدمجة ويكثر الاقبال عليها فى القنوات السينمائية المتخصصة لهذا السبب نجد ‏أكثر من ممثل مازال يعمل ويلعب أدوار بطولة احيانا تبدو مطلقة، وهو ما حدث بالنسبة ‏لشين كورى وآل باشينو وروبرت دى نيرو وجاك نيكلسون وكلينت ايستوود وميريل ستريب وغيرهم.‏

فرصة من العمر:

فى هذا الفيلم "هارفى.. الفرصة الأخيرة" اقتراب من عالم الشخصيات ذات الاعمار الكبيرة ‏والمتوسطة، وكلمة الفرصة قد جاءت مقترنة بذلك. وهى اخيرة لأن العمر ربما لا يسمح بفرص ‏أخرى تأتى سريعة أو بطيئة.‏

كما هى العادة يتم التركيز على شخصية الرجل أكثر من المرأة، فهو الذى يحرك الاحداث ‏ويقود الفيلم. كما ان الفرصة الاخيرة قد اقترنت به أكثر، ولاتكاد تقترن بالمرأة ذات العمر ‏المتوسط. والحقيقة أن هذه النقطة هى من عوامل ضعف الفيلم لأن النظرة الذكورية قد سيطرت ‏عليه وهو يقبل وفق هذا المقياس، وما الافلام الاجتماعية العاطفية إلا مداخل لطرح موضوعات ‏لصيقة بالحياة، تتحرك بمفاتيح رجولية وليست انثوية، إلا فى النادر والقليل.‏

فى بداية الفيلم نجد انفسنا أمام "هارفى"، يقوم بدوره الممثل داستن هوفمان، إنه مجرد ملحن ‏لبعض القطع الغنائية الخفيفة الأقرب الى الاعلانات لوكالة مانهاتن وهو ناجح فى ذلك الى حد ‏معين، غير أنه يخفى فشلا يستقر فى داخله، فقد كان يأمل أن يكون موسيقيا يؤلف المقطوعات ‏الكبيرة، ولكن فعليا كما هو الآن مهدد بالرفض من قبل الجهة التى يعمل بها فى أية لحظة.‏

كل ذلك تعلمه بعد أن يتجاوز الفيلم احداثه الأولى الخاصة بالتعريف بالشخصيات وهى فعليا ‏ليست كثيرة إذ لا نجد أمامنا الا هارفى والشخصية التى تقابله "كيت" والتى تقوم بدورها ايما ‏واتسون.‏

سؤ حظ:

سوف يؤكد الفيلم على فكرة الحظ السىء الملتصقة بها وهى فكرة لها علاقة بالفشل فى الحياة، ‏كما هو فى ظاهر الأمر، ومن الطبيعى أن يحدث ذلك، فنحن لا نعلم شيئا عن حياة هارفى ولماذا ‏وصل الى هذه الدرجة من سؤ الحظ أو الفشل.‏

على مستوى آخر يتحرك الفيلم عندما يشرع هارفى فى السفر الى لندن لحضور حفل زفاف ابنته، ‏وهو يحتاج الى يوم واحد فقط، لأن العمل يقتضى وجوده، ولكن ولتأكيد فكرة الفشل المقترنة ‏بهذه الشخصية نجد رب العمل يؤكد على أن من حق هارفى أن يتمتع بأكثر من يوم واحد، بل هو ‏يصر على ذلك.‏

يقدم الفيلم مشهدا آخر ليضع شخصية هارفى فى قالب معين، يعتمد على فكرة عدم النجاح فى ‏كسب زد الآخرين. إنه يحاول التحدث مع امرأة تجاوره فى الطائرة، لكنه يفشل، بل تطلب منه ‏المرأة أن يتركها لكى تنام لأن لها عمل ستقوم به مبكرا.‏

يستمر الفيلم فى اضافة بعض الخيبات الملتصقة بشخصية هارفى، ونحن نعلم بأن الشخصيات ‏الفاشلة تلفت الانتباه فى السينما أكثر مما تفعل الشخصيات الناجحة، وحيث انه لا توجد ‏احداث فعلية سابقة، فإن ما يحدث من تفاصيل يمكن أن يقوم باعتباره دلالة معينة تفيدنا ‏فى فهم شخصية هارفى وأحيانا الرثاء له.‏

سؤال وجواب:

فى مطار هيثرو بلندن يلتقى بأمرأة ترغب فى ان تسأله أسئلة معينة ذات طبيعة بحثية، إنها ‏‏"كيت" والتى تعمل فى وكالة طيران وهى تسعى لمعرفة رغبات وطلبات المسافرين عن طريق البحث ‏والاستصقاء.‏

لا يستجيب هارفى لاسئلة المرأة ويهملها بفظاظة، وعندما يصل الى الفندق يجد نفسه وحيدا وفى ‏غرفة وحده، حيث أن العرس سوف ينظم فى مكان آخر وليس فى الفندق كما كان يظن ويعتقد.‏

عندما يصل الى العرس يجد ابنته وزوجته السابقة التى طلقها منذ سنوات، ومثل العادة ‏تزوجت المرأة رجلا آخر أكثر نجاحا من الزوج السابق، وربما يفهم المشاهد بأن الزوجة غنية ‏ايضا لأنها استأجرت فيلا خاصة بالعرس لابنتها يقوم الفيلم بلمسة أخرى سلبية بالنسبة ‏لهارفى، فهو يلبس بدلة بيضاء من أجل الغداء وقد كان الوحيد الذى يلبس هذا اللون، بسبب ‏اعتقاده الخاطىء ايضا.‏

والفيلم يحاول ان يضفى بعض الكوميديا فى هذا الاتجاه، لكنها كوميديا غير ناجحة كثيرا الا ‏فيما يتعلق بطريقة أداء واستين هوفمان.‏

من سؤ الحظ ايضا أن يجد هارفى بأن "معلاق" البدلة مازال فى داخل أحد الاكمام ولا نعلم كيف ‏تخلص منه اثناء وجوده فى حلفة العرس.‏

خيبات كثيرة:

بالاضافة الى عدم اهتمام الزوجة السابقة به، فقد تلقى هارفى ضربة أخيرة موجعة من ابنته ‏الوحيدة وقد قامت بدورها الممثلة "ليان بالبان". انها اختارت زوج أمها ليكون "الأشبين" ‏الذى يقدمها فى الممر الى عريسها وهو ايضا من سيلقى كلمة الاستهلال. إن هناك أسباب كثيرة ‏تقود الى ذلك يوجزها هارفى فى تبرير من عنده خلاصته أنه أب فاشل أو محطم.‏

هذا هو تقريبا نصف الفيلم الأول وهو نصف مكسور يحتاج الى معالجة، ولعل الجزء الثانى ‏يقودنا الى شىء من ذلك.‏

تظهر من جانب آخر "كيت" وهى مترددة، لم تستطع اقامة علاقة عاطفية كاملة، ورغم أن ‏صديقاتها يدفعنها الى ذلك وينظمن لها المواعيد لكى تندفع فى تجربة عاطفية جديدة تخرجها من ‏دائرتها الضيقة، إلا أنها تهرب من كل ذلك، والفيلم لا يفسر لنا شخصية كيت كما ينبغى، فهى ‏قد بلغت الاربعين تقريبا وتجاربها الشخصية فاشلة، وهى ايضا قد سبق لها أن تخلصت من جنين ‏بالاجهاض.

ويركز الفيلم على علاقتها بالرجال، حيث يقودها الفشل معهم الى الانسحاب من ‏الحياة الاجتماعية لتصبح رهينة أمرين.. الأول يتمثل فى أمها _ايلين ايتكس" والتى تعيش ‏حالة أقرب الى الوهم المرضى فتتصل يوميا بابنتها لتشعرها بانها موجودة. وايضا للام قصة ‏جانبية تتمثل فى خوفها من الجار الذى يقطن تحت شقتها وتشتبه فى تصرفاته الغريبة.‏

كما قلنا فان الفيلم تسيطر عليه حالة ذكورية، فالمهم هو هارفى الذى ينبغى عليه أن ‏ينقذ نفسه بسرعة وفى فرصة أخيرة، بعدم ترك كيت. وبصرف النظر هل هذه الفرصة مواتية ‏بالنسبة للمرأة أم لا. ولقد استخدمت قصة الأم لهذا الغرض.‏

جلسات الكتابة:

الأمر الثانى بالنسبة لكيت يظهر فى ميلها الى القراءة الأدبية، وهى تخطط لكتابة رواية أو ‏كتاب، ولهذا تحضر يوميا جلسات الكتابة وربما كان هذا الحافز هو الذى يقود هذه الشخصية ‏ولكن لم يتم التركيز عليه بما فيه الكفاية.

الا من أجل اظهار مدى الاختلاف فى تكوين ‏الشخصية هارفى وكيت، وأحيانا تكون الكوميديا فقط هى الحاضر، فلقد حاول السيناريو ‏وكذلك الاخراج أن يقودا الفيلم نحو بعض الكوميديا المحدودة.‏

كل تلك الاخفاقات المتتالية، اجتمعت لتقود هارفى نحو العودة الى مقر عمله ولكن ضياع ‏الرحلة والاضطرار للبقاء يوما آخر يؤدى الى الغاء العودة بصفة نهائية، لقد فصل هارفى من ‏عمله حسبما أعلم بذلك بالتلفون، وهو أمر يدفعه الى محاولة تعديل الكفة بالسقوط فى ‏الشراب المستمر، حيث يتعرف بسبب ذلك ومن جديد بالفرصة الاخيرة وهى كيت المرأة المنتظرة.‏

توطيد العلاقة:

مثل العادة تتحول لقاءات السخرية المؤقتة بين الشخصيتين الى لقاءات دائمة وتتوطد ‏العلاقة مع مرور الوقت، ومن الطبيعى أن يكون الالحاح من قبل هارفى أكثر، فهو قد قرر عدم ‏العودة الى نيويورك والبقاء فى لندن، وفى مشادة خارجية يوفر الفيلم فرصة لبطليه لكى ‏يطول الحديث بينهما، كل منهما يتحدث عن خيباته، بينما تنشغل الأم بالجار البولندى الذى ‏يبدو وكأنه سفاح يحمل الجثث من مكان الى آخر وهى مغطاة بشكل جيد.‏

عند هذه النقطة تبدو قصة الأم وكأنها اضافة غير مقبولة، فقد اضاعت المعالجة الكثير من ‏الوقت فى ابراز مخاوف الأم واتصالاتها الهاتفية المتكررة، وهو أمر بعيد عن جوهر قصة ‏الثنائى "هارفى وكيت".‏

لكن الأمر على العكس من ذلك لقد استخدم الفيلم قصة الأم الجزئية لكى يدعم بها القصة ‏الرئيسية، فى البداية هناك حالة التباس وهناك مخاوف من هذا الجار الذى يبدو أنه ساكن ‏جديد، من قبل الأم، وهذا الشك سرعان ما يتبدد مع مرور الوقت، حتى الوصول الى النهاية ‏ليزول نهائيا.‏

فيلم سابق:

أثناء الحديث المطول عبر الشوارع والحدائق بين هارفى وكيت، لابد لنا أن نتذكر الفيلم الشهير ‏‏"قبل الشروق – 1995" تم تكملته "بعد الغروب – 2005" وفيه يدخل البطلان "ايتان هوك ‏وجون ديلبى" فى حوار مطول يستهلك زمن الفيلمين وبادارة من المخرج "ريتشارد لينكلاتر" لكن ‏الحوار وخصوصا بالنسبة للفيلم الثانى قد كتبه الممثلان بانفسهما لكى يكون طبيعيا وسهلا ‏ومقنعا.

إن احداث هذا الفيلم تقع فى مدينة جنيف حيث يتعرف جيس على سيلين ويمضيان وقتا طويلا، ثم ‏يكون موعدهما بعد ستة أشهر فى جنيف ايضا، وفى الفيلم الثانى يلتقيان بعد 9 سنوات وفى ‏باريس عندما يصبح جيس روائيا يوقع روياته ويحدث نفس الأمر، اذ يستمر الحديث بين ‏الشخصيتين طوال يوم كامل.‏

فى هذا الفيلم "هارفى الفرصة الاخيرة" الكثير من ذلك انه فيلم تدور احداثه فى الخارج ‏ويعتمد على الحوار بين الشخصيتين الرئيسيتين، مع الفارق طبعا فى نوعية القصة.‏

‏والحوار هنا هارفى هو الذى يقود الاحداث ويغير منها على سبيل المثال تقنع كيت هارفى بأن ‏يحضر حفل زفاف ابنته ويقبل بذلك على ان تكون معه، وبالفعل يدخلان حفل الزفاف سويا، ‏بعد مشاهد كوميدية ضعيفة خاصة بشراء فستان لكيت خاص للعرس، لم يوفق المخرج فى تنفيذها.‏

فى الحفل انتزع هارفى الكلمة من زوج الأم "جيمس برولين" ونجح فى التأثير على الحاضرين وكذلك ‏نجح فى نيل اعجاب ابنته، حتى انتهت مراسم العرس. ان هارفى يكسب ابنته ويكسب كيت ويكسب ‏نفسه بعد سلسلة من الاخفاقات المتتالية.‏

الخطوة الاولى:

مرة أخرى يبدو أن الفضل يعود الى "كيت" بالدرجة الأولى فهى الخطوة الاولى فى تغيير مسار ‏هارفى، وهو ما يقوده الى محاولة الالتقاء بها مجددا، ليطرح الفيلم من جديد عقدة "كيت" من ‏المواعيد الضائعة، حيث يصاب هارفى بأزمة قلبية طارئة تمنعه من الحضور فى الموعد.‏

لقد حاول الفيلم ابطاء الايقاع قليلا لكى يكون مقنعا بقدر الامكان، واظهر تردد "كيت" ‏وحظها العاثر، لكنه سار على نفس النسق تقريبا فى جعل الفرصة الأخيرة صالحة للثنائى وليس ‏لشخص واحد، وهذا ما ابرزه المخرج "جويل هوبكنز" فى بساطة مدهشة.‏

فى نفس الوقت وفى القصة الفرعية يكتشف الأم بأنها على خطأ فقد زارها الجار وقدم لها شرائح ‏من اللحم على سبيل الهدية وهو يعنى أن الثنائى فى طريقه للتواصل، بعد أن ازيلت أسباب ‏الشك والريبة، ان قصة الأم الفرعية تدفع بقصة الأبنة نحو الامام وتمنحها التجدد والبقاء ‏والاستمرارية والمصداقية.‏

فى الفيلم موسيقى تبدو غير مختارة بعناية ولاسيما فى المشاهد الخارجية، فهى تنتظر حدوث حدث ‏معين لتتصاعد بلا مبرر. كما أن الفيلم يخلو من قيمة موسيقية موحدة تساعده على أن يسير فى ‏تركيبة نسقية واحدة. رغم أن البطل موسيقى ويعزف أحيانا بعض القطع القابلة أن تبرز فى ‏ثنايا الفيلم.‏

الى حد معين:

لقد أعتمد الفيلم على ممثلين داستن هوفمان وايما واتسون ونجح فى ذلك الى حد معين حيث بدت ‏ايما واتسون طبيعية مرتبطة بالدور وحده. بينما كان داستن هوفمان أقرب الى الممثل المحترف ‏الذى نراه دائما بنفس الطريقة والأسلوب.

ومن جانب آخر يبدو رهان الفيلم ليس فقط على ‏جاذبية الدورين بل بالدرجة الاولى على جاذبية الممثلين. فنحن نرى ايما واتسون الممثلة ‏ونرى داستن هوفمان الممثل ونتابعهما قبل التعامل مع الادوار والشخصيات والعلاقات ‏المتفاعلة داخل الفيلم.‏

لقد لحق هارفى بفرصته الأخيرة، وظهرت علامات ذلك بعودته للعمل السابق، وربما اختيار عمل ‏أفضل لتحقيق مالم يتحقق من قبل من أهداف وأمنيات. أما كيت فهى تتجاوز حالتها نفسية ‏المحبطة بهذه الفرصة والتى لا يمكن اعتبارها اخيرة.‏

ما أكثر الأفلام التى تعاملت مع فشل الآباء ولابد لنا أن نذكر فى هذا السياق فيلم "قائمة ‏الدلو" وكذلك فيلم "المصارع" ويمكننا أن نضيف ايضا فيلم "المخطوفة" وسوف نلحظ بأن ‏الحلول تأتى متفاوتة ومتعددة من قبل الآباء.

أما فى فيلم "هارفى الفرصة الاخيرة" فإن ‏اللحظة العاطفية الرومانسية تفرض حضورها باعتبارها الحل لكل ما صاحب الشخصية من ‏مشكلات لها علاقة بالماضى واحيانا الحاضر والمستقبل.‏

العرب أنلاين في

04/06/2009

 

جميع الحقوق محفوظة لموقع سينماتك
  (2004 - 2009)