تعرف على صاحب "سينماتك"  وعلى كل ما كتبه في السينما

Our Logo

  حول الموقعخارطة الموقعجديد الموقعما كـتـبـتـهسينما الدنيااشتعال الحوارأرشيف الموقعسجل الزوار 

سـجناء يحكـمون أنفسهم  

أفـلام من خلف القضبان 

زياد عبدالله – دبي

يمكن استدعاء مقاربات كثيرة وأفلام أكثر لها أن تقدم الحياة من أضيق الأبواب، ألا وهو باب السجن، وليكون العبور منه إلى من هم خلف القضبان رصداً مأخوذاً تماماً بتوثيق القاع، والصعود منه بفيلم له أن يقول الكثير وعلى أصعدة عدة، تشكل في النهاية بانوراما حياتية لها من الحقيقة الكثير.

ما تقدم مرهون بالواقعية والبعد مثلاً عن قصة هرب مدوخة كالتي نقع عليها في «إصلاحية شوشان» 1994 كمثال سريع يتبادر إلى الذهن من بين مئات الأفلام التي تتخذ من السجن معبراً للتشويق، سواء كانت أحداث الفيلم كاملة تدور خلف القضبان أو في جزء منه، ولعل الأفلام التجارية الأميركية منحتنا تصوراً راسخاً لسجونها المتشابهة من فيلم إلى آخر، لا بل صرنا نعرف أشكال السجناء وسحناتهم، وكثرة الزنوج والملونين، هذا عدا تربيتهم العضلات، وممارستهم رفع الأثقال وما إلى ذلك.

لندع ذلك جانباً ونمضي خلف فيلم آلان باركر «قطار منتصف الليل» 1978 الذي ما أن يذكر السجن حتى يتبادر إلى الذهن بوصفه واحداً من أعنف وأقسى ما صور عن السجن والسجناء والسجانين، وبعيداً عما شكّله من إزعاج هائل للسلطات التركية في حينها، حيث أشيع أنها حاولت بكل ما في وسعها وقف عرضه هنا أو هناك وسحبه من التداول عالمياً، على كل لا أعرف مدى دقة ذلك، إلا أن مشاهدة الفيلم قد تؤكد عليه، لما يحمله من هجاء لتركيا وكل ما هو تركي، وبناء على تمضية سجين أميركي لثلاث سنوات في أحد سجونها.

بعد ما أوردته آنفاً سأعترف بأن كل ما ورد جاء من حيث لا أدري وقد كنـت حقيقة أنوي الحديث عن فيلم واحد هو للبرازيلي هيكتور بابنـغو، تذكروا هذا الاسم إنه مخرج هائل حقيقة، عنوان الفيلم الذي قادنا إلى كل ما تقدم هو (كارنديرو)، والذي يستحق التوقف عنده طويلاً، ولعله صالح تماماً لأن يكون معبراً سينمائياً استثـنائياً لسينما السجون، ومثالاً ملحمياً لها، حيث يضعنا بابنغو (صاحب «قبلة المرأة العنكبوت») في سجن يقع في ساو باولو يضم خلف أسواره 8000 سجين بينما لا تتجاوز سعته الحقيقية .4000

بداية يجب التأكيد على أن الفيلم مستمد تماماً من أحداث واقعية حدثت عام 1992 في سجن في ساو باولو راح ضحيتها ما يتجاوز الـ100 سجين، كما أن بابنغو نفسه قام ببناء قصة فيلمه من خلال ما رواه له طبيب تعافى على يده من مرض ألم به قبل تصوير الفيلم، حيث إن هذا الطبيب الذي نشاهده في الفيلم بوصفه نقطة التقاء حكايات السجناء هو تجسيد لذاك الطبيب الحقيقي الذي خدم في السجن.

بنية الفيلم الرئيسة تتمثل في تسليط الضوء على سجن مزدحم يدار بالمطلق بواسطة السجناء أنفسهم في ظل الغياب التام للسلطات في ما عدا الحراسة، وتسوده أخلاقية ودساتير يقررها سجين واحد. الموظف الرسمي الوحيد الذي يتعامل معه هؤلاء السجناء هو الطبيب الذي يكسب ثقتهم التامة وحبهم واحترامهم أيضاً، وليكون مسعى الطبيب الرئيس بداية هو تعليمهم الوقاية من «الإيدز» المتفشي بينهم، ولينغمس تماماً في التعرف إلى عوالمهم وقصة كل واحد منهم وكيف دخل السجن حيث يفتح الباب أمام «الفلاش باك».

لا أعرف إذا ما كان وصف الفيلم بالجميل يحمل من الحكمة شيئاً، ربما وصفه بأنه جميل بقسوته أفضل أو ملحمي ينتصر للإنسان أولاً مهما كان هذا الإنسان، لكنه بالتأكيد وثيقة روائية لفيلم وثائقي بعنوان «الحافلة 173» الذي وثق السجن الذي شهد اضطرابات .1992 تجدر الإشارة إلى أن تصوير الفيلم انتهى عام 2003 وتم هدم السجن الذي صور فيه بعد سنة.

يبدو أن فيلم بابنغو لن يوقف سلسلة استعادة أفلام أخرى من سينما السجون، وخصوصاً إن كنا سنتحدث عن فيلم أرجنتيني أُنتج العام الماضي حمل عنوان «ليونيرا» إخراج بابلو ترابيرو، الذي يأتي إلى السجون ببعد واقعي له أن يذكرنا بأزمة السجينات الحوامل خلف القضبان، حيث يمضي ترابيرو خلف عالم كامل من السجينات الأمهات، وبعبارة أخرى الأبناء الذين يفقدون حريتهم في الطفولة لئلا يحرموا حنان الأمومة.

يروي ترابيروا كما بابنغو بأن فكرة الفيلم انطلقت من أرضية واقعية بحتة، فبينما كان في طريقه بسيارته برفقة ابنه، مر بجانب سجن «ليونيرا»، فإذا بابنه الذي لم يتجاوز الأربع سنوات يصرخ «انظر بابا.. إنه وردي»، ويضيف ترابيروا أن الكتل الاسمنتية كانت من دون لون ومخيفة، لكن أحد مباني السجن كان ملوناً، وبعد ذلك تعرفت إلى عالم هؤلاء السجينات الأمهات وأولادهن، والقوانين التي لها مثيل في كل أنحاء العالم، ولكن مع اختلاف سن بقاء الابن مع امه، الذي يمتد لأربع سنوات في الأرجنتين.

يأتي كل ما تقدم في قالب درامي محكم، مع كاميرا أصر ترابيروا أن يجعلها قريبة وموجعة في مشهديتها، ولعل دور جوليا الأم الذي قدمته مارتينا غوسمان له من التميز الكثير، ولعل الفيلم يتمحور حولها وعذاباتها بعد اقدامها على قتل عشيقها، واكتشافها في السجن أنها حامل.

عالم كامل يقتطعه من سجن في بوينس أيرس متمنياً، أي المخرج، «أن يصعّد الفيلم من الجدل العالمي حول أمومة السجينات».

الإمارات اليوم في

31/05/2009

 

جميع الحقوق محفوظة لموقع سينماتك
  (2004 - 2009)