تعرف على صاحب "سينماتك"  وعلى كل ما كتبه في السينما

Our Logo

  حول الموقعخارطة الموقعجديد الموقعما كـتـبـتـهسينما الدنيااشتعال الحوارأرشيف الموقعسجل الزوار 

و.. رؤية مختلفة للفيلم المثير للجدل

ناقوس الخطر

فاتن محمد علي

مشاهدة احدث أفلامهما أتصور أن المخرج خالد يوسف، والسيناريست ناصر عبدالرحمن يقدمان ثالث حلقة فى مسلسل القهر، وأرى أن (دكان شحاتة) امتداد وتكملة لفيلمهما السابق (حين ميسرة) وعلى نحو ما لسابقه (هى فوضي). 

فنرى الفئة المهمشة المطحونة بنفس الملامح، ونفس الشراسة التى تعد الإفراز المنطقى للقهر والتهميش، واستشراف المستقبل الفوضوى كنتيجة طبيعية لمعادلة سهلة ورغم بديهيتها إلا أن الحل يعقده من يملكون زمام الأمور الذين يسقطون هذه الفئة من وعيهم وحساباتهم التى لا تسع إلا مصالحهم النفعية. 

يتناول ناصر عبدالرحمن فى الفيلم ثيمة قديمة قدم البشرية وهى الغيرة القاتلة التى جعلت قابيل يقتل شقيقه هابيل وربما تذكرنا بقصة سيدنا يوسف، مستخدما شخصية تتسم بالمثالية والنقاء كرمز لهذه السمات التى توأد من خلال قوى الشر، وقد يكون متعمدا أن تكون ملامح شخصيته بهذه الدرجة من التسامح والمثالية فى مقابل شخصيات ملأ قلبها الحقد واتسمت بالطغيان وغياب الضمير، وقد يحسب على ناصر تقديمه شخصيات نمطية لدرجة ابتعادها عن الواقع، حيث تتسم كل الشخصيات الإنسانية بملامح مختلطة من الشر والخير وتختلف بقدر ما تحمله من شر أو خير. 

على خلفية حدوتة الفيلم استخدم المخرج تقنية (الفلاش فيوتشر) مستشرفا مستقبلا بات قريبا جدا (أربع سنوات) حيث تعم الفوضى الشاملة وسطوة الجماعات المتزمتة والبلطجية والصراع بين الشعب والشرطة.. وغياب الأمان والفراغ الأمنى، فقدم مشهدا دالا وموحيا فنرى الناس تصنع الأقفال والمزالق. 
صورة قاتمة ومقبضة ولكنها تحذير لإفاقة الناس من غفوتهم إذا استمرت الأحوال على ما هى عليه الآن ومنذ 30 عاما هى عمر النظام الحاكم وعمر بطل الفيلم الذى ولد يوم مقتل السادات. 

يرصد الفيلم أهم الأحداث الفواجع التى غيرت وجه العالم عامة ومصر بصفة خاصة فى هذه العقود الثلاثة من خلال مانشتات الجرائد فى تأريخ تنازلى منها فوز أوباما، وقبلة الوداع لبوش بحذاء الزيدى، وإضراب 6 ابريل، موت الرئيس الفلسطينى ياسر عرفات واغتيال الشيخ أحمد ياسين وحصار غزة وسقوط بغداد وحادثة عبارة السلام وحادث قطار الصعيد وحريق بنى سويف والتقاتل على الخبز.. ووصولا إلى انهيار الاتحاد السوفيتى واعتقالات سبتمبر واغتيال الرئيس السادات وحلف اليمين للرئيس مبارك. 

قد يؤخذ على خالد يوسف المباشرة واستخدام الأسلوب الوثائقى، وإن كنا فى حاجة لمثل هذا الأسلوب بشدة ليكون معولا على رؤوس الناس التى فقدت وعيها تماما.. وزيادة فى استخدام الأسلوب الصادم لا ينسى السيناريو تذكيرنا بأكبر الفواجع فى حياتنا وهى التحذير من بيع الوطن للصهاينة.. فى مقابل هذا الرصد القاتم يستدعى ناصر ويوسف زمن الكرامة وصيانة الوطن فى إشارة مباشرة أيضا لمدى افتقادنا وحاجتنا إلى الزعيم الراحل جمال عبدالناصر لترميم الشرخ الذى ألم بالوطن، ويستعير رمزا من رموز هذا الزمن الجميل من خلال الدكتور مؤنس الذى يوزع محصول مزرعته على المحتاجين ويهب الجناينى "ابن جيله وزمنه" قطعة أرض فيصفه الأخير بالجنون فى إشارة لمفهوم العصر لهذا السلوك الذى كان طبيعيا فى زمن الزعيم. 

استطاع خالد يوسف أن يدير المجموعات ببراعة ويستخدم لقطات جيدة وليس بجديد على تلميذ شاهين الذى تميز بهذا؛ فكان مشهد "سرقة القمح" من المشاهد الرائعة، بالإضافة للتصوير الخارجى من أروع ما قدم، ويحسب له أيضا اختياره لبعض الأماكن فى الصعيد مثل المدافن. 

كما يحسب له اختياره للممثلين بعناية فائقة باستثناء هيفاء وهبى التى راهن على نجوميتها واستخدامها كعنصر شديد الجذب لشباك التذاكر الذى لا يحوّل عينه عنه فلم تكن موفقة ولا مناسبة للدور الذى كان يحتاج لفنانة متمكنة من أدواتها التمثيلية، فما برعت فيه هيفا ـ بجانب إظهار أنوثتها ـ هو البكاء وذرف الدموع الغزيرة التى ظنت أنها دليل على التفوق وللأسف أكد هذا خالد فى أكثر من لقاء ونسى أن إظهار المشاعر بالدموع أضعف الأساليب على الممثل، كما جاءت ملابس وماكياج هيفاء غير مناسبين لفتاة صعيدية من بيئة شعبية بل لا تناسب أى فتاة فى الواقع فحين نرى غادة عبدالرازق بزيها المناسب وبدون ماكياج تقريبا، وأيضا الطالبة إنجى بالخمار نجد هيفاء تلبس مينى جيب وملابس ضيقة للغاية، ونراها طوال النصف الأول من الفيلم بالملابس العارية تماما وذلك استثمارا لأنوثتها التى اشتهرت بها، أما الفنان عمرو سعد فيواصل تألقه فاستطاع أن يمسك بتلابيب الشخصية ويسيطر على أدواته فعبر بالصوت والوجه ولم تفلت منه اللهجة وحافظ على انفعالاته وإن كاد يقع فى فخ الاقتراب من بعض لزمات النجم الراحل أحمد زكى ولكن لم يمنع هذا من ملاحظة تفرده وتفوقه كنجم من نجوم الصف الأول. 

الفنان القدير محمود حميدة يواصل تميزه وتفرده فيجسد شخصية الصعيدى الأصيل بأسلوب السهل الممتنع فنراه وقد تلبس الشخصية بقدرة فائقة ليست غريبة عليه كقامة سينمائية يحسب لها ألف حساب، ويحسب للمخرج خالد اختياره للفنان المبدع عبدالعزيز مخيون الذى قدم أداء جيدا رغم حجم الدور إلا أننا كنا نشتاق له، أما الموهبة التى لم تُكتشف بعد فهو الفنان صبرى فواز الذى لم يستخرج من طاقاته إلا القليل فهو فنان مبدع يعرف تماما كيف يسيطر ويستخدم أدواته بموهبة وعلم وخبرة وسوف تكشف عنه الأيام، ويتفوق أحمد وفيق فى تقديم تركيبة جديدة عليه فيجيد لعب الشخصية التى يطلق عليها محراك الشر فكان كوميديانا بدون مبالغة فتحكم فى اتزان الشخصية لتصل بشكل لافت للمتلقى، أما مفاجأة الفيلم فكان محمد كريم الذى أجاد دوره بشكل لافت، وقدمت غادة عبدالرازق أداء ناضجا وتناست تماما غادة الأنثى فكانت متفوقة على البطلة بشكل ملفت فاختارت ملابسها بعناية وسيطرت على انفعالات الشخصية وإن كانت غير موفقة فى بعض المشاهد ولكنها فى المجمل قدمت أداء جيدا، ويواصل عمرو عبدالجليل تفوقه فى أداء متزن وإن جاءت إفيهاته ـ رغم استحسان الجمهور ـ لتؤثر على إجادته فى بعض المشاهد، ريم حجاب قدمت أداء يشى بموهبة سينمائية بعد تحققها فى المسرح وإن كانت تحتاج لبعض الثقة والاتزان، أما الموهبة الحقيقية الذى مازال فى طريقه للصعود رغم إجادته فهو طارق عبدالعزيز الذى أجاد واجتهد فى تقديم شخصية الصعيدى الوصولى وإن كانت مساحة دوره أقل من طاقاته، كما أجاد بشكل لافت ورائع الممثل الذى جسد شخصية (برص) سائق الميكروباص البلطجى. 

الديكور جاء رائعا ومناسبا خاصة منزل بيسة، والحوارى الضيقة مثل منزل إنجى، والموسيقى جاءت موحية ووظفت السيرة الهلالية لتنعى واقعنا بشكل جيد. 

العربي المصرية في

26/05/2009

 

جميع الحقوق محفوظة لموقع سينماتك
  (2004 - 2009)