تعرف على صاحب "سينماتك"  وعلى كل ما كتبه في السينما

Our Logo

  حول الموقعخارطة الموقعجديد الموقعما كـتـبـتـهسينما الدنيااشتعال الحوارأرشيف الموقعسجل الزوار 

"غران تورينو" عربة العنصرية والندم والخلاص

من "ديرتي هاري" الى "فرانكي دان" .. الرجل الذي يحمل اسم كلينت ايستوود

ريما المسمار

لو لم يكن "غران تورينو" مدموغاً باسم كلينت إيستوود الذي يحمل بدوره إرث نصف قرن من السينما، لما حاز اي اهتمام او لمرّ من دون إثارة الانتباه. ذاك هو باختصار ما أجمعت عليه الكتابات النقدية التي تناولت شريط ايستوود الاخير "غران تورينو" . على الرغم من صحة المقولة والاستنتاج، غير انها تندرج بامتياز في إطار البديهيات وما الادعاء بإعادة اكتشافها الا ضرب من التبسيط الذي يصل حد التسطيح. أفليس كل عمل امتداد لصاحبه وأفكاره وهواجسه؟ بالطبع لن يكون ل "غران تورينو" نفس التأثير لو ان مخرجاً آخر وقف خلفه. كان سيحمل في تلك الحالة تأثيراً مختلفاً ليس بالضرورة أقوى او أقل. ذلك ان ما يمثله الفيلم وما يلمح اليه وما يناقشه لن يحمل اي معنى ما لم يتم ربطه بمسيرة ايستوود. هل هذا يعني ان لا قيمة للفيلم منفصلاً عن تاريخ صاحبه؟ الأمر معقد بعض الشيء.

القيمة بالنسبة الى سينمائيين من طراز ايستوود باتت مرهونة بما نعرفه عنه. كما انها قيمة يصح وصفها بالتصاعدية والتراكمية. وقيمة هذا الفيلم تحديداً وأكثر من غيره مربوطة بتلك المعرفة. أفلام مثل "نهر ميستيك" أو "طفلة المليون دولار" قد تكون شاذة عن ذلك السياق. بمعنى آخر، هي تحمل قيمة منفصلة تتعزز أكثر وتتعمق اذا ما قيست على طول مسيرة المخرج وموضوعاته. على صعيد آخر، يحتفظ "تبديل" Changeling بقيمة مستقلة ايضاً ولكنها لا تنصف ايستوود او انها لا تمنح المتفرج الجديد (اي الذي يشاهد عملاً ايستوودياً للمرة الأولى) صورة أصلية عن ايستوود. بخلاف الاثنين، يقف "غران تورينو" في مكان وسطي. انه ايستوودي بامتياز ولكنه على درجة عالية من الاختزال والجوانية اللذين قد يغرّبان المشاهد الجديد فيلازمه إحساس بأن ثمة قطعاً ناقصة من تلك "البازل" على الشاشة. وبهذا يمكن الجزم بأن "غران تورينو" ليس عملاً مكتملاً ومخادع ببساطته وحتى بعفويته.

ولعل ما يزيد من تأثير ذلك انه جاء بعد أشهر قليلة من Changeling الدراما التاريخية ذات المقومات الضخمة التي تلقفها مهرجان كان السينمائي بما يقول الكثير عن عمومية مقارباتها ونظرتها.
ثمة مدخل جانبي الى "غران تورينو" هو إعلان ايستوود انه سيكون المسرح الأخير لظهوره على الشاشة كممثل. وبعيداً من اي استناج متسرع او حذلقة، ثمة في الفيلم ما يوحي بأنه قد يكون آخر عمل اخراجي ايضاً للسينمائي الكلاسيكي أو ربما نقطة تحول في اتجاه الداخل التفصيلي. تكفي مشاهدة ايستوود في الفيلم جالساً على شرفة منزله في لقطات طويلة متكررة لنشعر بأن الرجل والممثل والمخرج يجعل من الفيلم برمته لحظة سكينة وتأمل في السابق وربما في الآتي. وبهذا المعنى، تستحيل شخصية "والت كوالسكي" التي يجسدها هنا رقع شطرنج تتجاور بين ابيض مربعاتها وأسودها ـ وان بغير تناغم وأحياناً بكثير من التناقض ـ كل الشخصيات التي لعبها وقدمها على طول مسيرته السينمائية. لعل في أدائه الساخر والمتقشف والمتحفظ ما يذكر اكثر ما يذكر بشخصيات السباغيتي ويسترن التي اشتهر بها في سبعينيات القرن الماضي. انه بهذا المعنى "الرجل الذي لا يحمل اسماً" ولكنه ايضاً "ديرتي هاري كالاهان" اذ يتفوه بكلماته الساخرة "هل تشعر انك محظوظ ايها الغلام؟" او "ويليام ماني" من
Unforgiven مطلقاً ملاحظته العميقة حول القتل: "انه امر جهنمي ان تقتل رجلاً... تأخذ كل ما لديه وكل ما سيكون لديه." وحتى "فرانكي دان" في "طفلة المليون دولار" الذي يعرف حق المعرفة ان "القوة لا تكفي" مجسداً تلك المقولة في "غران تورينو" في خاتمة الفيلم المذهلة.

عمَّ يدور "غران تورينو" اذاً؟

يبدأ التفصيل الذي يبتغيه ايستوود في هذا الشريط من العنوان الذي يشير الى سيارة "غران تورينو" من طراز العام 1972 التي تستريح في مرآب "والت" او تلمع تحت الشمس في جوار شرفة منزله. السيارة والكلبة "دايزي" وتلك الشرفة المطلة على المغيب هي فلول زمن ولى والعدة اللازمة لرسم بورتريه رجل منتهٍ وملامح حياة "مملة" عادية. فوالت هذا كان عاملاً في مصنع سيارات فورد قبل ان يشارك في الحرب الكورية. تبدأ الأحداث بجنازة زوجته التي يحضرها ابناه وأحفاده في أجواء مشحونة تشي ببرودة العلاقة بين الاب وأولاده. الواقع ان تلك الاشارة الى وفاة الزوجة وظيفتها الدرامية أن تشير الى انقطاع آخر صلة للرجل بالعائلة والدفء والاواصر الانسانية على الرغم من ان مشاهدته منغلقاً على نفسه وفي توحده ونزقه وقرفه من الناس والعالم المحيط به تصعّب حتى تخيله جزءاً من علاقة زوجية او أبوية أو اية علاقة أخرى. ولكن يبدو ان زوجته كانت تفهمه جيداً بدليل وصيتها الأخيرة للكاهن الشاب بمراعاة "والت" وحمله على "الاعتراف" مهما كلف ذلك. غير ان الرجل صعب المراس، ساخر ومرير وعنصري لا يُطاق لا ينفك يراقب بقرف محيطه الذي استحال ضاحية للـ "همونغ" (سكان الجبل في جنوب شرق آسيا) متمتماً بكلمات وعبارات عنصرية.من جهة ثانية، يمهد ايستوود لصورة البطل لدى "والت" كآخر رجل أبيض في ديموغرافيا متحولة.

لعله هنا في أداء ايستوود تحديداً، نجد الفيلم متكئاً على ارث صاحبه كجبل جليد ضخم لا تظهر منه سوى قمته على السطح انما من دونه ستنهار حتماً. هكذا هو أداء الرجل اختزال لما سبق واشارات وتلميحات اليه. لا يحتاج ايستوود الى تظهير كامل للصورة كي نفهمه بل تكفيه خيالات وظلال ومناطق غامضة كثيرة لا توضحها الا معرفتنا بمن هو وماذا يريد حقاً بما هو امتياز لا يحظى به كثيرون ومخاطرة لا تخلو من تبعات. فايستوود في هذا الفيلم مغامر من الطراز الاول. ليس فقط بذلك الحوار الفظ والشخصية المقيتة أحياناً ولكنه ايضاً مغامر لجهة مراهنته على عمل خام لكاتب سيناريو مبتدئ (نيك شنيك) لا يخلو من هنات. المزيج خطير: سيناريو أول واخراج متقشف وموضوع جواني وهنات درامية يصعب الجزم من المسؤول عنها. أهو السيناريو؟ أم مزاج ايستوود اللعوب بمناقشة قضاياه الاثيرة (الذكورة والموت والخلاص والعنصرية...) بذخيرة بدائية؟ النتيجة متفاوتة. ثمة مواقع يبدو فيها الضعف الدرامي بارزاً وأخرى توحي بمزاج تجريبي. كأن ايستوود يلج بشحمه ولحمه ذلك المجتمع من المهاجرين والهامشيين والعصابيين ويعترضه كما يعترض عنصر مركب واقعاً موجوداً. معظم شخصيات الفيلم غير الأميركية ممثلون غير محترفين. و"والت" بتحوله من رجل عنصري متوحد الى بطل أقليات انما يتحول من نموذج البطل الاميركي الى سائح في مجتمع لم يعد ممكناً وصفه بال"أميركي". فحين تقنعه "سو" الفتاة الشابة الاسيوية بالانضمام الى حفلة شواء في منزلها، يصبح المشهد سوريالياً وواعياً في الوقت عينه. أميركي وحيد في مجتمع "الهمونغ"يعيد خلط الاوراق. لا يعود للمكان أهمية. يتم تمويهه. هل هذه ضاحية أميركية أم آسيوية؟ هل هو الدخيل ام هم؟ في حوار سابق بينه وبين "سو" التي أنقذها من ثلة شبان سود، نفهم ان "الهمونغ" هم من وقفوا الى جانب الاميركيين في حرب فييتنام. وكمكافأة على صنيعهم، مُنحوا فرصة دخول "أرض الأحلام". ولكن ماذا يواجهون هنا؟ العنف والاستغلال من ناسهم. مجدداً يطفو على السطح سؤال: هل هذه أميركا؟ انها اشبه بجزيرة عائمة للهمونغ يحكمها العنف والبطش.
مع تسلل "سو" وأخيها الصامت "تاو" الى حياة "والت"، يبدأ التحول البطيء عند الأخير انما غير الساذج. صحيح ان بعض المواقف يبدو مقحماً أو متسرعاً، ولكن "والت" ليس من طينة التوابين. لن يغير عباراته العنصرية ولا مواقفه المتصلبة ولكن تلك التصرفات تستحيل واجهة لأحاسيس أعمق. انه حقد القاتل على الضحية التي حولته مجرماً هو الذي يعتمل داخل "والت" منذ قتله ذلك الفتى الكوري كما سنكتشف قبيل نهاية الفيلم. وتلك دورة سيُعاد انتاجها كما تنبىء نهاية الفيلم. المعادلة مقلوبة هنا وتلك عبقرية ايستوود. انه ليس الضحية التي تتحول جلاداً بل هو الجلاد الذي يقرر ان يصبح ضحية منتجاً جلادين جدد هم عصابة الهمونغ التي يحملها في نهاية الفيلم على قتله أعزل لتُعاقب بالسجن. معادلة أخرى يقلبها ايستوود بجعل بطله يضع خطة لقتله بدلاً من قتل غيره. خاتمة ترفع الفيلم أعلى من اي توقعات وتجمع قطعه المبعثرة بل وتكفر عن كل هناته. لانه ايستوود على الرغم من كل شيء الأمهر بين مواطنيه السينمائيين اليوم في رسم التراجيديا الانسانية بأعظم ما يكون.

المستقبل اللبنانية في

03/04/2009

 

جميع الحقوق محفوظة لموقع سينماتك
  (2004 - 2009)