تعرف على صاحب "سينماتك"  وعلى كل ما كتبه في السينما

Our Logo

  حول الموقعخارطة الموقعجديد الموقعما كـتـبـتـهسينما الدنيااشتعال الحوارأرشيف الموقعسجل الزوار 

»فالكيري« فيلم براين سينغر عن آخر محاولة لاغتيال هتلر

الشــبه لا يصنــع الشــخصية

نديم جرجورة

من أقصى شمال الكرة الأرضية، إلى بشاعة النازية وحروبها الدموية العنيفة التي أحالت بلداناً ومجتمعات وناساً إلى أنقاض وأرواح ممزّقة؛ مروراً بالعمل الموسيقي الذي أنجزه ريتشارد فاغنر في مطلع النصف الثاني من القرن التاسع عشر؛ راج تعبير »فالكيري«، حاملاً معاني متفرّقة، قبل أن يصبّ في فيلم سينمائي حقّقه براين سينغر، ومثّل توم كروز فيه الدور الرئيس. من الأساطير الطالعة من عمق الثقافة الشمالية الخاصّة بالدول الاسكندنافية، إلى دموية النازيّ أدولف هتلر والإنجاز السينمائي العادي (الأقرب إلى تقنية التشويق الهوليوودي المعتاد)، عاش تعبير »فالكيري« حالات متكاملة، على الرغم من مصير أسود زرعه مستشار الرايخ الثالث وزعيمه، عندما اختاره اسماً لعملية أمنية/ عسكرية، تحصّن مشروعه التدميري من »خطر« الانقلابات الداخلية. وإذا بدأت الحكاية من المقاتلات العذراوات، أو الإلهات القاصرات، اللواتي خدمن إله الآلهة أودن، في أساطير البلدان الشمالية تلك؛ فإن قدرها حتّم عليها بلوغ الحالة النازية، التي تفتّق عقل سيّدها عن ابتكار خطّة لحماية نفسه أولاً، ومشروعه الحربي ثانياً، من أي اعتداء داخلي، ملتحفاً بالاسم الذي عكس أحد أجمل المعاني السامية للمقاتل النبيل. في حين أن الفيلم السينمائي، الذي حمل عنوان »فالكيري«، حافظ على معلومات تاريخية حول آخر محاولة اغتيال تعرّض لها هتلر، قبل أشهر على انتحاره، إثر شعوره بدنو أجله وأجل نازيته.

في التعريف العام لـ»فالكيري«، جاء أن الكلمة مرادف للمقاتلات اللابسات دروعاً، اللواتي يُدرن المعارك، ويوزّعن الموت على المحاربين، ويجلبن أرواح الأبطال إلى القصر الكبير لأودن، كي يصبحن »آينهرجار«، أي »أرواح المقاتلين الاستثنائيين، الذين ماتوا أثناء المعارك وبأيديهم أسلحتهم«. و»فالكيري« يخترن هؤلاء المقاتلين، ويخطفهم. وهؤلاء الأبطال، مختارون لخوض الحروب إلى جانب أودن، عند وقوع الـ»رايناروك«، أي »المعركة الأبدية« وليست »المعركة الأخيرة/ النهائية«. وفي المعلومات أيضاً، وبحسب علم الاشتقاق، يتحدّر أصل الاسم (فالكيري) من كلمتين في اللغات الاسكندينافية القديمة، تعني إحداهما »أنهك« والأخرى »اختيار«، أي »أولئك الذين يختارون إنهاك الآخرين«.

فاغنر يحمي هتلر

لم يبتعد فاغنر، كثيراً، عن تلك الأساطير وفحواها البطولي. كما أن هتلر نفسه، المُعجب بفاغنر، جعل الأسطورة مادة حيّة لـ»خطّة إنقاذ«، ترتكز على تحريك جيش الاحتياط الألماني عند قيام اضطرابات داخلية تتطلّب إعلان »حالة الطوارئ«. غير أن المتواطئين معاً لمواجهة سلطة هتلر والتخلّص منه، »نجحوا« في إجراء تعديلات وقّع الفوهرر عليها، بهدف التلاعب بها لمصلحتهم: تحريك جيش الاحتياط، بعد اغتيال أدولف هتلر، وإيهام الأجهزة الأمنية والسياسية والعسكرية النازية بأن جهازي »الشرطة السرّية« و»غستابو« يسعيان إلى الانقلاب على السلطة، علماً بأن العملية المذكورة (اغتيال هتلر)، التي صوّرها فيلم سينغر، تمّت في العشرين من تموز ،١٩٤٤ من دون أن تنجح في التصفية الجسدية للفوهرر. وهي جاءت بعد عام ونصف العام تقريباً على محاولة سابقة لها (أشار إليها الفيلم في بدايته)، جرت وقائعها في الثالث عشر من آذار ،١٩٤٣ وتمثّلت في قيام أحد كبار الضباط النازيين (هانيننغ فون تريشكو/ كينيث براناه) بوضع قنبلة مصنوعة من ألغام بريطانية لزجة معروفة باسم »كلايمس«، في زجاجتي خمر (كوانترو)، أُرسلتا إلى الطائرة الخاصّة بهتلر، إثر زيارته السريعة إلى مقرّ قيادة الجبهة الشرقية. غير أن القنبلة لم تنفجر، بسبب الصقيع في عنبر الطائرة، في تلك الرحلة. يُذكر أن محاولة الاغتيال التي جرت في العشرين من تموز، تحمل الرقم ١٥ في مسلسل المحاولات المعروفة، وهي الأخيرة أيضاً، قبل انتهاء الحرب العالمية الثانية، وانتحار هتلر.

اعتبر جان لوي ثييارو، في الكتاب الأول المخصّص بالسيرة الذاتية للضابط النازيّ/ الألماني كلاوس فون ستوفنبورغ، بعنوان »ستوفنبورغ« (منشورات »بيرّان«، ٢٠٠٨)، أن الرابع والعشرين من أيلول ١٩٤٢ »يومٌ مشهودٌ« في سيرة الضابط، إذ بلغ غضبه فيه مرتبة عالية جداً، جرّاء الأعمال المشينة التي »برع« في تنفيذها النازيون الملتزمون، بصرامة، قسمهم العسكري النازي. ففي ذلك اليوم، قال ستوفنبورغ إن »هتلر هو المسؤول الأساسي. كي يصبح التغيير الجذري حقيقة واقعية، يجب قتله. أنا مستعدٌ لقتله«. إن تصريحاً كهذا، يتابع ثييارو، يؤدّي بصاحبه إلى المحاكمة العسكرية، »لكن شيئاً من هذا لم يحدث، بل على العكس منه: تضامن كامل (من قبل أناس وافقوه الرأي، ولم يتجرّأوا على البوح به)«. من جهته، قال المؤرّخ الألماني يواكيم فيست (المجلة الفرنسية »لو بوان«، ٨ كانون الثاني الجاري)، إن المشاركين جميعهم في التآمر ضد هتلر ارتكزوا على دوافع جمّة ومعقّدة: »عشرون شخصاً منهم فقط، انتموا إلى مجموعات مختلفة ومعتقدات متنوّعة (الالتزام بالطاعة العسكرية، القناعة بالقومية المحافظة، الانتماء إلى البورجوازية أو الاشتراكية)، أشاروا، أثناء التحقيقات، إلى أن دافعهم كامنٌ في اضطهاد اليهود: »هناك من حدّد دافعه بإلغاء الحقوق المدنية، أو استبداد النظام، أو الصراع ضد الكنيسة«، معتبراً أن ما جمعهم كامنٌ في اعتبارهم هتلر »منفّذاً كبيراً للشرّ«. غير أن مدوّنات ستوفنبورغ، والمعلومات المتوفّرة عنه، أفادت أنه »وطنيّ ملتزم بألمانيا المقدّسة«، وليس مجرّد ضابط في خدمة هتلر والنازية، وأن إحساسه بالانحراف النازي عن قدسية ألمانيا جعله يبحث عن وسيلة للتخلّص من الطاغية.

تشويق هوليوودي

بعيداً عن الحكايات والأساطير والإبداع الموسيقي والجنون النازي، يُمكن القول إن »فالكيري« لبراين سينغر لم يخرج من إطاره الهوليوودي المحكم الصنعة، على مستوى أفلام التشويق. فعلى الرغم من المعرفة المسبقة بفشل العملية، وبالنتائج المترتبة على منفّذي المحاولة الأخيرة هذه، بسبب عجزهم عن تصفية هتلر، إلاّ أن »فالكيري« قدّم حركة مشوّقة عن التحضيرات والمناخ المرافق لها، وعمليات التجنيد، ومحاولة الاغتيال، وإطلاق عملية »فالكيري«، والصدام الحاصل بين القيادات المختلفة، قبل إعلان هتلر نفسه نجاته من الموت، عبر أثير الإذاعة، وإعدام المتآمرين جميعهم. ومع أن النصّ السينمائي مشغول ببساطة حكائية، مستندة الى وقائع القصّة المعروفة للضابط ستوفنبورغ، الذي قاد المحاولة الأخيرة؛ إلاّ أن التنفيذ البصري مصنوع بمقوّمات العمل التشويقي، المازج معالم الصراع السياسي بالحبكة البوليسية/ الاستخباراتية، مدخلاً عليها شذرات عاطفية عابرة (علاقة الضابط بزوجته وأولاده)، وإن بشكل سريع. ولعلّ تغييب الملامح كلّها الخاصّة بهتلر، مع استثناءات قليلة، يظهر فيها الرجل بأشكال مختلفة (من الخلف، أحد جانبيه، صورة أمامية سريعة)، جعلت الفوهرر شخصية سلطوية قاسية، تغيب خلف أفعالها، وتبتعد عن المشهد كي تمسك زمام الأمور بعنف وبطش.

لا يكفي أن يُشبه الممثل الشخصية التاريخية التي يؤدّيها أمام الكاميرا، كي يُقال إن هناك براعة أدائية، أو قدرة جمالية على مقاربة الشخصية المذكورة. ذلك أن توم كروز قرّر سريعاً تأدية شخصية كلاوس فون ستوفنبورغ، عندما لاحظ الشبه بينهما، إثر وقوعه على صورة فوتوغرافية للضابط. غير أن الشبه بينهما لم يصنع أداءً تمثيلياً متحرّراً من »وسامة« الممثل الهوليوودي، أو من براعته في احتلال مكانة رفيعة المستوى في الأفلام التشويقية، لحساب شخصية مركّبة ومعقّدة، تمزج حسّاً وطنياً كبيراً برغبة صادقة في جعل القومية الاشتراكية مدخلاً إلى رفاهية الألماني وتطوّر ألمانيا. في هذا الجانب، غاب توم كروز كلّياً، لأن تقنياته الأدائية ظلّت في إطارها المعتاد في أفلام هوليوودية شتّى، إذ بدا قريباً جداً من »التشويه الهوليوودي« للثقافات الأخرى، عندما شارك في بطولة »الساموراي الأخير« (٢٠٠٣) لإدوارد زفايك، في فيلم أقلّ ما يُقال فيه إنه تسخيف هوليوودي لجمالية الساموراي، ولمعتقداته الثقافية والإنسانية والحضارية. مع هذا، قدّم كروز أدواراً قليلة جداً اتّسمت بالجمالية الفنية والأدائية إلى حدّ كبير، كدوره في رائعتي ستانلي كيوبريك (»عيون مفتوحة على اتساعها«، ١٩٩٨) وبول توماس أندرسون (مانيوليا«، ١٩٩٩)، بعد أعوام عدّة على مشاركته في »لون المال« (١٩٨٦) لمارتن سكورسيزي و»مولود في الرابع من تموز« (١٩٨٩) لأوليفر ستون مثلاً، بالإضافة إلى »ضرر« (٢٠٠٤) لمايكل مان، أو في النسخة الأميركية للفيلم الإسباني »افتح عينيك« (١٩٩٧) لأليخاندرو آمينابار، التي أنجزها كاميرون كرو في العام .٢٠٠٣ على الرغم من هذه النجاحات الأدائية اللافتة للنظر، لم يستطع كروز، في »فالكيري«، أن يطوّر تمثيله، أو أن يجعل حضوره الشخصي مرآة أصدق وأجمل للشخصية التاريخية.

يُعرض، بدءاً من بعد ظهر اليوم، في صالات »زوق« و»أبراج« (فرن الشباك) و»سانت إيلي« (أنطلياس) و»سيتي كومبلاكس« (طرابلس) و»ستارغايت« (زحلة) و»أمبير دون« (فردان) و»أمبير سوديكو« و»سينما سيتي« (الدورة) و»غراند أ ب ث« (الأشرفية)

السفير اللبنانية في 15 يناير 2009

 

جميع الحقوق محفوظة لموقع سينماتك
  (2004 - 2009)