تعرف على صاحب "سينماتك"  وعلى كل ما كتبه في السينما

Our Logo

  حول الموقعخارطة الموقعجديد الموقعما كـتـبـتـهسينما الدنيااشتعال الحوارأرشيف الموقعسجل الزوار 

«شعبان الفارس» أقرب إلي ألعاب الفيديو منه إلي السينما

هل يفسد الناقد علي نفسه متعة أن يكون إنسانًا طبيعيًا، بسيطًا، يضحك في تلقائية ملحوظة وهو يحاول أن يشاهد العمل الفني بمقاييس اعتاد عليها، وبخلفية ثقافية تطارده دومًا؟ أعترف أنني هذا الشخص، خاصة عند رؤية الأفلام الجديدة، التي أشاهدها وسط ظلمات دور العرض، وقد أمسكت بيدي الكثير من الأوراق أدون فيها بيانات عن الفيلم، وأسجل جمل الحوار، كأنني عضو في لجنة تحكيم، أو قاض يتعامل مع النص بخلفيات متعددة. وأعترف أيضًا أنني قليلاً ما أضحك الآن. وأنا أشاهد الأفلام الكوميدية، بينما أجد من حولي، خاصة الشباب يضجون في الضحك، بتلقائية، وعفوية شديدة، وهذا ليس أمرًا جديدًا علي المرء، فقد سبق أن لاحظته منذ أعوام طويلة، وأنا أشاهد فيلم «انتقام الفهد الوردي» بطولة بيتر سيللرز. متابعة الفيلم، وفي النية الكتابة عنه، تفقدنا الكثير من لذة المتعة، والملاحظ أننا عندما نعود لمشاهدة الأفلام نفسها، خاصة الكوميدية، خاصة في المحطات الفضائية، فإننا في هذه الحالة نضحك من أعماقنا.ماذا تفعل الكتابة بنا، وأيهما علي حق؟ ذلك الناقد المليء بالخلفيات، أم هؤلاء البسطاء الذين جاءوا لمشاهدة أحمد آدم ليضحكهم من الأعماق، بصرف النظر عن جودة الفيلم، أو مصداقيته. والحقيقة أنني ذهبت لمشاهدة الفيلم، لسبب غريب، أن الكثير من الصحفيين يسألونني عادة عن أفلام العيد ولم أحب أن أكون في صورة «من لم يشاهد». الفيلم هو «شعبان الفارس» إخراج شريف عابدين، تأليف أحمد البيه، لابد أن تكون لدي المرء خلفية ما من إعلانات الفضائيات عنه، وأيضًا من اسمه، ومن الأفيش الموجود عند باب السينما، ولابد أن يستنتج المرء ما سوف يحدث تباعًا من أحداث لشعبان، الأب الموصوم بالخوف الأبدي من كل الأشياء، والذي يغالي الفيلم في وصفه كجبان يخاف من كل شيء، خاصة المشهد الذي ينزل فيه تحت السرير، ويترك زوجته تضرب اللص ضربًا مبرحًا. فلابد أن المتفرج يعرف سلفًا، أن هذا الشخص المغالي في وصفه بالجبن، سوف يتحول إلي «فارس» حسب عنوان الفيلم، وذلك أيضًا من خلال رغبة الابن عمر أن يشترك في مسابقة «الفارس الأول» من ناحية ثم حين يقوم عمر بالاتصال بالبرنامج من خلال هاتف أبيه. يعني النتائج معروفة سلفًا، أن هذا الشديد الجبن، سوف يكون فارسًا، وشجاعًا، خاصة حين يقوم بإنقاذ ابنه من براثن العصابة التي اختطفت عمر مقابل إعادة وثائق كان الأب قد أخفاها.. إذن فعنصر المفاجأة قد تلاشي، ويبقي أمامنا ما يمكن تسميته بالتفاصيل، أو كيف تم ذلك، وهذا في أغلب الأحيان يفقد الدهشة الكثير من بريقها، باعتبار أن السينما التجارية الآن أغلبها حول التحول لدي الإنسان، خاصة البطل.لذا، فإن الفيلم قد غالي في تقديم الصفة، ونقيضها بشكل ملحوظ، فشعبان بالفعل شديد الجبن لدرجة لا يمكن تصورها، ولعل مشهده تحت السرير يؤكد ذلك، فالسبب نفسه الذي دفع شعبان لأن يكون شجاعًا مقدامًا، وهو إنقاذ ابنه، هو السبب نفسه في بداية الأحداث، حيث إن الزوجة التي خرجت إلي اللص لتضربه علي رأسه وتستدعي الجيران، الذين كانوا كأنهم ينتظرون خارج الباب، فالسبب في الحالتين إنقاذ الابن، حيث كانت الزوجة السابقة فادية حاملاً في تلك الليلة. كما أن الفيلم غالي في تصوير شجاعة شعبان، وهو يذهب إلي العصابة من أجل إنقاذ ابنه وقد بلغ سن السابعة. لكن ما بين هذين المشهدين، هناك مواقف مضحكة فعلاً، لذا فإن وسط الفيلم هو الأفضل، وقد تجلي فيه أحمد آدم كممثل، كما أنه مكتوب بشكل جيد، فهو الوحيد الذي لا يعرف أن المسدس المتطور الذي يحمله، هو مسدس لا يحمله سوي عتاة الإجرام، ومن هنا يأتي التناقض في الموقف، فهذا الجبان بشدة، يحمل مسدسًا لقاتل، ويمكنه أن يقتل به لو ضغط علي الزناد، ولو علي سبيل المزاح، لكن الفيلم يحتفظ لشعبان ببراءته، وطهارته، فهو لا يطلق هذا المسدس أبدًا، حتي ولو من أجل إنقاذ ابنه، وإنما يترك الفيلم لعتاة الإجرام أن يفعلوا ذلك بأنفسهم، مثل المشهد الذي يتم فيه القتل في الدور الأرضي بالفيللا، حيث يقتل مجرمان أحدهما الآخر، كما أن المجرمين أيضًا يقومون بتصفية أنفسهم، في مشهد مشابه في نهاية الفيلم، بل إن لمياء جومانة مراد تموت في هذا المشهد.نعم، الناس ضحكت من التناقض الحادث، وهذا التناقض مبني علي التوهم، فمخرج برنامج «الفارس الأول» يعطي تعليماته إلي المتسابق شعبان، بأن كل ما يحدث من حوله من قبيل التوهم، فكل شيء يتم تصويره بالكاميرا، وهو في داخل لعبة، وكل ما يدور من حوله ليس أكثر من لعبة. إلا أن المصادفة، وما أكثرها في أفلامنا، تدفع شعبان كي يكون جزءًا من حقيقة إجرامية، فالمفروض أن هناك عصابات إجرامية، تبحث عن وثائق، لا نعرف ما أهميتها بالضبط، وتتحدث بالملايين دون أن نري نقودًا، بعضها مقيم خارج مصر، والبعض الآخر بين الإسكندرية والقاهرة، هذه العصابات صاحبة المسدسات المتطورة، في مقابل ضابط «مستظرف»، يعمل وحده في أغلب أحداث الفيلم، وأيضًا أحداث حقيقية أخري، منها الابن عمر الذي يتوقع أن يفوز أبوه بلقب الفارس الأول، والزوجة السابقة التي تعنف ابنها دوما لإعجابه الشديد بأبيه، وقصص أخري عديدة، يقدمها الفيلم بالتفاصيل.الانتقال من التوهم، إلي الحقيقة، هو الذي أثار الضحك، والتصرفات التي تصرفها شعبان بأنه داخل لعبة تليفزيونية، ومن الواضح أننا أمام فيلم مقتبس، لكنني لم أتوصل بعد إلي المصدر، لكن كل هذه الملابسات المحبوكة، تؤكد أننا أمام فيلم أمريكي من مئات الأفلام التي لم نتمكن من مشاهدتها لكثرتها، والتي تمر علي الشاشة الصغيرة، وفي القاعات مرور الكرام، لكن هذا الأمر لم يجزم بعد، إلا من خلال تفسير الأجواء، كل هذه العصابات، والرصاصات، والبرامج التليفزيونية من هذا النوع.من ناحية أخري، فإن الناقد قد لا يتذوق مثل هذا النوع من المواقف، باعتباره قد صار محترف مشاهدة لهذا النوع من المشاهد والحوارات، فالفيلم يعتمد علي ما يسمي بالمقابل في الحوار كأن يقول مجرم جملة حوارية، فيفهما شعبان علي أنها من سيناريو اللعبة، وقد اعتمدت الكوميديا في الفيلم علي هذا الفهم الخاطئ، من جانب البطل، فلمياء تتعامل مع شعبان علي أنه القاتل المنفذ للعملية الذي جاء لينقذها، فمنحته الحقيبة، وقام هو بعد ذلك بإخفاء الوثائق رغم أنه يعرف تمامًا أنه داخل لعبة.وقد نبعت الكوميديا من مواقف تقليدية، مثل العلقة الساخنة التي تكون من نصيب أي مواطن يدخل غرفة الحجز في أي قسم شرطة ، كما نبعت الكوميديا من خلال جمل من طراز «اجري يا ابن آدم جري الوحوش» ان كبر ابنك خاويه.. وإذا كانت الجملة الثانية هي جواب الجملة الأولي فإن المثل الشعبي «إن كبر ابنك خاويه» ليس في حاجة إلي بداية، أي أنه مستقل.هذا النوع من الكوميديا مطلوب غالبًا ومستحب، ففيه يتم التحول، أو التطهر، لدي فرد، من النقيض إلي النقيض، كما أنها تمتزج غالبًا بأجواء مطاردات، وفي أغلب الأحيان، فإن القتل هنا يكون بلاستيكياً، مثل قصص الكارتون، فالموت لا يكون حقيقة، لذا فإن موت أفراد العصابتين في أكثر من مشهد، يصنع مزيجًا مختلفًا من الأفلام، لأن الجريمة والدماء لا تمتزجان مع الكوميديا، ولنراجع سلسلة أفلام المفتش كلوسو، المسماه «الفهد الوردي» فرغم المطاردات، والعصابات الإجرامية، فلا نعرف تقريبًا أن هناك قتلاً حقيقياً، أو موتاً لأن هذا يفسد الموت، خاصة موت لمياء، البطلة الرئيسية في الفيلم. لذا، تبقي هذه الأفلام مثيرة للحيرة، هي أقرب إلي ألعاب الفيديو، مع مزيج من الضحك، والتعليقات التي يرددها شعبان الذي تمنحه إدارة البرنامج جائزة خاصة، رغم خروجه من المسابقة، والملاحظ أن الفيلم لم يحتف بالفارس الأول الحقيقي الذي ظل في المسابقة حتي النهاية.

جريدة القاهرة في 30 ديسمبر 2008

 

جميع الحقوق محفوظة لموقع سينماتك
  (2004 - 2009)