حول الموقعخارطة الموقعجديد الموقعما كـتـبـتـهسينما الدنيااشتعال الحوارأرشيف الموقع 

«خطبة الملك»..

الأسرة المالكة البريطانية علي جناح الأوسكار

بقلم : د.رفيق الصبان

ليست هذه هي المرة الأولي التي تتجه فيها السينما الإنجليزية إلي رواية أحداث مهمة تتعلق بملوكها فمنذ أمد طويل وعن طريق المسرح تعرض كتَّاب الدراما الإليزابيثية كشكسبير ومارلو وغيرهما إلي سرد الأحداث الدموية التي أحاطت بعائلة وندسور ووصولها إلي سدة الحكم والخلافات والمعارك بين أعضائها.. لدرجة جعلت من التراجيديا التي كتبها شكسبير عنهم مثلاً.. ساحة امتلأت بالدماء والأشلاء والرؤوس المقطوعة. وحتي بعد شكسبير حاول الكتَّاب المعاصرون أن يستلهموا من أحداث المآسي الملكية أعمالا تضج بالموهبة والصراخ وتشهد علي حركة التاريخ وطموح الأبطال. وجاءت السينما لتحذو حذو المسرح.. ووجد المخرجون السينمائيون، في التاريخ الإنجليزي القديم والحديث مادة لا تنضب لأفلامهم السينمائية.. يضعون من خلال التاريخ رؤاهم المعاصرة ونظرتهم إلي سيرورة الأحداث. بل إن الأمر تجاوز الآن التاريخ القديم وصراعات آل وندسور وتوجه إلي التاريخ الحديث يستلهم منه المادة السينمائية.. ويعيد لنا ذكري أشخاص أموات أو أحباء مازالت سيرتهم تعيش بيننا متأصلة في ذكرياتنا ورؤانا. وهكذا مثلاً.. رأينا فيلما عن حياة تشرشل.. وآخر عن حياة الملكة فيكتوريا وثالثًا عن شخصية بلير وموقعه التاريخي المريب. وكان ذلك واضحًا كل الوضوح في فيلم (الكاتب الشبح) وإن لم يذكر الفيلم اسم بلير صراحة. مكانة مميزة وها هو فيلم المبدع ستفن فريرز عن حياة الملكة إليزايث الثانية والأزمة التي مرت عليها إثر مقتل الأميرة ديانا يحتل مكانًا مميزًا بين الأفلام السينمائية وينال صاحبه جائزة الأوسكار وممثلته الأولي.. أوسكار آخر كأحسن ممثلة. التاريخ يعيد نفسه.. وها هي هوليوود للمرة الثانية تتوج فيلمًا عن حياة الملك جورج السادس واعتلائه العرش تحت اسم (خطبة الملك) وتمنحه أربع جوائز أوسكار هي الأكثر أهمية (جائزة أحسن فيلم وأحسن إخراج وأحسن سيناريو) وتتبع نفس التقليد الذي اتبعته عند منحها جوائزها لفيلم (الملكة) فيعطي جائزة أحسن ممثل. للممثل الإنجليزي النابغة (كولين فرث) وبذلك تؤكد بقوة هذه الاتجاه للتاريخ المعاصر الذي سلكته السينما الإنجليزية وتعطيه درجة الامتياز متفوقًا علي الخيال السينمائي في المبدع والروح السينمائية الصافية التي قدمها المخرج الشاب (ارنوفسكي) في فيلمه البديع (البجعة السوداء) الذي خرج من سباق الأوسكار فائزًا بجائزة واحدة هي جائزة التمثيل النسائي للرائعة ناتالي لورتمان. إذن (خطبة الملك) اكتسح هادرا جوائز الأوسكار ومن قبلها الجولدن جلوب وجوائز البافتا الإنجليزية المعادلة للأوسكار محطمًا في طريقه جميع الأفلام الأخري. فما هي إذن هذه (الخطبة) الشهيرة.. وماذا تريد أن تقول؟ عندما تنازل إدوار الثامن عن عرش بريطانيا.. احتجاجًا علي موقف البلاط منه وعدم موافقته علي الزواج بالسيدة الأمريكية التي أحبها بحجة التعارض مع التقاليد الملكية المتعارف عليها والتي تمنع زواج الملك بامرأة مطلقة.. والحقيقة كما نعرفها أن الأسباب الخفية لتلك المعارضة كانت الميول النازية التي كان يحملها إدوار في قلبه وتعاطفه مع الألمان.. وكانت بريطانيا آنذاك علي مشارف حرب كبري ستواجه فيها ألمانيا. لذلك لم يكن من المستحب أن يصعد علي عرش المملكة.. رجل يتعاطف مع العدو المرتقب. بالطبع ليس هذا موضوع فيلمنا.. وإن كانت سخونة هذا الموضوع تسمح له بأن يصنع فيلمًا آخر عن السلطة وأهواء القلب.. ربما رأيناه في وقت لاحق. تهتهة لفظية المهم أن العرش بعد استقالة إدوار الثامن.. اتجه بشكل شرعي إلي أخيه جورج دون بورك الذي سيصبح فيما بعد (جورج السادس) ووالد ملكة بريطانيا الحالية إليزابيث الثانية. الفيلم يبدأ في العشرينات.. حيث كان دون بورك سيلقي خطبة أمام الجمع المحتشد في مناسبة قومية لكننا سرعان ما نكتشف عجزه عن إلقاء هذا الخطاب لإصابته بتهتهة لفظية تمنعه من استكمال جملة هذه التهتهة المرضية.. تبعد دون بورك عن الحياة العامة.. وتحاول زوجة (ماري) بشتي الوسائل أن تجد له علاجًا حتي لو اضطرها ذلك إلي اللجوء إلي (رجال) يملكون القدرة علي الشفاء دون أن يكونوا قد حصلوا علي الشهادات الطبية اللازمة لممارسة المهنة. وتعثر ماري بالفعل علي هذا الرجل في حي فقير.. وتتقدم منه باسم مستعار طالبة فيه المجيء لشفاء زوجها الذي لا تكشف عن هويته ولكن (الطبيب) يرفض الذهاب ويطلب من الزوجة أن تأتي بزوجها إليه. وتنجح ماري في إقناع زوجها.. بالمجيء لرؤية هذا (الطبيب) الذي سمعت أنه قد نجح في شفاء حالات مماثلة ويستجيب (دون بورك).. ولكن منذ اللقاء الأول الشديد السخونة.. تتوضح معالم معركة فاصلة بين الرجلين. الطبيب في كبريائه واعتداده بنفسه والملك القادم بسيطرته وجلاله. وتدور أحداث الفيلم كلها بعد ذلك في هذا السياق.. بين شد وجذب وينجح الفيلم في رسم صورة باهرة وشديدة الإقناع للشخصيتين.. مما يذكرنا بطريقة ما بفيلم مماثل أنتج في الستينات باسم (صانعة المعجزات) أخرجه أرثر بن عن طفولة هيلين كير الخرساء والعمياء التي نجحت أستاذتها بعد جهد طويل في إخراجها من إعاقتها.. ومن تحويلها إلي هذه الشخصية الكبيرة التي نعرفها. عناد مشترك.. وفوارق اجتماعية خارقة.. وجهد مستميت.. وخفايا القلب الإنساني والطموح.. ومحاولة قهر العجز بالإرادة كل ذلك يصور الفيلم ببراعة تشد الأنفاس وتشد الأذن.. عندما يموت الملك جورج الخامس ويتقلد إدوار مهام العرش الإنجليزي. وهنا تظهر خيوط المأساة.. إدوار يبحث عن الحب لا المجد.. والبلاط والكنيسة يرفضان زواجه بالمرأة التي يحبها فما يكون منه إلا التنازل عن العرش. وجد (دون بورك) نفسه ملكًا عوضًا عن أخيه. خيوط المأساة وهنا تتجلي خيوط المأساة إذ كيف سينطق الملك الجديد خطبة العرش.. وهو علي هذه الدرجة من التهتهة.. وخصوصًا في ظروف باتت فيها بريطانيا علي شفا الدخول إلي حرب عالمية.. وعلي الملك الجديد أن يعلن ذلك علي شعبه. ومن خلال توتر درامي سريع النبض.. يأخذنا الفيلم إلي دهاليز وكواليس السياسة والقصور.. ويضطر إدوار إلي العودة مرة أخري إلي (الطبيب) الذي تركه بعد مشاجرة حامية ليطلب مساعدته هذه المرة كصديق وليس كملك. السيناريو البارع الذي يعتمد كثيرًا علي حوار متخيل بين الطبيب والملك يصل إلي ذروات مدهشة من التأثير والعمق. كما نجح المخرج الشاب رغم تقيده لكلاسيكية صارمة في إخراجه في تلميع اللحظات الإنسانية بين الرجلين.. والتركيز علي تفصيلات دقيقة أعطت الفيلم حرارة وواقعية (الأسانسير الذي لا يقفل بابه.. وحوار الملك الإنسان مع بناته الأميرات). كما نجح في رسم الأجواء الملكية والحفلات الأرستقراطية (حفلة إدوار وظهور ميرمز سمبسون وتجاهل ماري تحيتها) كما استطاع أن يعطي دفئًا ووهجًا لعلاقة الأخين مع بعضهما (جورج وإدوار) وأن يرسم رغم قلة المشاهد بينهما صورة واضحة ومؤثرة لشخصية كل منهما. عبقرية الأداء في كل هذه النوعية من الأفلام.. يحتل الأداء الموقع الأول.. متخطيا الأحداث والحوار والصراع الدرامي. والحق أن النسبة الكبري لنجاح خطبة الملك وتحقيق هذا النجاح الساحق هو روعة أداء كل من جيفري روش في دور الأستاذ وكولين فيرث في دور الملك وكم كان من العدل أن يتقاسم الاثنان جائزة الأوسكار التمثيلية عوضًا عن أن ينفرد واحد منهما بها.. بينما استطاعت الموهوبة هيلينا كارتر أن تجسد بدقة وعذوبة فائقتين دور (الملكة ماري) وتجنح بنا الذكريات ونحن نري الممثلة الكبيرة القديمة (كلير بلوم) في دور لا تتجاوز مدته الدقائق. وكالعادة بمثل هذه الأفلام التاريخية الإنجليزية يلعب الديكور دورًا مهمًا في خلق الاقناع من خلال هذه القصور الملكية والكنائس ونوعية الثبات وطريقة السلوك. قد لا تكون (خطبة الملك) مستحقا لجوائز الأوسكار الأربعة المهمة التي حصل عليها وحرم بقية الأفلام المتنافسة من الفوز.. ولكن دون أدني شك فهو فيلم يعيد للسينما الإنجليزية زهوها وأمجادها وإذا كان لا يرقي سينمائيا إلي فيلم (الملكة) الذي أخرجه (ستفن فريرز) فربما يعود هذا إلي فارق التجربة والخبرة التي تفصل بين مخرج شاب ومخرج مخضرم قدم للسينما روائع سينمائية لا تنسي.

جريدة القاهرة في

15/03/2011

 

«الگاتب الشبح».. وسينما الفضائح السياسية

بقلم : د. وليد سيف 

وها هو فيلم جديد يفضح تواطؤ دول كبري وتورط زعمائها في مسئولية بحر الدماء الذي أسيل في أرض العراق الشقيق . يعود بعد غياب المخرج البولندي العالمي الكبير رومان بولانسكي بفيلمه الإنجليزي (الكاتب الشبح )the ghost writer فيتصدي من خلاله لهذا الملف السياسي بأسلوب بوليسي شديد التشويق والجاذبية، بل وليصنع منه نموذجا رفيعا لهذه النوعية من الأفلام، وقد أمكن لهذا الفيلم الكبير أن يحصد العديد من الجوائز منها ستة من الاتحاد الأوروبي علي رأسها أحسن فيلم وأحسن إخراج وأحسن سيناريو، وأيضا جائزة الإخراج في مهرجان برلين . في الكاتب الشبح يتمكن بولانسكي من أن يطرح أفكاره بمنتهي القوة والبلاغة مع قدرة هائلة في نفس الوقت علي أن يحافظ علي عناصر المفاجأة والترقب ليفرض علي المشاهد حالة من الاستغراق التام مع الأحداث تمتد طوال مدة العرض . بل إن تأثير الفيلم سوف يظل عالقا في ذهن مشاهده كثيرا لقدرة صانعه الفذة علي تحقيق بناء درامي محكم ورؤية سينمائية مثيرة للتأمل، وبأسلوب يتميز بقدر كبير من الواقعية والمصداقية . وهو يضيف الكثير من المعرفة إلي جمهور مشاهديه عن الكواليس السرية والأدوار المريبة التي تلعبها أجهزة المخابرات ومؤسسات الحكم في صنع الخدع والأكاذيب ..وفي السيطرة علي مقدرات الشعوب بأساليب ملتوية من أجل تحقيق مصالحها مهما كان الثمن . الكاتب المجهول يقدم ( الكاتب الشبح) شخصية جديدة تماما علي ساحة الدراما في موقف استثنائي من النادر أن يواجهه أحد . إنه الكاتب الذي يقوم بتدوين مذكرات لشخصيات مهمة وصياغتها أدبيا لإعدادها للنشر .. لن تحمل هذه المذكرات اسم هذا الكاتب عندما تنشر ولكن سيتصدرها فقط اسم صاحب المذكرات، لهذا يطلق علي كاتبها اسم الكاتب الشبح . فهوالجندي المجهول في هذه العملية التي لا يمكن أن تتحقق بدونه، فصاحب المذكرات الأصلية وإن كان يمتلك كل التفاصيل والحكايات إلا أنه لا يمتلك موهبة الكتابة ولا القدرة علي صياغة الحكايات بالأسلوب المشوق والتتابع المتسلسل . تبدأ أحداث الفيلم، المأخوذة عن قصة الشبح للكاتب البريطاني ريتشارد هاريس، بمنتهي القوة والإثارة . فلا وقت لدي السيناريوحتي لنزول العناوين، فاللقطات الأولي التي تتابع في هدوء حركة هبوط المسافرين والسيارات من العبارة تكشف عن سيارة بدون سائق . وسرعان ما يتم التعرف علي جثة سائقها فهوكاتب شبح كان يعمل في إعداد مذكرات رئيس وزراء إنجليزي سابق يدعي آدم لانج - بروس بروسنان - أقيل من منصبه بعد اتهامه بالمسئولية عن عمليات تعذيب لمجموعة من المتهمين دون سند قانوني . كما يواجه هذا الرجل مطالبة الرأي العام بمحاكمته أمام محكمة العدل الدولية عن هذه الجرائم . كانت كتابة هذه المذكرات هي وسيلة رئيس الوزراء السابق لتوضيح موقفه وإثبات براءته من هذه الاتهامات . ولكن مقتل الكاتب الشبح المكلف بكتابة هذه المذكرات دفع دار النشر إلي إيقاف المشروع، لولا تطوع كاتب جديد لإنجاز المهمة ووعده بأن يقوم بها علي أكمل وجه.. وهكذا يسافر الكاتب الجديد إلي استكلندا لمقابلة رئيس الوزراء المعزول للقيام بمهمته . وهناك يبدأ الكاتب في تدوين المذكرات بروح محايدة وكأنه علي استعداد تام للتواطؤ في إخفاء أي معلومات ولا يعنيه كمحترف كتابة سوي معالجة ما يحصل عليه من مادة . ربما يفتر الإيقاع بعض الشيء في هذه المقدمة الجديدة . وهو هبوط ناتج أيضا عن حالة زخم من المعلومات كان يصعب علي المخرج تجاوزها ولكنه كان عليه تكثيفها بعض الشيء . وإن كان تمكن من تقديمها بلغة سينمائية متطورة في توظيف بارع لعناصر الصورة والصوت. في شريط الصوت تتجلي القدرات التعبيرية للمكساج بتحقيق توليفة نادرة، وبتوزيع محسوب لموسيقي ألكسندر دسبلات الصوتية الموحية، والمتوازية بتصاعدها مع حالات الفيلم المختلفة . وبقدرتها علي فرض أجوائه الغامضة والموحية ولتكمل جوانب الصورة وتعبيرات الوجوه . وتتضافر المؤثرات الصوتية مع الموسيقي التصويرية لصنع حالة تعبيرية وتأثيرية تمتزج مع جمل الحوار المنثورة بعناية كحبات اللؤلؤ حيث تضيء كل جملة وعبارة مناطق من الغموض والابهام، لتدخل بالمشاهد إلي حالة من الاستنارة بأسلوب درامي خالص . وإذا كان الحوار يتميز بالدرامية والتوافق مع الرؤية الفكرية للفيلم بوجه عام إلا أن الإستثناء الوحيد لذلك يأتي في مشهد تبرير رئيس الوزراء لسياسة التواطؤ مع الإرهاب، حيث تبدوكلماته مؤثرة ومقنعة بعض الشيء، مما يصنع نوعا من الارتباك المحدود ولكنه لا يضعف كثيرا من الحالة الدرامية للفيلم . وهي نفس الحالة التي تحققها الصورة في أجواء مختارة بعناية لتصبح الجزيرة هي منطقة الدخول من الظلام والضباب إلي نور المعرفة . إن الجزيرة بأجوائها وموقعها وطبيعتها وبحرها المتلاطم ومناخها البارد هي المتاهة كبيرة التي يعيشها الكاتب الخفي، ونعيشها معه في أجواء باردة وممطرة وعمق متناه سواء في البحر أو الغابة التي تدور فيها المطاردات. صورة ضبابية يغلف شخصية رئيس الوزراء الأسبق ستارا من الغموض . ومع ظهور شخصيات تحيط بالمكان تتهمه بل وتدينه بالعديد من الجرائم يتصاعد الفضول في نفس الكاتب لمعرفة المزيد والمزيد . وتتوالي الأحداث التي تضع المشاهد في قلب الحيرة التي يعيشها الكاتب نفسه . وفي الوقت الذي يكاد فيه ضباب الغموض أن يفرض دخانه الكثيف، تتجلي الحقيقة عن مفاجأة مدهشة فزوجة رئيس الوزراء روث - أوليفيا ويليامز - هي العميلة السرية التي كانت وراء كل ما حدث والتي ساقت زوجها والعالم إلي هذا الوضع المؤلم تنفيذا لتوجيهات جهاز السي آي إيه، وتحقيقا لمصالح السادة الأمريكان . اشترك كاتب القصة مع المخرج في كتابة السيناريوالذي تميز بدقة رسمه للشخصيات وتوظيف طبائعها ومكوناتها في خدمة الموضوع والتأكيد علي معانيه ودلالاته . وينطبق هذا الكلام علي الشخصيات الثانية والثانوية تماما كما ينطبق علي أبطال العمل . ويساهم اختيار الممثلين بمستوي قدراتهم وتوافق إمكانياتهم الشكلية والتعبيرية مع الشخصيات التي يلعبونها . وسوف تنطبع في الذاكرة صورة هذا العجوز بظهوره المحدود كشاهد علي الجثة، فقدت شهادته معناها وقيمتها ولم يبق علي وجهه سوي هذا الشعور بالسخرية المرة التي تجلت في تساؤلاته المقتضبة التي وجهها لرئيس الوزراء عن سبب تحالفه مع الرئيس الأمريكي الذي يصفه بالمأفون . تتوالي المشاهد في إيقاع سريع محكم وفي حركة ديناميكية لا تتوقف . ويساعد في سرعة الإيقاع البناء البصري للفيلم الذي يتحقق عبر لقطات قصيرة ومترابطة وحركة كاميرا نشطة وتبدو وكأنها تلهث لمتابعة الحكايات بأحداثها وتفاصيلها . وحيث تتجلي روح البناء الفسيفسائي في الاعتماد علي اللقطات القريبة المعبرة المشبعة بروح الشخصيات وأحاسيسها لتحقيق حالة من الإقتراب الحميم بينهم وبين المشاهد . جوانب خفية يكشف الفيلم عن جوانب خفية من موهبة الممثل بروس بروسنان الذي لم تتحقق شهرته إلا من خلال أدائه الباهت لشخصية جيمس بوند التقليدية . ولكنه في دور رئيس الوزراء في فيلم الكاتب الخفي يعبر عن قدرات بارعة في الأداء، وفي التعبير عن شخصية آدم لانج المنهار المحطم، رغم كل مظاهر التماسك ، والذي لم يتبق له سوي أمل واحد يحاول تحقيقه باستماته، ولكن بمنتهي الحذر وهوالأمر الذي تكشف عنه المشاهد الأخيرة من الفيلم . أما إيوان بروفي دور الكاتب الشبح فهويرسم خطة متقنة للشخصية في تصاعد تعبيراتها وانفعالاتها بمنتهي الدقة . ويمكنك أن تلحظ هذا التدرج الانفعالي الناعم للشخصية منذ بدايتها في التعامل مع المذكرات بطريقة مهنية وحرفية وحتي يصل إلي حالة شديدة من الاندماج معها وتحدي أسرارها وغموضها حتي يصل إلي الحقيقة التي ستودي به إلي مصير سابقة . وكأن رحلة الشاهد الخفي التي تابعناها هي رحلة مكررة أومطابقة لزميله الذي لم نر منه في بداية الأحداث سوي جثته التي ألقي بها البحر إلي الشاطيء . ولنتأكد من أن الغريق الأول كان قتيلا أيضا وكان ضحية لهؤلاء الذين يسعون للتكتم علي جرائمهم وفضائحهم، وبوسعهم أن يفعلوا أي شيء لتكميم صوت الحقيقة . فهناك مافيا تسعي للحفاظ علي مصالحها كشفته عنها هذه المذكرات من شركات سلاح، إلي أجهزة مخابرات، إلي مسئولين كبار . وإذا كنت ستتعامل مع المسألة علي اعتبار أن رئيس الوزراء في الفيلم هوالمعادل لشخصية توني بلير رئيس الوزراء الإنجليزي، فإنك سوف تجد صورة تكاد تكون متطابقة بين الشخصيتين ووقائع أحداث حياة وسياسات كل منهما . فبلير مثل لانج تعاون مع كل قرار وأيد كل قرار إتخذه به البيت الأبيض قبل واثناء وبعد غزوالعراق سنة 2003 . الخلاف الأساسي الوحيد قد يبدوواضحا فقط في طلب محكمة العدل الدولية في الفيلم محاكمة الوزير الأول المحاكمته عن جرائم حربه . وهو ما لم يحدث في الواقع وإن كنا نتمني أن يكون الفيلم برؤيته الثاقبة قد أمكنه استشراف المستقبل القريب الذي نرجو أن يتحقق وهو الأمل الوحيد الذي يقدمه هذا الفيلم علي الرغم من نهايته المأساوية وما يطرحه من خلالها لصورة متشائمة للواقع يكاد الشر فيه أن يواصل انتصاراته وفرض أكاذيبه.

جريدة القاهرة في

15/03/2011

 

كواليس قصر الرئاسة في «18 يوم» تتصدر الموسم الجديد

بقلم : مرفت عمر 

ثورة 25 يناير وقضايا حظر التجول والميدان وشوارع الجنة داخل بلاتوهات السينما الفنانون يتنازلون عن أجورهم دعما لعجلة الحياة وآخرون يخفضونها تتصدر أحداث ثورة 25 يناير البيضاء القضايا السينمائية التي ينوي القائمون علي الساحة الفنية تقديمها خلال الفترة القادمة منهم من شرع في كتابتها بالفعل وآخر يعتمد علي فكرة عامة تكشفها الأحداث خلال الأيام القليلة الماضية.. ولا شك أن الثورة غنية بالأفكار الكفيلة بتقديم العديد من الأعمال سواء سينمائية أو تليفزيونية أو مسرحية ، الأمر الذي دعا العديد من المؤلفين والمخرجين للتعبير عن رغبتهم القوية في تقديم أعمال فنية تتناول هذا الشأن. العديد من صناع السينما في مصر، والذين شاركوا في الثورة، وشاهدوا فعالياتها وكواليسها رأي العين، قد أعلنوا أنهم قد انتهوا بالفعل من إعداد سيناريوهات ومشروعات فنية تتمحور حول أحداث 25 يناير. أيام الاعتصامات وقد أعلن الكاتب والسيناريست بلال فضل أنه سيقوم خلال الفترة القادمة بنقل قصص ميدان التحرير إلي الشاشة السينمائية، حيث أكد أنه سيقوم بكتابة فيلم يتحدث عن أيام الاعتصامات، لافتاً إلي أن الفيلم سيكون عبارة عن لقطات متتالية أو عدة أفلام قصيرة سيتم دمجها معاً لتأتي في النهاية كفيلم واحد، يشرف عليه بالكامل المخرج مروان وحيد حامد.وأعلن فضل عن تطوع عدد من الفنانين الذين شاركوا بأنفسهم في المظاهرات لتجسيد شخصيات الفيلم، وذلك بدون أجر، ومنهم أحمد حلمي ومني زكي وعمرو واكد وخالد أبو النجا وآسر ياسين وكريم قاسم وعمرو عابد ويسرا اللوزي.وأشار فضل إلي أنه يعد أيضاً لفيلم ضخم عن نفس الحدث، ولكنه سيغلفه بمسحة كوميدية مميزة، مؤكداً أنه سيتطلب عملا مكثفا ومجهودا كبيرا، وبالتالي لن يتم الانتهاء منه قريبا. حظر تجول والمخرج سامح عبد العزيز والسيناريست أحمد عبد الله يقيمان حالياً ما يشبه المعسكر المغلق، بهدف الانتهاء من كتابة سيناريو فيلم سينمائي جديد بعنوان (حظر تجول)، الذي استوحي عبد الله أحداثه من تشكيل اللجان الشعبية التي انتشرت في مصر تماشياً مع انسحاب قوات الشرطة من الشارع المصري علي خلفية أحداث 25 و 28 يناير الماضي، وما تبعها من فتح السجون للبلطجية للسطو علي منازل السكان وترويع أمنهم. وينتظر الثنائي "عبد العزيز - عبد الله" الانتهاء من السيناريو لترشيح أبطاله والاتفاق مع الجهة الإنتاجية التي ستتولي تمويله، علي أن يبدأ تصوير أحداثه خلال أبريل المقبل. من جانبه، يعد المخرج مجدي أحمد علي للبدء في تصوير فيلمه الجديد "الميدان" فور الانتهاء من كتابته مباشرة، مؤكداً أنه سيقوم باستغلال المشاهد الحية التي صورها خلال أحداث الثورة لتكون تأريخاً حقيقياً لهذا الحدث العظيم. الفيلم تدور أحداثه حول الدكتور طارق حلمي، وهو جراح في عمليات القلب للنوع النادر ومنفصل تماماً عن العالم ولا يهتم فقط إلا بمرضاه، إلي أن جاءت الثورة ونزلت أسرته للميدان وطالبته بالنزول لإنقاذ الجرحي، وتتخلله قصص أخري مازالت في مرحلة الكتابة. ومرشح لبطولته أحمد عبدالعزيز ونهي العمروسي ومني هلا وأحمد مجدي. أما المخرج خالد الحجر فقد بدأ بالفعل في الإعداد لفيلم "شوارع الجنة" الذي يحكي يوميات 6 من الشباب الذين اعتصموا لأيام عدة في ميدان التحرير بوسط القاهرة للمشاركة في ثورة 25 يناير والتي انتهت بتنازل الرئيس حسني مبارك عن سلطاته للمجلس الأعلي للقوات المسلحة. الفيلم سيقوم بكتابته السيناريست أسامة حبشي، الذي أكد أن أحداث الفيلم ستركز علي التكوين الاجتماعي المتباين للمشاركين في الثورة التي اتخذت من ميدان التحرير مقراً لها 18 يوماً متواصلة، وراح ضحيتها بحسب إحصاءات رسمية أكثر من 364 مصرياً. 16 ساعة من ناحية أخري، أكد خالد أبو النجا أنه تمكن خلال مشاركته في ثورة 25 يناير من تصوير أكثر من 16 ساعة بكاميرته الخاصة، لافتا إلي أن المادة التي جمعها تصلح لتقديمها في عدة أفلام تسجيلية قصيرة عن كواليس الثورة منذ بدايتها يوم 25 يناير وحتي نهايتها يوم 11 فبراير.أبو النجا أوضح أنه سيقوم بتحويل مادته الفيلمية إلي حوالي 10 أفلام وثائقية، حيث تصل مدة كل منها إلي 10 دقائق، سيتولي إخراجها 9 مخرجين، بالإضافة إلي أنه سيقوم بنفسه بتولي إخراج أحد هذه الأفلام، كما سيسند فيلما آخر للمخرج أحمد عبد الله. كما أعلنت المخرجة نيفين شلبي عن قرب انتهائها من مونتاج فيلمها الوثائقي الطويل الجديد "أنا والأجندة" الذي صورته أثناء التظاهرات، حيث اختارت مجموعة من شباب الثورة ليس لهم أي نشاط سياسي ومن فئات اجتماعية مختلفة، وليس لهم أي أجندات دولية لإسقاط نظام الحكم، ليكونوا هم أبطال العمل. وقالت الفنانة داليا البحيري إنها تتمني المشاركة في أي عمل فني حول بطولات الشباب خلال الثورة. كواليس الرئاسة لم يكن ميدان التحرير أو بسالة الثوار أو تحضرهم في الدفاع عن المتحف المصري أو تنظيف الميدان، هو ما لفت منتجي هوليوود لإنتاج فيلم أمريكي عالمي عن المشهد الأبرز في مصر حاليا، ولكن صناع السينما الأمريكية اجتذبوا خيطا جديدا للرواية، حيث تم الاعلان عن نية بعض المنتجين انتاج عمل ضخم بعنوان "18 يوم"، يتناول كواليس مؤسسات صنع القرار في مصر خلال الـ 18 يوماً التي شهدت اندلاع الثورة، لرصد تصرفات وسلوك الرئيس السابق مبارك ومن حوله أثناء الأزمة وردود أفعالهم. .وتم ترشيح الممثل الإنجليزي "لان ماكشين" لأداء شخصية الرئيس مبارك، والممثل الأمريكي "ريتشارد دريفوس" لأداء شخصية نائب الرئيس عمر سليمان، والممثل "جيفري تامبور" للقيام بدور محمد البرادعي الرئيس السابق لوكالة الطاقة الذرية أحد أبرز المعارضين لنظام الرئيس مبارك، والممثل المغربي "سعيد طغموي" لأداء شخصية وائل غنيم.

جريدة القاهرة في

15/03/2011

 

 

«ثورة التغيير» .. ومواگبة الفنون

بقلم : د.عمرو دوارة 

تفرض علينا روح ثورة الشعب التي قادها الشباب في 25 يناير التغيير والتحول والتقييم الصحيح.. التغيير بمعني ثورة كل منا علي ماقد يكون معوجا بداخله قبل أن يكون تغييرا شكليا بشعارات وهمية، والثورة علي الذات لابد وأن تنعكس نتائجها علي سلوك جديد يتفق وحجم هذه الثورة التي جاءت علي غير مثال لا في مصر ولا في عالمنا العربي ولا في تاريخ ثورات الشعوب في أي مكان علي وجه الأرض لم تحظ "ثورة الشباب" بمساندة وإجماع جميع فئات الشعب من فراغ، ولم تنطلق شرارة الثورة الأولي من مجرد حادثة فردية أو ظلم تعرضت له فئة أو طبقة من الطبقات، فقد كانت الثورة في حقيقتها بمثابة صرخة "أيوب" التي صرخها كل مواطن مصري بعدما فاض به الكيل، فتعالت الصرخات في آن واحد بعدما تساوي استقبال الموت مع حب الحياة، ألم يكن الواقع في حياتنا أقوي وأقسي من كل أشكال الدراما والميلودراما التي قدمت عبر التاريخ، ألم نشاهد خلال السنوات الأخيرة مجموعات من خيرة شبابنا ترمي بأنفسها في البحار والمحيطات لتحقيق حلم الهجرة غير الشرعية، وألم نشاهد من يتسابقون علي بيع الكلي وأجزاء من أجسادهم حتي يتسني لهم استكمال ضروريات الحياة، إذا فهي ثورة التراكمات الزمنية، والتصميم علي مواجهة جميع أشكال وصور الفساد، والإصرار علي محاسبة جميع المفسدين المتاجرين بأقوات وأراض وحقوق هذا الشعب. والحقيقة التي يجب تسجيلها في البداية أن عددا كبيرا من الأدباء والفنانين الشرفاء قد حاولوا قدر المستطاع - وبتوظيفهم لأقصي هامش حرية سمح به - التعبير عن هذا الواقع المتردي الأليم، ولكن يبقي السؤال المحوري مطروحا وهو: هل استطاع هؤلاء المبدعون القيام بالدور المنوط بهم فعلا ؟؟، وهل نجحوا في التعبير عن الواقع الفعلي بمآسيه الكثيرة الفاجعة ؟؟، والإجابة للأسف بالسلب حيث عجزت جميع الأشكال والقوالب الأدبية والفنية بجميع القنوات علي التعبير عن حجم وبشاعة هذه المأساة المعاصرة، ولكن ذلك لا يمنع بالطبع من رصد وتسجيل بعض المشاركات الإيجابية لعدد كبير من الفنانين الشرفاء الذين لم يحاولوا فقط القيام بتصوير بعض مظاهر المأساة بواقعية، بل وشاركوا أيضا في إثارة وعي الجماهير ومطالبتها بضرورة التخلي عن الخوف، وتحريضها علي اتخاذ الفعل الإيجابي والعمل علي التغيير. تواصل الأجيال الإبداعية هؤلاء الشباب الثوار الشرفاء الذين قاموا بالثورة هم أبناء "مصر" ولدوا بصورة طبيعية من رحمها، وبالتالي فهم ليسوا نبتا شيطانيا مقطوع الصلة عن الأجيال السابقة، بل علي العكس فقد نجحوا في تحقيق ثورتهم - بتلك الصورة المفاجأة التي أذهلت العالم - لأنهم استطاعوا اكتساب جميع خبرات الأجيال السابقة بوعي، مكنهم من تعظيم المزايا والابتعاد عن الكثير من الخطايا ولعل من أهمها الخوف والسلبية. وإذا كان لوسائل الاتصالات الحديثة دور مؤثر وحيوي في إنجاح الثورة، فيحسب لهذا الشباب نجاحه في توظيف تلك الأجهزة والوسائل في تبادل المعلومات والخبرات، وكذلك في التنظيم الرائع وتحديد الأهداف، وأيضا في تبادل الكثير من الأعمال الفنية الصادقة التي عبرت عنهم، لذلك لم يكن غريبا أن نجد هذا العدد الكبير من الشباب - وهو مستمر في اعتصامه لمدة 18 يوما بميدان التحرير - يحولون أمسياتهم الثورية إلي أمسيات ثقافية وفنية، يرددون فيها أغاني الثنائي أحمد فؤاد نجم والشيخ إمام، ويقدمون بعض اللوحات المسرحية الارتجالية أو عروضا للأراجوز المشهور بالطبع بصراحته ونقده اللاذع وسلاطة لسانه، وذلك بخلاف ندواتهم الأدبية وتقييمهم الموضوعي للفنانين والأدباء وقيامهم برصد وحصر أسماء الشرفاء من الفنانين الذين كانت أعمالهم بمثابة الوقود للثورة، وكذلك حصر أسماء هؤلاء المرتزقة الانتهازيين الذين اعتبروهم "كلابا للسلطة". وإذا كان لكل ثورة أن تبرز أدبائها وفنانيها، فقد برز خلال تلك الأيام العصيبة اسم الشاعر الشاب "هشام الكخ" وبعض رفاقه من الشعراء كلسان حال للثورة، وإن كان هذا لم يمنع الشباب أيضا من التواصل مع إبداعات كبار الشعراء كفاروق جويدة وعبد الرحمن الأبنودي وسيد حجاب وأحمد فؤاد نجم سواء ببعض قصائدهم القديمة أو قصائدهم الجديدة التي نجحت في التعبير عن نبض ثورة الشباب. أعمال خالدة مهدت للثورة الملاحظة المهمة والجديرة بالتسجيل والاحترام هي أن هذه الثورة الشبابية إذا كانت قد أكدت بصورة مباشرة علي وعي وثقافة هذا الجيل من الشباب فإنها قد أكدت أيضا وبصورة غير مباشرة علي تلك المكانة المتفردة لبعض الأعمال الفنية القيمة التي ساهم بإبداعها نخبة من خيرة الأدباء والفنانين الذين أحبوا تراب هذا الوطن وعشقوه، فأخلصوا له ولم يتاجروا بموهبتهم فشاركوا بتقديم أعمال خالدة ظلت باقية في الوجدان برغم رحيلهم. وإذا كانت صور الزعيم الخالد/ جمال عبد الناصر قد ارتفعت عالية بالمظاهرات المليونية فإن كلمات/ بيرم التونسي وبديع خيري وفؤاد حداد وصلاح جاهين، والحان/ سيد درويش وكمال الطويل ومحمد الموجي وعمار الشريعي، أغاني/ أم كلثوم ونجاح سلام وعبد الحليم حافظ < علي سبيل المثال كانت حاضرة أيضا وبقوة، وبالتالي فقد أثبتت هذه الأعمال نجاحها في تحقيق التواصل مع الجيل الجديد بالرغم من مرور كل هذه السنوات علي إنتاجها، مما يثبت ويؤكد أن الفن الحقيقي يبقي أبد الدهر أما الفن الهابط فإنه يذهب هباء. لقد تجمع الشباب علي قلب واحد ورفضوا كل اشكال الفن الهابط، لم يعد هناك بينهم من يردد كلمات عمرو دياب وتامر حسني وأبو الليف، الذين افتقدوا شعبيتهم خلال هذه الأيام، وحتي الشباب "السيس الروش الطحن" عادوا إلي رشدهم وأصبحوا يرددون كلمات "محمد منير" إزاي" لأنها بصدقها كانت خير معبر عن قضيتهم. وبعد نجاح الثورة أخذ الجميع يرددون مع صوت الثورة "سلمي الصباحي" كلمات "محمد العدل": (الله حي وسع سكة الضي أهو جي ... والتحرير كان اسم ميدان أصبح للثوار عنوان). محاولات الانتهازيين لركوب الموجة لكنني ونحن في هذه اللحظات الحرجة مازلت أحذر من محاولات بعض الانتهازيين للالتفاف علي الثورة واقتسام المكاسب والغنائم أو الاستمرار في مناصبهم، وذلك سواء بركوب الموجة وإظهار التعاطف والتملق للشباب وثورتهم أو بتزييف الحقائق بإنكار علاقاتهم الوطيدة برموز الفساد، حقا لقد أصاب "نابليون بونابرت" حينما أوجز بخبراته قانون الثورات بقوله: (ان الثورة يمهد لها الفلاسفة والمثقفون، ويصنعها الطاهرون الأنقياء، ثم للأسف يقطف ثمارها غالبا الانتهازيون). ولكن التاريخ لا يكذب بل سجل وبكل دقة أسماء من مهدوا للثورة وأيضا أسماء من شاركوا فيها ومن قاموا بمساندتها، وأعتقد أن الشرف كل الشرف يبقي لهؤلاء المثقفين أعلام التنوير الذين مهدوا لها. ومما لاشك فيه أن سجل الأعمال الرفيعة الراقية يتضمن أعمالا لكثير من الأدباء والفنانين الذين واجهوا كثيرا من التحديات والصعوبات للاستمرار في تقديم ما يؤمنون به ويرضي ضمائرهم، وبالتالي فإن التاريخ لن يسقط من ذاكرته -علي سبيل المثال - تلك المقالات الجادة للكاتبة الرحلة/ "نعمات أحمد فؤاد، ولا تلك الصرخات الأدبية النزيهة لكل من الأستاذين/ فاروق جويدة، وسكينة فؤاد، فقد كان لكل منهم بشجاعته دور مؤثر في كشف الفساد ومحاربة الديكتاتورية والزيف، كذلك كانت لأفلام عبقري السينما/ يوسف شاهين وأفلام كل من عاطف الطيب وخالد يوسف - علي سبيل المثال أيضا - دورا مهما في تسجيل الكثير من مظاهر الفساد ورصد التجاوزات، وكذلك في كشف بعض الانتهاكات للحريات، وفي مجال المسرح مازالت الذاكرة تحتفظ أيضا بأعمال الرواد/ توفيق الحكيم، ألفريد فرج، نجيب سرور، سعد الدين وهبة، عبد الرحمن الشرقاوي، صلاح عبد الصبور، محفوظ عبد الرحمن، الذين طالبوا بحرية التعبير في أعمالهم، وتصدوا لقوي الديكتاتورية والقهر والطغيان، كما حرصوا علي كشف الكثير من مظاهر الفساد، وينطبق ذلك علي مجال الإخراج المسرحي أيضا، حيث تضم القائمة أسماء بعض المبدعين الذين حرصوا بدقة علي اختيار النصوص، وساهموا في الارتقاء بوعي الجماهير ومن بينهم علي سبيل المثال من جيل الرواد: حمدي غيث وكرم مطاوع وجلال الشرقاوي وأحمد زكي وأحمد عبد الحليم، وبالطبع هناك الكثير من الأسماء الملتزمة بالأجيال التالية، كما أن هناك أيضا الكثير من المخرجين المنافقين المزايدين الذين خانوا ضمائرهم الفنية وأساءوا إلي الفن بتكثيف جميع جهودهم لتجميع الأموال وتحقيق الشهرة الزائفة فقط، وبالطبع لن يغفر لهم التاريخ ذلك، ويكفي أن مجرد الاسترجاع لبعض أسماء المسرحيات أو الأعمال الفنية التي شاركوا في تقديمها كفيل بكشفهم، وذلك بالطبع بخلاف ذلك الدور المهم المنوط بالحركة النقدية لتقييم كل مبدع ومساهماته الحقيقية. نظرة مستقبلية وما أحوجنا فعلا إلي ثورة حقيقية في منظومة الإدارة الثقافية والفنية في هذه اللحظات التاريخية العصيبة، ونحن نشارك في إعادة وجه "مصر" المشرق، وإذا كنت أتوجه بمطالبة جميع الزملاء النقاد بالمساهمة الفعالة في تأسيس حركة نقدية حقيقية تليق بمواكبة هذه الثورة الرائعة، فإنني أطالب أيضا كل فنان حقيقي أن يعيد حساباته الفنية مع نفسه قبل أن يحاسب من قبل الجميع، كما أحذر مجموعة الانتهازيين من محاولة الالتفاف علي مكاسب الثورة بالاستمرار في محاولات ركوب الموجة واستخدام أساليب النفاق والرياء للمسئولين الجدد. وأري أنه من غير المنطقي ولا المقبول أن يتم تغيير أو تبديل الوزير فقط وتبقي باقي رموز الفساد والشللية في أماكنها لقيادة حياتنا الفنية بنفس الأساليب الدنيئة، لتستمر في ممارسة كل مظاهر الفساد من رشوة ومحسوبية وتبادل للمصالح، إنني بالطبع لا أطالب بتغيير جميع القيادات الثقافية مرة واحدة فبالتأكيد من بينها عدد قليل من القيادات النزيهة التي نجحت في إثبات جدارتها بالمسئوليات التي كلفت بها، ولكن هناك أيضا كثير من المفسدين بعدد كبير من القطاعات والإدارات، وحسنا فعل الفنان القدير/ رياض الخولي حينما أقدم علي تقديم استقالته من رئاسة "البيت الفني للمسرح" حينما وجد مجموعة المديرين يتبادلون المصالح وفرص العمل ويحرمون منها كثير من الكفاءات الحقيقية. انني أعتقد أن شعار الثورة "تغيير النظام" يجب أن يتم بإعادة التقييم لجميع المسئولين عن أوجه وفعاليات حياتنا الثقافية والفنية، مع إتاحة الفرص لبعض القيادات الشابة التي أثبتت كفاءتها، وعلي سبيل المثال فإن "المجلس الأعلي للثقافة" بالرغم من تولي المثقف الحقيقي د.عماد أبو غازي لمنصب أمينه العام إلا أن المجلس يتطلب وفورا منحه المزيد من الميزانيات والصلاحيات حتي يتسني له القيام بدوره المنشود، كذلك يتطلب الأمر ضرورة إعادة التقييم لعدد كبير من أعضاء لجانه الذين انضموا إليها من خلال المحسوبية والنفاق وتبادل المصالح!!. وتتطلب ثورة التغيير أيضا ضرورة المراجعة الفورية والتقييم لجميع للأنشطة والفعاليات والمهرجانات، وضرورة إلغاء بعضها خاصة تلك المهرجانات سيئة السمعة، مع تقويم البعض الآخر وترشيد أوجه الصرف عليها، وتبقي النقطة الأخيرة والهامة وهي تحقيق شعار "لا مركزية الثقافة" والاهتمام بجماهير جميع الأقاليم وليس العاصمة وحدها وذلك بزيادة الدعم والإمكانيات المخصصة "للهيئة العامة لقصور الثقافة"، واقترح علي د.أحمد مجاهد استعادة اسمها الحقيقي: "الثقافة الجماهيرية"، فما أحوجنا فعلا ونحن ننطلق إلي الغد أن نتخذ من العلم والثقافة والفنون أسلحة للبناء.

جريدة القاهرة في

15/03/2011

جميع الحقوق محفوظة لموقع سينماتك
  (2004 - 2010)