حول الموقعخارطة الموقعجديد الموقعما كـتـبـتـهسينما الدنيااشتعال الحوارأرشيف الموقع 

«رصاصة طايشة» لجورج الهاشم..

الحرب في خلفية الحكايات «نسخة طبق الأصل» لعباس كياروستامي.. أين يكون الأصل وأين يكون التقليد؟

نديم جرجورة

بدءاً من بعد ظهر اليوم الخميس، يُمكن للمهتمّين بالفن السابع مشاهدة فيلمين جديدين، هما: «رصاصة طايشة»، الروائي الطويل الأول للّبناني جورج الهاشم، في صالات «غراند أ. ب. ث.» (الأشرفية) و«غراند كونكورد» (فردان) و«غراند لاس ساليناس» (أنفة) و«أبراج» (فرن الشباك). و«نسخة طبق الأصل» للإيراني عباس كياروستامي في صالتي «سينما سيتي» (الدورة) و«متروبوليس/ أمبير صوفيل» (الأشرفية).

«رصاصة طايشة»

جولة المهرجانات السينمائية العربية والغربية، الخاصّة به، انتهت. أو ربما توقّفت لفترة صغيرة. العروض التجارية المحلية بدأت. هذا لا يعني أن جولة المهرجانات انتهت كلّياً. المهم أن الرحلة الخارجية أثمرت جوائز ونقاشاً نقدياً إيجابياً. أثمرت إعجاباً عبّر عنه كثيرون. بات على المشاهدين المحليين التعبير عما يشعرون به إزاءه. الرحلة الداخلية بدأت. العلاقة المباشرة بـ«السكّان الأصليين» بدأت. الفيلم استعادة لمحطّة حسّاسة في تاريخ الحرب الأهلية اللبنانية. استعادة لفصل من فصول الجحيم اللبناني. السؤال الأول: إلى أي مدى سينجح هذا الفيلم في استقطاب المشاهدين المحليين؟ في جذب المشاهدين المعنيين؟

الجانب السينمائي في «رصاصة طايشة» لجورج الهاشم بديعٌ. متماسك البناء الحكائي والتمثيلي. هذا يعني أن استعادة مرحلة نهاية صيف العام 1976 مُغلّفة بجماليات فنية ودرامية وتقنية. العودة إلى الحرب الأهلية مرفقة باشتغال سينمائي جميل. الفضاء المفتوح على أسئلة العلاقات الإنسانية جزءٌ من البناء السينمائي الذاهب إلى تخوم الألم الذاتي وسط الجماعة، وإلى حدود القهر والتمزّق والضياع والقلق والعبث، التي صنعتها الحرب الأهلية. أو بالأحرى التي ساهمت الحرب الأهلية في صنعها. لا يُقدّم الفيلم حرباً أهلية لا تزال آثارها فاعلة في إشعال فتيل التشنّجات والتجاذبات والجنون، الحاضرة في المشهد اللبناني الآني. لا يُصوّر المعارك والانقسام والصراعات الحاصلة على الحدود القائمة بين البيروتين ومناطقهما، أو في داخل البيئات المتصارعة. على الرغم من هذا كلّه، الحرب الأهلية موجودة: في المناخ العام. في خلفية الحكايات. في المشاركة المادية لمقاتِلَة ميليشياوية. في منطق سياسي واجتماعي وثقافي متحكّم بشريحة من اللبنانيين. لكن الأهمّ، في النصّ السينمائي، كامنٌ في رسم صورة ما عن وجع الفرد. عن عزلته وسط عائلته. عن تمرّده الصامت عليها. عن شقائه الذاتيّ. عن خيباته وآلامه. عن انكساره أيضاً. الأهمّ، في النصّ السينمائي، كامنٌ في صوغ حكاية الحبّ المقتول داخل العزلات الضيّقة. أو على هاوية الانزلاق في جحيم الحرب الأهلية. أو على تخومها.

الحرب الأهلية اللبنانية مؤثّرة في سياق النصّ ومتاهات حكاياته المنثورة هنا وهناك. مؤثّرة في النفس والجسد والروح. الشخصيات متوترة وقلقة. الأسباب كثيرة: انشغال العائلة بخطوبة الابنة الثانية نهى (نادين لبكي). والابنة الثانية هذه منشغلة بحبّ قديم مبتور، وبتورّط في مشاهدة سرّية لعملية تصفية جسدية. الابنة الثانية هذه عينٌ مفتوحة على الخراب المعتمل، تدريجاً، في قلب العائلة. في محيطها الخارجي أيضاً. التداخل بين الخاصّ والعام، المصنوع بحرفية جميلة في الكتابة والمعالجة والتنفيذ، مفتاح لإدراك المخاطر الجمّة التي دمّرت العائلة، وشرّدتها داخل البلد والذات، أو خارجهما أيضاً. الجزء الأخير من «رصاصة طايشة»، الذي كاد يكون فيلماً مستقلاًّ بحدّ ذاته، إمعانٌ في تشريح البيئة الاجتماعية والإنسانية، من خلال مصير نهى وأفراد عائلتها.

جماليات «رصاصة طايشة» متعدّدة: الإمساك الدرامي بالحقبة المختارة. الاشتغال الخاصّ بتلك الحقبة أيضاً، على مستوى الأزياء والاكسسوارات والديكور والإضاءة. التمثيل. نادين لبكي، التي أدّت دورين مختلفين في «البوسطة» لفيليب عرقتنجي و«سكّر بنات» لها، بدت هنا مختلفة تماماً. في الدورين السابقين، لم تُقدّم أداءً مغايراً للعاديّ. في «رصاصة طايشة» خطت خطوة ثابتة إلى الأمام. الأداء مترابط: حركة الجسد. النظرات. العينان المفتوحتان على الوجع والقهر والتمزّق والانقلاب. نطق الحروف والكلمات. هذا كلّه منسحبٌ على الممثلين الرئيسيين أيضاً: تقلا شمعون وهند طاهر وبديع أبو شقرا تحديداً. لا انتقاص من جهود الممثلين الآخرين. لكن الجنون الضارب أعماق العائلة وتماسكها بدا واضحاً في أداء هؤلاء.

هناك سمات إيجابية أخرى: التوغّل في قلب عائلة مسيحية، مقيمة في قلب بيئة مسيحية، أثناء اندلاع الحرب الأهلية. أحد المشاهد الجميلة في الفيلم: لقاء أفراد العائلة جميعهم في منزل الشقيق، ودعوة خطيب نهى (نزيه يوسف) وأفراد من عائلته. اللقطة طويلة. لكنها متينة الصنعة. الوجوه. الكاميرا اللاقطة مناخاً وسلوكاً وحركات. الحوار. هنا الانفجار. الصدام الحاصل لاحقاً بين نهى وشقيقها (أبو شقرا) تحوّلٌ درامي أساسي. تمهيدٌ للانقلاب المدوّي في المصائر كلّها. الصدام تمثّل بأداء رفيع المستوى للممثلين الاثنين تحديداً. لهند طاهر وتقلا شمعون المشاركتين بصمت. أو بالقهر والوجع. لبولين حدّاد أيضاً (زوجة الشقيق). أميل إلى اعتبار المشهد هذا تمريناً في الأداء التمثيلي. هذا نادرٌ في صناعة الأفلام اللبنانية الطويلة، المرتكزة حكاياتها على ثنائية شكل الممثل وسلوكه الأدائي.

«رصاصة طايشة» عاد إلى بدايات الحرب الأهلية. لكنه ذهب إلى الحروب الداخلية للناس المحطّمين.

«نسخة طبق الأصل»

هذا نمط آخر من الاشتغال السينمائي. الإيراني عباس كياروستامي خرج من بيئته الإيرانية إلى فضاء إنساني أرحب. خرج إلى صراع مختلف يعانيه الإنسان في الأزمنة كلّها. في الأمكنة كلّها أيضاً. صراع الأصل والتقليد. أو سؤال الأصل والتقليد. المسألة معقّدة، ثقافياً وإنسانياً على الأقلّ. السؤال مفتوح على تساؤلات أخرى: أين هي الحدود القائمة بين الأصل والتقليد؟ أين يقع الأصل؟ ما هو التقليد؟ أليست المسألة نسبية؟ ألا ينظر المرء إلى المسألة من منظاره الخاصّ، المختلف حكماً عن منظار الآخر؟ ببساطة شديدة، يُمكن الاسترسال في طرح تساؤلات كهذه إلى ما لا نهاية. لكن عباس كياروستامي لم يكتف بتقديم فيلم مرتكز على الصراع المذكور، لأنه خاض تجربة التحليل النفسي العميق، المنبثق من حالات إنسانية قاسية في ضربها المرء. أو ربما حادّة في التحكّم بسلوكه أحياناً.

«نسخة طبق الأصل» جديد عباس كياروستامي. افتتح الفيلم هذا، مساء الأحد الفائت، تظاهرة «الحياة ولا شيء آخر»، التي تُنظّمها «جمعية متروبوليس» في صالة سينما «متروبوليس» في «أمبير صوفيل» (الأشرفية) لغاية السادس والعشرين من كانون الثاني. تظاهرة خاصّة بأفلام كياروستامي وزميله وصديقه جعفر بناهي. جديد كياروستامي معروضٌ تجارياً بدءاً من بعد ظهر اليوم. وهذا، بحدّ ذاته، أشبه بدعوة إلى اختبار التجربة الجديدة لصانع روائع عدّة في السينما الإيرانية الحديثة، كـ«أين منزل صديقي؟» و«طعم الكرز» و«المسافر». دعوة إلى عيش لحظات جميلة في المدينة الصغيرة سان جيمينيانو، القريبة من فلورنسا الإيطالية. لكن اللحظات الجميلة ناتجة من المُشاهدة. في حين أن النزاع الذاتي مرير. والحالات الإنسانية قاسية.

باختصار، تدور القصّة حول رجل (ويليام شيمل) وامرأة (جولييت بينوش)، يلتقيان في قاعة محاضرات. الرجل إنكليزي. باحث في شؤون الفن والنقد. جاء المدينة لإلقاء محاضرة حول الأصل والتقليد في الفن التشكيلي، بالتزامن مع إطلاق كتابه الأخير. المرأة فرنسية الأصل. صاحبة صالة عرض. لديها ابن واحد. اللقاء عادي. بدايته على الأقلّ. أو بداياته المتشعّبة بين المحاضرة والتعارف وتوقيع نسخ من الكتاب. ثم هناك الزيارة. زيارة سان جيمينيانو. التجوّل في أزقّتها سيراً على الأقدام. الجلوس في مقاه ومطاعم. الكلام المتّسع لألف سؤال وحكاية. فجأة، في أحد هذه المقاهي، انقلب الأمر كلّياً. بات الثنائي منصاعاً للعبة الحياة. أي للدخول في دهاليز التبادل بين الحقيقي والمتوهّم. بين الأصل (الأنا) والتقليد (ارتداء زيّ شخصية أخرى، رسم ملامحها الطرف الآخر). هذا اختزال مطلق. المسألة أعمق من ذلك. الوقوع في فخّ اللعبة ذاهبٌ إلى تخوم التناقضات الجمّة. أهي الرغبة في امتلاك الآخر؟ أم تنفيسٌ عن قهر أو حالة مستعصية؟ الأسئلة كلّها مشروعة. لكن الإجابات ملتبسة. النهاية مفتوحة، على نقيض المسار الدرامي الذي أوصل الثنائي إلى نهاية كهذه. أو لعلّها منغلقة على إعادة الأمور، شكلاً على الأقل، إلى ما كانت عليه.

لم أستطع التأقلم مع المناخ السائد في الجزء الأول من الفيلم. هناك شعور طاغ بالملل، إزاء الثرثرة التي بدت، لوهلة، لانهائية. لكن الجزء الأول هذا مقدّمة ضرورية لما حدث لاحقاً. إنه التعارف المطلوب. التمهيد لكشف المبطَّن في الذات والعلاقة والماضي والراهن. الثرثرة حاجة درامية لفهم نسيج الحبكة. أو فضاء المدينة والأسئلة. لفهم الشخصيتين أساساً. هذا ما صنع جمال الجزء الثاني. والجمال متنوّع: الأمكنة والمناخ. الحوارات. الصدام والتعاطف. الحبّ والانفصال. أمور الحياة ومنعطفاتها. هناك الحسّي، الذي اعتاد كياروستامي اشتغالاً سينمائياً على أساسه في أفلامه السابقة. في «نسخة طبق الأصل»، فاض المضمون الدرامي بكَمّ هائل وبديع من الأحاسيس. والأحاسيس، إذ انفلت عقدها أمام عدسة الكاميرا وفي نفسَي الشخصيتين الرئيستين، شكّلت خزّاناً من الأسئلة الوجودية والانفعالية والنفسية. أما الثرثرة، فحوار مُتقن الصنعة. استخدام تعبير «ثرثرة» لا يعني إلاّ صاحبه. فالنصّ السينمائي وترجمته البصرية متحرّران من الثرثرة، في شكلها المقزِّز. الثرثرة المقصودة كامنةٌ في كثرة الكلام. أي في ما هو غير «ثرثرة» بالمعنى المتداول. الكلمات. الجمل. التعابير. الانفعال المرافق لها. الحركات. الديكورات. هذه كلّها جزء مهم داخل السياق الدرامي. جزء متكامل في صوغ المشاهد وأمزجة ناسها.

«نسخة طبق الأصل» رحلة في الذات. في أعماقها الهشّة وخيباتها القاتلة.  

كلاكيت

ليل الحمرا

نديم جرجورة

بات الليل في شارع الحمرا البيروتي مختلفاً. ماضيه موغل في الاختفاء. والتغييب هذا واقعٌ من أجل انبثاق حالة جديدة. لمصلحة مرحلة جديدة. بات الليل في شارع الحمرا البيروتي صادماً. السهر موزّع على جنبات الطريق. أو داخل الأزقّة الضيّقة. الخمّارات منتشرة بكثافة. المطاعم والمقاهي أيضاً. هناك عربة لبيع شندويتشات الـ«هوت دوغ» على الطريقة الأميركية. هناك من يبيع القهوة والسجائر أيضاً، لمن يشاء من روّاد ذلك الليل الغريب. سيارات لا تهدأ. هناك أناس يُتقنون الضجيج، لكنهم لا يدركون فن السُكر والسهر الجميل. الصخب أسلوبهم. الإصرار على صنع ضحكة أو متعة ذاهبٌ بهم إلى الإزعاج والتسطيح. لكن الليل في شارع الحمرا البيروتي لم يعد يُشبه ذاكرته. لم يعد يُشبه ذاكرة الشارع والمدينة.

لن أبكي على أطلال مكتفية بتذكير المرء بما حدث. أطلال كهذه لا تعنيني. الحداثة جميلة. إن توافقت والمناخ المحلي، تُصبح أروع. لكن حنيناً إلى ماض موغل في الغياب مردّه رداءة الآنيّ، وإن احتمل شيئاً من براعة الفرح. وإن بدا الفرح مصطنعاً أحياناً. وإن ظلّل الوهم كل شيء. الحداثة جميلة. إن تأقلمت وحاجة المحليّ، تُصبح أبهى. الحنين إلى عيش مضى مردّه قسوة عيش لا يمضي. الآنيّ فارغ. هذه مصيبة. أو ربما كارثة. الليل في شارع الحمرا البيروتي مليء بـ«ضجيج من أجل لا شيء». بكائنات، خفّتها لا تُحتمل. هذا إن امتلكت خفّة.

لا أزال عاشقاً الشارع، وإن كرهت المدينة وأحوالها وناسها. هذا شارع لا مثيل له. صغر حجمه. تفرّعاته. أشياؤه. محلاّته القديمة المنزوية هنا وهناك، والجديدة المنفلشة في جسده وروحه. نكهته المسرفة بتغريب مُسقَط عليه. لا بأس. التبدّلات فيه أرهقته وأرهقتني. اختفى «شي أندره». هذا دليل على بداية رداءة الراهن. على استمرار الرداءة أيضاً. تنامت الخمّارات بسرعة مخيفة. لا شيء مغريا. الإغراء الوحيد كامنٌ في انتزاع سهرة واحدة كل ليلة من براثن الخواء المعتمل في بلد منذور للخراب الدائم. خمّارات قليلة جداً، وسط هذا الكَمّ الهائل من الحانات والمطاعم والمقاهي، قادرة على منحي شعوراً بنقيض الخواء ذاك. خمّارات بدأت تترهّل أصلاً لشدّة بؤسها. أو لشدّة بؤس القاطنين فيها كل ليلة. الخارج بشع. المدينة متكئة على فراغ مدقع. خمّارات قليلة جداً قادرة على إعادة صنع متعة واحدة أول الليل، قبل أن ينبلج الفجر مدمِّراً إياها. الكثرة لا تصنع جمالاً. لا تُنتج فرحاً. لا تثير مُتعاً. الكثرة قاتلة، أحياناً كثيرة. لكن الليل في شارع الحمرا البيروتي بات مختلفاً. بات أكثر التباساً من كل شيء آخر ملتبس. بات أكثر غموضاً من أشياء الحياة اليومية في بلد مفتوح على الموت والخيبة. الكثرة لا تمنّي النفس بأن الراهن أفضل. الجلبة طاغية. الفوضى عامرة. الهوس بالتقليد نافر. أين الأصل؟

بات الليل في شارع الحمرا البيروتي مختلفاً. هذا واقع. لكن، أين الشارع؟

السفير اللبنانية في

20/01/2011

 

فيلم المخرجة الأميركية ديبرا جرانيك «عظم شتوي»

خــوارج هـوليــوود

زياد الخزاعي 

تُعلن الصبية ري دولّي (17 عاماً)، بطلة فيلم المخرجة الأميركية ديبرا جرانيك «عظم شتوي»، المأخوذ عن رواية الكاتب دانيال وودريل الصادرة في العام 2006، محنتها وهي تنزف دم الـ«ترهيب» الذي قامت به عليها المجموعة الريفية: «لديّ شقيقان صغيران عليّ إطعامهما، وأم عليلة، ستبقى مريضة إلى النهاية. ورجل قانون يسعى إلى مصادرة منزلنا ورمينا إلى العراء لنعيش مثل الكلاب»، لتتمّ فكرة الفيلم ذي الهاجس النسوي، والمفعم بالسودواية حول الخيار الشخصي، ومحنة البحث عن منافذ العاطفة والالتزام الجماعي.

إن عزلة العائلة الصغيرة بين غابات «أوزاركس» التابعة لـ«أركنساه» وأهوارها وجبالها تُشكِّل قيمة أنثروبولوجية في المقام الأول (تصوير قدير لمايكل ماكدنوف)، إذ تعكس برّية المكان النوعية المميّزة لحيوات البشر القاطنين في أرجائها، التي تمتاز بيُبْس العيش والكتم والنأي والوَحْشَة. أما التمدين الأميركي فلا يُشار إليه إلاّ كموبق اجتماعي، يتمثّل بمخدرات ومواد إدمان تقود والد الصبية ري دولّي إلى حتفه الغامض. لا تناقش جرانيك ظروف ميتته، فهي غير معنية، كما الرواية الأصلية، بملابسات سفك دمه، بل تقارب الخيارات العائلية لبطلتها، التي تدفعها إلى التفكير بأقصى الحلول راديكالية، وفي مقدمتها اختراق حصانة السرّ الذي جعل ألسنة الجيران معقودة على الخوف من انتقام غامض (تقف الصبية أمام منزل محترق كشاهد على إرهاب الفرقة السرية، مدّعية بأنه مكان موت والدها). ري دولّي (أداء قدير لجنيفير لورنس، التي تألّقت في «البَسيطَة المشتعلة» الذي أنجزه المخرج وكاتب السيناريو المكسيكي غاليرمو أرياغا في العام 2009) صبورة بحكمتها، وسليطة بشجاعتها، وفَطِنة بخبرة أمومتها المفروضة عليها، وهذه كلّها مكامن قوّتها على الرغم من صغر سنها، والتي تُفكِّك لاحقاً المعرقلات لوصولها إلى الحقيقة، والكشف عن جثّة والدها الذي صُفِّي بقرار من بطريرك الممنوعات في المنطقة إثر خيانته وتهديده الـ«بزنس». بيد أن الأمور ليست بالسهولة التي يتقبّلها البالغون. فعلى ري دولّي الانصياع إلى واقع يفاعتها، التي يجب ألاّ تُهدِّد خيارات عالم «جبابرة مجتمع الممنوعات». تقول البطلة بلوعة، قبل أن تعي أنها وحيدة: «أليس يُفترض بنا أن نكون جميعنا من ذوي القربى». لكنها تشهد نكران عمّها المدمن على الكوكايين لها ولإخوتها الصغار. ويكشف عنف ردّة أفعاله حجم الخراب الذي طال العائلة وشتتها (يتهكّم أحدهم عليه أمام الصبية قائلا: «أليس هو من أطلق النار على والدك ذات مرّة»)، كما أجبر والدتها على خرسها الإرادي، بينما يُداري الآخرون سرّ الأب الخائن ـ الغائب، الذي نراه عبر صُوَر ألبوم العائلة، وتُحمَد ذكراه باللُعب التي تركها لأيتامه. يلفّ ضمير ري دولّي الضَّيْم من صدود الجيران، وبرودة تجاوبهم مع محنتها، في اقتراب خسرانها الدار الريفي، الأمر الذي يدفعها إلى توجيه توبيخها إلى شقيقها الصغير: «لا تسأل عن الإحسان»، وهو يرى الذبيحة الدسمة التي يجزرها الجار معلّقة كمناكدة لجوعهم. فكرامتهم واجب وحصانة.

ولئن عاندت بطلة «عظم شتوي» (جائزة لجنة تحكيم «مهرجان صاندانس» الأميركي في كانون الثاني 2010) قدرها في العقاب الذي يُمارس عليها بسبب دأبها للوصول إلى حقيقة موت الأب، وإثبات حقّ عائلتها بالدار والمال الذي أمّنه لدى غريب، تكون اقتربت بشكل نادر من الحقّ الأخلاقي لنظيرتها البالغة راي إيدي (ماليسا لو)، بطلة فيلم المخرجة كورتني هنت «نهر متجمّد» (2008)، التي تُجاهد في تأمين استقرار عائلتها وطفليها في غياب الأب الذي اختفى بمال أقساط بيتهم الخشبي. إن الثنائي ري ـ راي يشترك في قراره «قتل» الخوف: الأولى بإيصال الأخوات ميلتون في النهاية إلى قرارهن الحاسم بمرافقتهن إلى موقع «طمر» الجثة التي رُبطت إلى قعر الهور، ومساعدتها في قطع عظمتي اليدين باعتبارهما الدليل على غياب الأب. بينما تصل الثانية إلى حسمها الأخلاقي، بأن تورُّطَها في تهريب الآسيويين من كندا إلى الولايات المتحدّة الأميركية، وتوابعه في قتل رضيع زوجين شابين سهواً إثر مطاردة الشرطة لها ولرفيقتها ذات الأصول «الهندية الحمراء»، يجب أن يُعاقبه القانون قبل أن تتدخّل القبيلة المتحصّنة بمحميتها لإقناع الأم الهندية الحمراء الشابة بتسليم نفسها لضمان مستقبل وليدها.

يمكن اعتبار «عظم شتوي» و«نهر متجمّد» ترتيلتين سوداويتين عن الحدود بين الإيمان الفردي بالخيار الصائب (كما لدى ري دولّي)، والإثم الفردي نتيجة الظنّ بالفشل وغربة الآخرين (كما في حكاية راي أيدي). إلى ذلك، فإن حدود الأرض تجمع المحنتين كونهما رهاني إيمان، حيث الأقدار تُصنَع بالعزم لا بالتخاتل واللؤم. تُحاط ري دولّي بخالات وعمّات وأقرباء وجيران. بيد أنهم في الغالب وحوش بشرية تتحصّن بالجرود والغابات القصية والخيانات والرعب الدفين والظِّنَّة، بينما تجد بطلة «نهر متجمّد» نفسها في إقصاء ذاتي، يوصلها إلى القرار الخطأ بارتكاب جريمة التهريب ومقتل الرضيع. إنها امرأة تسعى إلى التوبة، عبر الرضوخ لعقاب القانون. أما الصبية، فإن نجاحها في حمل الكيس الحاوي على عظمتي يدي والدها إيذانٌ بإحقاق الحقّ القانوني للحفاظ على العائلة الصغيرة.

هذان العملان رمزان للخوارج السينمائية عن هوليوود. أنفاسهما التعبيرية قائمة على سوداوية بليغة (يمكن اعتبارها سُبّة سينمائية) للتغريب الاجتماعي في مجتمع سريع وديناميكي داخل حواضره، حيث يُربط الإيمان بالحظ، والأحلام بالاستعباد إلى نظام يطلب الحنكة والمهارة. وآخر بطيء وكُظوم وملعون في أقاليمه البرّية، حيث الفردانية صنو للعزلات والمسافات، وحيث البقاء مرتهنٌ بفهم فطري لنظم الطبيعة وقوانينها السماوية التي تطلب، في أقصى درجاتها، الفطنة والجَلَد. هناك مشهد ذو دلالة في «عظم شتوي»، يثبت أن انتماء بطلته الصبية إلى هذا «المجتمع الغابي» يوقعها في اعتبارات غير عملية. ففي درجة من اليأس، نرى ري دولّي في مكتب للتطوّع العسكري، تُجيب عن رقم سنّها عندما يستفسر الضابط الشاب عنه، فيُخبرها أن يفاعتها مرتهنة بالصغيرين اللذين تعيلهما. أما الدولارات الأربعة آلاف، وهو حقّ التطوّع، فلن يكون من نصيبها، في إشارة إلى أن مؤسّسة الحروب الكونية لا تحتاج إلى التحوّل إلى إصلاحية قاصرين. يقول لها بحكمة: «لا تأخذي قرارك بطيش، أو من أجل المال. أنت تحتاجين إلى سبب واقعي كي تلتحقي (بالجيش)». وهي إشارة إلى الخيار المعقول الذي يرتّبه النظام إلى مواطنيه، عندما يحضرون إلى المساءلة. أما مَنْ تخفّوا في الأقاصي، فإنهم القمينون الوحيدون بترسّم خياراتهم وبلائهم فيها.

يُشهّر فيلم ديبرا جرانيك بأنانية أولئك البريين، وسقوط اعتباراتهم التي تحرسها العطالة والإدمان والخديعة والفَزَع. لا تجد ري دولّي، حتّى من رجل القانون، سنداً أو عطفاً إنسانياً، وهو الذي يهدّدها إن أفشت جبنه وتراجعه، عندما لمح بندقية عمّها المدمن وهو في شاحنته ملوّث بهوس المخدِّر. إنها شخصية محاربة عزلاء تواجه طامتين: خَسة المحيطين بها، وعصي القدر الذي يمتحن شكيمتها حتى النهاية، ويُفرج عن كربتها العائلية. وهو ما يتحقّق بجماعيتها في المشهد الختامي، وقولها للصغيرين: «سأضيع من دون أن تكونا خلفي. لن أتخلّى عنكما».

)لندن(

السفير اللبنانية في

20/01/2011

جميع الحقوق محفوظة لموقع سينماتك
  (2004 - 2010)