حول الموقعخارطة الموقعجديد الموقعما كـتـبـتـهسينما الدنيااشتعال الحوارأرشيف الموقع 

عمر الشريف: لست دونجواناً!

القاهرة - مصطفى ياسين

نجم انطلق إلى العالمية بسرعة، قنبلة من الموهبة فجّرها المخرج الراحل يوسف شاهين في فيلمه «صراع في الوادي»، جذب الانتباه بوسامته وأدائه وأسلوبه وأحاسيسه، وسرعان ما تحوّل إلى بطل له ملامح خاصة، وبورتريه لنجم صار عبر أفلامه القليلة جزءاً من تاريخ السينما المصرية. إنه مشوار من الجهد والعبقرية والفن وضعه على خارطة واحدة مع أشهر النجوم في العالم.

ما زال عمر الشريف يحمل روح «ابن البلد»، تلقائيته تسبق كلامه، صراحته تؤكد ثقته بنفسه، جرأته في التعامل مع مشاعره وحياته أضفت عليه أسلوباً خاصاً.

ابتسامته هي «عربون» صداقة يقدّمه لمن يرتاح إليه مع أنه يصعب أن يستريح لأحد. حذر في علاقته، متمرد في أفكاره، {ساخن} في التعبير عما في داخله.

·         هل تخطّط لحياتك؟

لا، إنما أعيش الحياة يوماً بيوم ولا أحسب للغد. أعمل حسب مزاجي وظروفي المادية، فإذا كان مزاجي معتدلاً أشتغل وإذا كنت مفلساً أضطر إلى أن أعمل.

في فيلم «الأراجوز» مع المخرج هاني لاشين، أعجبني الدور واعتبرته نوعاً من التحدي وارتبطت بكلمة شرف بأنني سأمثله، هكذا من دون أي تخطيط مسبق دخلت الأستوديو وصوّرته.

·         في عودة إلى الوراء، كيف تختصر حياتك الفنية؟

لم يكن دخولي الحياة الفنية سهلاً وواجهتني صعوبات ومتاعب لكني استفدت منها. عندما عرض عليَّ المخرج الكبير يوسف شاهين أول أفلامي تدرّبت ستة أشهر وكان يطلب مني أن ألقي أمامه أجزاء من مسرحيات شكسبير، وعملت بروفات قبل الوقوف أمام الكاميرا لأكون جاهزاً تماماً.

كذلك، أخضعني المخرج دافيد لين لاختبار أمام الكاميرا في الصحراء وعلى مدى أربعة أشهر قبل مشاركتي في فيلم «لورانس العرب»، وتعلمت في أثنائها ركوب الخيل.

عملت مع كبار المخرجين في العالم مثل: دافيد لين في فيلم «دكتور زيفاغو»، ويليام وايلر في فيلم «فتاة مرحة»، سيدني لومييت في فيلم «الميعاد» وريتشارد فليتشر في فيلم «جيفارا»، اكتسبت خبرة من هؤلاء المخرجين واطلعت على الأساليب الفنية المختلفة.

·         ما أصعب فيلم مثّلته في حياتك؟

«لورانس العرب»، لأن مدة تصويره امتدت على 20 شهراً أمضيتها في الصحراء بعيداً عن زوجتي وابني.

·         يتردّد أنك ترفض السيناريوهات التي تعرض عليك، ما تعليقك؟

غير صحيح فأنا دائم البحث عن سيناريو جيد لأصوره وقد استعنت بالكاتبة والمخرجة إيناس بكر لتساعدني على فرز الأعمال المقدمة إلي.

·         مع ذلك رفضت أدواراً عرضها عليك المخرج يوسف شاهين.

رفضت دورين: الأول الذي أداه محمود حميدة في فيلم «المصير» والثاني الذي أداه حميدة في فيلم «إسكندرية كمان وكمان». في مسلسل «زيزينيا» رفضت الدور الذي أداه جميل راتب لأن المسلسل نفسه لم يعجبني.

·         كنت مدهشاً في فيلم «حسن ومرقص» مع عادل إمام.

أعتزّ بهذا الفيلم وأعتبره أحد الأعمال التي ستخلّدها السينما المصرية لأنه يناقش العلاقة بين المسلمين والمسيحيين بذكاء.

·         هل فكرت في الكتابة لنفسك؟

لا، لكن في داخلي بوادر كاتب، وإذا راودتني فكرة جميلة سأكتبها فوراً كتجربة جديدة في حياتي.

·         هل صحيح أنك تستعدّ لتحويل فيلم «إشاعة حب» إلى مسلسل تلفزيوني وستجسّد فيه الدور الذي أداه يوسف وهبي؟

تستهويني الفكرة لكن لم يتمّ الاتفاق النهائي على العمل ولن يحدث ذلك حتى إنجاز الكتابة التلفزيونية.

·         أنت معروف بالتلقائية والعفوية في اتخاذ القرارات، هل هذا السلوك موجود لديك منذ فترة الشباب؟

أنا دائماً هكذا. في مطلع شبابي أردت السفر إلى إنكلترا والتمثيل فيها، لكن صادف أنني كنت في إحدى الحدائق في القاهرة عندما تقدّم مني رجل عرّف عن نفسه قائلاً: «اسمي يوسف شاهين وبشتغل مخرج وعايزك تمثل في السينما»، في أقل من نصف دقيقة وافقت وألغيت فكرة السفر إلى لندن التي كانت تلح عليّ باستمرار.

·         هل اكتسبت ذلك من علاقتك بلعبة البريدج وعشق الخيل والمرأة؟

أعشق البريدج والخيل لكن عشقي المرأة أكذوبة.

·         معقول؟

ثمة ميل لدى الصحافة العالمية الى إلصاق تهمة «الدونجوان العربي» بشخصي وهذا غير صحيح. منذ أكثر من 38 عاماً لم أحبّ ولم أتزوج ولم أرتبط بامرأة واحدة. تعطي الصحافة الفنية الأمور أبعاداً وأحجاماً غير حقيقية وبما أنني رجل عازب من الطبيعي أن أكون مادة خصبة للإشاعات خصوصاً بعد تصوير فيلم أشارك فيه مع ممثلة عالمية.

·         لكنك تؤكد دائماً أهمية المرأة في حياتك.

لدي نقص شديد في هذه المسألة فأنا أعيش حياة متعبة للغاية ليس فيها مكان لامرأة تبحث عن الاستقرار، حياتي غير طبيعية وغير مستقرّة في مكان واحد، أقضي عمري في معظمه في الفنادق. أنا غريب في كل مكان أذهب إليه، ليست لدي مواعيد نوم أو استيقاظ محددة ولا مواعيد طعام.

·         ما الفرق بين المرأة الشرقية والمرأة الغربية؟

الأجنبيات شكلهنّ لطيف وحلو ولكن عاداتهن مختلفة عنا، وسرعان ما أتعب من أسلوب حياتهن.

·         هل تتصرّف الغربية بعقلها أكثر من مشاعرها؟

ليست مسألة عقل، العلاقة عندها علاقة «عافية». لست من النوع الذي يقول إن الرجل أهم من المرأة أو العكس، لكن لا بد للمرأة من أن تعامل زوجها بأسلوب الأنوثة والمشاعر، وليس بأسلوب القوة. للعلم، يعامل العرب المرأة أفضل مما يعاملها الأجانب.

·         هل تقصد الحنان عند الشرقية؟

بالضبط. الحنان عند المرأة الشرقية أهم ما يميزها.

·         هل عانيت وأنت تتحوّل تدريجاً من أدوار البطولة إلى الأدوار الثانية على المستوى العالمي؟

عانيت في الفترة الأولى من عدم قدرة المخرجين على تحديد شخصية ملائمة للمرحلة العمرية التي وصلت إليها، فبعد ظهور الشعر الأبيض في رأسي أصبحت تُعرض علي شخصيات في سن متقدّمة، أخذت هذه المرحلة مني سبع سنوات إلى أن استقروا على شخصية تناسبني.

·         ما سبب قبولك تصوير الإعلانات؟

أفضّل تقديم إعلان أكسب منه مالاً على أن أشارك في فيلم لا يعجبني.

·         هل يقدّرك مجال الإعلان مادياً؟

طبعاً ولكل نجم سعره في السوق.

·         إبنك طارق ماذا يعمل؟

الولد «طلع بتاع قمصان»... لديه تجارته ومحلاته ومصانعه الناجحة، حبه للتجارة كبير مثل حبه للفن.

·         من كان أقرب صديق إليك في زمن الفن الجميل؟

عبد الحليم حافظ. بدأت صداقتنا في فيلم «أيامنا الحلوة» (1955) الذي أخرجه حلمي حليم، وعندما سافرت إلى الخارج استمرت لقاءاتنا لأن حليم كان يقصد لندن للعلاج وكنا نلعب معاً «الكومي» في الكوتشينة ونأكل ونتفّسح وبقيت الصداقة إلى أن توفي.

·         وأحمد رمزي؟

«ده حبيب قلبي» وعشرة العمر والصعلكة والزمالة والفن. أسأل عنه دائماً لأعرف أخباره.

·         هل فكرت في كتابة مذكراتك؟

أنا كتاب مفتوح. ليست لدي أسرار وأحترم الأشخاص الذين دخلوا حياتي، بالتالي «إيه ذنبهم أحكي حكاياتهم معي وهم يعيشون الآن حياة هادئة بعيداً عن الفن وضجيجه».

الجريدة الكويتية في

30/12/2010

 

2010 'عام الفيل' في السينما المصرية تعددت الأفلام والأبطال والأزمة واحدة

القاهرة ـ 'من كمال القاضي

عندما يصرح منتج وموزع كبير مثل محمد حسن رمزي بأن عام 2010 كان الأسوأ على السينما المصرية، فلا بد أن نتوقف كثيرا أمام العبارة الصادمة لنتبين حقيقة الأمر ونمعن النظر ملياً في حصاد العام السينمائي كله، خاصة أنه ليس الوحيد الذي كانت له نفس الشكوى فهناك بعض الشركات الكبرى التي أوقفت انتاجها لحين استقرار السوق، فهي أمام عوائق شديدة الصعوبة وظاهرة محيرة تنظوي على تشويه في الذوق العام أدى الى تراجع الأفلام الجيدة وانخفاض أسهمها في بورصة دور العرض بشكل مخيف، مما يجعل التفكير في تكرار التجارب نوعا من الانتحار الاقتصادي ونذيرا بقرب انهيار المؤسسات الانتاجية الكبرى، والمفارق الملغز في هذه القضية ان الشكوى تأتي دائما من أفلام المهرجانات أو ما يرقى منها للمنافسة بالمهرجانات الدولية وهو المؤشر الخطر، لأن ذلك يعني التركيز على انتاج افلام تجارية وعودة سينما المقاولات مرة أخرى بعد انحسارها النسبي، فضلا عن إحباط محاولات الكبار من الكتاب والمخرجين والأبطال وانزوائهم بعيدا إذا ما تم تعميم المبدأ التجاري والتخلي عن المتميز والهادف من الأفكار، فإذا اعتبرنا أن فيلما مثل 'رسائل البحر' للمخرج داود عبد السيد واحد من التجارب الخاسرة إنتاجيا وهو المقياس للسينما الناضجة، فلا جدوى إذن من أن يتمسك المخرج الكبير بمهنته، وعليه ان يبحث لنفسه عن عمل آخر بديل طالما أن الجوائز والقيمة الفنية والأدبية لم يعد لها مردود ايجابي يحفز المبدعين الحقيقيين على الاستمرار والمضي قدما نحو إبداع جديد.

المشكلة نفسها تتكرر والتاريخ السينمائي يعيد نفسه، فبالأمس كانت الفجوة بين أفكار المبدع واحتياجات الجمهور هي أزمة المخرج توفيق صالح المنتمي لنفس المدرسة والمحسوب على ذات التيار، والآن تتجدد الأزمة ذاتها ويغالب النخبة شعور قاس بالاغتراب في مختلف المجالات ويخرج من تراك السباق مخرجون وفنانون وموسيقيون ومهندسو ديكور لا يجدون أنفسهم في كل ما يحتاجه السوق فيكون الانسحاب ملاذهم الوحيد، فنحن لازلنا نتذكر تجربة السيناريست والناقد والمخرج سيد سعيد في فيلمه 'القبطان' الذي أنتج أواخر التسعينيات وحصد سبع جوائز من مهرجانات محلية ودولية، بينما لم يصمد بدور العرض أكثر من اسبوعين مما تسبب في عزوف رجل السينما المتميز عن الاستمرار واتجاهه للكتابة النقدية، وهناك مخرجون عاشوا وماتوا من دون أن يكملوا أحلامهم لنفس وذات الأسباب، فالمخرج الراحل رضوان الكاشف ودع فيلمه 'الساحر' وكان لا يزال معروضا بدور السينما قبل أن تأتيه النتيجة ويحصد ثمار جهده بعد انتظار دام طويلا، مات الكاشف حاملا حُلمه ووجعه وحسرته ولم يبق على الساحة سوى من امتلكوا معطيات النظرية الاقتصادية الجديدة وتدربوا على لعبة التجارة المضمونة، من دلائل عام 2010 المنصرم والمغلقة دائرته على خسارة كبرى منيت بها بعض شركات الانتاج، هبوط أفلام كان متوقعا لها نجاحا مدويا مثل 'زهايمر، عسل اسود، بنتين من مصر، الكبار'، في وقت صعدت فيه أفلام مثل 'الرجل الغامض ـ شهير وبهير وسمير ـ ابن القنصل ـ 876'، والأخيرة على وجه التحديد اكتسب أهمية قصوى وتوافرت له دعاية مجانية لغرابة موضوعه وتركيزه على المشاهد المثيرة فهو يعالج مشكلة التحرش الجنسي بالفتيات والسيدات بالمواصلات العامة ويلقي الضوء على جوانب في هذا الصدد، يغض المجتمع الطرف خجلا أو تدليسا، وعلى ما يبدو أن أصحاب الفيلم نجحوا في وضع الخلطة السحرية المناسبة بعد قراءة خبيرة في متطلبات الشارع الفني الجماهيري والمزاج العام للشريحة الأوسع من رواد دور العرض السينمائي، وفي نموذج 'سمير وشهير وبهير'، الفيلم الذي نجا من مأزق الإفلاس نلحظ من بين عوامل نجاحه فضول الشباب في التعرف على ملامح الحياة في فترة السبعينيات وشكل الموضة وقصات الشعر الطويل للرجال والبنطلونات الشارلستون وفساتين البنات القصيرة والميني جيب والميكروجيب وبلوزات الشيفون المشجرة الكاشفة عن الصدر والكتفين والكعب العالي والكرافتات العريضة وغيرها من الأوجه المختلفة للمرحلة السابقة، كل هذه الصور التي باتت كاريكاتيرية الآن ساعدت على وجود عنصر الإبهار، وبالتالي جاء رد الفعل بشباك التذاكر ايجابيا ومؤثرا في معيار التقييم العام، أما عن فيلم 'الكبار' للبطلين عمرو سعد وخالد الصاوي فقد خالف كل الظنون لأن المنطقي ان يأخذ الجمهور بسوابق سعد والصاوي، بالمواسم الماضية فالاثنان حققا نجاحا واضحا في 'حين ميسرة، دكان شحاتة، الفرح، كباريه'، وإن كان كل منهما على حدة، لكن الأصداء النقدية والجماهيرية صبت في صالحهما وطبيعيا أن يحالفهما ولو نجاح محدود في تجربة مثل 'الكبار'، غير أن الرياح جاءت بما لا تشتهي السفن وسقط الفيلم من الدور العاشر بلا حراك ولفظ أنفاسه قبل أن يتم الأسبوع الأول بدور العرض.

تحيلنا هذه النتائج الى عدم ثبات المعيارية تحت أي بند لنصل إلى أول الخيط، مؤكدين أن اختلال الذوق العام أحدث ارتباكا شديدا وغياب كافة المقاييس فلا خير في سينما نخبوية تستهدف القيمة ولا في سينما تسعى لتحقيق المعادل النسبي للجيد ولا تغفل تماما المشهيات كمشاهد الإغراء والأكشن، الكل أمام الفشل سواء، حيث الإسفاف والركاكة وضائقة الانتاج مشكلات تتجاوز سقف الأحلام الوردية وافتراضات حسن النية لدى الراغبين في صناعة فن يثري العقل والوجدان ويحقق المتعة ويتغلب على أزمة الإيرادات.

في تقديري أن المسألة لها أبعاد كثيرة مختلفة ومتعددة تبدأ من وجود أزمة في ثقافة التلقي ولا تنتهي عند حدود الحجم الانتاجي، بل هي خليط من عيوب في الكتابة وعيوب في ذائقة الجمهور وغياب الرسم البياني الدقيق لهندسة الانتاج بشكل صحيح وعدم وجود تفرقة بين انتاج أعمال فئوية وانتاج عام يصلح لكل الشرائح، يضاف للأزمة المركبة ايضا أزمة دور العرض التي انتقلت كلها للمولات وفنادق الخمس نجوم وزيادة سعر التذكرة الى اكثر من عشرين جنيها في ما فوق.

في النهاية تتعدد الأسباب، والسينما واحدة.. لا لون ولا طعم ولا رائحة.

القدس العربي في

30/12/2010

 

عرض ضمن المسابقة الرسمية لمهرجان مراكش

'حياة غير عادية': الواقعية الايطالية بنكهة هوليوودية

حسن بنشليخة

عندما واجهت السينما الايطالية مأزقا، الواقعية منها والواقعية الجديدة، اقترحت عليها هوليوود تجديد أسلوبها ونهجها لمسايرة العصر. وهذا بالضبط ما صنعه كلوديو كوبيلي في ثاني إخراج مطول له إذ يفتتح فيلمه بانفجار في فندق بألمانيا اضطر معه مجرمان ايطاليان من عصابة الكامورا، كانا قد نزلا به، إلى الرحيل إلى فندق آخر يمتلكه مهاجر ايطالي ويحمل اسمه: روزاريو. وروزاريو هذا رجل توج بالنجاح في إدارة مطعمه وفندقه مع زوجته الألمانية المخلصة المحبة التي أنجبت له طفلا هو الان في التاسعة من عمره واستقر معهما في ألمانيا لينعم بـ'حياة هادئة'، عنوان الفيلم المضلل. لكن الانفجار هو في حد ذاته رمزي حيث يرفع الستار على القلب العاطفي للقصة ويقلب حياة روزاريو رأسا على عقب يتحول معها إلى بركان يقذف الحمم.

سينما تحاول استعادة مجدها

قلب قصة 'حياة هادئة' هو في واقع الأمر قصة رجل في الخمسين من عمره تقريبا يحاول تحقيق التوازن بين الماضي والحاضر على أمل تحقيق السعادة والراحة في المستقبل. لكن ماضيه يرجع فجأة ليطرق على بابه وينهي سنواته الخمس عشرة التي نعم بها في ألمانيا ويرغمه مع نهاية الفيلم على انتحال هوية جديدة والهرب من جديد. فاحد المجرمين، دياغو، الذي نزل ضيفا في فندق روزاريو لإنهاء مهمته في صمت لعصابة الكامورا الايطالية بوقف مسودة تتعلق بالنفايات، هو في الواقع ابنه الذي تخلى عنه في الماضي. ولن يضيع الابن الوقت الكثير ليضع أباه أمام ماضيه الدامي وتضطرب حياة روزاريو. وتتقلص الدائرة ولا مفر من الصدام ولا سلم قبل معالجة المحنة. إنها قصة تمتزج خيوطها لتبحث في العلاقة بين الضوء والخيال بنكهة واقعية عميقة وقوية عاطفيا وبصورة جذابة. كما أنها تحقق في العلاقات بين الأجيال وخطايا الماضي والضمير اللامسؤول والصمت والارتباك والتوتر الدائم حتى نقطة الانهيار. وتتراكم الأحداث ويلوح الموت في الأفق ولا مخرج أو مفر لبطل الفيلم. ويحمل الفيلم بتقنية جمالية جديدة البصمة الهتشكوكية، اذا صح التعبير. فالقصة حبلى بالمفاجآت التي أعدها المخرج للمشاهد. وهكذا يأخذنا في العديد من التحولات المفاجئة للشخصيات فكان دائماً يستخدم عامل المباغتة وعدم التوقع ليجعل المشاهد في حالة مستمرة من الترقب والإثارة. ولا يمكن فهم ملابسة المؤامرة كليا، رغم أن الفيلم يسرد لنا بعض الوقائع في حلقة متواصلة تظن معها انك اقتربت كثيراً من فهم القصة، وتأمل جيداً أن المشهد القادم سيوضح لك الصورة أكثر. لكن يجب على المشاهد أن يكون متأهبا للمشاهد المفاجئة المتلاحقة التي لن تستطيع التحول عنها حتى ينتهي الفيلم، فجأة. كل هذا بإخراج قياسي رائع وادوار مقنعة للابطال لكن على الطريقة الهوليوودية وليس في الفيلم ما يوحي بأنه ايطالي لولا اللغة والممثلون. والفيلم في الحقيقة يتمتع بلمسات فنية خاصة بالمخرج على كل المستويات والتفاصيل الخاصة بصناعة الفيلم ككل، من سيناريو، وموسيقى ومونتاج بالإضافة لأسلوب الإضاءة وحركة الكاميرا والتصاعد في الدراما حتى يصل بالأحداث لذروتها. ويستغل المخرج كل طاقات ممثليه الإبداعية ويوفر لنا الحطب والزيت لتظل القصة مشتعلة ويقدم الفيلم بطريقة مشوقة مثيرة تجعل الأنفاس تتلاحق والفزع يسيطر على المشاهدين ليستمتع به المتفرجون حتى المشهد الأخير. ويعمل المخرج كذلك على التركيز على النواحي النفسية والمشاعر المختلفة لدى أبطاله، والدوافع التي تدفعهم لارتكاب جريمة معينة، فيصدم المشاهد عندما يرى شخصية هادئة وسوية هي التي كانت وراء الجريمة ونكتشف في نهاية الفيلم أن هذه الشخصية مضطربة نفسياً وهذا ما دفعها لارتكاب الجريمة. وعند انتهاء الفيلم، عند هذه اللحظة فقط، يمكنك أن تلتقط أنفاسك مرة أخرى.

حمل توني سيرفيو الذي لعب دور روزاريو، وزر بطولة هذا الفيلم بكل براعة وأوصل رسالة المخرج في أبهج صورها وبرع في التعبير عبر جميع المراحل المؤثرة في الفيلم وحقق انجازا وإبداعا هائلين على كافة المستويات وذكرنا بالممثلين الايطاليين العمالقة أمثال فيتوريو غاسمان، روبيرتو بنيني، جيان كارلو جيانيني ومارسيلو ماسترياني وغيرهم.

إلا أن الفيلم سرعان ما يبهت لونه وتتلاشى أهميته حيث تحول من فيلم يحمل في طياته الوعي الاجتماعي أو السياسي بقضية تدور حول مسألة حساسة ومهمة مثل مشكلة النفايات التي تتجاوز حدود محليتها إلى عنوان رخيص يعتمد على الجنس والعنف والانتقام. وسقط الفيلم إلى الحضيض بالطريقة التي تخلص بها روزاريو من ادواردو، شريك ابنه. إنها طريقة غير مقنعة بالكامل ألحقت الضرر ليس بالفيلم فقط بل بالسينما الايطالية التي استقطبت المشاهد العالمي بسحرها واستحوذت على مخيلته بإبداعات التصوير والإخراج والموسيقى والتشويق في شكلها المبسط والتزامها الهادف. ورغم الدور المتميز للبطل الرئيسي والبطلين الآخرين يستحيل على الفيلم أن ينال أي جائزة. وعموما يعتبر الفيلم محاولة لاستعادة المجد الضائع لكن بدون اللمسة الايطالية التي تحمل في ثناياها النفحات الروحية والقيم الجمالية والرسائل الإنسانية التي تعودنا عليها من زمان خلا.

' مخرج وناقد سينمائي مغربي

القدس العربي في

30/12/2010

جميع الحقوق محفوظة لموقع سينماتك
  (2004 - 2010)