حول الموقعخارطة الموقعجديد الموقعما كـتـبـتـهسينما الدنيااشتعال الحوارأرشيف الموقع 

خمسة عقود على أفلام العمالقة (2)

ستينات السينما: إبداعات فنية وأبعاد سياسية في كل اتجاه

محمد رُضا

مثلث رائع

في الوقت الذي كانت فيه  هوليوود وباريس ومصر وبومباي  (المراكز التجارية الأولى في العالم لفن الترفيه) تواصل إنجاز أفلامها الجماهيرية، كانت السينما الجديدة في تلك البلدان وفي ما عداها تعيش أفضل حالاتها. لم تعد أفلاماً منكمشة في عروض مهرجاناتية او محليّة ضيّقة وغير مسموع بها. ولم يعد مخرجوها سينمائيون يكدحون لجمع التمويل ويستعطفون المنتجين لمنحهم الحق في لقطة طويلة يستغرب المنتج من وجودها خوفاً من أن تعترض الموضوع. كل ذلك، لأنه في حين أن الجمهور العريض كان لا يزال سائداً، كان هناك جمهوراً عريضاً آخر قد نشأ. تلك الأفلام. أولئك المخرجون. هذا الجمهور. مثلّث رائع تتوّج بانتشار الثقافة السينمائية عب سلاسل من الكتب والمجلات والإبداعات النقدية.

حتى ألفرد هيتشكوك كان جديداً في الستينات. مختلفاً عن طريقته السابقة في الحديث عن المتّهم البريء من كل ذنب إلا أنه كان في المكان الخطأ (عادة قطار) في الوقت الخطأ (خلال او بعد الحرب العالمية الثانية). في العام 1959  حقق فيلماً آخر عن الجواسيس المعادين المزروعين في الغرب هو North By Northwest. كمعظم ما أنجزه هيتشكوك كان »شمال، شمال غرب« فيلماً جيّداً وبل أحد أكثر أفلامه الأميركية جودة،  لكن هيتشكوك كان بحاجة للتغيير. شعر به وأدركه وسعى إليه والنتيجة »سايكو« الذي  شهد عرضه الأول في السادس عشر من حزيران (يونيو) سنة 1960
«
سايكو« فيلم رعب بقدر ما هو أي فيلم من تلك التي نعرفها اليوم ضمن هذا النوع من السينما. لكنه الفيلم الأب لمعظمها. النقلة الفعلية بين ما كان يُدرج قبله من أفلام رعب وما أدرج بعده. والمسألة لم تكن نوع سينما مطلقاً، بل كيف يمنح المخرج حكاية ذات عناصر بوليسية (سرقة. امرأة خائنة. جريمة قتل. عقاب) بلورة مخيفة (مشهد قتل مفاجيء. قاتل على الفاصل الهستيري الصعب نفسياً وجنسياً، مفاجأة قبل النهاية الخ...).

بعد ثلاث سنوات، أطلق ألفرد هيتشكوك فيلما آخر كان بداية شيء جديد في السينما هو «الطيور«.  كيف يمكن للموت أن يأتيك من كائن يعيش بيننا طوال الوقت ولا نعره اهتماماً. غربان سوداء عادة ما تبحث عن غذائها في بيض الطيور الأخرى او في ديدان الأرض وحشراتها. الآن، ولسبب سبق ظواهر أخرى من بينها مؤخراً انتشار ما يعرف بـ "النحل الأفريقي"، قرر أن يهاجم الإنسان. في القلب من الموضوع شخصيات ذات نبض مليء بالنوازع الشخصية، إنه كما لو كان حرب الطيور ضد الإنسان استجابة لحالة نفاق وعدم تصالح بين الإنسان ونفسه أوّلاً.

لا «سايكو« عرفوا لاحقاً (في الثمانينات وما بعد) تقليده ولا »الطيور« الذي تم استلهامه في عشرات الأفلام التي تتحدّث عن شركائنا على الأرض الذين يهبّون لملء معداتهم منا: النحل والنمل والأرانب والأسماك الصغيرة، والجرذان و العناكب والأفاعي والكلاب وسواها. و... نعم حتى فيلم ستيفن سبيلبرغ عن سمكة القرش الضخمة  Jaws ينتمي الى ذلك الشق من سينما الرعب الذي حفره هيتشكوك.

هيتشكوك وصحبه

لكن تأثير هيتشكوك لم يكن بين الجمهور العريض (وهو في النهاية انتمى إلى السينما المؤسسة) وحده، بل انتشر فوق سينمائيين مختلفين في التوجّه وبالغي الحضور ثقافياً وسياسياً هم أبناء الموجة الفرنسية الجديدة. في أواخر الخمسينات، أجمع عدد من النقاد الجدد، بينهم فرنسوا تروفو، جان- لوك غودار، كلود شابرول، وهؤلاء تحوّلوا الى الإخراج بدءاً من مطلع الستينات عملياً،  وآخرين لم يتحوّلوا، مثل جان ناربوني، جان لوي كومولي وميشيل ديلاباي حوّلوا صفحات مجلة "كاييه دو سينما" للحديث عن بضعة مخرجين مختلفين عن السائد يعملون في السائد من بينهم هوارد هوكس، نيكولاس راي، سامويل فولر، جوزف هـ. لويس وألفرد هيتشكوك>

غودار وتروفو أجمعا على تقدير هيتشكوك وهؤلاء ولو أنهما اختلفا بعد سنوات قليلة فيما بينهما بخصوص كل شيء آخر. حين اعتذر فرنسوا تروفو عن إخراج فيلم  »بوني وكلايد« الذي استلم المشروع، تم عرض الفكرة  على زميله جان-لوك غودار، وهذا طلب تعديلات على السيناريو الذي كتبه كل من روبرت بنتون وديفيد نيومَن. تعديلات لم تكن محقّة بل تنتمي إلى عالم غودار أكثر من انتمائها إلى الواقع (من بينها طلبه أن تنتقل الأحداث من أميركا الى اليابان!!). كان ذلك في منتصف الستينات. بعد عام او نحوه التقى تناهى الى وورن بايتي (الذي أعجب بالفيلم وقام بإنتاجه لجانب بطولته) أن فرنسوا تروفو نصح بمشاهدة فيلم جوزف هـ لويس   Gun Crazy)ولع بالسلاح (1950) وتحقيق الفيلم على منواله. سبب الاقتراح أن كل من »ولع بالسلاح« و»بوني وكلايد« يدور عن ثنائي (رجل وامرأة) يمتهنان سرقة المصارف بشغف. »بوني وكلايد« انتهى ليد المخرج آرثر بن سنة 1967 الذي أنجزه بملكية خاصّة إنما على نحو مختلف عن السائد وقريب من المعالجة الفرنسية  لأفلام الموجة الفرنسية الجديدة
ليس بعيداً عن فرنسا أخذت السينما البريطانية تتحرّك لتنفصل عن كونها امتداد ظل للسينما الأميركية. الى جانب الكوميديات التي كان ينتجها ستديو إيلينغ بنجاح كبير، وأفلام الرعب الكلاسيكية التي تخصص في إنتاجها ستديو هامر (بنجاح كبير أيضاً) أخذ توني رتشاردسون بزمام المبادرة سنة 1960 لكي ينتج منوالا أكثر شبابية من ذلك الذي كان سائداً. وما كان سائداً لم يكن كلّه رديئاً او غير مقبول. حينها كان جون باولتينغ  (مثل »هذا مقبول يا جاك« That's All Right, Jack )  وأفلام مايكل باول منها في تلك الفترة »توم البصباص«  Peeping Tom  تشهد نجاحاً مزدوجاً بين النقاد والجمهور. لكن رتشاردسون، ومعه في العام نفسه التشيكي الأصل كارل رايز الذي أنجز سنة 1960 فيلمه الفكه Saturday Night and Sunday Morning  أقدما على بداية سينما ذات شكل جديد، يمكن تسميته بالثوري، يصيغ القصّة بقالب غير متّفق عليه منهجياً او أكاديمياً ويورد شخصيات لا ترتاح لها أعين المحافظين من الناس.

هؤلاء انضم أليهم في السنوات القليلة اللاحقة جون شليسنجر (»نوع من الحب«) و رتشارد لستر (»ليل يوم قاس«) و لندساي أندرسون (»هذه الحياة الرياضية«). نقد المجتمع الطبقي البريطاني كان في صميم ذلك الزحف المتجدد الذي لم ينته بنهاية الستينات بل استمر الى حيّز من السبعينات وانضم إليه مخرجون آخرون في المضمار التجديدي نفسه من بينهم كن راسل.

العديد من هؤلاء المخرجين اشتغل لحساب السينما الأميركية في تلك الفترة. يكفي بيتر ياتس  الذي كان مساعد مخرج في مطلع الستينات ثم حقق أول أفلامه مستقلاً سنة 1963 ("عطلة صيف")، ثم انتقل إلى الولايات المتحدة حيث أخرج »بوليت« سنة  1968.

«بوليت« بطولة ستيف ماكوين هو مثال لكيف انتقلت الحرفة البريطانية (والأوروبية بشكل واسع) الى الإنتاجات الهوليوودية. ما كان يمكن أن يمر على الشاشة كفيلم بوليسي آخر، تحوّل الى واحد من أفضل أفلام النوع آنذاك وعنواناً لبطله كوين لخص شخصيّته الأحب الى نفسه (شخصية "الكوول") ومنحها محوراً. الى ذلك، عوض الأكشن المتسارع استخدم المخرج البريطاني في ذلك الفيلم، كما في معظم ما حققه في الولايات المتحدة، أسلوباً متأنيّاً ينقل اليه ناصية اهتمامه كمخرج أفلام تسجيلية من قبل. لذلك ترى أن لقطاته لعامّة الناس تبدو كما لو كانت دخيلة. مسحه للوجوه الناظرة لشخصيات لن تلعب دوراً ما ربط للحدث الخيالي بأرض الواقع على نحو لم يكن متعارف عليه في الأفلام البوليسية علي الأقل.

الجزيرة الوثائقية في

27/10/2010

 

سينمات

حُلم التوأم " عرب و طرزان " يتحقق فى Gaza Wood

غزة ـ أسماء شاكر  

لا يمشي كلاً من التوأم المميز عرب و طرزان فى شوارع ِ غزة و حواريها، إلا و أثارا زوبعة ً من دهشة وابتسامات، و الكثير من الشك فى كونهما فلسطينيين .. و من غزة أيضا ً !

ليستْ ملامحهما و طولهما المتطابق وحده ما يلفت النظر إليهما فحسب، فأسلوبهما المختلفِ فى الشكل و اختيارِ الملابس، هو ما يجعل منهما مُمثّلَين سينمائييّن بجدارة .

أحمد و محمد أبو ناصر، المعروفين بـ عرب و طرزان، أكملا عامهما الثاني و العشرين هذا الشهر، و يوشكا أن ينهيا دراستهما الجامعية للفن التشكيلي و التصوير، غير أن أكتوبر  هذا العام، كان الأجمل فى ربيع ِ عمرهما، بعد أن تحقق حلمهما فى أن يصبحا  نجميَن سينمائيين لأفيشات أفلام عالمية، ولكن .. بدمٍ غزيّ .

غزّة وود !

على غرارِ اسم عاصمة السينما الأمريكية (هوليوود )، استعار عرب و طرزان  ( wood ) لتكونَ عالمها السينمائي الصغير الخاص بهما، بعد أن حوّلا سطح منزلهما إلى مرسم و متحف لجمعِ ِ كلّ ما هو قديم، من ملابس و آلات كهربائية من طراز السبعينات و الثمانينات، ليصير َ السطح فيما بعد موقع تصوير واستديو  لأفيشات أفلام مشروع ( Gaza Wood  )، الذي حاز على الجائزة الأولي فى مسابقة الفنان الشاب لعام 2010 ، التابعة لبرنامج الثقافة و الفنون فى مؤسسة عبد المحسن القطان، و التي تُعقد كل عامين للفلسطينيين فى جميع المنافي و الشتات و الوطن، حيث تعتبر أهم جائزة فلسطينية فنيّة .

فكرة المشروع ، بدأت بميول عرب و طرزان للسينما منذ نشأتهما، و متابعتهم الدائمة للحركة السينمائية و تاريخها، إضافة ً إلى عملهما فى المسرح  و الدراما و هو ما أتاح َ لهما رؤية أكثر كثافة وأناقة  للصورة .

لكنهما لم يكتفيا بمجرد الحُلم فقط، فمرورهما اليوميّ عن دور السينما المهجورة فى قطاع غزة، جعلهما يفكرون بذلك الزمن الجميل ِ من الأسود ِ و الأبيض، بواقعهما الخاص .

ليصمّما إعلانات أفلام دعائية ، تبدو أفيشات و عناوين لسينما عالمية، غير أنّ أسماء تلك الأفلام، كانت  مفاجأة التوأم ِ و فكرته الرئيسية لصياغة ِ واقع غزة و تاريخها ، بأسلوبهما الخاص .

حيث حملت ( أفيشات ) تلك الأفلام الوهميّة، أسماءً لعمليات عسكرية إسرائيلية، عاشها عرب و طرزان فى غزة ، بكلّ تفاصيلها و حكاياتها المُوجِعة .

ذاكرة الماضي و الحاضر .

( الرصاص المصبوب، قوس قزح، السور الواقي، صيد الأغبياء ) هي أسماء بعض العمليات الإسرائيلية العسكرية فى قطاع غزة، و التي  يراها التوأم كانت بأسماء أفلام سينمائية مثيرة، حيث يحاول الجيش الاسرائيلي ابتداعها بما يتناسب مع طريقته العسكرية فى القتل و التدمير، فانتهاء ُ العمليات الإسرائيلية تلك لا يعني أبدا انتهاءها من تاريخ غزة .

لكنّ التوأم عرب و طرازان، جعلا منها أسماء ً لأفلام وهميّة على إعلانات السينما ، للتعبير عن ذاكرة المكان و هويتّه، و توليف ِ الوجع فنّا ً و حًلما ً... و سينما !

لكن الأمر لم يقتصر على  نبش تلك الذاكرة فقط ، فمشروع ( Gaza Wood  ) عالجَ أيضا ً الواقع السياسيّ الفلسطيني بجراءة و كثافة فنيّة عالية، عبر فيلم قصير صامت من سبعة دقائق، يمثّلُ فيه الأخوين الانقسام السياسي بين الفيصلين الكبيريَن، حيث اعتمد التوأم على ملامحهما المتشابهة لتمثيل الفكرة بدقة متناهية .

يبدأ الفيلم بكلٍ من شخصين عسكريين يحملان الأسلحة و يبحثان عن بعضهما فى طوابقَ مبني قديم ومدمّر، و لهما نيّة القتل و إنهاء حياة ِ الآخر، إلى أن يلتقيان على سطح المبني فى مواجهة ِ بعضهما البعض و يصوّبا نحوهما بندقيته على صدرِ الآخر، إلى أن تكتشفهما طائرة إسرائيلية فى السماء، وتستعدّ لقصفهما عاريين من أية ّ حماية، أمام َ القذائف التى يتمزقانِ بها فى نهاية الفيلم .

يؤكد عرب و طرازان على أنّ المبني الذي كان موقعا ً لتصوير الفيلم، يواجه طرادات البحر الإسرائيلية، وهو مكان بالفعل مقصوف سابقا ً، و معرّضاً ً لخطر القصف الدائم ، فكان اكتمال التصوير فيه مجازفة حقيقية .

ومن المعروف أنّ مؤسسة القطان، أنشأها المليونير و رجل الأعمال الفلسطيني اليافوي : عبد المحسن القطان ، لتكونَ صرح ثقافي ً و علمّي فلسطيني مهم .

أمّا فرح التوأم عرب و طرازان بعد إعلان الجائزة قبل أيام ، و بثّ الحفل الختامي  بالفيديو كونفرنس من مسرح القصبة فى رام الله  إلى غزة، فيكاد لا يُوصف، بعد أن تعانق الأخوين التوأم بينَ جموع المحتفلين بهما، ليكتمل الحُلم فيهما، و يكملا مسيرتهما لدراسة ِ الإخراج السينمائي فى الخارج، و يعودا بسينما وأفلام فلسطينية .

الجزيرة الوثائقية في

27/10/2010

جميع الحقوق محفوظة لموقع سينماتك
  (2004 - 2010)