حول الموقعخارطة الموقعجديد الموقعما كـتـبـتـهسينما الدنيااشتعال الحوارأرشيف الموقع 

خواطر سينمائية

سيرجي إيزنشتين ‏..‏ المخرج ضحية الرأسمالية والشيوعية

‏[1‏ ـ‏2]‏

ضياء حسني

خلال ندوة كبري عقدت في فرنسا تمت إعادة تقييم المخرج الروسي الشهير سيرجي إيزنشتين الذي يعد من أهم من ساهموا في جعل السينما فنا مع حقيقية مع أبداعاته وإضافاته لفن المونتاج مع الأمريكي الشهير ديفيد وورك جريفث مخرج فيلم تعصب‏.‏

هذا الفنان العظيم قد عاني من اضطهاد السياسية للفن وكان ذلك في ظل المجتمع الأمريكي وكذلك تحت حكم ستالين في الاتحاد السوفيتي السابق وكأن حياته دليل علي أن السياسة والفن من النادر أن يتفقا مهما كانت طبيعة النظام الذي يعمل الفن تحت رايته‏.‏

انه عبقري السينما سيرجي أيزنشتين ـ المولود في ليتوانيا منذ أكثر من مائة عام في‏23‏ يناير‏1898‏ لأب مهندس من البرجوازية العليا ـ تطوع عام‏1918‏ في الجيش الأحمر ليحارب في صفوف البلاشفة من أجل الدفاع عن الثورة الشيوعية‏..‏ فيما كان والده يحارب في الجيش الأبيض ضمن قوات المناشفة المعادية لثورة أكتوبر الاشتراكية واستيلاء الشيوعيين علي السلطة‏.‏

كان أيزنشتين منذ شبابه شخصا غير عادي‏,‏ مفعما بالثورة والرغبة في التغيير‏,‏ وظلت هذه الروح المحرك الأساسي لحياته عند تحوله للفن الذي بدأ طريقه فيه بتصميم الديكور والإخراج للمسرح‏..‏ وضحت هذه الروح الثورية في أفلامه الأولي‏(‏ الإضراب ـ‏1924‏ والمدرعة بوتميكن‏1925‏ وأكتوبر ـ‏1926‏ وهي الأفلام التي تناولت كفاح الثوريين في روسيا القيصرية في الفترة من‏1905‏ حتي‏1917,‏ العام الذي استولت الحكومة البرجوازية بقيادة كرنيسكي علي السلطة لمدة ستة أشهر قبل الثورة البلشفية‏.‏

ولم تبرز تلك الأفلام ثورية أيزنشتين وتشيعه من الفكر الاشتراكي فحسب‏,‏ بل أظهرت نبوغه وعبقريته في استخدام السينما كأداة للحشد الجماهيري والتأثير في الجموع‏..‏ وكانت أداة التأثير الرئيسية لديه فن المونتاج السينمائي‏,‏ هذا التكنيك الذي ظهرت قيمته الفنية في التخاطب والتأثير مع أفلام المخرج الأمريكي الشهير ديفيد وارك جريفيت‏,‏ صاحب فيلمي‏(‏ مولد امة وتعصب‏).‏

وكتب أيزنشتين مقالا شهيرا تحت عنوان‏(‏ نحن جريفيت وديكنز‏)‏ أوضح فيه أن المونتاج كمفهوم بدأ مع الأدب‏,‏ وتحديدا مع أعمال الكاتب الانجليزي الشهير تشارلز ديكنز‏,‏ الذي كان يكتب احداثا تدور في عدة أماكن في نفس الوقت‏,‏ بالإضافة الي تقطيعه الحدث الدائر في مكان واحد الي عدة مواقف وهو ما يقابل في السينما تقطيع المشهد الي لقطات‏.‏وأثني أيزنشتين في نفس المقال علي بدايات المونتاج في السينما الأمريكية مع أفلام المخرج الآن بورتر‏,‏ وتحديدا‏(‏ سرقة القطار الكبري‏)‏ لكن المونتاج لم يتطور ولم يحصل علي وظيفية الدرامية ألا مع أفلام جريفيت‏,‏ الذي جعل السينما الصامتة تمتلك لغة بصرية تكاد تنطق وتخاطب الجمهور‏.‏

ووجد المونتاج قوته في السينما الروسية‏,‏ عبر تجربة ليف كوليشوف الشهير مع الممثل‏(‏ موسيجو كين‏),‏ كما برز أسلوب المونتاج الرمزي لدي المخرج بودوفكين في فيلم‏(‏ الأم‏)‏ الذي استخدم فيه أسلوب المزج ليوحي بمشاعر البهجة والفرح في نهاية الفيلم‏,‏ ورغم أن هذه النهاية كانت موت الأم‏,‏ الي أنها ماتت دفاعا عن ابنها وعن مبادئها‏.‏

وتميز المونتاج عند بودوفكين أيضا بتصاعد المسار الدرامي‏,‏ حيث تكون اللقطة الجديدة إضافة علي اللقطة السابقة‏,‏ ويكون مجموع اللقطات تصاعدا للحدث داخل محوري الزمان والمكان‏.‏

ولكن مع أيزنشتين‏,‏ اخذ المونتاج منحي أخر أكثر تطورا‏,‏ حيث كانت اللقطة في حد ذاتها لا معني لها‏,‏ وإنما تكتسب معناها من‏(‏ اصطدامها‏)‏ باللقطة التالية لها وهو ما عرف بالمونتاج‏(‏ الصدامي‏)‏ أو‏(‏ المونتاج الديالكتيكي‏)‏ حيث يري أيزنشتين إن اللقطات ليست تتابعا خطيا لمسار درامي‏,‏ انما تدخل كل لقطة في علاقة جدلية‏(‏ ديالكتيكية‏)‏ مع اللقطة التالية‏.‏ وهذه العلاقة تكون معني جديدا لدي المشاهد لا يمكن استخلاصه من كل لقطة علي حدا‏.‏

وجاء هذا التصور النظري لـ‏(‏ أيزنشتين‏)‏ من تعلقه بالمسارح اليابانية‏,‏ بالإضافة الي اهتمامه بالفن المصري القديم واللغة الهيروغيليفية‏.‏ فلكل حرف في اللغة اليابانية معني مستقبل وكأنه كلمة‏,‏ وعند جمع أكثر من حرف‏(‏ كلمة‏)‏ تعطي الجملة معني آخر‏..‏ ومثلا كلمة‏(‏ حمامة‏)‏ عندما تجمع مع‏(‏ سكين‏)‏ يكون المعني الحزن‏.‏

وأبرز مثال علي هذا الأسلوب المشهد الأخير في فيلم‏(‏ المدرعة بوتمكين‏)‏ الذي يعرف باسم‏(‏ سلالم الادويسا‏)‏ وفيه يصور هجوم الجنود علي المتظاهرين في المدينة‏(‏ أوديسا‏)‏ الروسية‏,‏ حيث صور أيزنشتين لقطات لأقدام الجنود ووجوه المتظاهرين ثم مزجها معا في المونتاج معطيا أحساسا بالقمع والقهر‏.‏

وفي عام‏1930‏ دعي أيزنشتين الي باريس ليعرض فيلمه في جامعة‏(‏ السوربون‏)‏ علي أن تعقب العرض محاضرة يلقيها‏..‏ ولكن السلطات الفرنسية منعت عرض الفيلم‏,‏ ولم يلق أيزنشتين المحاضرة‏,‏ بل ترك فرنسا علي عجل مع مساعده جريجوري السكندروف قبل أن تطردهم السلطات‏(‏ لم يعرض الفيلم في باريس الا عام‏1973‏ ثم لبي أيزنشتين ومساعده ومدير التصوير الشهير ادوارد تيسيه‏,‏ الذي صور كل أفلامه ـ دعوة أخري للعمل في هوليوود‏..‏ الا أنه اختلف مع مسئول شركة‏(‏ بارامونت‏)‏ بعد التعديلات التي أجراها علي سيناريو فيلم‏(‏ تراجيديا أمريكية‏)‏ الذي كان من المفترض أن يخرجه‏..‏ فقد اعتبرت‏(‏ بارامونت‏)‏ أن هذه التعديلات‏(‏ يسارية متطرفة تتنافي مع الروح الأمريكية‏).‏

الأهرام المسائي في

10/07/2010

 

خواطر سينمائية

سيرجي إيزنشتين المخرج ضحية الرأسمالية والشيوعية

‏2‏ من‏2‏

يكتبها: ضياء حسني 

أوضحنا كيف واجه إيزنشتين تعنت شركة بارمون الأمريكية بعد دعوته للعمل في هوليود من خلال فيلم تراجيديا أمريكية والتي وصفت الشركة السيناريو المكتوب بأنه‏(‏ يساري متطرف معاد للروح الأمريكية‏ وهي التهمة التي استخدمتها لجنة المكارثية بعد ذلك لمطاردة الفنانين اليساريين في أمريكا بعد الحرب العالمية الثانية‏.‏ولم ينقذ الموقف سوي عقد وقعه أيزنشتين مع الأديب الاشتراكي الأمريكي يونتون سينكلير ليصور فيلما في المكسيك بعنوان‏(‏ فلتحيا المكسيك‏).‏ ‏.‏وسافر الي المكسيك بالفعل في ديسمبر‏1930,‏ حيث أعد الفيلم في أربعة أقسام كتبت في شكل ملحمي‏,‏ وصممت وفقا لبناء معماري‏(‏ باروك‏)‏ وصورت علي‏35‏ ألف متر من الفيلم الخام علي مدي عام كامل‏...‏مما أدي بالطبع إلي تجاوز الميزانية المقررة وسحب سينكلير تمويله للفيلم عام‏1932‏ قبل أن ينتهي أيزنشتين من تصويشر قسمه الرابع‏..‏بل ظلت السلطات الم كسيكية تمنع سفره لمدة شهر حتي تمكن من مغادرة المكسيك والعودة للاتحاد السوفيتي في ابريل‏1932‏ ولكن دون المادة المصورة التي استولي عليها المنتج‏.‏ ووفقا لاتفاق مع هذا المنتج‏,‏ اجري المخرج الأمريكي سول ليسر المونتاج لبعض ماصوره أيزنشتين ليخرج فيلما بعنوان‏(‏ رعد فوق المكسيك‏)‏ عام‏1933‏ متعتمدا علي القسم الثاني من فيلم‏(‏ أيزنشتين‏)‏ والذي يحكي قصة ثلاثة مزارعين يثورون علي احد ملاك الأراضي في المكسيك كما استخدم بعض مادة الفيلم في صنع الفيلم التسجيلي‏(‏ القداس الجنائزي‏)‏ عام‏1934,‏ واستخدمت مادة أخري في فيلم‏(‏ تحيا المدينة‏)‏ من إخراج جاك كونواي وهوا رد هوكس في نفس العام وأصيب النقاد وأهل السينما والأدب في العالم بالإحباط لعدم خروج‏(‏ فلتحيا المكسيك‏)‏ الي النور‏,‏ ولضياع هدفه الأساسي‏,‏ وهو اظهار صمود واستمرار الحضارة الهندية منذ فترة ماقبل كولومبس وحتي‏1930..‏ الي ان جاء عام‏1939‏ حيث استطاعت المونتيرة ماري سيتون صديقة أيزنشتين‏,‏ تجميع أوشراء أجزاء من المادة المصورة وأجرت لها المونتاج وفقا لخطة العمل التي وضعها المخرج نفسه‏.‏ وهكذا خرج الي النور فيلم بعنوان‏(‏ وقت تحت الشمس‏).‏

ورغم أن‏(‏ وقت تحت الشمس‏)‏ لايمكن اعتباره رؤية متكاملة لأيزنشتين‏,‏ الا أنه يعكس تفوقه البصري النادر والصادق‏..‏حيث قدمت اللغة البصرية ـ المصاغة علي شكل‏(‏ موازييك‏)‏ غير متكامل الأبعاد ـ رقة جمالية لواقع من المفترض ألا يكون هناك جمال فيه في ظل البؤس والفقر‏..‏وقدم أيزنشتين مشاهد الحياة اليومية للهنود الحمر في المكسيك‏,‏ من احتفالات‏(‏ أعياد الموت‏)‏ الي صور العشاق علي الأسرة المشغولة من الخيوط والمعلقة علي الأشجار الا أن أهم وأجمل مشاهد الفيلم المشهد الملحمي الأسطوري لإعدام الفلاحين الثائرين عن طريق دفن أجسامهم تحت الأرض وترك رؤوسهم فوق سطحها لتكون فريسة للطيور الجارحة‏,‏ وليبدو الفلاحون مثل نبات خارج من الأرض في رمز لتماهيهم معها‏.‏ وفي‏1957,‏ بعد تسع سنوات من وفاة أيزنشتين بأزمة قلبية‏,‏ يهدي سينكلير‏,‏ منتج الفيلم‏,‏ النسخة الأصلية لشرائط الفيلم المصورة الي متحف الفن الحديث بنيويورك وفي‏1977,‏ تسمح سياسة الوفاق بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي باسترداد موسكو النسخة الأصلية‏,‏ ليجري الكسندروف ـ مساعد أيزنشتين ـ المونتاج لها لصالح شركة‏(‏ موس فيلم‏)‏ السوفيتية‏,‏ وليخرج الي النور عام‏1979‏ فيلم مدته ساعة وربع الساعة يعد أقرب النسخ لفكر أيزنشتين‏..‏ ولاتبقي سوي هذه الذكري من فيلم كان يمكن أن يكون واحدا من أجمل الأفلام في تاريخ السينما ولهذا المخرج العبقري قصة أخري مع الأفلام الممنوعة‏,‏ حيث كان قد بدأ العمل عام‏1935‏ ـ بعد عودته منكسرا الي الاتحاد السوفيتي ـ في أول أفلامه الناطقة باسم‏(‏ جداول ماء بيجين‏)‏ وهو يدور حول أب من ملاك الأراضي‏(‏ الكولاك‏)‏ يقتل ابنه لأنه يعمل في المزارع الجامعية‏(‏ الكولخوز‏)‏ ليعترض عليه مدير مؤسسة السينما السوفيتية في ذلك الوقت‏(‏ بوريس شومايتكسي الذي كان من الأنصار الواقعية الاشتراكية في السينما‏(‏ أوقف تصوير الفيلم واستولي علي الأجزاء التي تم مونتاجها بدعوي أن ايرنشتين قدم رؤية منحرفة عن مباديء الاشتراكية لتناوله الواقع بشكل شاعري‏.‏

وتمر الأيام ويسجن شومياتسكي بتهمة إفساد الإنتاج السينمائي الاشتراكي ضمن حملات التطهير الستالينية‏..‏ ويعود أيزنشتين للعمل مرة أخري بفيلم‏(‏ الكسندر نيفسكي‏)‏ لكن المادة المصورة من فيلم‏(‏ جداول ماء بيجين‏)‏ ظلت راقدة في مخازن شركة‏(‏ موس فيلم‏)‏ الي أن دمرت قنابل النازي هذه المخازن تماما في الحرب العالمية الثانية ليضيع أي اثر للفيلم‏.‏

وفي وقت لاحق قدم مؤرخ السينما الروسي نعوم كليجمان والمخرج سيرجي يوتكيفيتش فيلما تسجيليا عن‏(‏ جداول ماء بيجين‏)‏ معتمدين علي الصور الفوتوغرافية التي التقطت أثناء تصويره‏..‏ والجمال الفائق لهذه الصور يظهر فداحة الخسارة السينمائية بضياع هذه التحفة التي راحت ضحية غباء الرقابة الستالينية وقنابل النازي‏.‏

تم الغضب علي إيزنشتين من بعد فيلم إيفان الرهيب‏,‏لأنه قدمه بشكل رجل عادي وهو الإمبراطور الذي صنع روسيا العظمي‏,‏ وذلك لأن ستالين كان يود أن يكون الفيلم رمزا له كمنقذ لروسيا‏,‏ليبتعد إيزنشتين عن السينما ويموت وحيدا‏.‏

diaahosny@gmail.com

الأهرام المسائي في

13/07/2010

جميع الحقوق محفوظة لموقع سينماتك
  (2004 - 2010)