حول الموقعخارطة الموقعجديد الموقعما كـتـبـتـهسينما الدنيااشتعال الحوارأرشيف الموقع 

أحمد حلمي يكتب:

اعتذار مؤقت

قرأت كلاماً لقراء علي موقع «الدستور» الإلكتروني، يعلقون علي حبهم لمصر.. جعلني سعيداً ومسروراً جداً.. وجدت بين هذه الكلمات التي قرأتها إحساساً صادقاً يذوب عشقاً في حب مصر، ويرغب في جعلها أحسن بلد في العالم، ولم تكن هذه الأحاسيس وحيدة في صدقها.. بل كانت تأخيها وتؤازرها أحاسيس أخري لكلمات أخري شعرت فيها بجنون جامح لحلول تبحث عن الطريق الصحيح للتنفيذ.. شعرت بحماس.. يبحث عن منفذ للخروج من دائرة ارتسم محيطها وتلون جوفها بخطوط الجهل وتكبير الدماغ السوداء.. هذه الدائرة السوداء إن أطلت النظر إليها من بعيد، فلن تراها إلا حفرة عميقة لا يظهر عمقها من شدة سوادها، فتخاف أن تذهب إليها حتي لا تسقط فيها، وإن كنت شجاعا ومقداما، وتبحث عن الأفضل، فأقترب منها ولا تخف.. كل ما عليك هو أن تتخذ قراراً بطرد الخوف من الاقتراب، وعند وصولك لها، لن تجد إلا دائرة سوداء مرسومة علي الأرض. ما أسهل أن تعبر فوقها بقدميك، وعندما تصل لها، وتعرف أنك كنت تخاف مما كان يجب ألا تخاف منه.. ستحزن وتبكي علي كل هذا الوقت الذي أضعته وأنت تقف بعيدا خائفا من الاقتراب والسقوط في شيء لا يسقط فيه إلا من خاف منه وابتعد عنه، فهناك أمور كثيرة في الحياة نراها من بعيد وحوشا مخيفة، وإن اقتربت منها ربما تجدها أشجارا كثيفة تستظل بها.. كانت هذه الكلمات التي قرأتها ما هي إلا تعليقات لبعض القراء.. جاءت علي موقع الدستور الإلكتروني، وما سبق هو ما شعرت به في جوف هذه الكلمات الصادقة البسيطة التي تخلو من رغبة في شهرة أو حث علي أن تُقرأ أو دوران حول حلاوة معني تُكتب به، لذلك وجدتها كلمات كُتبت بقلب بسيط وسُطرت بعقل يفكر في الأفضل.

بعد أن انتهيت من القراءة، وجاء دور الكتابة.. كتابة المقال.. هذا المقال الذي جعلني أصل إلي «حقيقة» أخذت بسببها «قرارا».. كانت «الحقيقة» التي وصلت إليها هي.. أنه لما يكون مطلوب منك أن تعمل حاجة وتلاقي نفسك بتعمل كل الحاجات إلا الحاجة اللي مطلوب منك تعملها.. ساعتها أعرف إنك مش عارف تعملها، أو إنك بتتهرب من إنك تعملها.. أنا بقي عملت حاجات كتير ما عدا كتابة المقال.. أكل وأكلت.. شرب وشربت.. نوم ونمت.. صحيان وصحيت.. حموم واستحميت.. لعب ولعبت.. رغي ورغيت.. خروج وخرجت.. دخول ودخلت.. تركيز وركزت سرحان وسرحت.. عملت كل حاجة إلا إني أكتب المقال المطلوب مني.. كل ما أقعد أكتب أسرح في الورقة وسطورها.. أقول جايز جعان.. قمت كلت.. وقعدت تاني أكتب لقيت نفسي عطشان، فقمت تاني وشربت.. ورجعت قعدت.. كبس عليا النوم فنمت وصحيت.. كتبت أول حرف.. حرف من كلمة.. والله ما أعرف هاتكون إيه.. كان حرف (ح).. شميت ريحة وحشة جنبي.. بعد بحث وتدوير وشم طلعت ريحتي.. قمت استحميت، واتليفت واتبرفنت واتنشفت ولبست وقعدت.. بصيت للحرف وحطيت نقطة جواه، فبقي (ج).. وبرضه مش عارف أحط الحرف ده في كلمة إيه! ما أنا لو كنت عرفت أحطه، وهو (ح) كنت عرفت احطه وهو (جيم).. طيب يا تري هابدأ بيه الكلمة ولا هايبقي في نصها، ولا في آخرها.. بس أنا ألاقي الكلمة الأول، وبعد كده يحلها حلال.. جايز لما ألاقي الكلمة.. يظهر باقي الكلام والمقالة تطلع.. قعدت وفكرت تاني وتالت ورابع وعاشر.. لحد مازهقت.. مسكت محمولي ورغيت شوية رغي مالوش أي لازمة.. قعدت تاني بس قمت.. اتخنقت، فخرجت شوية أشم هوا ورجعت.. وقعدت تاني أفكر وأفكر لحد ما سرحت.. عدي وقت ومن بعديه وقت وأنا مكتبتش غير حرف واحد اتحول لحرف تاني بنقطة.. ولم يكن المجهود الذي بذلته في تحويل الحرف أكبر بكثير من مجهود تحريك القلم علي الورقة لكتابة حرف آخر.. كان(س).. لم أكتب إلا حرفين.. سين وجيم.. لم أجد مفرا إلا أن تكون السين أول حرف لكلمة سؤال سألته لنفسي.. هاتعمل إيه في الحيرة اللي إنت فيها دي؟.. ولم تتباطأ الجيم لوضع نفسها كأول حرف لكلمة جواب رديته علي سؤالي.. هاعتذر.. هاعتذر عن الكتابة.. ولكن قبل أن يكتمل اعتذاري بآخر حروفه، أحب أن أرد علي سؤال لفت نظري من إحدي التعليقات التي قرأتها علي موقع الدستور الإلكتروني لأحد القراء كان يقول فيه:

لو سمحتم عايز تعليقي ده يتنشر.. عايز حد يجاوبني ويقولي مين أحمد حلمي؟

قرأت أيضا إجابة عن هذا السؤال من أحد القراء، وكانت كالآتي:

مافيش حد هايعرفك مين أحمد حلمي إلا أحمد حلمي نفسه

فكان علي أن أرد وأجيب علي السائل وأقول له: أنا يا عزيزي شخص كان مطلوبا منه يعمل حاجة، فعمل كل حاجة إلا الحاجة المطلوب منه يعملها.. وذلك يقتلني.. من أجل ذلك أعتذر عن الكتابة، لاعتقادي أن حالة عدم التركيز في الكتابة سببها انشغالي بفيلمي الذي سيعرض الشهر المقبل، وأترك مكاني «مؤقتاً» لآخر لا يأكل ولا يشرب ولا ينام ولا يستيقظ ولا يستحمي ولا يتليف ولا يتنشف ولا يرغي ولا يخرج ولا يدخل ولا يسرح ولا يجهز لعرض فيلم هرباً مما طلب منه.. اعتذر!

الدستور المصرية في

23/04/2010

 

خليك لئيم

«خليك لئيم».. جملة قالها لي شخص أحبه جدا، وأسعد به عند رؤيته.. ولا أشكك أبدا في حبه لي.. ما يمتلكه من الخبرة الحياتية يجعلني آخذ جملته بعين الاعتبار وأفكر فيها.. قال لي جملته تلك سريعا، دون أي تفسير أو شرح أو حوار أو مناقشة.. فقد كانت الظروف التي قال لي فيها هذه الجملة لا تسمح لي وله بأن أفهم منه المزيد عنها.. فقد رأيته في سيارته، وكنت في سيارتي نسير علي كوبري 6 أكتوبر.. أشار لي بيده التي وضعها علي أذنه وكأنها موبايل، وقال لي هاكلمك وأفهمك.. انتظرت حتي يرن موبايلي، لكن لم يرن.. فكان علي أن أعتمد علي نفسي وأجمع معلومات عما تحمله كلمة اللؤم من معان، حتي اتبع منهجها.. اتصلت بصديق لي معروف عنه اللؤم الشديد، وقلت له: أنا عايز أبقي لئيم لو سمحت.. أعمل إيه؟ وطبعا لأنه لئيم، لم يخبرني.. وقتها لم يكن أمامي إلا أن أدخل علي الإنترنت لأبحث عن مبتغاي.. أحضرت «لاب توبي» وكتبت كلمة «اللئيم».. في أحد المواقع.. ظهر لي سؤال: «هل أنت لئيم؟»، لو كنت لئيما لما طلب مني صديقي أن أصبح كذلك.. لم أستطع أن أتجاوز السؤال فنقرت فوقه بالماوس، فوجدت الآتي:

أجب عن الأسئلة الآتية لتعرف هل أنت لئيم؟

السؤال الأول: عندما تجد نفسك في مأزق في لحظة من اللحظات.. من الممكن أن تتخلص من هذا المأزق لو أوقعت طرفا ثالثا في المشكلة.. لكن هذا الطرف الثالث قد طلب منك عدم ذكر اسمه في الموضوع بصفة عامة.. هل؟

أ- تضحي بالطرف الثالث من أجل مصلحتك أنت.

ب- لا تذكر اسمه مهما كانت الظروف.

ج- تشير إلي وجود شخص ثالث في الموضوع دون تحديد اسم.

السؤال الثاني: هل أنت محبوب في وسط الجماعة التي تحيط بك في مجال أسرتك أو عملك؟

أ- لا

ب- نعم

ج- ليس من كل الأشخاص

السؤال الثالث: رئيسك في العمل أشاد أمامك بجهد زميل منافس لك.. هذا الزميل لفت الأنظار بمجهوده.. وسرق الأنظار من كل من حولك بمن فيهم أنت شخصيا.. هل؟

أ- تشيد بمجهوده وتؤكد أنه يستحق التقدير الكبير

ب- تلتزم الصمت

ج- تشيد أنت الآخر بمجهود هذا الزميل، ولكنك تقول إن هناك من يساعده في هذا التفوق.. مجهول لا يعرفه أحد.

السؤال الرابع: عندما تشعر بالغيرة من زميل لك في أي مجال.. هل؟

أ- تحاول قدر الإمكان أن تعطل هذا الزميل بإطلاق الشائعات حوله.. وتسفيه كل ما يقوم به.

ب- تكتفي بأن تقول عن نفسك إنك مهضوم الحق.

ج- تلتزم الصمت

السؤال الخامس: هل تعشق الأفلام البوليسية التي تعتمد علي الخطط وكشف الألغاز في أحداثها؟

أ- لا

ب- نعم

ج- أحيانا

السؤال السادس: هل تغير نبرة صوتك من حين لآخر حتي لا يتعرف عليك من يتصل بك.. وتحاول أن يكون صوتك غامضا غير واضح للجميع؟

أ- نعم

ب- لا

ج- أحيانا

والآن اعط نفسك هذه الدرجات:

لكل إجابة «أ» ثلاث درجات.. لكل إجابة «ب» درجة واحدة.. لكل إجابة «ج» درجتان.

والآن اجمع نقاطك واعرف نفسك:

إذا حصلت علي 13 - 18 درجة فأنت إنسان واضح جدا.. لا تعرف معني المكر في حياتك.. الخط المستقيم هو الخط الذي تسير عليه في حياتك، ولا تعرف معني للطرق الملتوية.. تخاف من الأشخاص الذين تعرف عنهم هذه الصفة، وتحاول أن تتجنبهم بشتي الطرق.. أنت إنسان صريح وطيب وعطوف جدا.. تتحمس للمغلوبين علي أمرهم، وتقف معهم بكل ما تستطيع من قوة.. المهم أن تعرف أن هذا الأمر قد يعرضك لبعض المشاكل في بعض الأحيان، ولكنك علي أي حال قادر علي مواجهتها.

أما إذا حصلت علي 7 - 12 درجات، فأنت إنسان متوازن جدا في حياتك.. تحب الخط المستقيم في التعامل مع الآخرين، ولكنك أحيانا تلجأ للطرق الملتوية، إذا شعرت أنها تجنبك المشاكل، ولكنها في الوقت نفسه لا تورط أحدًا في المشاكل، أو علي الأقل تقنع نفسك إنها تضر الآخرين.. أنت إنسان ناجح في عملك وفي حياتك الأسرية.

أما إذا حصلت علي أقل من 7 درجات، فأنت إنسان خطير.. ماكر جدا.. تعشق المؤامرات، ولا يمكن أن تعيش يوما دون أن تندمج في واحدة، أو أن تكون طرفا في أخري.. من الضروري أن تعرف أن كل من حولك يعرفون عنك هذه الميزة ومضطرون للتعامل معك، إما خوفا منك أو تجنبا للمشاكل.. ومن المهم أن تعرف أيضا أنه في غياب المركز الذي أنت فيه، فإن الكل سينفض من حولك.

طبعا اختبرت نفسي وكانت النتيجة أنني نجحت نجاحًا ساحقًا، وحصلت علي نسبة 99.9 % في امتحان اللؤم، وعرفت أني لئيم جدا، ومن الدرجة الممتازة كمان.. كان الموقع الإلكتروني أيضا يتحدث عن اللؤم ذاته، ولكن بشكل علمي وتحليلي لمعني الكلمة.. مثل أن اللئيم هو الخائن والدنيء وسئ الخلق، وهناك من قال إن اللئيم هو المنافق والحاسد وسليط اللسان والمتطفل والبخيل.. ووجدت المتنبي علي الإنترنت يقول: «إذا أنت أكرمتَ الكريمَ ملكتهُ.. وإنْ أنتَ أكرمتَ اللئيمَ تمردا..».. إلخ

من هذه الصفات.. لا أشك لحظة في أن هذا ما قصده صديقي، لأنني متأكد أنه يعني استخداما دارجا للكلمة، ولا يقصد معناها التحليلي العلمي، ولكني وجدت موقعا آخر يقول: «إن اللغة كائنٌ حي يتغير بفعل الزمن والمكان ويتماهي معهما، فهناك مفردات كثيرة طرأ علي مدلولاتها تغير مع طريقة الاستعمال، ففي شأن وصف «اللؤم".. أنا أفهمه بالمعني الذي أصبح دارجًا في هذا الأوان.. اللئيم كما أفهمه الآن في هذه الصيرورة اللغوية ـ هو ذاك الذي يسوق أقواله وأفعاله الاعتيادية بغية تحقيق مأربٍ خفيٍ يكون ظاهره السلام والعفوية.. وباطنه التنبيط باللمز من أجل شيء آخر.. ربما كان هذا الشيء شرًا فتكون لئيما شريرا.. مثل أن تقول لرجل أعمي إن السما شكلها حلو قوي النهاردة.. أو أن تنصح رجلا فقيرا بالتصييف في فرنسا.. وربما كان غرضك خيرا فعندئذ تكون لئيما سياسيا".

أعتقد أن هذا الكلام هو ما أبحث عنه.. وكان هذا ما يقصده صديقي.. كان يريد مني أن أصل إلي غايتي النبيلة دون الكلام بشكل مباشر.. بمعني أن أضع السم في العسل، وبعد أن وجدت السم، واشتريت العسل.. سأبدأ مقالي وأنا الآن في منتهي اللؤم.. وطبعا لأني دلوقتي لئيم، فمش هأقول إن «الدستور» بتاعنا لازم يتعدل، ولأني لئيم مش هأقول إن التعليم بقي يقرف، ولأني لئيم مش هاجيب سيرة العلاج والتمريض والمستشفيات، وإنها بقت حاجة تجيب المرض.. وطبعا لأني لئيم لؤم رهيب.. عمري ما هافكر أجيب سيرة أي وزير ولا مسئول ولا عضو مجلس شعب أو شوري محتاجين جلسات كهربائية تفوقهم.. ومن اللؤم طبعا أني ماتكلمش عن النفخ اللي بيحصل في الأقسام.. ولا الشوارع المدغدغة ولا الزبالة المترمية.. ولا هاتكلم عن الأخلاق اللي بقت زفت، والقيم اللي أتشد عليها السيفون لمؤاخذة.. ولا هاجيب سيرة الضمير اللي أتعدم ومات واتدفن.. ولا هاتكلم عن شيوخ الفضائيات.. ولا عن الشباب العاطل اللي بيفكر يتطرف أو يدمن أو يتحرش.. مش هاتكلم عن الزحمة.. مش هاتكلم عن نقص الحدائق العامة والمتنزهات.. مش هاتكلم عن التخطيط الغلط.. مش هاتكلم عن الميغة والعزبة والقتة المحلولة.. مش هاتكلم عن إن مافيش حمامات عامة في الشوارع للأطفال والعواجيز ومرضي السكر.. مش هاتكلم عن الأتوبيس اللي بيقف في نص الشارع.. ده لو وقف.. ولأني لئيم جدا.. مش هاتكلم عن الأسعار اللي بقت نار، والرواتب التي لا تنمو.. ولا هاعترف بإن الحاجات الصح قلت والحاجات الغلط زادت.. ولأني لئيم جدا.. مش هأقولكم إني زورت في نتيجة امتحان اللؤم اللي عملته لنفسي، وكذبت عليكوا وقولتلكوا إني نجحت فيه بامتياز وبقيت لئيم.. إيه رأيك ما تجرب تمتحن نفسك.. بس خليك لئيم.. زيي.

الدستور المصرية في

16/04/2010

 

وزير التنقية والتقليم

بحكم عملي في السينما قرأت آلافًا من المشاهد في السيناريوهات.. وشاهدت آلافًا منها أيضا، ولكني شاهدت مشهدا منذ بضعة أيام، أقسم لكم أنني لم أضحك في حياتي مثل ما ضحكت علي هذا المشهد.. مشهد كوميدي ضاحك لدرجة الكركعة الهستيرية، ثم البكاء.. هذا المشهد ربما شاهدناه جميعا عبر الفضائيات أو علي الإنترنت.. مشهد لم يكتبه مؤلف، بل كتبه الواقع التعليمي في المدارس، والذي أصبح طلابه وأباء طلابه ومدرسوه ومدرساته وموجهينه وموجهاته ووكلاؤه ووكيلاته وفراشينه وفراشاته يعيشون فيه كل يوم دراسي.. لقد ضحكت ضحكا مخيفا.. ما هذا الكم من الإفيهات الارتجالية المتعاقبة التي يعجز خيال كثير من الكتاب عن تأليفها أو مجرد التفكير فيها.. ليس لعدم تمكنهم من الكتابة، ولكن لعدم قدرتهم علي تقديم مثل هذا المشهد، لابتعاده الكلي والجزئي عن عالم التصديق.. سأحكي لكم المشهد الذي رأيته عشان اللي ماشفهوش يبقي عارف بنتكلم علي إيه.. سأحكي لكم مشهدا لو كنت شاهدته في فيلم، لن أصدقه.. وستكون الجملة التي سوف أقولها بعد مشاهدته هي... خلوني أحكي المشهد الأول، وبعدين أبقي أكتب لكم الجملة.. كان مكان المشهد في إحدي المدارس الابتدائية الحكومية.. الحكومية للأسف. في زيارة مفاجئة غادرة بمن لا يريدها ومن لم يتوقعها أو يخاف منها، وصل السيد الدكتور وزير التربية والتعليم صباحا إلي هذه المدرسة الابتدائية، والتي كان يجب أن يسموها اسمًا آخر غير هذا الاسم المكتوب والمعلق علي جدرانها.. وصل الوزير ودخل من الباب الخلفي - الباب اللي لقاه قدامه - ماذا وجد الوزير عندما دخل المدرسة؟ وجد الحوش.. فيه إيه بقي الحوش؟ فيه هرج ومرج وعيال بتصفر وعيال بتزمر وعيال بتلعب وبتجري حوالين الوزير.. فين الطابور؟ أكله السبع.. فين تحية العلم؟ العلم ما بيحبش حد يحيه ولا يصبح عليه.. فين الرهبة والقدسية بتاعة الطابور؟ كلتها القطة.. طابور إيه يا معلم صلي علي النبي.. طبعا كل ده كلام لم ينطق به لسان أحد، ولكن كانت تنطق به الصورة التي شاهدتها.. شاهدت طابورا في منتهي النظام.. ده اللي كان نفسي أشوفه.. سمعت تحية العلم بأصوات التلاميذ الحماسية المليئة بحب الوطن، حتي إنها جعلت العلم يرفرف في يوم مافيهوش هوا.. ولا شمس وحياتك.. يوم أخبر.. كان نفسي أشوف فيه تحية العلم اللي أنا تخيلتها دي.. ابتدي الوزير يلف حوالين نفسه.. يمين وشمال، ويدور عن أي حد يكلمه.. ولما أهل المدرسة حسوا إن فيه رجل غريبة دبت في المدرسة، واكتشفوا إن الرجل دي رجل وزير التربية والتعليم.. هاصت الدنيا أكتر وظاطت علي الآخر.. كله جري عليه.. والحوارات اللي كنت باسمعها من اللي واقفين حواليه، كلها حوارات توضح إن صاحب الجملة مالوش دعوة باللي بيحصل ده.. ده أنا غلباااااان.. منهم سيدة فاضلة محجبة وعلي خلق، ماعرفش هي مين، ويارب ما تكون مدرسة، لأني هاتضايق أوي لو طلعت كده، عشان اللي قالته.. سمعتها بتقول للوزير لما سألها عن الهرجلة دي، قالتله: أصل أنت جيت فجأة.. ياسلااااااام.. لا تعليق - والله ما أنا معلق علي الجملة من كتر ما هي تضحك وتبكي.. طبعا أول حاجة عملها الوزير إنه سأل عن المسئول عن هذه المدرسة.. وطبعا كلنا عارفين من ساعة ما كنا عيال في المدارس إن المسئول الأول والأخير، والمسئول عن كل كبيرة وصغيرة في المدرسة هما الطلبة طبعا.. عشان كده أنا مش عارف ليه بقي الوزير كان بيسأل عن الناظر.. عايز منه إيه؟ يعني مش كفاية إنه جاي فجأة وبدون ميعاد.. كمان هيسأل عن الناظر.. زمن عجيب صحيح.. وزير التعليم يروح مدرسة مايلاقيش الناظر فيها، يقوم يسأل عنه.. معلش بكرة الزمن يتعدل.. وزرا آخر زمن.. عايز أقول وأنا مش متعاطف خالص مع هذا الناظر.. قصدي الوزير اللي ماكانش مفروض يطب كده علي المدرسة فجأة من غير ما يقول.. أمال بتوع الورد وقصاري الزرع اللي بتتفرش في المدرسة يشتغلوا أزاي.. كده نقطع رزقهم.. أصحاب محلات الفراشة اللي كنا هانجيب منهم السجاجيد المنقوشة يقعدوا كده من غير شغل..

سمعنا إن الناظر عيان وعنده ظروف، وكان في التأمين الصحي بيتعالج.. والله العظيم ألف مليون سلامة عليه.. ومن قلبي.. بس المصيبة مش في إن الناظر جه متأخر.. المصيبة هي ليه المدرسة عاملة كده، وليها ناظر مسئول عنها أيا كان اسمه أو سنه أو ظروفه الصحية.. أنا شفت في المشهد تلاميذ عندها ألعاب مابتلعبش.. وتلاميذ بتلعب معندهاش ألعاب.. شفت تلاميذ قاعدة في فصل مش فصلها.. شفت تلاميذ شايلة كتب مش كتبها.. كتاب مكتوب عليه إبراهيم زغلول.. ولما اتسأل كتاب مين ده؟ قال بتاعي.. طيب أنت بقي اسمك إيه؟ قال أنا إبراهيم فاروق السيد.. أمال الكتاب ده بتاع مين يابني؟ بتاعي يافندم.. أنا مش عارف الوزير محبكها ليه؟! الاسم اللي علي الكتاب ده اسم مؤلف الكتاب.. أو جايز يكون التلميذ ده عنده اسمين.. واحد ليه وواحد للكتاب.. سمعت إن في مدرس بيدرس كمبيوتر طلب منه يكتب جملة من ثلاث كلمات علي الكمبيوتر.. كتب منه أربع كلمات غلط.. أكيد الكمبيوتر غلطان.. يعني هو الكمبيوتر هايكون أذكي من الإنسان اللي اخترعه.. لا طبعا.. يا سيادة الوزير بعد كده لما تحب تعمل زيارة مفاجئة لمدرسة ابقي قول قبلها.. مش تروح فجأة كده.. ميصحش.. ده الاستئذان واجب.. خليهم يحطوا الورد ويفرشوا السجاجيد.. ولو كانوا فاهمين إن ريحة الورد هاتغطي علي ريحة الإهمال وإن نقش السجاجيد هايشغلك عن رؤية الأخطاء يبقوا فهموك غلط.. اللي بيحصل في الأيام الغبرة ده ريحته تفوق كل روائح الورد ولا تلهي عنه نقش السجاجيد، حتي ولو كانت سجاجيد عجمي.. يا أهل المدارس.. يا مدرسين كفاية كده.. أنا عارف إن الفقر بيوجع، والمرتبات مابتكفيش.. بس برضه المفروض تعرفوا إن الجهل بيوجع أكتر، وخصوصا لو كنت أنت المتسبب فيه.. الضمير الصاحي بيتعب.. بس غيابه بيدمر.. مش عارف ليه بقينا بنزعق وإحنا غلطانين.. أقسم بالله العظيم، لو كنت مكان ناظر «المضرسة» دي، لكنت قدمت استقالتي فورا.. بسبب الظلم.. بس مش الظلم اللي اتظلمته.. لا.. لأنك أنت اللي ظلمت نفسك بظلمك لتلاميذ أنت مسئول عنهم.. أزاي تفكر في الظلم اللي حصلك، ومفكرتش في الظلم اللي إنت عملته.

«مش للدرجة دي المبالغة».. كانت هذه الجملة التي كنت سأقولها إذا كنت شاهدت هذا المشهد في أحد مشاهد الأفلام، ولكن - مع الأسف - لم يكن هذا مشهدا في فيلم، ولكنه كان في مدرسة مصرية حكومية لا تحتاج لوزير تربية وتعليم، بل لوزير تنقية وتقليم.. ينتقي الأخطاء وبدافع الخوف والقلق علي جيل قادم، لابد أن يقلمها.. فلتنتق وتقلم.

تحية خاصة أرسلها لكل من الأستاذ الفاضل نزيه شمس الدين ناظر مدرسة بنها الثانوية بنين، والأستاذ الفاضل سيد هلال وكيل مدرسة بنها الثانوية بنين.. أحييهما من كل قلبي، وأقف لهما احتراما وتبجيلا لعدم ظلمهما لي.. أقف لهما احتراما وفخرا علي تربيتي التي سبقت تعليمي، التي لولاها لما بقي اسماكما محفورين في قلبي وعقلي بعد مضي أكثر من 25 عاما، ولن ينمحيا أبدًا.

الدستور المصرية في

09/04/2010

 

مكرونة باشاميل

ما هي الحقيقة؟ أتحدث عن الحقيقة ككلمة، ولست أقصد حقيقة شيء بعينه.. وربما أقصد.. أعتقد أننا الآن في زمن لابد وأن تمتلك فيه قدرات خاصة لتعرف من يخبرك الحقيقة ومن يخدعك.. قدرات تفوق قدرات محقق مخضرم في جهاز أمن الدولة.. أشهر جملة نسمعها دائما تقول: «الحقيقة أنا مش عارف أقولك إيه والله؟» يجب أن تعرف بعدها أن من قالها لن يقول لك الحقيقة أبدا.. سوف يضم حاجبيه ويقطبهما ليصبحا حاجبا واحدا أشبه بسطر أسود فوق عينيه، فيصبح وجها لا يعبر أبدا عن الحقيقة.

أصبح العثورعلي الحقيقة كالعثور علي سمكة بلطي في المحيط، أو كالنقش علي ماء لشلال، وإن حدث ووجدت هذه السمكة المستحيلة في المكان المستحيل، وتمكنت من النقش علي هذا الماء المتحرك، عندئذ يصبح قولها أشبه بالاعتراف بجريمة تمس الشرف.. إذا وجدت نفسك تتهرب من قول الحقيقة إذن هناك أمران.. إما أنك لا تعرفها وتخاف من ظهورك كجاهل وتفضل نعتك بلفظ المفتي العارف بالحقائق، عن أن يُنظر لك نظرة تحمل في طياتها اتهاما ربما يكون مُكتملا، إذا تحولت هذه النظرة إلي كلام يوصف صمتك وعدم معرفتك بالحقيقة بأنك جاهل، فتجد نفسك خائفا من الجهل، وتقرر أن تحوله إلي تأليف متقن، وتصبح كاذبا أفاقا مُفتياً مُؤلفا لحقيقة لم تكن موجودة أبدا إلا في خيالك اللحظي، الذي ستشكره آلاف المرات لأنه أنقذك من جهل كان سيلتصق بك.. ويا خوفي أن تُتقن كذبك هذا، ويكون لسانك راقصًا محترفًا للرقص بحروف الكلام، فيرقص مع إفتائك رقصة بارعة تُفتح علي أثرها الأفواه، وتُدلدل الشفاه من إيقاعاتها الوهمية، فيصدقك هذا المسكين السائل عن الحقيقة.

أما الأمر الثاني الذي كنت قد قاربت علي نسيانه، وهو أنك تعرف الحقيقة، وتعرف أين تسكن، ولكنك لا تعرف طريق الشجاعة للوصول إليها والبوح بها، ويصبح خوفك هذا سببا في تكاثر الفساد.. وتتوالي الأيام والسنين التي ستجعل من هذه الحقيقة التي لا يعرفها غيرك سرا.. تموت ويموت معك، ويظهر من بعدك من لا يعرفها فيؤلفها.

تتنوع الحقائق وتختلف.. تُكتب وتُمحي.. تُذكر وتُنسي.. تختفي وقتما لا تريدها أن تدينك، وتظهر وقتما تريد أن تنقذك.. تتبدل وتتحور بناء علي صفقاتك ورغباتك ونزواتك.. أنت تريد الحقيقة لك وليس كما يجب أن تكون. ربما اقتربت مما أريد الوصول إليه.. وربما بعدت كل البعد.. ما الذي يغير الحقائق.. الفلوس والحاجة إليها؟ السلطة ورغبة الوصول إليها؟ هل الخجل من الحقائق يغير الحقائق؟ وأنا مالي.

أسألك أن تقرأ المعوذتين بالله عليك حتي تبعد هذا الشيطان اللعين الرجيم الذي يمكن أن يوسس في نفسك بأنني ربما سوف أتحدث في السطور القادمة عن غياب الحقيقة المستمر من مدرسة الأخلاق الحميدة، حتي تم فصلها نهائيا لتصبح من منازلهم.. حذاري كل الحذر من أن تظن ولو للحظة أنني سأكتب سطرا واحدا يتحدث عن التنويم المغناطيسي المسيطر علي عقولنا ويحرز كل يوم هدفا في الزمالك، فيفتح باب الدوري العام، ويسدل بدلا منه ستارا علي الفساد.. لا تتوهم أبدا أنني سأكون هذا الفارس الهمام الذي يقف في الميدان فاتحا صدره صارخا بما خفي من الكلام، ويسأل عن الحقيقة.. حقيقة الأيدي الخفية الطائلة التي تلعب الشطرنج بكل من في الميدان.. لا تتخيل أن تمتمتي السرية في الصلاة دعاء علي أحد.. أنا لا أدعي علي أحد.. لا علي مسئول كان غير مسئول.. ولا علي كبير بدا من فرط كبره صغيرا كالذبابة.. تمتمتي ما هي إلا تسبيح وحسبنة.. أسبح لله شأني شأن كل المخلوقات.. وأحسبن لله مثل كل المحسبنين.. لن أتحدث عن أي شيء من هذه الأشياء، ولكني سأتحدث عن عامل الدليفري الذي جاء يطرق بابي حاملا علبة كرتونية تستقر بداخلها دائرة من العجين المكسو ببعض الجبن والخضروات.. هذا العامل البسيط الذي استنشق أنفه تراب الطريق الدائري كله.. وامتلأ صدره بلفحات البرد ورُجم كشيطان المزدلفة من الحجارة المتطايرة من عربات النقل.. جاء حتي يُشبع جوعي أملا في بعض البقشيش.. فتحت الباب فوجدته مبتسما، وكأنه مستيقظ من حلم ملون بألون بحر جزر المالديف.. حلم مرصع بذهب أشعة الشمس المنعكسة علي رمال الشاطئ الناعمة.. كان ينقصه أن يتمطع أمامي بعزم ما في دراعاته من قوة.. نظر لي وزادت ابتسامته إشراقا، وتحدثت كل ملامح وجهه عن هذه المفاجأة السعيدة في هذا اللقاء المبرم بيننا دون موعد مسبق.. لقاء صنعه أوردر لبيتزا «صمول» لا تستحق عناء المشوار من المحل حتي بيتي.. أخبرني بأن قلبه يمتليء بإعجابه بهذا الفيلم الأخير.. واستطرد في حديثه إلي الفيلم قبل الأخير وكم كان جميلا.. أما بقي الفيلم إللي هو كان فيه حضرتك علي النخلة.. ده حكاية.. لم يترك فيلما إلا وأشاد به، ولكي أقطع الحديث، مددت يدي، وأخذت منه ما يحمل زائدا عليه ورقة الحساب المتهالكة بفعل عوامل التعرية التي تعرضت لها في الطريق.. تواريت عنه للحظات لأحضر له الحساب في يد، وفي الأخري ما نويت اعطاءه له من بقشيش.. أخذ الحساب وبقي أن يطمئن علي بقشيشه.. وهنا قفزت الحقيقة في ذهني مرة أخري.. هل ماقاله لي هذا البسيط هو الحقيقة.. أم أن بقشيشه الذي ينام بيدي اليسري، يمكن أن يجعل الكاره محبا ويحول الشريف لحرامي والشجاع لجبان.. فلنعرف.. أخبرته أن يقول لي الحقيقة.. هل كل ما قاله لي من قلبه فعلا أم أنه يجاملني.. سبق كلامه نهاية سؤالي، مؤكدا أن ما قاله ما هو إلا الحقيقة.. أخبرته أنه لو قال الحقيقة سأعطيه من البقشيش الضعف.. نظر للبقشيش الذي تضاعف في لحظة وابتسم ابتسامة لم أفهمها.. ثم تلجلج قليلا، ولكن اللجلجة راحت بعد أن استرق نظرة أخري للبقشيش المضاعف، وقال: هو يعني الفيلم الأخير بس هو إللي معجبنيش أوي.. بدون أن أتحدث ضاعفت البقشيش إلي ثلاثة أضعاف.. لم يتلجلج وقال: وبرضه عارف حضرتك المشهد بتاع النخلة ده.. كان ساذج شوية مضحكنيش خالص.. وخوفا من أن أغضب لاحقني قائلا: بس ولادي ضحكوا جامد.. ضاعفت البقشيش، ولم ينظر له، لكنه عرف من حركة يدي.. وبسرعة أسرع من التي أخبرني بها بإعجابه قال: والله هو حضرتك بصراحة الأفلام بتاعتك مش قد كده.. يعني أنا أصلي.. ضاعفت البقشيش.. أنا أصلي مش غاوي «سيليما» خالص.. ضاعفت البقشيش فقال: أنا مش عارف إنت بتمثل ليه أصلا.. ضاعفت البقشيش، فانتهي حواره بـ: «أنا بصراحة لا بحبك ولا بحب أفلامك»! أعطيته البقشيش، فابتسم من جديد نفس الابتسامة التي كانت علي وجهه عندما فتحت له الباب أول مرة، ورحل وهو يلوح لي ناظرا للبقشيش، ويدعي لي متمتما في سره.. ولم أسمع الدعاء.

سأتحدث عن أول يوم لهذا الطباخ الجديد الذي أتي إلينا بعد عناء وبحث وتدوير طويل عن طباخ.. أيقظني صوته العالي.. ذهبت له بعد أن قررت أن أذبح له القطة من أول يوم شغل حتي لا يعيد الكرة.. أخبرته بحزم وبصوت محشرج لم يستيقظ بعد من حنجرتي.. لو عايز تاكل عيش هنا يبقي لازم تعرف إن البيت ده ليه احترامه.. إنت جاي عشان تشتغل.. مش ترغي وتعلي صوتك.. ولو مش عايز.. أتفضل امشي.. أنا مابحبش الحال المايل.. كنت قاسيا إلي حد كبير، وكان الطباخ كبيرا أيضًا.. اعتذر في خجل أو في احتياج.. الله أعلم.. طلب مني أن أتذوق صينية المكرونة بالباشاميل دي.. غرست الشوكة التي أعطاني إياها في طرف الصينية حتي لا تتشوه.. لم يكن التشوه الذي سببته المخدة في وجهي قد فارق خدي بعد، فزادت خدودي تكشيرا مما زاد وجهي الغاضب تجهما وقسوة.. سبقت رائحة المكورنة طعمها الساحر إلي أنفي.. تذوقتها.. ما هذه المكرونة التي لم أذق مثلها حتي في إيطاليا؟! انقسم وجهي نصفين.. نصف عابث بسبب ما فعله هذا الطباخ علي الصبح، ونصف مبتهج بهذه المكرونة الخلابة التي فعلها الطباخ أيضا.. الفاعل واحد والإحساس بداخلي متناقض.. خفت أن لا يتذكر إلا التنكيل الذي فعلته به فيمشي.. خفت أن أرفع وجهي من الصينية فأجده قد خلع المريلة وقرر الرحيل، لكنه لم يفعل، فقد كان انتظاره لرأيي في المكرونة أهم من كرامته التي بعترتها.. حلاوة المكرونة جعلتني ابتسم.. لا أعرف ابتسمت خجلا أم مصلحة.. ابتسم هو الآخر.. قال لي: هاه..؟! قلت له: أنا مش عايزك تزعل مني.. أنا زي ابنك برضه.. مصلحتي في بقائه طغت علي صراحتي في أن أبقي محتفظا بزعلي من سلوكه.. مصلحتي جعلتني أغير ما قد قلته من حقيقة.. كنت صادقا وأصبحت كاذبا.. استيقظت شجاعا، وأصبحت جبانا بسبب ملعقة مكرونة.. وزدت جبنا عندما أصررت علي بقائه لتناول الغداء معنا.. ولا مانع من أن يأخذ قسطا من الراحة بعد الأكل في غرفة نومي. جلست مع نفسي بعد أن أكلت المكرونة كلها، وماتت شهوة الأكل بداخلي، وكل حاجة راحت لحالها.. نظرت لنفسي في مرآة الحمام وأنا أغسل يدي محاولا إخفاء تلك الصلصة التي كانت كالدماء التي لطخت يدي من جراء هذه الجريمة الشنعاء.. نظرت لنفسي ووجدتني أقول لها: الحقيقة مش عارف أقولك إيه والله.

الدستور المصرية في

02/04/2010

 

زغروطة وحشة

أنا عارف إن كلمة «زغروطة» بتكتب بالدال مش بالطاء.. يعني «زغرودة».. بس أنا حابب أكتبها زغروطة.. بدون ما أبقي مخرب للغة العربية.. بس أنا حاسس إن حرف «الطاء» مناسب أكتر لمعني الكلمة.. يعني تخيل لو أنت في خطوبة ولا في فرح ولا حتي في طهور، وسمعت واحدة راحت مزغرطة زغروطة حلوة، وحبيت تعرف مين اللي زغرطت دي.. بذمتك الأحلي إنك تقول.. مين اللي زغرطت؟ ولا مين اللي زغردت؟ ده مش بعيد لو جوزها سمعك بتقول علي مراته «زغردت» ممكن يطاهرك مع العيل اللي بيطاهر.. أو تخيل لو نجحت بعد ما سهرت الليالي في المذاكرة ومققت عينيك في الكتب وشرب شاي وقهوة ودروس خصوصية وجبت مجموع كبير جدًا وراجع البيت فرحان إنك هاتدخل طب وتبقي دكتور.. ووسط ده كله مامتك تقولك: والله لأنا مزغردالك.. راحت الفرحة.. والمجموع الكبير نقص النص.. وكلية الطب بالنسبة لك بقت معهد كمبوسكو.. مرة سمعت صوت زغروطة في المطار.. سمعتها من غير ما أشوف مين اللي مزغرطها.. صوتها كان وحش أوي وبايخ.. الأهم بالنسبة لي كان السؤال.. اللي هو.. يا تري اللي بتزغرط في المطار دي بتزغرط ليه؟! حد وصل من الحج؟.. بس ده مافيش حج في شهر محرم.. جايز حد نجح؟! طب واللي نجح ده نتيجته متعلقة في المطار مثلاً، وجاي يشوفها.. ولا واحدة حامل في التاسع كانت مسافرة ولا راجعة وجالها الطلق وولدت؟!.. بس أكيد لو واحدة جالها الطلق وهاتولد في المطار أهلها هايطلبوا الإسعاف أوقع من إنهم يقعدوا يزغرطوا في صالة السفر.. تخمين خاطيء.. طب إيهّ؟! إيه سبب الزغروطة الوحشة اللي رنت في مطارنا دي! صوت الزغروطة اللي ملهاش صاحب دي، كان بيقرب مني كل شوية، لحد ما أخيرا لقيت مجموعة ناس كده ووسطهم عروسة لابسة فستان فرح أبيض أوحش من الزغروطة.. وفي رقبتها شبكة ألماظ ذوقها بشع.. لقيت الناس دول ملفوفين حوالين العروسة وكان ناقص يعملوا دايرة ويرقصوا حواليها ويغنولها يا طالعة سلالم الطيارة يا ماشالله عليها.. إيه اللي جاب العروسة دي المطار بفستان فرحها.. جايز اتلخبطوا بين المطار والفندق اللي جنب المطار.. كل ده مش مشكلة.. مش مشكلة إن العروسة بيزغرطولها في المطار ولا إنها جاية تتجوز في صالة تلاتة.. المشكلة مش في فستان الفرح أبو ديل طويل أوحش من فستانه ده.. المشكلة هاتركب بيه الطيارة إزاي؟! هاتعدي بيه من بوابة الكشف بتاعت المعادن اللي علطول بتصفر دي إزاي؟! هاتطلع بيه سلم الطيارة إزاي؟! هاتقعد بيه علي الكرسي إزاي؟! هاتاكل إزاي؟! لو حبت تروح الحمام هاتروح إزاي.. وإزاي.. وإزاي.. وإزاي.. إزيات كتير قوي خلتتني أهنج.. معقولة في عروسة تسافر بفستان فرح أكبر من الطيارة؟! ده فستان عايز طيارة لوحده.. ده الواحد بيبقي في الطيارة عايز يقلع كل هدومه من الزهق.. طيب لو الطيارة وقعت في المحيط وجالنا فرق الإنقاذ ينقذونا، ولقوا عروسة بفستان أبيض بتعوم وسط المحيط.. أكيد هايفتكروها عروسة المحيط، ومش بعيد يسيبوها عشان المحيط مايبقاش من غير عروسة.. الله يكون في عون المحيط وعون عريسك.. آه صحيح.. هو فين؟.. ولأن العريس لازم يبقي لابس بدلة، فدورت عليه بعنيا.. بس مالقيتش أي بدل ملبوسة.. فين العريس؟! جايز يكون مش لابس بدلة.. وليه مش واقف جنبها وسايبها واقفة لوحدها وسط الدايرة.. فجأة ظهر راجل لابس شورت ووقف جنبها وهو بيضحك ومبسوط أوي.. فضولي إني أحدد ده العريس ولا لأ.. نساني آخد بالي إن الراجل ده ياباني.. عريس ياباني.. ياسلااااام.. صحيح كل واحد بيلاقي نصه التاني، حتي لو كان ياباني.. الحقيقة أنا ماكنتش عارف هو ياباني ولا صيني.. أصلهم قطعية واحدة.. ارتحت بعد ما شفت العريس الياباني.. بس ارتياحي ده راح مع ضربة فلاش من كاميرا صغيرة كانت في إيد واحدة يابانية قصيرة بشورت برضه واقفة بتصور العروسة مع الراجل الياباني ده.. الراجل طلع جوز اليابانية.. أيوه كده الصورة تبقي صح.. الياباني لليابنية.. لأنه لو كان الياباني ده هو جوز العروسة دي.. أكيد ماكانتش اليابان وصلت للي هي فيه دلوقتي.. طلعوا اتنين سياح يابانيين كانوا بيتصورا مع العروسة عشان يرجعوا اليابان يسيحولنا بالصور.. طيب والعريس المصري بقي إمتي هايبان؟ إظهر وبان عليك اليابان.. لم يظهر العريس المصري.. فضولي اللي هايوديني في داهية خلاني اتخفي ورا شنطة وأقرب منهم أكتر وأحاول أسمع أي حاجه تقتل فضولي.. سمعت الست الفرحانة اللي كانت بتزغرط زغاريط وحشة بتتلكم مع ست تانية زعلانة ماكنتش بتزغرط خالص.. الزعلانة قالت للفرحانة: مش كان محمود ابني أولي بعزة بنتك.. أهو علي الأقل كنتوا عارفينه وحافظينه ومربينه وابن خالتها وجارها، وكان زميلها في الكلية والشغل.. الفرحانه قالت لها وهي باصة علي عزة بنتها: كله قسمة ونصيب يا أختي.. الزعلانة قالت لها: والقسمه والنصيب يقولوا إنكوا تجوزوها لواحد ماتعرفهوش.. إفرضي طلع متجوز.. الفرحانة قالت لها: الشرع حلله أربعة.. قامت الزعلانة قايلالها: ده إنتوا حتي ماتعرفوش شكله.. الفرحانة ماسكتتش وقالت لها: مين قالك؟! ما هو بعت لنا صورة حلوة قوي.. الزعلانة بزعل مليان فقدان أمل قالت لها: أنا مش مصدقة إنك تجوزي بنتك لواحد بتوكيل.. لا تعرفه ولا يعرفها، ولا شافته ولا شافها، وتسفروها كده كأنها كرتونة ولا شنطة.. الفرحانة بفرح مليان مصلحة وجهل قالت لها: هي هاتعوز إيه تاني أكتر من كده.. ده بعتلها مهرها ميتين وخمسين ألف جنيه.. ده غير الشبكة التحفة اللي في رقبتها.. ولا فستان الفرح اللي هاياكل منها حتة.. ده كمان تلاقيه بشيء وشويات.. الزعلانة بزعل صادق قالت لها: الحاجات دي فرحتكوا إنتوا.. بصي علي بنتك كده.. شكلها مبسوط؟ بصت الفرحانة وبصيت معاها.. إحنا الاتنين مبتسمين، وفضلت الفرحانة مبتسمة، وأنا راحت ابتسامتي.. اللي شفته علي وش عزة زعل وحزن كبير ماخدتش بالي منه.. أصلي كنت مشغول بفستانها أبو ذوق وحش اللي ماكنش عندها حق اختياره.. اتشغلت بشبكتها اللي أكيد خنقاها دلوقتي واللي ملهاش ذنب في وحاشتها.. عزة مابتضحكش.. وشها جامد كأنه بلاستيك.. عينها ثابتة كأنها كفيفة.. باصة علي لوحة مواعيد الطيارات.. لسانها مستخبي جوة بقها وبيدعي إنه يارب الطيارة ما تطلع.. عزة مقهورة زي أم محمود وأكتر.. ماصدقتش اللي سمعته بوداني.. عروسة متجوزة بتوكيل وهاتتشحن علي جوزها.. جوزها اللي الحاجة الوحيدة اللي شافتها منه صورة أمها بتقول إنها حلوة أوي، وانا لا يمكن أصدقها.. وإلا كنت صدقت إن فستانها هاياكل منها حتة، وشبكتها تحفة زي ما قالت.. عرفت عريس الغفلة من غير ما أعرفه ولا أشوفه.. بس عرفته.. من ذوقه.. فستان وحش وشبكة أوحش.. عزة كانت باصة ناحية باب الدخول.. بتشب علي طراطيف صوابعها تخطف نظرة من بين زحام الناس.. بتميل يمين وشمال بنظرة نفسها تكمل لحد الباب القزاز.. الباب القزاز اللي كان واقف وراه محمود.. محمود ابن خالتها وزميلها وحبيبها.. محمود اللي كان نفسه يتجوزها.. محمود ابن أم محمود الزعلانة.. عرفته من غير ما أعرفه.. عرفته من دموعه، ولو كان كل الدعا بيستجاب ماكنش جه ميعاد الإعلان عن إقلاع الطيارة.. اللي رن في سماعات المطار وكأنه حكم إعدام محمود.. بص في عينها أكتر ما كان بيبص.. عيط أكتر ما كان بيعط.. حاول يمنع دموعه اللي فضحت حبه وسط شيالين المطار.. بس معرفش.. معرفش يمنعها ومعرفتش أنا كمان.

الدستور المصرية في

26/03/2010

  

أبطال البطالة

جيب ورقة بيضة أو متسطرة واكتب رقم بطاقتك.. وياريت يبقي الرقم القومي لأنه طالع موضة جدا دلوقتي.. ومعلش اكتب كمان شهادة التخرج وسنة التخرج احتياطي.. جايز تنفع

مطلوب موظف.. مطلوب موظفة.. كتير مننا زمان قروا العبارة دي، وخصوصا علي فتارين المحلات.. راحت فين العبارة دي دلوقتي.. اختفت؟ مع إن المحلات لسه زي ما هي موجودة.. دلوقتي العبارة اتحولت لـ «مطلوب وظيفة خالية».. الشغل بقي مشكلة.. مابقاش في شغل، ولأن الناس مش لاقية شغل.. ابتدوا يشتغلوا بعض.. ده حتي بقي مصطلح دلوقتي.. تلاقي واحد بيقول لواحد تاني: «ده اشتغالة».

نفسي أعرف إيه مشكلة «مشكلة البطالة».. أصل البطالة دي مشكلة.. هي نفسها عندها مشكلة.. فده معناه إن إحنا لازم نحل المشكلة اللي عند مشكلة البطالة، وبعدين نحل مشكلة البطالة نفسها.. أنا تقريبا تهت وتوهتوكوا معايا.. أنا آسف مش هاعمل كده تاني.. أنا باشوف الناس اللي عندهم بطالة عايشين في بطولة.. كونهم مستحملين البطالة.. ده في حد ذاته عمل بطولي.. ولو تأملنا كلمة «بطالة» و«بطولة».. هاتلاقي إن الفرق بينهم حرف.. شيل الألف وحط واوا.. هاتتحول الكلمة بسهولة من بطالة لبطولة.. طب فين المشكلة بقي؟.. ما حلها سهل جدا أهو.. أتحولت في لمح البصر من بطالة لبطولة.. لو فيه حد في حالة بطالة، وعايز يبقي في حالة بطولة يشيل ده من ده يرتاح ده عن ده.. وعجبي.. العاطلين بقوا كتير.. كتير أوي.. ولو دورت عليهم هاتلاقيهم في أماكن كتير.. هاتلاقيهم قاعدين علي القهاوي بيتفرجوا علي اللي رايح واللي جاي.. واللي ماعهوش حق كباية الشاي هاتلاقيه واقف علي الناصية.. العاطلين هاتلاقيهم قاعدين علي منتديات الإنترنت بيحاولوا يضيعوا وقتهم.. قال يعني في حاجة مفيدة.. العاطلين هاتلاقيهم سرحانين في أسقف غرفهم ليلا متخيلين أشكال لأحلامهم في تلك الأشكال التي صنعها تقشير البياض بفعل الزمن، فتهاوت وظهر من خلفها خرسانة السقف المسلحة التي أصبحت أضعف بكثير من خرسانة هذا الزمن المسلح بكل قوانين الهبل.. لقد لانت الخرسانة السقفية من أحلام ساكني غرفها، ولم تلن تلك الخرسانة الزمانية، ولم يفكر حتي سيخا واحدا فيها بأن يلين.. تشقق الطلاء، وسقط عليهم بأحلامهم التي لم تتعد حدود سقف الغرفة.. سقطت عليهم وهم يرسمون واقعا خياليا هشا بخطوط شقوقها، فهذا خط يرسم زوجة، وآخر يميل وينحدر بقوة مع هذا الشق العمودي، فيرسم وظيفة، وآخر يرسم منزلا بحديقة صغيرة.. وشقا يرسم ولادا وبناتا ولدوا من صلب شق آخر.. وهذا شق صغير يولد بين الشقوق ويرسم أملا في تحول الشقوق إلي واقع، ولكن يا آسفاه.. ما هي إلا شقوق، ولن تبدو غير ذلك مهما كانت عظمة تخيلهم.. عاطلون يقرأون أحلامهم من شقوق أسقف غرفهم، والتي لا تختلف كثيرا عن قراءة خطوط القهوة في فنجان بين أصابع دجال أو دجالة من دجالين هذا الزمان الأهبل.. أحلام كثيرة يقرأونها ولا يعيشونها إلا في السقف.. ويا خوفي أن ييأس خيالهم ويضمر، فيتحول إلي شقوق ترسم قبورا.

أعتقد أنه لكي يتم حل مشكلة البطالة لابد وأن تتوفر ثلاثة عناصر.. اثنان منها غير مهمة بالمرة، وثالثها أهمها.. لو لم يتحقق وجوده، فلا أهمية لسابقيه من العناصر.. أول هذه العناصر هو وجود عاطل يريد العمل.. وما أكثرهم.

ثاني هذه العناصر هو وجود عمل لكي يعمل به هذا العاطل.. ثالث عنصر وأهمها كما سبق القول، هو وجود واسطة تؤهل هذا العاطل للعمل، بحيث يمكن أن يخطف الوظيفة من الألف العاطلين أمثاله، ولو توفرت هذه العناصر الثلاث، يمكن حل مشكلة البطالة لأي عاطل.. طيب اللي معندوش واسطة يعمل إيه؟! سهلة.. يدور علي واسطة يجيب بيها واسطة، ولو معندوش.. ممكن يجرب يحل مشكلة البطالة لنفسه، والحقيقة أنا جت في دماغي فكرة عبيطة.. بس هاقولهالكو، وياريت ما تقولوش عليّ عبيط.

لو إنت مثلا جبت ميت سنارة وحطيتهم في النيل.. إنت مش هاتجيب ميت سنارة ولا حاجة.. أنا باضرب مثل.. تفتكر مفيش ولا سنارة من الميه دول ممكن تغمز.. أشك.. جايز مفيش ولا سنارة هاتغمز في أول ساعة أو تاني ساعة.. بس أكيد ممكن تغمز حتي لو مش في نفس اليوم خالص.

طيب علي غرار المثل السابق.. لو جبت ورقة بيضة أو متسطرة - علي حسب لو كنت بتحب السطور أو البياض أكتر- اللي يريحك، وكتبت علي الورقة دي اسمك وسنك وعنوانك.. اكتب فيها: أنا شاب مصري اسمي فلان الفلاني.. نفسي أشتغل ومستعد أشتغل من غير مرتب أول تلات شهور، وبين قوسين أكتبلهم «جربوني».. أكتبلهم إن كل اللي أنت عايزه مصاريف المواصلات وعلبة سجاير لو كنت بتشرب، وقولهم يسلموك علبة السجاير مفتوحة علشان مايشكوش إنك ممكن تكون مابتدخنش وعايز العلبة تبيعها.. أو يدولك سيجارة كل ما تعوز.. وطبعا متنساش تكتب رقم بطاقتك.. وياريت يبقي الرقم القومي لأنه طالع موضة جدا دلوقتي.. ومعلش أكتب كمان شهادة التخرج وسنة التخرج احتياطي.. جايز تنفع.. وصور الورقة دي بعدد السنانير اللي إنت مش حاططهم في النيل أصلا.. وجمع أكبر عدد من العناوين.. عناوين لشركات ومحلات ومطاعم وقري سياحية.. اللي تلاقيه قدامك.. وابعتلهم الطلب.. وخليك رخم.. تفتكر لو بعت لميت عنوان.. مفيش ولا عنوان من دول ممكن يغمز.. أشك.. ولو مغمزش.. أبعت لغيرهم تاني وتالت.. لازم يبقي عندك أمل وإصرار ورخامة.. أنا أعرف ناس كتير سبب شغلهم رخامتهم.. المهم يكون عندك أمل.. ولو حصل واشتغلت بالطريقة اللي من غير مرتب دي.. اقتل نفسك واثبت وجودك وحب الشغل كأنك بتاخد خمس تلاف جنيه في الشهر.. إنسي الفلوس ولو أول تلات شهور بس.. تفتكر لما صاحب الشغل يلاقي واحد مش هاياخد مرتب وبيشتغل بذمة وضمير زيك كده.. مش هايتمسك بيك؟! ده أكيد عمره ماهايفكر يفرط فيك أبدًا، وساعتها بقي.. تلعب الدنيئة.. تطلب مرتب حلو يا حلو.. يا إما تسيبله الشغل أبو بلاش ده وتمشي.. ساعتها هايديلك مرتب يا إما هايقول في ستين داهية.. وده معناه إنك لازم تمشي وتتخلي عن رخامتك لأنه طلع راجل أرخم منك.. ورخم علي رخم مايرولش، وساعتها يبقي مقدامكش بقي غير الطريقة التقليدية.. اللي هي.. إنك تبص للشهادة بتاعتك.. شهادة الجامعة اللي متخرج منها، وتركنها علي جنب، وتفكر إزاي تشتغل حاجة ملهاش أي علاقة بالشهادة.. ياما ناس كتيرة اشتغلوا شغلانات مالهاش أي علاقة بدراستهم.. اللي خريج حقوق وبيشتغل في السياحة.. واللي خريج تجارة بيشتغل في المقاولات.. واللي خريج آداب وبيشتغل طيار.. قصدي في المطار.. صحيح كل دول اشتغلوا عن طريق الواسطة.. بس أكيد فيه أمل.. المهم تركن الشهادة علي جنب.. وتمسك جورنال الأهرام مثلا، وتفلي صفحة الوظائف الخالية، ولما تزهق ممكن تاخد استراحة وتقرا كام خبر في صفحة الرياضة.. ولو مالكش في الرياضة وأنا أشك.. يبقي أقفل الجورنال وريح عينك شوية من الخط الصغير اللي مكتوب بيه باب الوظائف الخالية.. وارجع تاني دور جايز تلاقي وظيفة.. ولو إني أشك.. بس جايز، ولو مالقتش جرب في جورنال تاني.. صحيح إنك ممكن تلاقي نفس الوظايف اللي في الجورنال التاني هي هي اللي في الأولاني.. بس جايز تلاقي وظيفة مش متشابهة، ولو أني أشك.. بس عموما أنا عايزك تتفاءل من موضوع الشك ده.. لأنك طالما أنك بتشك.. إذن أنت موجود.. ولو شكيت إنك موجود.. ممكن تتأكد من صفحة الوفيات.. وأتمني إنك ماتلاقيش اسمك فيها.. ولو إني أشك.

الدستور المصرية في

19/03/2010

 

عصيدة عمصاء

محتار أكتب عن إيه؟.. لا أنا مش محتار أكتب عن إيه.. أنا محتار أكتب إيه أساسا! مفيش في دماغي أي حاجه أكتب عنها.. حاسس إن دماغي عاملة زي ما تكون أنبوبة غاز قاطعة النفس ومافيهاش ولا نقطة غاز.. قلبتها يمين وشمال ونيمتها علي جنبها وعلي ظهرها وبطنها.. جايز ألاقي فيها شوية كلام مكنونين في القعر يعملولي حتي سطر ولا سطرين يساعدوني في اللي هاكتبه، واللي أنا لسه لحد دلوقتي مش عارف هو إيه.. أصعب حاجة إن الواحد دماغه تبقي عاملة زي الأنبوبة كده.. تتفاجأ بأنها منفسة وفاضية بدون تمهيد أو سابق إنذار.. يا بختهم اللي عندهم غاز طبيعي!

أكتب عن إيه؟ بس.. لاقيتها.. أنا هاكتب شعر.. أو هاجرب أكتب شعر.. بس يا تري أي نوع من أنواع الشعر.. عامي ولا حر ولا نثر ولا جاهلي!.. أنا أكتب شعر حر علشان أبقي حر ومش متقيد ومرحرح كده وفاكك، وكل اللي ييجي في دماغي الفاضية دي أكتبه.. أنا هاكتب قصيدة.. أو بمعني أكثر صراحة هاكتب عصيدة.. وأتمني ألا يقرأ هذه العصيدة أي شخص له علاقة بالشعر من قريب أو من بعيد، حتي لا يتأذي من الحرية المطلقة والمجردة من كل بحور الشعر أو مدارسه أو قوافيه أو تفعيلاته التي سوف أبتعد عنها كابتعادي عن المطبات الصناعية في الشوارع.. ليس لأنني سأسلك مدرسة جديدة في الشعر، ولكن لجهلي بها.. أعتذر كل الاعتذار عما سيبدر مني وعما سأرتكبه في حق الشعر والشعراء.. أعتذر لأحمد شوقي وحافظ إبراهيم وجبران خليل جبران وأبو العلاء المعري وصلاح عبد الصبور والأبنودي وسيد حجاب وأمل دنقل وأحمد مطر ومحمود درويش وصلاح جاهين وبهاء جاهين وبهاء الدين محمد وأيمن بهجت قمر وإسلام خليل وبلحة العربي وزقلة المدرب.. أعتذر لكل إنسان ليس فقط يكتب أو يقرأ الشعر، بل حتي لو كان يادوب بيكتب اسمه.. أعتذر للكلام نفسه لأنني اغتصبته وأخرجته من تراصه فوق السطور بشكل طبيعي، وليس هذا فحسب، بل إنني حاولت انتهاك حقوقه ولي حروفه حتي أنظمها بشكل زجلي أو نثري.. أعتذر له عن هذا النثر الذي سأنثر مفرداته وأهدر نقاطها.. ومن المؤكد أنه كان سيأبي أن تنثر.. وأعتذر أيضا للكلمات التي سأخدعها وأوهمها أنني سأصنع منها شعرا عظيما متناسقا منظوما، ولن يكون إلا شعرا يشعرها بحجم الكذبة التي سأكذبها عليها.. ولو حاولت الحروف أن تتملص من القلم هربا من عشوائية شعري أو سذاجة أو ركاكة معانيه، سأغلق عليها القلم حتي لا تهرب.. وبالرغم من اعترافي الكامل بجريمتي الشعرية التي سأرتكبها في حق الشعر والشعراء والأدب والأدباء، واعترافي أن ما سأقوم به نوع من أنوع قلة الأدب، وبالرغم من أنني مازالت أمامي الفرصة للتراجع أو محو كل الأدلة التي ستدينني، بألا أرسل هذا المقال لكي لا ينشر، وأرسل غيره، ولكنني لن أكذب عليكم وأخبركم أن الوقت أصبح ضيقا علي كتابة مقال آخر.. أصبح الوقت ضيقا، ولكنني - مع ذلك - أملك غيرها جاهزا للنشر.. لقد بدأت كلامي معكم قائلا إنني أشعر بأن رأسي أشبه بأنبوبة غاز فارغة، ولكنني وجدتها مليئة، وأرجوكم أن تتوخوا الحذر حتي لا تنفجر في وجوهكم أثناء قراءة هذا الشعر الغازي الخانق.. وإليكم هذه العصيدة العمصاء التي وإن دلت علي أي معان، فستكون معان غير مقصودة، وربما مقصودة بدون قصد! وليكن هذا هو اسم العصيدة: «مقصودة بدون قصد»، فلنبدأ التلييف.. عفوا.. محاولات التأليف:

مقصودة بدون قصد..

مرصودة كل الرصد..

مكتوبة عن عمد..

عمرها من زمن مد..

مبحوحة من غير بح..

مدبوحة من غير سح..

منقوطة من غير نقط..

مغلوطة من غير غلط..

صعبان عليا حالك اللي اتقلب..

مسكين بجد تاريخك اللي اكتأب..

ميمك.. مالت من تقل همها..

نشيدك اتبدل بكلام غمها..

صادك.. صياد مشهور بالأسر..

روحك راحت في لحظة غدر..

راءك.. راقدة بلا قومة..

مش سامع عليكي لا صويتة ولا زووومة..

علمك ما بيرفرفش..

هواكي ما بيطيرش..

صعبان عليا حالك اللي اتقلب..

مسكين بجد تاريخك اللي اكتأب..

شايك ليه خشب وقهوتك بقت سادة..

عيشك بقي حطب وملحك زاد بزيادة..

أهلك؟.. مفتكرش.. دول غلابة وطينهم يابس..

ضحكهم مدفون في وشهم يائس..

مال عيالك كده كبروا قبل أوانهم بكتير..

وأما سألنا عن السبب.. حلفولنا إن ده تغيير..

العجز في وشوش شبابك بقّع..

والبكا في عيون عواجيزك برطع..

زمنك مارد بوش بارد منك مابينكسفش..

تميليه مهما يميل مابيتكسرش..

صعبان عليا حالك اللي اتقلب..

مسكين بجد تاريخك اللي اكتأب

يا خسارة ماضيك اللي اتكتب

خيرك ضاع وغيرك كسب..

واللي يحبك عاش كسبان مات بعد ما اتغلب..

جمالك بقي بس.. اسم

اتنقل من اسم لاسم..

لسانك فقد النطق

صراخك مرار في البق

نهارك من سكانك خاف واستخبي ورا السور..

ليلك من سرّاقك كره نفسه وبضلمته بقي مضرور..

العمي فينا بقي نعمة البصر.. والحكم بينا بالظلم انتشر..

شبابك العجز بقي فخرهم.. ومن حقهم

لكن بعد التحري أتسجن حلمهم..

إحنا شعب الأرض.. إحنا دم العرض

حتي لو فرضوا الموت علينا فرض..

الخرس بقي صوت الجرس.. والحمار ركب الفرس..

صعبان عليا حالك اللي اتقلب..

مسكين بجد تاريخك اللي اكتأب..

الإيد خايفه من السلام..

والبطن مبيشبعهاش كلام..

والدفا في البرد عمره ما ينام

الشفا للمرض بقي زي حب الملاك للشيطان

الفقر من كتر فقره اتقلب بلطجة

مليون تترمي في سهرة.. وعند الفقير البريزة معصلجة

الجهل في الفصول عشش.. والمخ في دماغ العيال مشش

الكبد تلف من كل حتة.. والطحال راكب له جلدة

القلب عايزله زقة والمعدة حيطانها لازقة

سرطان هد الجتة.. كبير صغير مش فارقة

تبرعات.. حسابات وحسابات

صرف أدويه بالألفات.. وإن معكش في بيتكوا تبات

وإن عيطت يبقي خلاص.. زيك زي اللي قبلك فات ومات

يا تدفع يا تمشي من سكات

وإن إداك فرصة هايسبقها بصلي علي النبي.. عليه أفضل الصلوات

عليه الصلاة والسلام.. فرصتي لحد فين

النهاردة الاتنين.. معاك لحد يوم التلات..

يا تدفع يا تبيع عيالك أو اكفر بمصيبة ربنا كتبهالك

صعبان عليا حالك اللي أتقلب..

مسكين بجد تاريخك اللي اكتأب..

عارف لما تشوف الصبح بيطلع.. وإنت قاعد..

لما تلاقي قلبك بيدق وإنت بارد..

أو تنام وأنت شارد.. وتجري وأنت واقف.. وتبكي وأنت ساكت..

عارف لما عنيك تشوف جوه ناس.. وتحس بإحساس..

عارف لما تبقي كل حاجه غلط صح.. وكل حلال حرام

المية تبقي نار والنار يبقي مطر

عارف لما تسكت وجواك مليان كلام.. وتتكلم وأنت مش طايق الكلام

تشوف الكدب من العنين باظظ

وإن اتكلمت هاتبقي عنيك بتشوف مش زي ما انت باصص..

تمشي مش زي ما أنت رايح..

تتمني تموت وأنت عايش..

أو تعيش بس مش علي الهامش..

لما تحس إنك نصين لحاجة واحده.. بس مش بتوع بعض..

نص برق والتاني رعد

لما الأوتار تعور السمسمية

والدم يبقي مية..

صعبان عليا حالك اللي اتقلب

مسكين بجد تاريخك اللي اكتأب..

شويه حريفة وشوية حرفجية.. شاطرين.. بس في الفورياجية

عارف ولا مش عارف..

تفتكر في كام واحد عارف إنه مش عارف..

وكام واحد عارف إنه عارف..

وكام واحد مش عارف إنه مش عارف..

وكام واحد مش عارف إنه عارف..

أهم حاجة إن سمير صبري عارف إنه.. سكر حلوة الدنيا سكر..

صعبان عليا حالك اللي اتقلب..

مسكين بجد تاريخك اللي اكتأب..

إحنا جواكي مسافرين وشوقنا للرجوع مكابر..

لا جوعنا شبع ولا حزننا فرح ولا مرضنا خف..

الجوع أفندي أتجوز ست الحزن.. وبكفن مرضهم اتلف..

أنا بس عايز حد يفهمنا.. هو إحنا مفروضين عليكوا ولا حاجة..

ربنا يكفيكوا شر مرض الحاجة..

عارفة إيه اللي موتنا.. الحاجة..

الحاجة أصعب حاجة..

الحاجة لحرف وسط كلمة مش عايزة تكمل..

الحاجة لصوت ميت جوة حلق مش عايز يطلع..

الحاجة لروح زهقانة من صاحبها ومش عارفة تطلع..

الحاجة لودن مرة تسمع..

الحاجة لقلب نفسه يخشع..

الحاجة لضمير ميكونش مُقنع..

ربنا يكفينا ويكفيك شر الحاجة..

قولنا نمشي لو مش عايزنا في حاجة..

انتهت العصيدة..

اعترف لكم إنني أحببت الشعر وكتابته.. ولن تكون هذه هي المرة الأخيرة لكتابة عصائد شعرية.. وأتمني ألا تكون هذه هي المرة الأخيرة التي تشترون فيها الجريدة.. وأخيرا وليس آخرا وبقدر اعتذاري المسبق عما كتبته.. بقدر تأكدي البالغ العاقل الحر بأنني شعرت بكل كلمة كتبتها في «قصيده بدون قصد».. في النهاية أدعو الله ألا يخرج وحي الإبداع والتأليف الخاص بتأليف الروايات من بيت إبراهيم عيسي أبدا، حتي يظل هكذا متفرغا لتأليف الروايات.. فينشر مقالي في الصفحة الأخيرة.. وربنا يكفينا دفء النشر في الصفحات الجوانية.

الدستور المصرية في

12/03/2010

 

وقت إضافي

البني آدم بياكل وبيشرب وبينام وبيقضي حاجته في الحمام.. آه نسيت.. وبيشتغل.. طقت في دماغي أحسب حسبه كده عن البني آدم.. كام سنة بينامها من عمره.. الوقت اللي بيستهلكه في الشرب والأكل يطلع كام سنة.. بيقعد في الحمام كام سنة.. وبيشتغل كام ساعة.. قصدي كام سنة.. هاحسبها علي متوسط عمر البني آدم العادي اللي تقريبا بيكون عمره في حدود.. نقول سبعين سنة مثلا.. من أول ما يتولد لحد ما يموت.. نبتديها من أول ما العيل بيتولد.. من خبرتي التي لم تتعد الست سنوات في عالم الأبوة والتي اكتسبتها كأب، عرفت إن العيل لما بيتولد بينام أربع ساعات ويصحي أربع ساعات.. ولما بيصحي الأم بس هي اللي بتصحي معاه.. وأنا بافضل نايم طبعا.. أو بمعني أدق باصحي لمدة ثانية مع أول عياطة للعيل وأرجع أنام تاني أول ما أحط المخدة علي راسي تاني.. أصل أنا كمان خبرة في النوم.. كنا بنقول إن العيل في أول ست شهور بينام أربع ساعات ويصحي أربع ساعات.. يعني بينام حوالي أتناشر ساعة في اليوم وبيصحي أتناشر ساعة.. وده لمدة ست شهور.. يعني.. تلات شهور صحيان وزيهم نوم.. ولما العيل بيعدي الست شهور دول بيبقي خلاص.. زيه زي الكبار.. بينام تمن ساعات في اليوم.. نضرب بقي التمن ساعات دول في تسعة وستين سنة ونص يطلعوا تقريبا.. في الشهر 240 ساعة في الشهر.. يعني في السنة 2880 ساعة في السنة.. يعني في المدة كلها تقريبا 198720 ساعة نوم.. زائد النوم اللي في الست شهور اللي فاضلين يبقي الإجمالي 200160 ساعة في عمره كله.. لو قسمناهم علي أربعة وعشرين هانعرف عدد الأيام اللي بينام فيها البني آدم من أول ما يتولد لحد ما ينام للأبد.. يكون الإجمالي 8340 يومًا.. نقسمهم علي تلتمية خمسة وستين يوم يطلع 22. 849315 سنة.. ده من غير حساب اليوم الواحد والتلاتين من كل شهر.. يعني بالبلدي كده نقول حوالي تلاتة وعشرين سنة.. تلاتة وعشرين سنة نوم.. ده في حالة لو كنت بتنام تمن ساعات في اليوم.. شوف بقي لو بتنام عشرة أو 12 ساعة.. تلاتة وعشرين سنه نوم بس من غير أكل وشرب وتواليت.. نشوف بقي وقت الأكل.. لو بتاكل في اليوم تلات مرات.. والمرة بتستغرق حوالي مثلا عشرين دقيقة.. يعني ساعة في اليوم أكل.. يعني في الشهر 30 ساعة.. يعني في السنة 360 ساعة.. يعني في السبعين سنة 25200 ساعة.. يعني 1050 يومًا.. يعني 2. 8767123 حوالي سنتين وتمن شهور.. قول تلاتة لو كنت مفجوع شوية.. تلات سنين أكل.. نخش بقي علي التواليت.. والتوليت نوعين.. مية وطينة.. وكل حاجة وليها وقتها طبعا.. الإسهال السريع غير الإمساك الشنيع.. هانقول مثلا نص ساعة في اليوم للمية والطينة.. يعني إجمالي سبعين سنة يطلع حوالي سنة ونص من عمرنا بنعمل فيهم تواليت.. سنة ونص تواليت.. أما بالنسبة للشغل بقي.. فممكن نقول لو مثلا بتشتغل 6 ساعات في اليوم يعني في الشهر 180 ساعة.. يعني في السنة 2. 160 ساعة، ولأن طبعا محدش يشتغل أول ما يتولد ولا حتي أول ما يتخرج من الجامعة، فأكيد مش هانضرب في سبعين سنة.. ممكن نضرب في تلاتين سنة.. يبقي المجموع 64. 800 ساعة.. يعني 2700 يوم.. يعني 7. 3972.. قول تمن سنين.. تمن سنين شغل لو كنت هاتعيش سبعين سنة.. يعني إجمالي الأكل والشغل والنوم والتواليت يطلع تقريبا خمسة وتلاتين سنة وخمس شهور.. خمسة وتلاتين سنة للأكل والحمام والنوم والشغل.. تفتكروا الخمسة وتلاتين سنة الفاضلين ممكن يكفوا بقية الحاجات اللي أنا محسبتهاش.. زي السنين اللي بنقعد فيها علي القهوة والسنين اللي بنلعب فيها بلاي ستيشن.. والسنين اللي بنتعلم فيها من غير ما نستفيد من اللي بنتعلمه.. والسنين اللي بنم فيها علي خلق الله.. والسنين اللي بتضيع في الخناق.. والسنين اللي بنقفها في البلكونات.. والسنين اللي بندور فيها علي أماكن لركن العربيات.. وسنين الطوابير.. وسنين بنقنع فيها الأغبياء.. ده غير سنين الوقوف في الإشارات العادية وأمام كاميرات.. وسنين السكات والسرحان.. وسنين في الحقد وسنين في الحزن وسنين في الكآبة والغم وسنين المسلسلات والبرامج والريموتات والفضائيات.. وسنين التفخيد علي الشيزلونجات وسنين مجاملات وسهرات وأحزاب وسياسات وسنين في المحاكم وخناقات وتحكمات وحكومات وسنين في الأقسام والمستشفيات.. وسنين لاتخاذ القرارات وهجرات ووداعات وسلامات وسنين دموع وأحضان وقبلات في المطارات.. ونط وجري ورا الاتوبيسات والميكروباصات.. وسنين في علاج الميكروبات.. ودروس خصوصية وقعاد علي سلالم الكليات وشيشة وكافيهات.. ومين صحي ومين مات.. وأفراح وعزي وصلوات ودعوات.. وسرقه ونهب وفلان خد وكت والتاني مبيقولش غير هات.. طب ليه الدوخة الحسابية دي؟! ما تيجي نحسب الحاجات دي علي يوم واحد بس.. يعني تمن ساعات نوم.. ست ساعات شغل.. ساعة أكل.. ونص ساعة تواليت.. ساعة إلا ربع مسلسل.. بالإعلانات يبقي ساعة ونص.. ده لو كنت متابع مسلسل واحد.. نص ساعة تقليب في زراير الريموت علي ما تقرر اللي أنت عايز تشوفه.. ساعة علي الأقل علي ما توصل الشغل.. وزيها وأنت راجع.. طبعا الحسبة دي لو كنت بتشتغل يوم الجمعة والشوارع فاضية.. بس خلينا نقول ساعة رايح وساعة راجع مجازا.. طبعا ده من غير الإشارات، وإلا هابقي خيالي.. ومعاك نص جبنة.. قصدي نص ساعة فرجة علي خلق الله في الإشارات.. ونص ساعة بتدور علي ركنة.. ونقول ربع نميمة وربع حقد وربع سرحان وربع تفخيد في الشغل.. وخمس دقايق في كل صلاة سواء كنت مسلم أو مسيحي.. يعني خمسة وعشرين دقيقة عبادة.. قول نص ساعة بتفتكر فيهم ربنا.. وعندك يا سيدي ساعة ترفيه.. بلاي استيشن بقي أو قعدة علي القهوة أو بولة استميشن.. يا خبر.. أنا نسيت الموبيلات.. ربع ميسدات مثلا.. وساعة استقبال وإرسال.. وربع استهبال وهزار.. وربع حموم لو بتستحمي كل يوم.. ما تيجوا نحسب كده.. علشان مادوشكوش بحسابات.. أنا هاحسب وأقولكوا الإجمالي علطول.. ولو مش واثقين فيا.. إبقوا إحسبوا ورايا.. الإجمالي يا سيدي طلع.. 24. 45. . أربعة وعشرين ساعة وخمسة وأربعين دقيقة.. يعني خمسة وأربعين دقيقة زيادة عن الساعات اللي خلقها ربنا في اليوم الطبيعي.. يومنا مش مكفي.. يا نهار أحوس.. أمال هانلاقي فين وقت للتفكير والإبداع.. وقت للتأمل.. وقت للسعادة والفرح والقعاد مع العيال.. وقت لزيارة الأهل وصلة الرحم....؟! واضح إننا محتاجين وقت إضافي يا جماعة.

الدستور المصرية في

05/03/2010

 

مجرد سؤال

إشمعني الشباب مش الطفولة؟! جايز عشان الشباب يعني القوة والإدراك والنضوج.. طيب ما الطفولة برضه.. يعني البراءة واللعب والمرح وعدم تحمل المسئولية دون مساءلة

مجرد سؤال.. لماذا قال الشاعر أبو العتاهية: «ألا ليت الشباب يعود يوما.. فأخبره بما فعل المشيب»، ولم يقل «ألا ليت الطفولة تعود يوما..»؟ لماذا الشباب؟ وليست الطفولة.. هل لأن من في سن الشباب سيكون إدراكه واستيعابه بما فعل المشيب بصاحبه أكثر من فهم من هو في سن الطفولة؟ مع إن الأطفال دلوقتي بيفهموا كل حاجة.. هل يا تري فيه سبب آخر لتفضيل مرحلة الشباب عن مرحلة الطفولة؟ بالرغم من أنني أسمع كثيرا من الناس يقولون إن أجمل أيام هي أيام الطفولة، ويتمنون أن يعودوا أطفالا مرة أخري.. طبعا أنا مش هاعرف، هل هناك سبب آخر غير ذلك السبب: «المعني في بطن الشاعر»، ودي إجابة كنت دايما باجاوبها في امتحان العربي لما يجي سؤال عن قصيدة بيقول: ما معني البيت؟ فكانت الإجابة طبعا: «المعني في بطن الشاعر»، وكنت طبعا باسقط، لأن المعني كان في كتاب الوزارة مش في بطن الشاعر.

ولأن أنا لم يعبر بي بعد قطار العمر من محطة الشباب، لكي أشعر بما يحمله هذا الشطر الشعري من أحاسيس قالها الشاعر، بعد أن قضي مرحلة شبابه، لذلك قررت أن أفكر فيها من منطلق كونها مقولة مجردة من الأحاسيس التي لا لن أستطيع أن أشعر بها الآن، وربما أفهمها عندما أبلغ الستين ويملأ رأسي الشعر الأبيض.. ده لو ماصبغتش، ولكن ما سأفكر فيه الآن: لماذا تم تفضيل الشباب عن الطفولة، ولن أفكر من وجهة نظر الشاعر، ولكن من وجهة نظري الشخصية.. أي أنني سأفكر، لو كنت أنا فرضا فرضا فرضا -لا سمح الله- قد قلت هذا البيت بنفس النص الذي قاله الشاعر الكبير أبو العتاهية.. طبعا لو كنت أنا اللي قلته أكيد ماكنتش هاسقط في العربي.. بس خلونا نفترض مجازا أو بجاحة إن أنا اللي قلته.. إذن أكيد هايكون هناك سبب لاختيار مرحلة الشباب عوضاً عن مرحلة الطفولة، وسيكون المعني وقتها ليس في بطن الشاعر، ولكن في بطني أنا.. ما أنا اللي قايل بقي، وكل واحد أدري باللي في بطنه.. فلنبدأ بالتفكير، وفكروا معايا لو كنتوا شلة قاعدين مع بعض.. إشمعني الشباب مش الطفولة؟! جايز عشان الشباب يعني القوة والإدراك والنضوج.. طيب ما الطفولة برضه.. يعني البراءة واللعب والمرح وعدم تحمل المسئولية دون مساءلة.. في حد مايتمناش يرجع طفل تاني، ويلعب ويتنطط.. المرحلتين فيهم حاجات حلوة.. قعدت أفكر: ليه لو كنت كتبت البيت ده، كنت هاقول: ألا ليت الشباب مش الطفولة! يبقي أكيد فيه حاجة في مرحلة الطفولة خلتني مش عايز أرجع طفل تاني.. ملقتش قدامي غير إني أفكر وأحاول أحلل ليه أنا قلت كده؟ ليه؟ ليه؟.. ليه مش عايز ترجع طفل؟ مش عارف.. لقيت إن مفيش مفر من إني أحاول أفتكر طفولتي.. جايز لما افتكرها ألاقي فيها حاجة ترشدني لسبب كتابتي البيت مستخدما لفظ الشباب مش الطفولة، وفعلا ضلمت الأوضة، وعملت كل الحاجات اللي تخليني افتكر، فافتكرت يادوب وأنا في سادسة ابتدائي، ودي مرحلة الغلاسة مش الطفولة.. افتكرت بقي النكت اللي الواحد كان بيقولها وسط أهله، ويحرجهم بيها قدام الضيوف من كتر بواختها.. ومحدش بيضحك غيري.. وإن حد ضحك من اللي قاعدين.. يبقي بيخفي ورا ضحكته لفظ معتقدش إنك تحب تسمعه.. المهم بعد ده كله، مافتكرتش برضه.. قلت طيب ما أطلع صوري وأنا صغير.. جايز تفكرني بحاجة، وفعلا طلعت كل صوري وأنا صغير.. لقيت صورة، وأنا باكل مكرونة، وملحوس بقي صلصة، وصورة وأنا فاتح بقي وباعيط، وصورة وأنا لابس إيشارب أمي.. صور تخليك تكره طفولتك.. مش تكرهها بس.. دي تخليك تندم إنك أتولدت أساسا.. مالقيتش أمل في الصور ممكن يرشدني لإجابة سؤالي.. فقدت الأمل، وفتحت النور وقطعت الصور، ورن التليفون، ورديت: ألو.. مين؟ أيوه أنا محسن ابن خالتك.. أصله لسه مخلف جديد.. ولد اسمه آدم، وكان لازم أروح أبارك له.. قلت له حاضر يا محسن هاعدي عليكو بالليل.. جبت هدية لآدم ابن محسن ابن خالتي.. ورحت له، وكان البيت في الأول مافيهوش ناس كتير.. بس ابتدوا يزيدوا.. المهم دخلت وبصيت علي ابنه آدم اللي نايم جنب أمه عفاف مرات محسن ابن خالتي، ولسه هالاعبه وأقوله: «بس بس بس».. عايز أقولوكوا إن أنا تقريبا افتكرت طفولتي.. آدم فكرني بطفولتي.. وأول حاجة افتكرتها نور جامد، وكنت شايف كل حاجة بالمشقلب، وكان فيه واحد قعد يهوشني بإيده قدام عيني، ولما بربشت من الخوف.. بطل يهوشني، بس ضربني علي «اللامؤاخذة».. أنا مش فاهم حاجة.. جايز ضربني عشان بابربش؟ مش عارف.. راح ضربني تاني، ولأني ماكنتش باعرف أتكلم.. رحت معيط، واللي حرق دمي إني أول ما عيطت، راح ضاحك، وأمي كمان ضحكت، وأبويا ضحك.. كل الموجودين ضحكوا، وأنا مش ناسيهالهم لحد دلوقتي.. بعد كده لفوني في قماشة بيضة وحطوني جنب أمي، وجات بنت لابسة بالطو أبيض، وقعدت تلاعبني، وبعدين خدتني من جنب أمي، ومشيت بيا في طرقة طويلة.. خفت وعيطت.. وفجأة البنت الجميلة اللطيفة اتحولت وكشرت وقعدت ترجني وتهزني وتقولي: هش هش.. مافهمتش أهش ليه؟ هو أنا دبانة؟! طب والله ما أنا هاشش.. ابتدت تشتم، وتقولي إخرس بقي.. اسكت، وبعدين دخلت بيا أوضة كده مكتوب عليها: «حضّانة»، وحطتني في درج بلاستيك زي درج التلاجة كده.. فضلت نايم في الدرج ده كام يوم كده.. الناس تيجي تبص عليا وتمشي.. كان ناقص بس يرمولي فول سوداني، وبعد كده روحنا البيت، وأمي غيرت هدومها، فعرفت إن ده بيتنا، لأن أكيد أمي مش هاتغير هدومها عند الجيران، وكان البيت فيه ناس مش كتير.. بس ابتدوا يزيدوا شوية بشوية، وكل شوية ألاقي واحد جه بص في وشي وراح مصفرلي، وكأننا أصحاب، وتيجي واحدة تبصلي وتقعد تعمل أصوات غريبة.. ادغ ادغ ادغ.. اكررركرركركر.. إيه الناس دي؟! أول مرة يشوفوا عيل؟! وبعدين هو مين اللي عيل بالظبط؟! أنا ولا هما؟! ده غير بقي اللي يقولي: «ياختي كميلة انتي».. ياختي.. ليه؟! هي أمي مش قايلالهم إنها مخلفة راجل؟! وليه «كميلة»؟! ما هي طول عمرها «جميلة» بالجيم.. ناس عيال صحيح.. ده غير بقي إن كل واحد وواحدة من دول أول ما يوصل عندي.. يقوم دابب إيده تحت مخدتي وسايب فلوس.. مابقتش فاهم.. هما بيلموا تبرعات عليا ولا إيه؟! وبعدين جه واحد قاعد يرفعني لفوق كده، ويعمل نفسه هايسيبني، وكأني هاقع، ويمسكني تاني في آخر لحظة.. إيه يا عم إنت هزار الكبار ده؟ هو أنا قدك؟! جه بقي عيل صغير كده، وراح باصصلي بتمعن وكأنه بيشبه عليا، وفجأة راح لاسعني حتة قلم علي قفايا، وجاري.. راحت أمي أخيرا وبعد صمت طويل مزعقة.. وبقيت هاموت واعرف مين ابن الكلب ده اللي ضربني علي قفايا، ولما ماما قالتله: كده تضرب أخوك يا حبيبي.. عرفت حاجتين في قت واحد .. إن اللي لسعني بالقفا يبقي أخويا، وإن اللي شتمته.. أبويا، وفجأة فقت من سرحاني، وأنا باصص لآدم ابن محسن ابن خالتي.. علي صوت إيد بترقع علي قفا «آدم» ابن محسن ابن خالتي، وأمه بتزعق فيه، وبتقوله: كده تضرب أخوك يا كريم؟! رحت ضاحك وميلت علي آدم، وقايله في ودنه: الله يكون في عونك.. ألا ليت الشباب يعود يوما، وساعتها عرفت المعني اللي في بطن الشاعر.. وليه قال: ألا ليت الشباب، وليس الطفولة.. ألا ليت الشباب يعود يوما.. فأخبره بما فعل الناس بي وأنا طفل».

الدستور المصرية في

26/02/2010

  

عيد ميلادي

سؤال.. تفتكر يوم «عيد ميلادك» يبقي عمرك كده زاد سنة ولا نقص سنة؟ السؤال ده سألته لنفسي يوم عيد ميلادي.. يا تري أنا كده عمري زاد سنة ولا نقص سنة؟ «عيد ميلادي».. عيد ميلادي هو اليوم اللي أنا اتولدت فيه.. طيب ليه بقي اليوم اللي أنا اتولدت فيه يبقي عيد؟ ليه عيد؟ ومين اللي حدد إذا كان عيد ولا مش عيد؟ بني آدم اتولد في أي يوم من أيام السنة.. إيه العيد في كده؟!.. إنك اتولدت! أهلا وسهلا يا سيدي.. واحد اتولد.. حاجة عادية جدا.. زيك زي كل الناس اللي اتولدت علي الكرة الأرضية من يوم ربنا ما خلقها وخلقنا.. وهو لو يوم عيد.. إشمعني ليك إنت؟ المفروض أنه يكون يوم عيد لأبوك وأمك اللي بالنسبة لهم أكيد هايبقوا فرحانين ومزقططين بيك وبخلفتك، وخصوصا لو كان بقالهم كتير مستنيين إن ربنا يأذن بتكوين حضرتك.. وعلي فكرة مش بالضرورة يبقوا فرحانين أوي.. يعني في حالة لو كان مرتبهم نص نص ممكن يبقوا فرحانين نص نص برضه.. والفرحه هاتقل عن النص لو كنت أنت العيل الخامس ولا السادس في ترتيب أخوات حضرتك.. وياعالم هاتبقي إنت آخر العنقود، فاهتتدلع ولا العنقود هايكون لسه متقفلش وفاضله عيل ولا عيلين كمان علشان يتقفل.. وممكن مايكونوش فرحانين بيك خالص، وخبر بداية وجودك يكون سبب في خناقة كبيرة بين أبوك وأمك اللي كل واحد فيهم هايحاول يبرأ نفسه من سبب حدوثك، اللي مش وقته خالص، لأنهم لسه مش مستعدين لمصاريف خلفة سيادتك.. ومش بعيد أبوك يجبر أمك تنزلك ومتجيش أصلا.. ومين عارف.. ده ممكن أمك تنزلك من غير ما تقول لأبوك.. بس أنا هافترض بقي إن أبوك وأمك ميسورين الحال ومستنينك بفارغ الصبر وإنك فعلاً اتولدت وجيت ونورت البيت.. وطبعًا أكيد هاتتولد في شهر عادي من شهور السنة، وفي يوم من الأيام العادية المعروفة بتاعة الأسبوع اللي كل ما هايهل علينا هاتقول النهاردة عيد ميلادي.. عيد ليه؟ المفروض الواحد يقول النهاردة يوم ميلادي.. أو ذكري يوم ميلادي.. أو يا جماعة أنا اتولدت في يوم زي النهاردة.. وخلاص، ولو عايز تحتفل بذكري ميلادك، يبقي قول النهاردة أنا هاحتفل بذكري يوم ميلادي.. مش «بعيد ميلادي".. إيه البارانويا دي؟ مين اللي حدد إن اليوم اللي حضرتك اتولدت فيه عيد؟ إنت مين أصلا؟ واحد عادي.. إنسان مولود من كذا سنة.. عملت إيه مهم في حياتك علشان تخلي يوم ميلادك، عيد تحتفل بيه إنت وأهلك وأصحابك؟! وحتي لو قلت أنا هاحتفل بيوم ميلادي مش عيد ميلادي.. تحتفل بيه ليه من أساسه؟.. حصل إيه يعني لما اتولدت؟ أكيد كنت بتعيط وصوتك مزعج، ومش عارف تقولنا إنت بتعيط ليه، وأبوك وأمك مش عارفين يفهموك، ولا يناموا منك، وبتعملها علي روحك أو علي رجل أي حد من اللي شايلينك، وريحتك وحشه وبتريل وبتقشط وبتتكرع في وش أي حد، ودايما قارفهم ومشتت تفكيرهم ومخلي عينهم وسط راسهم لتقع ولا تتخبط.. ونايم وسطهم ومشاركهم في سريرهم.. لا عارفين يتقلبوا ولا يناموا، ولا حتي يحضنوا بعض.. وإن نمت علي سرير لوحدك هاتاخد مخدتين.. واحدة يمينك والتانية شمالك علشان ماتقعش وإنت نايم.. ناقص يحجروك بحجرين.. ده غير بقي السخونية والحصبة والإسهال والتطعيم والجفاف والتسنين.. صحيح خلفتك نعمة من عند ربنا.. نشكره عليها آلاف المرات والمرات.. بس بصراحة تربيتك مقرفة ومتعبة.. وفي الآخر تضحك عليهم بضحكة طفولية تنسيهم كل القرف اللي عملته فيهم وشافوه منك، وخصوصا أمك اللي بالرغم من كل اللي شافته وشايفاه ولسه هاتشوفه منك، ماتستحملش الهوا عليك.. أهي هي دي اللي المفروض يبقي ليها عيد صحيح زي عيد الأم فعلا.. عيد واضح وصريح ومفهومة أسبابه.. عيد بنحتفل بيه بالأم العظيمة اللي ربتك وشالتك وسهرت عليك وحملت فيك تسع شهور بتتقلب وتتوجع ونفسها تغم عليها بسبب إن حضرتك مضايقها في بطنها تسع شهور.. كتك القرف يا أخي.. عارف يعني إيه تسع شهور.. يعني 270 يوم.. إنت تقدر تشيل قزازة مية في إيدك مش في بطنك لمدة يوم واحد؟! تفضل قايم قاعد خارج داخل صاحي نايم بيها؟! أتحداك.. ده أنت من أول ساعة يا هاتشربها يا هاتكبها في أقرب حوض، وتطوح القزازة في أقرب صفيحة زبالة.. لو إنت شايف إنك ضروري تحتفل بيوم ذكري ميلادك، يبقي تعالي نرجع الحق لصحابه.. يبقي من باب أولي إن ابوك وأمك هما اللي يحتفلوا بيه.. مش إنت.. يحتفلوا بالذكري العظيمة اللي ربنا إداهم فيها نعمة اسمها الخلفة.. وأنا أقصد الخلفة كخلفة في حد ذاتها.. يعني مش شرط تكون إنت النعمة دي.. مين عارف ما أنت ممكن تكون نقمة عليهم، وتدوخهم السبع دوخات ما بين مصاريف وتعليم وعلاج وهدوم وأكل.. وممكن جدا في الآخر تبقي فاشل وصايع وضايع.. لا نافع فيك تعليم ولا دروس.. وتقولي أحتفل بعيد ميلادي! يا عم روح.. واللي يجننك بقي أنه في يوم عيد ميلادك العظيم ده كمان يجيبولك هدايا.. علي إيه؟ الهدايا دي كلها المفروض يجيبوها للراجل والست اللي صرفوا عليك دم قلبهم.. هما اللي ياخدوا الهدايا كنوع من التعويض المعنوي علي اللي شافوه منك، وتعويض مادي عما صرفوه عليك.. يبقي هما اللي بيستنوا اليوم ده مش إنت.. إنت المفروض يوم عيد ميلاك ده تقضيه إعتذار للي أنت عملته فيهم.. تبوس إيديهم ورجليهم ودماغهم، وتقولهم سامحوني وأوعوا تزعلوا مني.. أنا كنت عيل ومش فاهم حاجة.. المفروض تسهر طول الليل تدعي ربنا إنهم ينسوا ويسامحوك.. مش تقولي عيد ميلادي.. يا راجل روح.

ولو عايز يبقي ليك عيد ليوم ميلادك تحتفل بيه وتهيص وترقص وتزغرط حتي.. يبقي في حالة واحدة.. يوم ما نقول الحمد لله إنك اتولدت للدنيا وللبشرية عشان إنت عملت حاجة مهمة ومفيدة للناس اللي حواليك أو للبشرية عموما.. ساعتها إبقي إعمل 100 عيد ليوم ميلادك.. يوم ما نقول الحمد لله إنك اتولدت في اليوم ده، لأن لولا ميلادك.. ماكانش بقي عندنا أول واحد يطلع القمر، ويكون مصري.. مثلا.. لما نقول الحمد لله إنك اتولدت في اليوم ده، وبقي عندنا أول واحد اخترع القنبله الذرية.. مثلا.. يوم ما نقول الحمد لله إنك اتولدت لأنك سند لأبوك وأمك.. يوم مانقول الحمد لله إنك أعظم وأهم دكتور مصري في العالم.. لما الحالة دي تتحقق نقول الحمد لله إن حضرتك اتولدت.. ساعتها إعمل ألف عيد ليوم ميلادك.. احتفل بيه لما تبقي عامل في حياتك حاجة مفيدة ومهمة.. ساعتها قول بعلو صوتك هو ده اليوم اللي اتولدت فيه.. ساعتها هاتعرف عمرك زاد سنة ولا نقص سنة.. يوم ذكري ميلادك.. ابقي فكر قبل ما تطفي الشمع إنت عملت إيه في السنة اللي فاتت.. لو لقيت عمايلك بيضة وإيجابية.. ابقي زود شمعة علي شمع سنينك اللي أنت حاططهم في تورتة عمرك.. نص كبايتك هايبقي مليان.. هاتعرف إن عمرك زاد سنة مفيدة.. وساعتها هاتفكر في يوم ميلادك الجاي وإزاي يبقي عيد ميلاد مش يوم ميلاد.. يوم تزود فيه شمعة.. أما بقي لو لقيت نفسك مش مفيد ولا مهم ولا ليك لازمة وعمايلك سلبية وسودة.. علطول شيل من شمع سنينك شمعة.. نقص من عمرك سنة عدت من غير ما تعمل فيها أي حاجة مهمة.. وساعتها لازم تعرف إن عمرك نقص سنة، وكل سنة هاينقص سنة.. إعرف إنك عايش لورا مش لقدام.. إعرف إنك بجد بتستهبل فعلا.. إنت وشمعك وتورتتك.. إعرف إنك لا تمتلك من الكباية إلا النص الفاضي.. وإياك تهوب أو تبص علي النص المليان.. عارف ليه؟ لأنه بتاع واحد بيحتفل بعيد ميلاده.

الدستور المصرية في

12/02/2010

 

ما تيجو نقرا الفاتحة

شاهدت ماتش مصر والجزائر الذي بدأ بقراءة الفاتحة بين اللعيبة المصريين وانتهي بفوز مصر علي الجزائر أربعة/ صفر.. واعذروني فلن أتحدث عنه.. وشاهدت ماتش مصر وغانا الذي بدأ بقراءة الفاتحة أيضا بين اللعيبة المصريين وانتهي بفوز مصر علي غانا واحد/ صفر، واعذروني لن أتحدث عنه.. لقد شاهدت «ماتش» آخر لم يشاهده أحد غيري.. ماتش لم تُقرأ فيه الفاتحة.. وهو ما سأتحدث عنه.. جميعنا يعرف أنه لكي تكون هناك مباراة حاسمة، فلابد أن يكون هناك فريقان يلعبان.. وعندما تنتهي المباراة، فلابد وأن يكون أحد الفريقين فائزًا، وبالتالي يكون الآخر خاسرًا.. والأقوي هو من يفوز والأضعف هو من يخسر.. وكُلنا نعرف نتيجة الماتشين اللذين لن أتحدث عنهما.. ليس لعدم أهميتهما، بل علي العكس.. فهما حدثان يستحقان أن يدخلا موسوعة «جينس» للأرقام القياسية، ولكنني سأتحدث عن ماتش آخر أشعر بأنه أهم بكثير من ماتش مصر والجزائر ومصر وغانا.. سأتحدث عن ماتش حدث ورأيته بعد المباراتين - مصر والجزائر، ومصر وغانا - ماتش كان بين مصر ومصر.. مصر كانت هي الفريق الأول فيه، وكانت هي أيضا الفريق الآخر.. إحداهما فائزة والأخري خاسرة.. ماتش مصر ومصر الذي أريد الحديث عنه لم يحدث علي أرض الملعب.. لم يحدث فوق المستطيل الأخضر.. بل كانت الشوارع والحارات والكافيهات والمقاهي والبيوت والأسطح والكفور والنجوع والحدائق والمقابر والشبابيك والبلكونات هي أرض الملعب.. وكان المصريون فيه هم اللعيبة.. وكان العالم بقاراته وأقطاره هم المتفرجون.. شاهدت «ماتش» كان بين دولة ونفسها.. نفس الدوله تلاعب نفسها.. مصر بتلاعب مصر.. بلد ضد نفسه.. لاعبوه هم أهله.. ولا وجود للحكم.. فلتكن أنت الحكم.. ياتري هتتمني مين يغلب؟.. هتدعي لمين بالنصر؟.. مصر اللي بتحبها ولا مصر اللي برضه بتحبها.. شاهدت الماتش الذي كانت النتيجة فيه بالتأكيد لصالح مصر.. ولكن أي مصر؟ فازت مصر فيه علي مصر بتمانين مليون جون مصري.. هناك تمانين مليون لاعب مصري أحرزوا أهدافهم التمانين مليون في أنفسهم.. حسيت بعد ماتش مصر وغانا إننا مش مصر واحدة.. إحنا مَصْرين.. مصر الفايزة الفرحانة الضاحكة المتلألئة.. ومصر الحزينة الصامتة في الشوارع والحارات المظلمة.. مصر الباكية التي تنظر إلي فرحة المصريين من خلف شيشان الشبابيك والبلكونات المغلقة.. مصر المكسوفة التي انهزمت من مصر المحروسة.. شعب مصر الفائز وشعب مصر الخاسر.. سألت نفسي: ياتري أنا من أنهي مصر فيهم.. الفايزة الفرحانة المحروسة.. ولاّ المغلوبة الحزينة المكسورة.. من أنهي شعب فيهم؟ أنا اللي فزت ولا أنا اللي اتغلبت.. تصدق أنا من الاتنين.. من المَصْرين.. أنا غلبت واتغلبت في نفس الوقت.. عمرك شفت حد يبقي غالب ومغلوب في نفس الماتش.. عمرك سمعت عن ظالم ومظلوم في نفس القضية.. فرحت وصرخت وهيصت ورقصت وسجدت مع مصر اللي فرحت.. شفت الشوارع المليانة بالمصريين الفرحانين بالفوز والنصر العظيم.. شفت سعادة مشفتهاش قبل كده.. شفت شعب بيموت في تراب مصر.. بيعبد مصر.. بيعشق مصر.. بيرفع علم مصر.. حناجر مصرية مبحوحة من قوة وعلو واستمرار الهتاف بحب مصر.. لا أعتقد إن فيه شعب في العالم كله بيحب بلده زي المصريين.. وإلا مكانش قال «مصر هي أمي».. لم يكن في الشارع مكان لقدم.. ولا لإيد.. لو راسك هرشتك مش هتلاقي مكان فاضي ترفع إيدك علشان تهرش.. إيه الزحمة اللي في الشوارع دي؟ إيه الحب ده؟ إيه الدموع والقشعريرة دي؟.. إيه اللي بتعمله كلمة مصر فينا ده؟ الله عليكو يا مصريين وعلي حلاوتكو.. حلاوتكو اللي بيزود حلاوتها مرار صبركو فبقت حلاوة حلوة بزيادة.. وزي ما شفت شوارعها مليانة شفتها برضه قبل ما تتملي.. ومش عارف ليه تخيلتها بعد ما فضيت.. بعد المولد ما انفض.. عارفين شفت إيه في شوارعها وفي وشوش ناسها؟ شفت مصر التانية.. مصر اللي اتهزمت من مصر الأولانية.. مصر اللي كانت مستخبية ورا الشبابيك.. مصر الفايزة مشيت ومصر المهزومة فضلت.. مصر اللي كل واحد فيها في حاله ومالوش دعوة باللي بيحصل، ولا كأننا كنا واقفين جنب بعض من يومين تلاتة في نفس الشارع وعلي نفس الرصيف.. أنا ماسك طرف علم وهو الطرف التاني.. أنا باقول «مصر مصر»، وهو بيرد «تحيا مصر».. شفت واحد بيزعقلي علشان يا دوب ساند علي عربيته.. مع إنه كان من يومين تلاتة ماسك إيدي علشان ما اقعش من علي سقف نفس عربيته.. شفت مصر اللي سحابتها سودة.. شفت مصر اللي بتسأل مصريينها ألف سؤال: إنتو ليه منزلتوش تهيصوا في الشوارع لما نجيب محفوظ وزويل خدوا جايزة نوبل.. ليه ماتظاهرتوش لما نجيب محفوظ اتعرض لمحاولة قتل.. ليه مشفتكوش علي الطريق وتمثال رمسيس بيتحرك في شوارع القاهرة في موكب شهده العالم كله.. ليه ماتظاهرتوش لما اضطهدوا فاروق حسني في اليونسكو؟!.. مصر بتسأل مصريينها: ليه منزلتوش الشوارع تفرحو إن عندنا أذكي طفل في العالم؟.. قاعدين في بيتكو ليه وانتو عندكو كل يوم ميت فرح تملوا بيه الشوارع فرحة.. وكل ساعة مية مصيبة تعترضوا عليها.. إنتو فين؟ ده إنتو صوتي اللي باصرخ بيه وضحكتي اللي بعبر بيها عن حضارتي.. إنتو المنصة والمنبر اللي بتكلم منه.. إنتو سكاني وأهلي اللي من غيركو أبقي مهجورة.. إنتو ليه سايبني وعايشين لنفسكو؟ ده أنا إنتو وإنتو أنا.. إنتو فين يا مصريين؟ فين فرحتكو وحزنكو في باقي الحاجات؟!.. ده لو نفس عدد المشجعين اللي في الشارع راحوا الانتخابات الرئاسية هيختاروا اللي هما عايزينه، وحابين يبقي رئيسهم وزعيمهم.. مصر المهزومة بسؤالها عنكم بتقولكم إن خيبتها تقيلة.. مصر الجوانية المستخبية.. بتقولكم: أنا اتغلبت منكم.. مع إني فزت بيكم.. إزاي أبقي غالبة ومغلوبة في نفس الوقت.. إنتو حيرتوني.. اللي هزمها ونجحها نفس ناسها.. ناسها اللي جابوا كل الأجوان ومجابوش ولا جون.. إنتو خلتوني مَصْرين مش مصر واحدة.. ده أنا بقالي سبع تلاف سنة أم واحدة مش أمين.. أنا مصر اللي بتعيط لأن مصر الفايزة بتغيظني وبتطلعلي لسانها.. أنا مصر اللي استخبت من الخجل والكسوف لأنها خسرت في ماتش خلتوني ألعب فيه مع نفسي.. أنا مصر الأم اللي مرضتش أعكنن عليكو فرحتكو وأسمعكو صوت هزيمتي.. إنتو ليه فرقتوا بيني وبيني.. ليه بتفرحوا لمصر ومصر التانية لأ؟!.. إنتو ليه عايشين مَصْرين مش مصر واحدة؟.. ليه مع إني بلد واحد؟.. ليه بنتغلب من نفسنا؟.. ليه لما إحنا بنعرف نغلب بنغلب نفسنا!.. ليه بنفوز علينا في حاجات وحاجات تانية لأ؟!.. ده إحنا نفس الناس.. نفس المصريين ونفس المصر.

صدقوني أنا زيي زيكو.. كل واحد فيكو جواه اتنين.. كل ما قربوا من بعض كل ما بقيو أقوي.. ليه خلتوني مصر الغالبة ومصر المغلوبة؟.. ما تمزجوا المَصْرين.. خلوني مصر واحدة.. مصر الكسبانة.. ماتيجوا منلاعبش نفسنا تاني.. نبقي مصري واحد بمصر واحدة .. بلد مش اتنين.. ماتيجو ناخد بالنا إن الطرف الخسران في ماتش مصريتنا برضه مصر.. ماتيجوا نفّرح مصر الحزينة ونضمها لمصر الفرحانة.. ماتيجو نفرحها معانا.. ما تيجو نبقي كلنا الحضري وأحمد حسن وناخد جايزة أحسن مصريين.. ماتيجو نبقي متعب وزيدان ومحمدي والشافعي وجدو.. ماتيجوا كلنا نبقي حسن شحاتة.. دول حداشر واحد بس فرحوا تمانين مليون.. تخيلوا بقي لو كانوا التمانين مليون زي الحداشر دول، هايفرحوا كام مليون لسه هايتولدوا؟ ماتيجو نفّرح المستقبل بولاده.. ماتيجو نخطط حلو ونلعب أحلي.. ماتيجو نفرح بفوز مصر واحدة.. نفرح بكل حاجة.. نفرح بوقفتنا مع بعض وجنب بعض وفي ضهر بعض.. ماتيجو مانخافش ونشوط في الجون.. نباصي ونرفع ونناول بعض.. المزنوق يباصي للفاضي.. ماتيجو ندافع حتي لو هنموت.. ماتيجو نقلل من الأوفسايد والتسلل.. ماتيجو نكسب من غير وقت ضايع ولا ضربات جزاء.. ماتيجو نبدأ الماتش.. ماتيجو نقرا الفاتحة.

الدستور المصرية في

05/02/2010

  

كان نفسي أطلع عربجي

هو العربجي ماله! وحش في إيه؟.. وبعدين هو لو وحش.. ليه ماما كانت بتسيبني أقعد جنبه وإحنا رايحين لجدتي

يا تري عمرك اتمنيت تطلع عربجي..؟! أنا اتمنيت.. وكنت فاكر إن الورق المطلوب علشان الواحد يبقي عربجي.. ورقه تثبت إن الواحد بيعرف يسوق حصان.. أو حمار.. بس أنا كان طموحي إني أبقي باسوق حنطور مش كارو.. كنت معجب جدا بشكل الحنطور وخطوطه الانسيابية ولونه ودناديشه والكلاكس بتاعه اللي كان بيضربه العربجي برجله.. يا سلام علي شكل العربجي وهو متربع علي عرش الحنطور كده وماسك كرباجه في إيده ولا فتوات الحرافيش.. حبيت أوي الحنطور والعربجي.. لحد ما ابتديت أسمع جمل من ناس كان وجود لفظ العربجي فيها لا يدل علي إنه حاجة لطيفة.. زي مثلا: «بلاش شغل العربجية ده».. «إنت شكلك قليل الأدب وعربجي».. «ماتصاحبش الواد ده لحسن شكله كده عربجي».. «إنت إيه.. عربجي».. ولا جملة سمعتها علي العربجي كانت تبشر بالخير أو تشجع إني أطلعه.. ردود الناس خلتني أسأل نفسي كتير، هو العربجي وظيفة ولا شتيمة؟ ولو هي شتيمة زي يا كلب ويا حمار ويا صايع وكده.. يبقي الراجل اللي بيسوق الحنطور ده بيشتغل إيه؟! اسم شغلانته إيه؟! ولما إجابتي دايما كانت بتقول إنه «عربجي»، قلت أسأل حد غيري.. بس غيرت السؤال من، هو العربجي وظيفة ولا شتيمة؟ لـ هو العربجي ده حلو ولا وحش؟.. كلها كانت ردود وإجابات مش مقنعة بالمرة.. ناس قالولي طبعا مش حلو علشان طول النهار بيبقي قاعد في الشارع.. أمال يقعد فين؟! في جروبي.. واللي يقول وحش طبعا لأنه قليل الأدب وبيشتم.. طب وهو مين مابيشتمش.. ما كله بيشتم.. وبغض النظر عن الجملة التربوية اللي هاكتبها دلوقتي إن الشتيمة شيء سيئ وقبيح.. بس موجودة وبتحصل.. في سواقين ميكروباص بيشتموا وسواقين تاكسيات بيشتموا.. وميكانيكية وسباكين ونقاشين بيشتموا ودكاترة ومهندسين بيشتموا.. وأعضاء مجلس شعب بيشتموا.. ووزرا بيشتموا وأبهات وأمهات بيشتموا.. ولا الشتيمة بقي ليها ناس وناس.. ناس تشتم، فتبقي الشتيمة طالعه من بقهم زي العسل ودمهم خفيف أوي.. وناس تشتم تبقي شتيمهم وحشة وقولالات الأدب.. مش عارف أنا محير نفسي ليه! ما أسأل صاحب الشأن.. سألت عربجي وقلتله هو إنت بتشتغل إيه لو سمحت؟ قالي أنا خريج آداب بس حاليا عربجي.. قولتله هي العربجة بتاخد آداب.. قالي لا وتجارة وعلوم وحقوق وزراعة.. كله.. أي حد خريج أي كلية ممكن يشتغل عربجي عادي.. المهم يبقي عنده حصان.. أو حمار.. موضوع العربجي ده كان شاغل تفكيري من زمان أوي.. من صغري تقريبا.. لما كنت باركب الحنطور سواء كنت راكب أو متشعبط ورا.. لدرجة إنه لما كان حد من الضيوف بيسألني نفسك تطلع إيه؟.. كنت برد بمنتهي الطموح والسعادة، وأقولهم: نفسي أطلع عربجي.. وكان كل اللي حواليا يضحكوا.. وكانت أمي تبصلي بصة.. كانت كبيرة علي إني أفهمها.. بس كان معناها بيوصلني.. نظرتها كانت بتقول: «إيه اللي إنت بتقوله ده؟».. أنا مكنتش حاسس إني باقول حاجة عيب.. هو أنا مثلا قولت نفسي أطلع حمار.. أنا باقول عربجي.. ماكنتش عارف أمي بتبصلي كده ليه؟ وماكنتش فاهم الناس اللي حواليها ضحكوا ليه؟.. هو العربجي ماله! وحش في إيه؟.. وبعدين هو لو وحش.. ليه ماما كانت بتسيبني أقعد جنبه في الحنطور وإحنا رايحيين لجدتي يوم الخميس.. ولما كنا بنروح الهرم.. كنت باشوف الأجانب واقفين بيتصوروا جنب أبوالهول والأهرامات والعربجي.. يكونش الأجانب فاهمين قيمة العربجي وإحنا لأ!.. لأ مش جايز.. ده أكيد، لأني عمري ما شفت واحد مصري بيتصور جنب عربجي.. كنت هاموت وأعرف ماما زغرتلي ليه؟.. والناس ضحكوا ليه ؟.. هي المشكلة فينا ولا في العربجي؟.. حبيت ألعب اللعبة تاني مع ضيوف تانيين.. بس المرة دي قررت ميتزغرليش.. فغيرت الوظيفة.. وسألني ضيف من نوع الضيوف البايخين اللي وهو بيسألك يلعبلك في شعرك وينعكشهولك، وإنت بقالك ساعة بتسبسب فيه وبتلزقه بالفازلين.. وفي الغالب بيكون سؤاله أبوخ منه.. مش بسبب نوع السؤال تحديدا، ولكن بسبب تكراره.. ولأن في الغالب الضيف مبيبقاش عنده حاجه يقولهالك.. فيقول السؤال التقليدي الممل: وإنت نفسك لما تكبر تطلع إيه يا حبيبي؟.. بصيت لكل الضيوف اللي قاعدين وأنا مراقب ترقبهم للنطق بأمنيتي.. وكأنهم هايسمعوا حاجة جديدة.. مع إن كل العيال في السن ده بيقولوا يا إما دكتور زي بابا.. يا إما مهندس زي عمو.. يا إما ظابط عشان أقبض علي بابا.. قصدي ع الحرامية.. المهم بصيت لهم وأنا كلي سعادة وحب وأمل.. بصيت لهم وأنا مبتسم وفاتح بقي من الضرس اليمين لحد الناب الشمال.. قولتها بصوت عال وبالفم المليان.. يا جماعة أنا..أنا.. أنا عايز أطلع.. أطلع.. مهندس.. الضيوف انتبهولي يا دوب في الزمن اللي قولت فيه الكلمة.. بصوا لي مع ميم المهندس، ولفوا وشوهم مع انتهائي من سين المهندس.. وعااااااااادي جدا.. كل واحد كمل اللي بيعمله.. اللي بيشرب حاجة ساقعة شرب.. واللي بيحط سكر للشاي كمل حططان.. واللي بياكل بياكل.. ولا كأني قولت حاجة.. ولا ماما زغرتلي ولا الضيوف ضحكوا.. فاتأكدت إن العربجي عنده حضور وكاريزما أكتر من المهندس بآلاف المرات.. واللي حصل ده كان دافع قوي إني أفضل مُصر علي رغبتي في الطلوع زي ما أنا عايز.. وكان كل ما حد يسألني نفسك تطلع إيه يا حمادة.. أقوله: عربجي.. فيضحكوا.. وماما تزغرلي.. والعربجي يكبر في نظري أكتر وأكتر.. وماما تزغر، والضيوف مهما يتغيروا.. برضه بيضحكوا.. والعربجي بيعلا ويعلا.. ولما ابتدي مستواي يتراجع في الدراسة.. مسكتني أمي وقالتلي وهي بتزعق: «لحد إمتي هتفضل بليد كده».. لازم تذاكر وإلا مستقبلك هايضيع وتترمي في الشارع.. إنت إيه نفسك تصيع وتبقي عربجي.. وهنا كان مربط الفرس.. سبت كل الهيصة اللي حاصلة دي.. وقولتلها: أيووووووووه.. ماله بقي العربجي؟ بقالي سنين طويلة عايز أعرف ماله العربجي؟ فهميني.. وبعد شوية صمت ونظرات اللي كان ناقصهم شوية مزيكا سسبنس.. بصت لي وقالتلي: إنت عايز تجنني صح؟.. امشي من قدامي الساعاتي.. قصدي الساعة دي.. دخلت الأوضة وبرضه معرفتش إيه الوحش في العربجي.. يا جماعة لو حد يعرف يقولي.. هو العيب فينا ولا في العربجي.. ليه الناس الضيوف ضحكوا عليا لما قولت نفسي أطلع عربجي.. ليه ماما زغرتلي لما قولتلها نفسي أطلع عربجي.. إيه اللي ضايقهم.. فيه إيه في العربجي يضايق.. ليه محدش عايزني أطلع عربجي؟ حد يرد عليا.. يا أخوانا يا ناس يا خلقه.. يا عالم.. ياهووو.. هوو.. هو.. هـ.. (تنهيدة) واضح إن مافيش إجابة.. وبرضه معرفتش ليه محدش عايزني أطلع عربجي.. مش جايز العربجي هو اللي مش عايز يطلع زيي.

الدستور المصرية في

29/01/2010

  

عسل أبيض

ما أحلي اللقاء وما أصعب الفراق.. كان لقائي به لأول مرة مرحاً ومبهجاً.. لا يقل مرحاً عن ابتسامته المشرقة التي تُظهر بياض أسنانه.. ولا يقل بهجة عن تلك البهجة التي تنبعث من قلبه.. قلبه الذي باتت دقاته تضعف تدريجيا حتي توقف عن كل شيء.. عن الحياة أولا والبهجة ثانيا والطيبة والتسامح والإيمان ثالثاً، ولك أن تتخيل ما كان يملأ قلبه المتوقف هذا حتي تاسعاً وعاشراً.. توقف قلبه غادراً بالحياة ومغادراً منها.. توقف قلبه ملوحاً ومودعاً لكل الأيام التي لن يعيشها.. أيام لو كانت طيبته تنبض فيها بدلا من قلبه.. لبلغ من العمر أرذله.. كان لقائي به في مكتبي مرحاً ومبهجاً.. سأله الساعي: ماذا تشرب؟ فقال: قهوة مظبوطة، وقبل أن ينصرف الساعي لاحقه بـ «لو سمحت»، فتوقف، فقال له: في كباية مش في فنجان.. وحاول تحافظ علي الوش.. وعلي نار هادية وحياتك.. عرفت أنه كييف قهوة، فقلت للساعي: إذن اعملها من البن بتاعي، وقبل أن ينصرف الساعي أوقفته بـ «بقولك إيه»: اعملي أنا كمان قهوة، فقال هو للساعي: «اعملها له من البن بتاعي»، فضحكت، وضحك، وضحك الساعي.. لم تمض دقائق علي انتهائي من شرب قهوتي، ولكن طريقة طلبه القهوة شجعني علي أن أشرب معه فنجاناً آخر.. قهوته كانت مظبوطة.. مثل كلامه وملابسه وشخصيته التي ظهرت من أول لقاء لي به.. وقهوتي أشربها زيادة.. كالترحيب الذي رحبت به.. ليس لأني أعرفه، ولكن لأني شعرت أنني أعرفه.. جلسنا سويًا نتحدث عن الفن والحياة.. حكي لي كيف كان يحب التمثيل من صغره.. كان حُلماً بالنسبة له.. ولكنه كان كابوساً بالنسبة لوالده.. كان رافضا وغير مؤيد لحلم ابنه الذي لم يكن قد ولد بعد.. وكبر الابن وظل الحلم قابعا داخله في انتظار أن يُولد.. ووُلد الحلم أخيراً وهو جالس معي.. ولد حلمه عندما عرف أنه سيقوم بتمثيل دور في الفيلم الجديد.. كان حلمه ضاحكاً مثله.. مبتسماً مثله.. نظرت له فوجدته يبدو كالطفل المحبوس الذي خرج إلي حديقة شاسعة.. لم أر من قبل رجلاً في مثل سنه يبدو كالأطفال هكذا.. لو لم أكن متأكدا أنه يجيد الكلام والمشي لشككت أنني أجلس بصحبة طفل يشرب القهوة.. حكي لي عن حلمه الصغير الذي ولد لتوه.. قال لي إنه «يحب الثمثيل وكان يريد أن يصبح ممثلاً».. وفي الغالب تقترن كلمة «مشهوراً» بـ«ممثل».. ولكنه قال «ممثلاً» فقط.. لم يكن يطمح إلي الشهرة، ولكنه كان يطمح إلي التمثيل فقط.. كان سيمثل دوراً مع الراحل أحمد زكي في أيام الشباب، ولكن والده رفض كما كان رافضاً حلمه.. كان يبحث تارة وينتظر تارة عن فرصة يمكن أن يُولد حلمه علي يديها.. ولكنها كانت لا تأتي.. وإن أتت فإنها لن تنتظر حتي يغير والده رأيه من الرفض للموافقة.. فترحل الفرصة.. زهق الحلم بداخله، ولكنه لم يتركه ويرحل، ولم يمت ولم يتبدل بحلم آخر.. كمُنْ وسكت بداخله حتي ولد بعد أن أصبح صاحبه في الثامنة والخمسين من عمره.. أخذ يقلب فنجانه ثم شرب آخر رشفة فيه.. ووضعه أمامه وقال لي: «أنا مش هامثل».. فاجأني بقوله هذا الذي لو كنت صبرت لحظات لوفرت تلك المفاجأة لشيء آخر ربما لا يستحق المفاجأة بقدر ما تستحقها هذه العباره التي فاجأني بها.. في هذه اللحظات التي لم أصبرها نظرت له وأنا حيران.. وقلت لنفسي: «مش هايمثل» بعد كل هذه الحكايات عن حلمه.. ماذا يقول هذا الرجل، هل أتي إلي هنا ليشرب القهوة فقط ويغادر؟!.. إذن لماذا أخذ السيناريو وأضاع وقته في قراءته؟.. لماذا عشمتنا بأنك ستمثل دور والدي في الفيلم؟.. وزاد العشم عندما وجدته يشبهني كأنه والدي وأنا ابنه.. أو بمعني أدق أنا الذي أشبهه.. «مش هايمثل ليه؟» هل مازال والده علي قيد الحياة ويريد أن يأخذ رأيه؟ أم ربما أخذ رأيه ولم يوافق.. وأتي ليعتذر، ولكنه أصبح الآن كبيرا لدرجة تجعله يفعل ما يريد وفي أي وقت يريده.. أم أنه ينفذ وصية والده في ألا يمثل أبدا حتي بعد مماته.. عندما وجدت نفسي قد غرقت في بحر من الاستفهامات التي من الواضح أنني لن أجد لها طوق نجاة أو منقذاً سوي أن أسأله هو شخصيا ومباشرة، فسألته: يعني إيه مش هتمثل؟ قالي: «يعني إن شاء الله هاكون طبيعي جدا في دور الأب.. أصل أنا أب وولادي في مثل عمرك.. وهذا سيجعلني طبيعيا في الدور.. لذلك فأنا أشعر بأنني لن أمثل».. قلت لنفسي: حمدًا لله علي أن تفكيري وأسئلتي واستفهاماتي لم تكن مسموعة، وإلا كان قد اعتذر عن الدور والفيلم بسبب تسرعي وغبائي، فتحت جملته تلك التي فاجأتني بابا جديدا للحديث عن أولاده.. هؤلاء الذين كان وجودهم في حياته سببا أساسيا في أنه لن يمثل.. أو بمعني أوضح حتي لا يقع أحد فيما وقعت فيه.. إنه سيكون طبيعيا في دور الأب.. وقد كان.. كان أبا حقيقيا.. في التمثيل وخارجه.. أحببت هذا الرجل أقل بكثير مما أحبني.. واحترمته أكثر بكثير من حبه لي.. انتهي الفيلم الذي كان سببا في ولادة حلمه.. كان دائم النصح لي كالأصدقاء المقربين.. كان صديقي الكبير.. وكان دائما ما يستشيرني فيما يعرض عليه من أدوار.. فشعرت بأنني أبوه الصغير.. أبوه الذي لم يرفض حلمه.. قال لي يومًا: «نادني باسمي ولا تسبقه بألقاب»، فقلت له: «لو كان ذلك سيزيد من صداقتنا فليس لدي أي مانع، وإن كنت تريد ذلك حتي لا تبدو كبيرا في السن، فليس لدي مانع أيضا»، ولكنه قال لي: «لا هذه ولا تلك.. فأنا أريد أن أناديك باسمك دون ألقاب، ولكني لا أستطيع فعلها طالما أنت تناديني بالأستاذ»، فقلت له: «من هذه اللحظة أنت ليس بأستاذ، ولا أنا كذلك»، ولكنني سألته عن السبب والمغزي وراء طلبه هذا، فقال لي: «هذا سيساعدني أكثر علي أن أبدو طبيعا في تجسيد دور أبيك.. فأنا لا أنادي ابني بـ«يا أستاذ» أبدا مهما حصل..»، فقلت له.. «هل تشتم ابنك أحيانا؟» فقال لي: «طبعا.. أشتمه جداً وهزاراً»، فقلت له: «إذن لو شعرت بأنني ابنك فعلا، ونحن نمثل أمام الكاميرا، فلتقل لي ما تقوله لابنك جداً كان أو هزارًا».. وبدأنا التصوير وأنهيناه، وجسد دور الأب بإتقان.. ولم ينادني إلا بـ«يا أستاذ».. ولم يسمح لي أن أناديه إلا باسمه.. محمود الفيشاوي.. الأستاذ محمود الفيشاوي.. صديقي الكبير.. هذا الأسمر الطويل النحيل المرح الضاحك الراحل.. رحل قبل أن يكبر حلمه.. قابلته أول مرة بشوشا مرحاً يحب الناس والحياة.. وقابلته آخر مرة، فرأيته أكثر مرحاً وحباً للحياة.. ولا أعرف لماذا قال لي: «لا تجعل شيئا يضايقك.. إن الحياة لا تستاهل» أعطاني «برطمان» من العسل الأبيض ورحل.. وكان هذا آخر يوم رأيته فيه وسمعت صوته.. وفي اليوم التالي فتحت تليفوني، فوصلتني رسالة منه.. كان قد أرسلها قبل اليوم الذي رأيته فيه بيوم واحد.. قرأت الرسالة فوجدتها كالآتي.. «عزيزي أستاذ أحمد.. أنا جايلك بكره التصوير، وجايبلك معايا برطمان عسل أبيض، لأن أكيد البرطمان اللي عندك زمانه خلص». يحزنني كثيرا أنني أتحدث عنه بلفظ كان، ولكنها مشيئة خالقه.. وهذه هي الحياة.. وهكذا يكونون بعض من يملأونها.. أشخاص يحذرونك من غدرها فتغدر بهم.. يطلبون منك أن تُقبل عليها وتبتعد هي عنهم.. هذا الإنسان لم أكتب عنه لأنه ممثل مشهور أو نجم لامع.. فهو لم يكن كاتبا مرموقا.. لم يكن سياسيا أو عالما مثابرا، لكنه كان إنسانا.. إنسان مشهور بابتسامته.. لامع بحبه للآخرين.. مرموق بطيبته.. مثابر في صبره علي حلم.. ظل سنينا طويلة ينتظر ولادته.. وعندما ولد تركه ورحل، فمات الحلم معه، وهو مازال رضيعا.. محمود الفيشاوي.. الله يرحمه.. الفاتحة عليه وعلي حلمه.

الدستور المصرية في

22/01/2010

 

سنة 1900 حاجة و 80.. ياااااااااااه

كانت معلوماتي عن كتابة المذكرات أن الكلام اللي مكتوب فيها بيودي الناس اللي مكتوب عنهم في داهية.. واللي بيكتبها بيتقتل في الآخر.. علشان كده كنت هامضيها باسم واحد صاحبي بيحب يتقتل

سنة 1900 حاجة و80 كان عندي شوية سنين ما يتعدوش الخمستاشر.. قررت أكتب مذكراتي، وكان الغرض الرئيسي من ورا كتابتها إني أودي الناس كلها في داهية لما انشرها.. ما هي دي كانت كل معلوماتي عن كتابة المذكرات.. إن الكلام اللي مكتوب فيها بيودي الناس اللي مكتوب عنهم في داهية.. واللي بيكتبها بيتقتل في الآخر.. علشان كده كنت هامضيها باسم واحد صاحبي بيحب يتقتل..

المهم.. بعد قرار كتابة المذكرات كان من الطبيعي إني أدور علي حاجة أكتب بيها.. فاشتريت تلات «تقلام» «أحمر وأزرق وأسود».. الأحمر علشان أكتب بيه أسماء الناس اللي هايروحوا في داهية علشان تكون أساميهم واضحة لما البوليس يقلب في الأجندة لأنه مش هايكون عنده وقت يقرا كل اللي مكتوب فيها.. والأزرق أكتب بيه عمايلهم الزرقة اللي هايروحوا في داهية بسبب زرقانها.. والأسود بقي هاكتب بيه نهايتهم السودة.. وبعد ما اشتريت «التقلام» اللي هاكتب بيها.. كان فاضل اشتري حاجة أكتب فيها.. فكانت الأجندة «الخضرا»..

وصحيت الصبح يوم 1900/1/1 حاجة و80 بعد ما نمت بدري قبلها بيوم عشان أصحي بدري آخد اليوم من أوله وأكتب قبل مايفوتني حاجة.. جبت «التقلام» اللي هاكتب بيها والأجندة اللي هاكتب فيها.. وفتحت الأجندة علي أول صفحة، وبصيت للأقلام الثلاثة المحطوطين قدامي علي المكتب.. احترت أمسك أنهي قلم.. الأحمر وألا الأزرق والا الأسود.. مسكت الأحمر.. طب اكتب اسم مين.. ده لسه مافيش حد عمل حاجة.. أنا الوحيد عملت - إني صحيت من النوم- طب أكتب اسمي! مش معقول أبقي أول واحد أوديه في داهية أنا.. وصحياني من النوم عادي.. لا فيه فعل أزرق ولا نهاية سودة.. بالعكس دي بداية يوم وبداية مذكرات.. فكان لازم آلاقي قلم بلون محايد أكتب بيه.. فتحت درج المكتب لقيت قلم رصاص مبري..

مسكته وبصيت لأول صفحة وكتبت.. «بسم الله الرحمن الرحيم.. إنه يوم الجمعة الموافق 1900/1/1 حاجة و80 استيقظت من النوم في تمام الساعة العاشرة صباحا لكي أبدأ في كتابة مذكراتي.. فجلست علي مكتبي ونظرت إلي الأقلام أمامي.. الأحمر والأزرق والأسود.. واحترت في اختيار واحد منها.. ففتحت درج مكتبي، فوجدت قلما «رصاص» فأمسكت به، وفتحت أول صفحة من الأجندة ونظرت لها ووجدت نفسي أكتب..

بسم الله الرحمن الرحيم.. إنه يوم الجمعة الموافق 1900/1/1 حاجة و80 استيقظت من النوم في تمام الساعة العاشرة صباحا لكي أبدأ في كتابة مذكراتي.. فجلست علي مكتبي ونظرت إلي الأقلام أمامي.. الأحمر والأزرق والأسود.. واحترت في اختيار واحد منها.. ففتحت درج مكتبي، فوجدت قلما «رصاص»، فأمسكت به وقلب أول صفحة من الأجندة، ونظرت لها ووجدت نفسي أكتب..بسم الله الرحمن الرحيم.. إنه يوم الجمعة الموافق 1900/1/1 حاجة و80 استيقظت من النوم.. إيه ده؟ ده أنا باعيد نفس الكلام تاني..

اكتشفت إن المذكرات لازم لها أحداث.. يا إما الأجندة هاتخلص وأنا لسة في مكاني.. والحدث الوحيد اللي عملته إني صحيت من النوم، وقعدت علي المكتب وبصيت إلي أقلامي.. الأحمر والأزرق والأسود، واحترت في اختـ.. يا دي النيلة أنا هاعيد نفس الكلام برضه؟! سيبت القلم الرصاص، وقلت لازم يبقي في أحداث اتحط فيها وأكتب عنها وعني.. وابتديت فعلا رحلة البحث عن الأحداث.. رحلة ابتدت من وقتها لحد النهاردة.. أحداث تشيلني وأحداث تحطني.. أحداث قصيرة تفرحني.. وأحداث طويلة تكئيبني.. مواقف حلوة بتعدي بسرعة البرق.. ومواقف حقيرة زي الشلالات مبتخلصش.. لحظات تمر كأنها سنين.. وسنين تفرط من عمرك كأنها ثواني.. رحلة طويلة لم تنته حتي هذه اللحظة.. رحلة خلصت فيها ورق لأجندات كتير.. إشي خضرا وحمرا.. ومن بعديهم لبني وسودة ونبيتي تحفة وكله ولا البني.. ولو شوفتوا بقي الزرقة.. تجنن.. كل الألوان.. أجندات لكل السنين..

من أول 1900 حاجة وتمانين.. لحد النهاردة.. وفجأة مش عارف إيه اللي خلاني أجيب كل الأجندات اللي كتبتها، وقعدت أقلب وأقرا بين أيامها المتنتورين علي صفحاتها اللي كانوا مبيضين وبقوا مزرقين علي محمرين.. ابتديت بالأجندة «الصفرا».. ومش هاقولكوا الأجندة كانت بتاعت سنة كام.. لأني اكتشفت إن ترقيم السنين مبيغيرش كلام كان مكتوب بقلم رصاص ابتدي بسن رفيع وانتهي بخط تخين.

«الأجندة الصفرا».. سنة من السنين.. صفحة 56.. مكتوب فيها: «بسم الله الرحمن الرحيم.. مقهي صغير يجلس عليه بعض المسنين.. كانوا بيتكلموا عن حنية وطيبة أيام زمان.. لما كان مافيش ولا دار للمسنين.. لما كان الابن والبنت حنينين.. عم متولي أب قديم عنده من السنين ييجي خمسة وسبعين.. شفط شفطة من الشاي، وقال لصديقه عم إبراهيم: إنت عارف يا إبراهيم الوحدة مخلياني ميت بالحيا.. نفسي خيري إبني يقولي تعالي أقعد معايا كام يوم .. عارف يا إبراهيم.. أنا مش هاروح.. بس نفسي يقولها.. إبراهيم قاله: متزعلش.. خلاص فاضل شهر ولا اتنين ويفتتحوا أول دار للمسنين.. يااااااااه يا خيري».

«الأجندة الزرقا».. صفحة 67.. مكتوب فيها: «أستغفر الله العظيم.. قالها الأستاذ جرجس لما قطعوا الشجرة اللي كانت بتظلل علي عربيته التمانية وعشرين.. أصلهم كانوا عايزين يطلعوا بالدور العشرين، وخلاط الأسمنت مش عارف يقف غير في الحتة اليمين بين الممرين.. اللي فيها شجرة الياسمين.. فقطعوا الشجرة وطيروا العصافير اللي كانوا فيها معششين.. يااااااااه يا شجرة الياسمين».

الأجندة «الحمرا».. صفحة 73.. مكتوب فيها: «حسبي الله ونعم الوكيل.. قالها شاب أسمر صعيدي لما شاف بنتين ببنطلونين محزقين من ضهرهم ماشيين.. سبقهم بخطوته علشان يغض العين.. شاف وشوشهم لقاهم شابين بشنبين.. متبنتين.. راح مأخر خطوته عشان مايشوفش وشهم اللعين.. وقال كنفسه ياريتني ما سبقتهم، وفضلت فاكرهم بنتين متحزقين.. يااااااه ياعين».

الأجندة «المحمحي».. صفحة 82.. مكتوب فيها: «لا حول ولا قوة إلا بالله.. لإمتي هانفضل ساكتين.. ولا هو يعني علشان ليه كرش سمين يقوم يعمل اللي عايزه وياخد حقنا ويخرج منها صاغ سليم.. أمال فين السين والجيم.. ولا الحرفين دول مخلوقين للسكات والجحيم.. فين قانون العدل يا محترمين.. ارحمونا من أبو كرش سمين.. ده دخل القسم وخرج منه زي الشعرة م العجين.. إن كان هو بني آدم طب ما إحنا كمان بني آدمين.. ومخلوقين زيه من طين.. ولا دي كمان هاتغيروها يا واصلين.. يااااااااه يا ساكتين».

الأجندة «الفحلقي».. صفحة 95 مكتوب فيها: «أعوذ بالله.. ده انت لو كافر يا أخي هاتكون أحن من كده.. دول ولاد أختك اليتامي المحتاجين.. واكل فلوسهم وعامل نفسك عليهم وصي وأمين.. وإنت حرامي وبتقول ولا الضالين آمين.. وأنا لسة سامعك بودني لخامس مرة بتسب الدين.. يااااااااه يا دين».

الأجندة «الفزدقي».. صفحة 103 مكتوب فيها: «وإحنا فايتين علي الحدود مستمرين في الصعود.. اختفي النيل الجميل من تحتنا.. والمدن والريف.. وأول عمرنا.. وابتدي شيء ينجرح.. جوة القلوب.. وابتدينا أسئلة مالهاش ردود.. نمنا عـ الشباك نخبي دمعة فرت مننا.. يا سلااااام علي فرقة الأصدقاء.. صحيح.. فين النيل والريف؟ فين عمرنا؟ وفين ردود الأسئلة؟ لإمتي هاتفضل تفر الدموع مننا.. يااااااااه.. أصدقاء».

الأجندة «البندقي».. صفحة 107.. مكتوب فيها: «بجنيه عيش.. بجنيه فول.. بجنيه طعمية.. بجنيه جبنة «أريش».. وربع جنيه شاي.. وربع زيت للفول.. ومش مهم الملح.. مر الأيام غانينا عنه.. ومش مهم الشطة.. كفاية حُرقة الفقر ملهلبانا.. وربع جنيه سيجارتين واحدة الصبح والتانية بالليل في البلكونة.. يبقي كده كام في اليوم يا عبد الرازق؟ أربعة جنيه خمسة وسبعين قرش.. قول خمسة جنيه بالعلاج والعلام والفسح.. إضرب بقي في تلات طقات.. يعني خمستاشر جنيه في اليوم يا عبد الرازق.. في تلاتين.. يعني ربعمية وخمسين جنيه في الشهر يا عبد الرازق.. كتير.. طب احسب علي طقتين كده.. يبقي تلتميت جنيه في الشهر يا عبد الرازق.. طب لو طقه؟! يبقي ميه وخمسين في الشهر يا عبد الرازق.. طب مافيش حاجة أقل من طقه؟! فيه.. إنك تطق تموت يا عبد الرازق.. يااااااااه.. أخيرا اتحلت».

الأجندة «البنفسجي».. صفحة 109 مكتوب فيها: «إنا لله وإنا إليه راجعون.. مات وهو بيشرب.. كان بيشرب ميه وشرق مات.. حد يصدق.. ده كان بصحته وعافيته.. كان زي الفل طول بعرض.. إيه اللي شرّقه وموّته؟.. أكيد حد جاب في سيرته فشرق مات.. حد!.. زي مين؟.. أي حد بيكرهه.. هو في حد بيكره؟ يااااااااه.. كتير.

لقيت في أجنداتي أسامي كتير محمرين.. وآلافات السطور مزرقين.. ومافيش ولا نهاية من النهايات المسودين.. الأقلام «الحمر» في درج مكتبي كتير فاضيين.. والأقلام الزرقة أنابيبهم مبيضين.. أما القلم الأسود اليتيم اللي من سنة حاجة وتمانين.. زي ما هو.. لا كتب حرف ولا كلمة ولا جملة علي أي حد من اللي أساميهم محمرين وأفعالهم مزرقين.. مع الزمن اتمسح الكلام اللي مكتوب بالرصاص.. وفضلت الأسامي الحمر علي ورق الأجندة متفرقين.. وسطور زرقة متجمعين زي كتل الدم في الجسم الأبيض محبوسين.. أما النهايات السودة ماتكتبتش.. أكتبها إزاي إذا لم تذكرها السنين.. وآخر أجنداتي كانت الأجندة البمبي أم سوستة.. بتاعة سنة 2000 و9.. حطتها فوق الرف مع إخواتها القدام الملونين.. وأبدأ سنة 2000 و10 ببسم الله الرحمن الرحيم.. وأجندة جديدة وقلمين تانيين.. أحمر وأزرق مليانين.

الدستور المصرية في

15/01/2010

  

جرس الفسحة

من الجائز جدا أن تكون سعادتك بالنسبة للآخرين مأساة.. وللسعادة منابع مختلفة.. وكل إنسان له منبعه الذي يستمد منه ما يسعده، فهناك من يسعدهم كثرة المال أو كمال الصحة أو قوة النفوذ أو الستر أو النعيم أو خلفة الأولاد أو امتلاك العقارات أو السفر أو الجنس أو النجاح أو حتي لمجرد سماعهم أغنية تطربهم، وآخرون يسعدهم رؤية الآخر سعيدا، وهو نوع من السعادة نادر الوجود، ورغم ندرته فإنك تجدها بقوة وبوفرة في الوالدين. لذلك لا تقل لهما «أف ولا تنهرهما»، وهناك سعادات أخري مختلفة.. فهؤلاء يجدون سعادتهم في الحقد، فتري حاقدا سعيدا بحقده، وآخر يغل وتجده سعيدا بغله، وقاتلا متلذذا بقتله، وعاصيا سعيدا بمعصيته، ومذلا سعيدا بإذلاله، ومازوخيا تسعده مازوخيته لنفسه، أو ساديا تسعده ساديته تجاه الآخرين.. وهناك أيضا سعادات يستمدها الناس من تعاسة الآخرين.. قرأت عنوانا لموضوع في جريدة مصرية لم تسبق شقيقاتها من الجرائد في مسح الزجاج بالماء أو تلوثت ببقع زيت الطعمية في المحلات أو تغطية أحد الموتي علي الطرق.. كانت هذه الجريدة أسعد حظا في مصيرها من زميلاتها، فقد كانت تنظر لي وأنا أفترشها أرضا لأصلي عليها مُكبرا وراكعا وساجدا في صلاة الجمعة في الشارع، ولكنها كانت أتعس حظا من شقيقاتها بهذا الخبر الذي كُتب فيها، والذي حاولت ألا أقرأه حتي لا أخرج عن تركيزي في الصلاة، ولكن صراخ الخبر كان أقوي من خشوعي.. فقرأته: «مدرس بإحدي المدارس الابتدائية يمسك طالبا واضعا يده خلف ظهره ويجعل زميلاته الطالبات في الفصل يصفعونه بالقلم علي وجهه».. هذا العنوان الذي يعلو الموضوع حدد انطباعي المسبق عن الموضوع المكتوب أسفله أنه أكيد كوميديا، وذلك من صعوبة تصديقه وقلت إنه بالتأكيد لا يحمل في فحواه أي جدية واقعية، ولكن للأسف كان إنطباعي خاطئا، وحزنت بشدة بعد أن قرأته، فقد وجدته حقيقيا مأساويا، وانا من فرط استحالة حدوثه ظننته كوميديا! شخصيات هذه المأساة كانت مدرساً وطالباً في الابتدائي يدعي «حسن» وأبو الطالب «أبو حسن» وضابط.. وكانت أماكن الحدث هي مدرسة وفصل وقسم شرطة ومنزل حسن.. الموضوع تجسدت أحداثه المأساوية من خلال شخصياته الدرامية الفاعلة والمفعول بها والشاهدة علي الحدث.. تحكي المأساة عن يوم أغبر من الأيام الغبرة اللي في المدارس، وعن لحظة سودة من اللحظات السودة اللي في الفصول.. وعن مدرس أسود من بعض المدرسين السود بتوع الأيام دي.. ومدرس يعني مُعلم بيعلم علم.. مش بيعلم علي وشوش التلامذة بالأقلام.

تحكي المأساة عن يوم أغبر من الأيام الغبرة اللي في المدارس.. وعن لحظة سودة من اللحظات السودة اللي في الفصول.. وعن طالب.. طالب بيتعلم علم.. مش بيتعلم علي وشوش بالأقلام.

تحكي المأساة عن يوم أغبر من الأيام الغبرة اللي في الأقسام.. وعن لحظة سودة من اللحظات السودة اللي في مكاتب الأقسام.. وعن ظابط.. وظابط من الظبط.. اللي بيظبط.. وهناك نوعان من الظبط.. ظابط يظبط الحال العدل.. وللأسف بيميله.. وظابط بيظبط الحال المايل، والحمد لله بيعدله.

تحكي المأساة عن يوم أغبر من الأيام الغبرة اللي في البيوت.. وعن لحظة سودة من اللحظات السودة اللي في الغرف.. وعن أب.. أب كان قدوة، ومن المؤكد أنه أصبح في عين ابنه عبرة.

قررت أحط نفسي كل مرة مكان شخصية من شخصيات هذه المأساة الواقعية، وسأبدأ بالمدرس.. كيف سأتخيل نفسي مكانه؟! لابد أن أعرف من هو وما أبعاده النفسية حتي أتمكن من تجسيد شخصيته، فوجدت نفسي لا أملك أي مشاعر أو أحاسيس، ولكنني سأحصل علي سعادتي اليوم في هذه المدرسة وهذا الفصل حتي ولو كانت علي حساب طفل صغير.. ماذا أفعل الآن؟! لابد من إيجاد فكرة تسعدني.. ماهي؟ ماهي؟ ها هي.. أنا هاجيب عيل من العيال دي وأخلي كل الفصل يضربه بالقلم علي وشه.. واااااو.. إذن لابد من اصطياد فريسة، وفعلا اصطدت الفريسة وجبتها لحد عندي، وهي مش مخونة اللي هايحصل فيها.. اصطدت لها خطأ تافها و«عبيط» عشان ماحسش بأي ذنب.. مسكت الطفل من إيديه جامد بعد ما خليته يحطهم ورا ضهره.. وعشان الضحك يبقي للركب، هاخلي البنات بس هما اللي يضربوه.. وناديت علي بنت، بنت تيجي تضربه بالقلم علي وشه.. كان بيحاول يفلفص.. بس علي مين؟! ده أنا جامد قوي.. كل بنات الفصل ضربوه.. وضحكت ضحك.. بس الحلو مايكملش.. اضطريت أسيبه لأن جرس الفسحة رن.

ودلوقتي هاتخيل نفسي مكان الطفل حسن.. أنا دلوقتي طفل رايح المدرسة عشان اتعلم.. نده عليا الأستاذ وقالي: تعالي إنت بتتكلم مع اللي جنبك ليه؟ قلتله أنا ماتكلمتش.. زعق وقالي:«يعني أنا هاتبلي عليك».. مسك إيدي بعد مارحتله.. وخلي كل بنت تضربني علي وشي، وهي بتبص في عيني.. وكنت كل ما اقفل عيني يقولي افتحها.. حاولت أفك إيدي من إيده، لكن هو كان أقوي مني بكتير.. استسلمت للضرب بعد ما اتحايلت عليه كتير وأنا باعيط.. بس هو كان أقوي في حكمه.. بعد ما استسلمت للضرب ماكنتش عايز حاجة غير أنه يسيبني بس أغمض عيني.. البنات نظراتهم كانت بتوجعني أكتر من الضرب.. كان نفسي يسبني أغمض.. مش عايز اشوف نظراتهم ليا وهما بيضربوني.. كانوا بيعملوا ده غصب عنهم.. بنت واحدة اللي رفضت تضربني.. قالها هاوقفك بداله.. خافت لتنكسر زيي، فضربتني، وبصتلي وحركت شفايفها من غير ما تطلع صوت، وقالتلي غصب عني.. قلت في سري: انت فين يارب؟ فرن جرس الفسحة.

ودلوقتي هاتخيل نفسي مكان الأب «أبو حسن».. لقيت نفسي باصرخ لحد كبدي ما أنشق.. قلت: آآآآآآآآآآآآآآآه.. آه يابني.. حضنته وبوست وشه اللي انضرب بعدد بنات الفصل.. بص لي.. حسيت إنه كبر ألف سنة.. ابني اتكسر.. شفت في عنيه نظرة إنكسار، وفي قلبه وجع لسه بدري عليه قوي.. نظرة انكسار مايحسهاش غير عسكري بلدة اتهزم.. نظرة لم تكن ستسكن عينيه أبدا في هذا المرحلة المبكرة من عمره، فالانكسار يأتي للكبار.. وهو طفل.. وابني.. ما أصعب أن يشعر الأب القدوة أنه لا يقوي علي فعل شيء، فيصبح عبرة.

ودلوقتي هاتخيل نفسي مكان الظابط اللي بيعمل محضر ضد المدرس.. أنا الظابط.. س: ابنك اسمه إيه؟.. ج: تلميذ في المدرسة.. س: عنده كام سنة؟ ج: إمبارح كان عشرة والنهاردة تم ألف.. س: بتتهم مين؟ ج: باتهم الابتسامة لأنها فارقته.. باتهم البراءة لأنها سابته.. باتهم الطفولة لأنها كبرته.. باتهم اللعب لأنه مات عنده.. باتهم العمي لأنه ماجلوش لما النظر أذاه.. باتهم الكلام لأنه سكت في حلقه.. باتهم نفسي لأني خلفته.. باتهم ابني لأنه نزل حي من بطن أمه.. باتهم قلبي لأنه حبه.. باتهم قلبه لأنه مش حجر.. باتهم أبوتي اللي خلتني أحبه.. باتهم بنوته اللي خلته يشوفني عاجز.. باتهم جرس المدرسة اللي مرنش من قبل أول قلم يلمس خد ابني.. وبشكر ربنا إن الجرس رن لما قاله: انت فين يارب.. جرس الفسحة.. فسحة كل من فيها يلعب عدا هو.. رأيته قابعا في أحد أركان الفصل.. مغمضا عينيه ويبكي.. خائفا يرتعش.. يسأل نفسه الأسئلة العجوزة العاجزة عن الإجابة.. كيف سأنسي؟ كيف سأكبر؟ كيف سأصبح عالما؟ كيف سأصبح ضابطا شجاعا؟ كيف سأصبح قاضيا عادلا؟ كيف سأصبح مهندسا أبني؟ كيف سأصبح طبيبا أعالج؟ كيف سأصبح جنديا أدافع عن وطني؟ كيف سأصبح أبا فيحدث لابني ما حدث لي؟ كيف سأصبح طفلا؟.. أتعلمون..تمنيت أن يكون هذا المدرس عدوا إسرائيليا أسابق كل المصريين علي قتله، وأكون قاتلا سعيدا بقتلي له.. حاقدا عليه سعيدا بحقدي تجاهه، ومغلولا فرحا بغلي منه.. أقتله وأصبح بطلا.. أو يقتلني فأصبح شهيدا.

أتعرفون؟.. سألني مرة مدرس في الفصل سؤالا ولم أعرف إجابته، فتعصب المدرس وركل التختة التي كنت أجلس عليها بقدمه.. وقتها شعرت بإحراج وخجل مرير أمام التلاميذ.. تمنيت أن أموت ويدفنوني في التختة.. لم أنس حتي يومنا هذا نحافة هذا المدرس ولا لون بدلته «الرمادية المقلمة»، ولا اسمه «يحيي» ولا مادته «الأحياء» ولا ترتيب الحصة في اليوم الدراسي «الحصة الرابعة»، ولا موقع اليوم من الأسبوع «الثلاثاء».. لم أنس، وقد مر أكثر من ربع قرن.. ولم ولن أنسي.

لقد تخيلت نفسي ظابطا ومدرسا وطفلا وأباً.. فكرهت خيالي الذي أسال دموعي.. أريد أن أسأل حسن: «تفتكر إحنا ليه بنحبس الأسد يا حسن؟»..عشان نذله ونهينه ولا عشان بنخاف منه؟ أكيد عشان بنخاف منه.. والمدرس خاف منك، وإلا ماكنش مسك إيدك وحبسها ورا ضهرك، وماخلكش تدافع عن نفسك، وحتي لو كان المدرس ممسكش إيدك.. أنا كنت واثق إنك ماكنتش هاتعمل حاجة للي ضربوك.. عارف ليه؟ لأنهم بنات.. والراجل مايضربش بنت.. الراجل يضرب راجل زيه.. بس للأسف الفصل ماكانش فيه رجالة غيرك.. إنت أسد يا حسن.. حقيقي أسد، وانتهت الصلاة مع نهاية قراءتي للموضوع.. وجدت نفسي أنظر للجريدة التعيسة، وأنا أقرأ التشهد، وكأنني سمعتها تقول: يا ليت كان مصيري بللا بالماء أو بقعا بالزيت أو تلطيخا بالدم.. ليتني نظفت زجاجا أو كنت قرطاسا للطعمية.. أو حتي غطاء لميت.. وضاعت صلاتي كما ضاعت طفولة حسن.. ضاعت صلاة الجمعة، ووقفت، ولكنني سمعت تكبيرا: « الله أكبر»، فسألت مصليا بجواري قبل أن يرفع يديه بجوار أذنه للتكبير.. ما هذا التكبير.. لماذا يكبر الإمام؟ ألم تنته صلاة الجمعة؟ فقال: نعم.. دي صلاة جنازة.. قلت له: علي مين؟! قالي: طفل صغير الله يرحمه.. كبّر كبّر.. فكبرت.

الدستور المصرية في

08/01/2010

جميع الحقوق محفوظة لموقع سينماتك
  (2004 - 2010)