حول الموقعخارطة الموقعجديد الموقعما كـتـبـتـهسينما الدنيااشتعال الحوارأرشيف الموقع 

الدورة السادسة عشرة لمهرجان تطوان

التناحر حول طبيعة الهجرة غير المشروعة بين أهل المتوسط

تطوان (المغرب) ـ فجر يعقوب

في ندوة (عشر سنوات على السينما المغربية)، التي جاءت مترافقة مع فعاليات الدورة 16 من مهرجان تطوان لسينما دول البحر الأبيض المتوسط (27 آذار 3 نيسان 2010)، ثمة مايمكن التوقف عنده طويلا بغية التدقيق حصرا في وقائع هذه الدورة وقد قيل فيها الكثير. فما بين انعقادها وانتهاء فعالياتها سرت الكثير من التكهنات حول امكانية هذا المهرجان في الصمود والاستمرار مع بلوغه اليوبيل الفضي، أي مرور خمس وعشرين سنة على انطلاقة دورته الأولى قبل أن يتعثر في بداياته حينا، وينهض حينا، ليعبّر عن نفسه، بوصفه مساحة جغرافية مميزة، يمكن لسينما الحوض المتوسطي أن تجتمع في ربوعها، لتناقش همومها، وهي تتغير وتتبدل وتحتضن عناوين مؤرقة لساكني جنبات الحوض. فتاريخ بلدان المتوسط عموما لايخلو من حروب ومناحرات جماعية، بعضها موغل في القدم، وبعضها الآخر يشهد من قريب على تشكل كثير من دول هذا الحوض الحديثة في فترات زمنية متقاربة. وهذا يعني أيضا أن الكثير من «الجيران» الموزعين جغرافيا وسينمائيا على الحوض المشترك، يمكنهم أن يتبادلوا الخبرات المنقوصة في تتبع آثار الهجرات الجماعية غير المشروعة والدعارة المنظمة التي ظهرت في بعض أفلام هذه الدورة، ومنها أفلام مغربية شاركت في المسابقة الرسمية للأفلام الروائية الطويلة مثل «عند الفجر» لجيلالي فرحاتي، و«المنسيون» لحسن بن جلون، وهي أفلام لم تتوان عن الغوص في تفاصيل كثيرة متعلقة بهذا الجانب المظلم الذي يشهد عليه حوض المتوسط سرا وعلانية وبين بين. وإن لم تسعفها المعالجات والمقترحات البصرية، فقد جاء بعض هذه الأفلام متواضعا وفقيرا بمكوناته الفيلمية كما هو حال فيلم «أولاد البلاد» للمغربي محمد اسماعيل الذي افتتحت به الدورة السادسة عشرة، ولم يتمكن من اجتذاب سوى عدد قليل من الضيوف والحضور الذين آثر معظمهم الانسحاب تدريجيا بعد مرور دقائق على بداية عرضه.

اذن، أمكن لهذه الندوة المهمة، أن تغطي ملمحا من دورة المهرجان هذه، بعد ان اشتدت المراهنات حول مستقبله كمهرجان جامع للنتاجات الحديثة في بلدان الحوض المتوسطي، وإن تفاوتت في مستوياتها، وهذا أمر طبيعي. فالواضح أن ما تعاني منه هذه البقعة الجغرافية- سينمائيا متعلق بالأفكار بالدرجة الأولى، وهو شأن سينمائي عام، ولا تنجو منه حتى بعض المهرجانات المتقدمة والأكثر عراقة وخبرة.

«عشر سنوات على السينما المغربية» ليست مجرد ورقة نقدية تقدم بها الناقد السينمائي المغربي مصطفى المسناوي، ودار نقاش حيوي حولها بحضور سينمائيين مثل أحمد الحسني المدير الفني للمهرجان، المخرج أحمد بولان، المخرج داود أولاد السيد، والمخرج لحسن زينون، ونقاد كثر ومهتمين. وبالتأكيد ليس من مهمة هذه الكلمات أن تثني فقط على محور الندوة، فهذه تظل من اشكالات السينما المغربية نفسها. ولكن بعض ماتقدمت به الورقة يحاول أن ينهي حالة التفاؤل الكاذبة التي سادت الوسط السينمائي المغربي بين الأعوام 2000 2009، من أن ثمة انتاجاً متفوقاً في البلاد، يقابله خطاب آخر مناهض للسينما نفسها أخذ على عاتقه محاولة فرض قيم تعسفية غير جمالية على واقع هذا الانتاج وادخاله - بحسب المسناوي - ضمن توجهات سياسية منغلقة على نفسها، هذا من دون اغفال أن عدد الأفلام الروائية الطويلة التي أنتجت بين أعوام 2000 2009 بلغ المئة، أي مجموع ما أنتج خلال الأعوام بين 1968- 1999، وذلك بمعدل لا يتعدى عشرة أفلام في السنة الواحدة. وأما العقبة الكبرى التي أخذت تقف في وجه السينما، فتتمثل بإغلاق المزيد من الصالات. فمن أصل 240 قاعة عرض كانت متوافرة في عام 1975، بقي الآن 23 قاعة، منها 18 فقط صالحة للعرض وفق الشروط العالمية.

وهذا يشير بدوره إلى أزمة بدأت بشكل أو بآخر تطال مهرجان تطوان نفسه. فمعروف لمتابعي هذا المهرجان وجمهوره وضيوفه أن عروضه الأساسية غالبا ما تدور في صالتي أفينيدا واسبانيول، وهما صالتان خاصتان، قرر مالكهما على مايبدو، وهو موضوع أثارته التلفزة المغربية خلال فترة انعقاد المهرجان، أن يمضي في تحويلهما إلى مراكز تجارية في المستقبل القريب، وهو ما قد يحرم المهرجان المتوسطي من أهم قاعتين شهدتا فعالياته عبر السنوات الماضية، ويضعه في موقف لا يحسد عليه.

عموما بدا واضحا هذا العام أن ثمة تفاوتاً واضحاً في مستويات أفلام هذه الدورة لجهة الاختيار والبرمجة ومنح الجوائز. وهذا برز واضحا حتى في طريقة تلقي الفيلمين الفائزين أرفع جائزتين في المهرجان. ففيما حاز الفيلم الايطالي «ارفع رأسك» لأليساندرو انجيليني على جائزة مدينة تطوان الكبرى، نال الفيلم التركي «10 حتى 11» لبيلين اسمير جائزة لجنة التحكيم الخاصة. وفيما بدا الفيلم الايطالي في وضع فني عادي لا يتعدى، في أحسن الأحوال، كونه ميلودراما شعبية تلفزيونية شائعة، ظهر الفيلم التركي، على الأقل بالنسبة لعشاق اللغة السينمائية الخالصة، في وضعية وحساسية أفضل، وإن رأت لجنة التحكيم في الفيلم الأول ما يلبّي رغباتها في منح الجائزة الكبرى له.

«ارفع رأسك» يقوم أساسا على رغبة الأب ميرو (سيرجيو كاستيلو) في أداء منبطح أمام آل باتشينو عموما، بتملك ابنه لورنزو، وهو ثمرة حمل من أم ألبانية مهاجرة حتى الرمق الأخير، ما يجعله يرفض علاقة مماثلة له مع فتاة ألبانية بعمره كي لا تتكرر «مأساته « الشخصية على ما يبدو. المعالجة عادية تتمثل في اصرار الأب على تعليم ابنه الوحيد فن الملاكمة لتعويض سلطة مفقودة وفشل حياتي ذريع. ولكن الابن يجد فرصة ليتمرد على أبيه عندما يعلم بواقعة تعنيفه لفتاته، ويقرر أن يخسر مباراة الملاكمة كرد على سلوك أبيه تجاه محبوبته، وهذا ما يعقّد العلاقة بينهما، ما يؤدي إلى وقوع حادثة بسقوطه عن دراجته النارية، ينقل الولد على إثرها الى غرفة العناية المشددة ليفارق الحياة، ويوهب قلبه لمحتاج يبحث بدوره عن أنوثة غير موجودة عبر عمليات التحول الشائعة. ما من أسباب مقنعة في بحث الأب عن حامل القلب بين ضلوعه سوى الامعان في دخول متاهة الأسئلة غير المجدية عن عقدة الذنب ظاهريا - الناتجة من فقده سلطته بعد فقده لابنه، وبحثه عن هذا المتحول ليجدد سلطته المفقودة.

الفيلم لم يحظ ربما بتلك الأسئلة حول هذه السلطة غير المتجددة. ثمة تغييم واضح في الاشارة إليها. لكن ما يدفع سيرجيو كاستيلو، وقد نال جائزة أفضل ممثل عن دوره، هو رغبته بزيادة جرعة السلطة التي أودت بابنه من دون تبين أسباب رفضه الحقيقية لعلاقة لورنزو بالفتاة الألبانية، وما إذا كانت محض تشف واستعلاء عنصريين على مهاجرة شابة كانا قد أوصلاه من قبل إلى حالة مشابهة .

الفيلم التركي «10 حتى 11» للمخرجة بيلين اسمير موضوع مختلف. نحن هنا في عوالم رجل ثمانيني (والد المخرجة) تأكله نار الوحدة ومخلفات الماضي التي برع في اقتنائها وتصنيفها في بيته. عالمه فسيح بالرغم من ضيقه، وهو يراكم مقتنياته وجرائده بطريقة حسابية صرفة الى درجة أنها تتحول بدورها إلى علامات ورموز لأزمنة متعددة لا يمكن بلوغها من دون بلوغ العمق الشخصي المطلوب في سيرة متهات اسمير. فيلم موثوق إلى غزارة بصرية مسكونة بأشباح الماضي، حيث يبدو ولع العجوز بلعبة الاقتناء علامة على اشتباكه مع ماهو قريب منه وينتمي إلى الحاضر بمستوياته الزمنية المتعددة.

المشاركة العربية في قسم الأفلام الروائية الطويلة جاءت عبر خمسة أفلام: «عند الفجر» للمغربي جيلالي فرحاتي و«المنسيون» لمواطنه حسن بن جلون، و«الدواحة» للتونسية رجاء عماري و«بالألوان الطبيعية» للمصري أسامة فوزي، و«الليل الطويل» للسوري حاتم علي. وباستثناء جائزة الجمهور التي ذهبت للفيلم المغربي «المنسيون»، وهذا أمر متوقع على أية حال، بالرغم من أن الفيلم المصري حظي بنسبة مشاهدة أكبر، فإن أيا من هذه الأفلام لم يتوج بجائزة ، هذا إذا علمنا أن نسبة المشاركة العربية تبلغ النصف تقريبا.

«بالألوان الطبيعية» لا يبدو في أهمية الأفلام السابقة لمخرجه أسامة فوزي. فيلم قريب من المناكفات الهزلية بين شخصيات أصابها الضمور والعوز العاطفي والانساني والوجداني. يوسف (كريم قاسم) لا يريد أن يصبح طبيبا كما ترغب أمه وتشتهي، وهو يعيش على حافة عطب نفساني سببه عشقه وهوسه بالألوان واصراره على الالتحاق بكلية الفنون الجميلة. الأساتذة في الكلية معطوبون ذهنيا وقد باعوا ضمائرهم للشياطين كما يقال، باستثناء واحد منهم، وهو خريح سابق للمدرسة الشرقية، ويريد أن يلعب الضمير المفقود في الكلية، فيسهر على رعاية موهبة يوسف الآخذة بالتفتح، فيما الكلية أصبحت مرتعا لنوعين من الطلاب والطالبات: نوع يبحث عن الحرية، فيطحنه هزل البحث والاستجداء، ونوع متمترس خلف أصولية فالتة من عقالها، وبينهما يواصل يوسف تشظيه وبحثه «الأخرق» في عوالم فقيرة لاتسعفها الألوان الحارة، ولا الأداء التمثيلي السيئ الذي مرّ به وجربه معظم الممثلين في هذا الفيلم.

بالطبع يجيء الفيلم التونسي «الدواحة» ليظهر متماسكا على الأقل في بداياته قبل أن تفرغه رجاء عماري من محتواه الفني البديع. الفيلم كان بوسعه أن يغير القاعدة بحكم رهافته التي بدا من خلالها محكما في صنعته. «الدواحة» يحكي قصة أم وابنتيها المتخفيات في قبو قصر من دون معرفة الأسباب الكامنة وراء ذلك. واذ تقوم الصغرى «حفصية حرزي» بمحاولات اكتشاف أنوثتها في هذا السجن الاختياري وسط ملاحقات أمها وشقيقتها لها، وفي أداء جميل ولافت منها، تدخل (ريم البنا) وحبيبها على خط الأحداث، بقدومهما إلى القصر لقضاء عطلة، ما يدفع بالمختفيات لاختطافها والابقاء عليها رهينة في القبو، من دون تعميق لهذه الواقعة التي أفسدت ربما الفيلم، وأوقعته في التفكك بعد أن بدا متماسكا إلى أبعد حد.

أما الفيلم السوري «الليل الطويل» الذي حط رحاله في تطوان بعد حصوله على مجموع جوائز عديدة، آخرها في مهرجان مسقط السينمائي السادس (جائزة أفضل مخرج والجائزة البرونزية) فإنه يبحث في مصائر أربعة معتقلي رأي في ليلة واحدة تبدأ من مونولوج شكسبيري وتكاد تنتهي به، بعد أن رفض قائل المونولوغ التوقيع على اية وثيقة متعلقة باطلاق سراح مشروط. الفيلم من كتابة هيثم حقي وانتاج ريل فيلم، وهو كان قد بدأ رحلته مع الجوائز من مهرجان متوسطي آخر (تاورمينا)، ليدور من بعدها على مهرجانات كثيرة في أمكنة مختلفة من العالم.

في مسابقة الفيلم الوثائقي

شاركت المخرجة المصرية تهاني راشد بفيلمها «جيران»، ونالت جائزة عنه. وهو فيلم يحكي قصة حي غاردن سيتي الشهير في القاهرة، وهو الحي الذي تقررت فيه سياسات دول كثيرة عشية الحرب العالمية الثانية. فيلم مشوب بالحنين لماض لايستعاد، تحاول من خلاله مخرجة «البنات دول» معاكسة هذه الحقيقة باستخدام أفلام قديمة أصابها العطب والتحلل، وكأن الحالة برمتها أعطبت وتحللت على مرأى من أعين الجميع. فكرة «جيران» ولدت مع عرض فيلم «البنات دول» في بيت السفير الأميركي في غاردن سيتي، ومنه انطلقت كاميرا راشد المتفحصة على بقية البيوتات المهملة التي ساهمت يوما في صناعة وجه مصر الحديث. فيلم محكم في بنائه ويدلل على نباهة متيقظة وواعية في التقاط التفاصيل من حول هذا الحي المغرق في عمارته الفخمة.. وفي تحوله إلى ثكنة أمنية اليوم مع وجود السفارة الأميركية فيه.

المستقبل اللبنانية في

18/04/2010

جميع الحقوق محفوظة لموقع سينماتك
  (2004 - 2010)