حول الموقعخارطة الموقعجديد الموقعما كـتـبـتـهسينما الدنيااشتعال الحوارأرشيف الموقع 

شهدت قفزة على صعيد استخدام أحدث التقنيات

أفلام الكوارث تزرع الهلع في قلوب المشاهدين

عبد الستار ناجي

منذ مرحلة مبكرة من علاقتي بالسينما قررت الا اذهب الى افلام الرعب او الكوارث الا ما ندر لانني لا اعرف حتى اللحظة ان يدفع البعض مبلغا من المال كي يصاب بالرعب فهل الرعب متعة هذا السوال يظل يحاصرني، ورغم احترامي الشديد لعشاق افلام الرعب والكوارث الا انني اظل اتحفظ عليها لانها في نسبتها الاكبر تذهب الى موضوع محوري هو الاستثمار المادي لصناعة الفن السابع دون الذهاب الى موضوعات وقضايا انسانية واجتماعية عميقة.

على مدى سنوات طويلة تنوعت أفلام الكوارث في عالم السينما، فثمة أفلام الكائنات الوحشية (طيور وزواحف وحيوانات شرسة سواء المنقرضة منها مثل الديناصورات أو الحديثة مثل القرود والثعابين الضخمة الشرسة والمثيرة للفزع)، وثمة أفلام غزاة الفضاء بأشكالهم الغريبة وأسلحتهم الفتاكة، وثمة أفلام الأهوال الطبيعية مثل الزلازل والحرائق والبراكين والفيضانات والأعاصير.

والمتأمل يلاحظ ان معظم هذه الأفلام، باتجاهاتها المتنوعة، تسير في بنائها على وتيرة واحدة: الحياة المألوفة العادية في مكان تعيش باطمئنان، لكن فجأة تظهر بعض الظواهر غير الطبيعية، وشيئا فشيئا يدرك البعض ان خطرا ما يتهدد البشر، خطر غامض تبدو آثاره واضحة من دون معرفة مصدره.وغالبا يؤجل المخرج وكاتب السيناريو الكشف عن مصدر هذا الخطر أطول فترة ممكنة كي يزداد عنصر التشويق في الفيلم، وأخيرا يتجسد الخطر جزئيا، ثم كليا، ومع المواجهة تتوالى نوبات الرعب وتتزايد عنفا.

لقد تطورت الخبرة التقنية وتراكمت بهذه النوعية من الأفلام التي تلقفتها السينما الأميركية من (المدرسة التعبيرية الألمانية) ومع التمكن التقني في استوديوهات هوليوود، ازدادت أفلام الكوارث وضوحا وتجسيدا، حتى ان المتفرج يسمع طقطقة النيران وهي تسري في هذا المكان أو ذاك أو يشاهد انفجار البراكين.

وهي ترمي بحممها عليه، وعن طريق الكمبيوتر صار من الممكن تصوير الآلاف من الأطباق الطائرة وهي تغزو كوكب الأرض، أو التعامل مع أهوال الطبيعة بما يوحي بنهاية العالم، اضف الى هذا ما تتمتع به شركات الانتاج الأميركية من ثراء يجعلها قادرة على حشد كتل بشرية ككومبارس، فضلا عن جاذبية وكفاءة نجوم هوليوود التي لاشك فيها.

وهنا نعود الى بيت القصيد حيث لا يخفي صناع السينما العالمية ان هدفهم الأساس هو الربح المادي وبالتالي لا تهم نوعية موضوعات الأفلام التي يقدمونها للجمهور طالما انها تعيد لهم تكاليف ما دفعوه من ميزانيات الانتاج وفوقها الأرباح، وبالتالي توالت موجات أفلام الكوارث التي ظهرت مرة أخرى منذ سبعينيات القرن الماضي.

وأعادت لدور العرض الأميركية والأوروبية ازدهارها بعد ان جذب التلفزيون جمهور الصالات السينمائية وحققت تلك الأفلام أرباحا كبيرة جدا، وكلما زادت مساحة الخراب والدمار وأعداد الموتى في الفيلم نتيجة كارثة ما زاد عدد المتفرجين وبالتالي زادت الأرباح أكثر.

ورغم موجه النقد من ابرز نقاد الحرفة السينمائية سواء في الولايات المتحدة او غيرها من بلاد المعمورة الموجهة ضد أفلام الكوارث التي لا تهدف الا لاثارة الهلع، وبفضل العديد من الكتاب والمخرجين الموهوبين، ونتيجة لرغبة السينما الأميركية واستيعابها للسينما الأخرى، أخذت هذه النوعية من الأعمال تدعم نفسها بطاقة هائلة استمدتها من الكوميديا والرومانسية.

وجملت نفسها برؤية نقدية سياسية واجتماعية، كما حاولت ـ أحياناـ ان تضفي على نفسها قيما انسانية، ولعل النماذج التي شاهدناها في العام 2009، وبداية العام 2010 تسير في هذا الاتجاه، فأفلام مثل (2012) و(كتاب ايلي) و(الطريق) تنطوي تحت هذا المجال، وتدفع بفكرة ان العالم سينتهي في لحظة من اللحظات لسبب أو لآخر قبل ان يحاول مجموعة من البشر النجاة من الكوارث المختلفة، وغالبا ينجو بعضهم في حين يموت الآخرون لأسباب مختلفة.

كما ان ثمة رسالة تريد ان توصلها هذه الأفلام بطريقة أو بأخرى، وهي بشكل مختصر ان على الجنس البشري ان ينتبه الى عدم تدمير نفسه بالحروب والظلم والاستخدام الخاطئ للتكنولوجيا وتخريب البيئة.

وان كل شيء سلبي يقوم به سينعكس بالتالي على مستقبله، فثمة دمار مقبل مرتبط بتوحش التكنولوجيا، ونسيان الانسان لذاته، وغلبة الماديات الجافة في تعاملاته، وتحوله من كائن له خصوصية الى حيوان بسلوكه وصفاته.

ولكن في شكل انسان. وعلى الرغم من اختلاف مضامين الأفلام الثلاثة، الا انها تعلقت بنظريات وتنبؤات عن مخاطر تهدد حياة البشر، وتحتاج الى التوقف والتأمل والرصد مع ألفية جديدة تدفع الي القلق والمخاوف من متغيرات الطبيعة وما تفرضه التوقعات من كوارث غرائبية كونية.

احتل فيلم (2012) المركز الأول في قائمة أفضل 10 أفلام تم عرضها في صالات السينما في عدد من الاسواق العالمية من بينها الكويت عام 2009 بايرادات تخطت 13 مليون درهم، وتدور أحداثه لمن لم يشاهده حول نهاية العالم وما سيحدث من كوارث وانقلابات تهدم كوكب الأرض من اخراج رونالد ايميرتش ومن بطولة جون كوساك وأماندا بيت.

وتميز موضوعه بما أثاره من أفكار نبهت الى متغيرات كونية تحدث في السماء والبحار والمحيطات وجوف الأرض، وأجاد طاقم صناعه استخدام المؤثرات البصرية والسمعية التي مهدت الي طوفان جيولوجي هدم كل شيء، بداية من المباني التي تتحطم فيكاد التراب يتناثر على عينيك وانت تشاهدها.

والموجات البحرية التي تدمر جبال الهمالايا فيكاد الرذاذ يبلل ثيابك، أو الطائرات التي تنفجر فيأخذك الانفجار مترين الى الوراء، هذا بخلاف الزلازل التي تحدث شروخا عميقة تأخذك الى المجهول، أو البراكين التي ترمي بمقذوفات نارية تحرق وتشوي كل الكائنات الحية.

جمال التقنية وروعتها في هذا الفيلم وقدرتها على جذب انفاس المشاهد الى أقصى الدرجات، تجسدت في مشهد رائع الجمال يقف فيه الرئيس الأميركي (وهو أسمر البشرة على سبيل الرمز للرئيس الحالي باراك اوباما) والرماد البركاني يغطي كل شيء من حوله، يقف أمام البيت الأبيض بعد عاصفة رهيبة.

ويشاهد موجة بحرية كبرى تحمل سفينة حربية تتجه نحو البيت الأبيض نفسه، لتسحق كل شيء وتفنيه. ومشهد شديد الجمال أيضا هو مشهد ولادة بركان جديد، اذ يقف أحد أبطال الفيلم وهو مذيع أخبار مجنون يكاد يكون أول العالمين بالكارثة، على قمة جبل صغير، ينظر الى الجبال الأخرى من حوله وأشجارها تسود من الحرارة، قبل ان تبدأ الأرض بالتحرك كانما هي أمعاء تتلوى، ليصعد البركان كانما يولد من بين التلال، وينفجر مطلقا الكثير من الحمم البركانية المتطايرة.

واذا كان فيلم (2012) نقل تفاصيل فناء العالم بدقة متناهية، واعتمد في ذلك على حكاية أسطورية لشعب المايا مفزعة ومرعبة، شاهدنا معها لقطة النهاية التي وضحت الكرة الأرضية من بعيد لندرك ان القارة الوحيدة التي نجت دون أي دمار هي القارة الافريقية.

في حين غرقت آسيا وأوروبا والأميركيتان تحت أطنان من المياه، فان فيلمي (كتاب ايلي) و(الطريق) تناولت حكايتهما ما حدث في العالم بعد نهايته، وما تعرض من دمار وتغيرات شملت كل شيء حتى الانسان.

تبدأ قصة هذا الفيلم بعد 30 عاما من آخر حرب كونية حيث العالم عبارة عن ارض مهجورة ومدن مدمرة والطرق لا تعدو كونها كمائن تستغلها الجماعات الاجرامية وحيث الماء هو أغلى ثروة يحتاجها الانسان أكثر من حاجته للأديان والحضارة وكان العالم عاد الى عصر الكهوف. في هذه الظروف، نرى رجلا يدور وحيدا وهو يتبع صوتا يسمعه منذ سنوات وينبع من أعماقه.

كما يقول مطالبا اياه بمصارعة الظروف والبقاء على قيد الحياة لانقاذ الكتاب المقدس الذي يحمله معه في حقيبة ظهره، ويجسد دوره الممثل البارع (دينزل واشنطن)، حيث حدد اتجاهه الى الجنوب ليقوم بتسليم الكتاب المقدس الذي يرى ان فيه نجاة للبشرية وعودتها الى كامل حضارتها.

جرى تصوير الفيلم في المكسيك حيث الأراضي الصحراوية التي تملأ الشاشة بفضاء أبيض، وتشبه الديكورات المرتبطة بالتصوير أجواء القمر والخيال العلمي، وبمساعدة الكاميرات الرقمية واستخدام الكمبيوتر نجح المخرجان الأخوان البرت وآلان هيوز في الحصول على أجواء غسقية ورمادية اللون مغرقة في الخيال المستقبلي.

وفيما يخص فيلم (الطريق) للمخرج جون هيلكوت فالقصة مختلفة وتتناول حكاية أب وابنه يقاومان من أجل الصمود في منطقة مدمرة لا عيش فيها، وخالية تقريبا من مظاهر الحياة بعد حدوث كارثة غامضة أدت لتدمير الحضارة الانسانية.

فان الاحداث تبدأ في أعقابها بعد تحول كوكب الأرض الى غابة جرداء وصحراء قاحلة، تتبعثر فيهما الجثث التي تنهشها الحيوانات الضالة، وتحوم حولها الحشرات، وهو ما يوحي بان الأرض تعرضت لقوة تدمير هائلة لكن السيناريو لا يحدد توقيت حدوث الكارثة، ويكتفي بالاشارة اليها فقط.

وخلال رحلة الأب والابن الى الجنوب وهو مكان يتوقعان ان يكون أكثر أمنا ودفئا، وبديل عن الجليد الذي يحيط كل شيء ويحول المشهد الي اللون الرمادي، تظهر الحرائق والجسور المدمرة وعصابات متوحشة تفزع الناس وتعتدي عليهم، بخلاف جماعات آكلي لحوم البشر المنتشرة كافراز طبيعي لما آلت اليه الحال من فقدان لكل متطلبات الحياة.

والذي يستحق التوقف في فيلمي (كتاب ايلي) و (الطريق) هو اتفاقهما على أمرين، الأول: هدف الرحلة الى (الجنوب) والذي يعكس حضاريا حفاظه أكثر من (الشمال) على القيم والمثل ويشكل أمانا مطلوبا، رغم عدم الاهتمام به في تاريخ كل الشعوب وبقاء تخلفه للهيمنة عليه.

والثاني: اللون الرمادي المصاحب لتحول الناس الي آكلي لحوم البشر وتنافسهم في الاعتداء على بعضهم بعضا، وقتالهم من أجل الاستحواذ على ممتلكات الغير بالعنف والايذاء.

وتبقى المشكلة المتعلقة بالفيلمين وتمتد أيضا الي فيلم (2012)، هم البشر الذين خلفتهم الكارثة، والرسائل والمضامين التي تريد سيناريوهات تلك الأعمال التنبيه اليها واحداث صدمة لتراجع الشعوب وفنائها عندما يتم فقدان مقومات الحضارة، وعلى رأسها الثقافة نتيجة احراق الكتب في (كتاب ايلي).

ومشاعر الناس واعمار الأرض كما في (الطريق)، أو حتى بجمع المتبقي من الموروث الثقافي والانساني والحضاري مثلما تم في الفلك الذي يشبه سفينة نوح في (2012)، لكن المثير للدهشة هو الايمان الذي لا يغيب عن أذهان البعض في أحلك الظروف والذي يظل نافذة نور يمكن ان تساعد البشرية في الخروج من أزمة نهاية العالم.

ونعود الى بيت القصيد...

سينما الكوارث رغم ضخامة الانتاج الا ان تأثيرها يظل ينحصر في الابعاد المادية البحتة بالنسبة لصناع الانتاج اما مضامينها الفكرية فانها سرعان ما تضيع في النسيان رغم اهوال الاحداث التي تتضمنها تلك النوعية من الافلام.. وفي جديد السينما العالمية كم من الاعمال التي تعزف على ذلك الوتر السينمائي.. وهي وان اختلفنا مع الاخرين سينما تنتهي فور ان تضيء الصالة انوارها.ولهذا تظل بلا اثر.. والسينما التي بلا اثر.. سينما بلا مضمون.

Anaji_kuwait@hotmail.com

النهار الكويتية في

09/04/2010

جميع الحقوق محفوظة لموقع سينماتك
  (2004 - 2010)