حول الموقعخارطة الموقعجديد الموقعما كـتـبـتـهسينما الدنيااشتعال الحوارأرشيف الموقع 

مل غيبسن العائد بعد ثماني سنوات في "حافة الظلام"

نظريات المؤامرة وأروقة السياسة مبسّطة والحل في يد الإعلام الرسمي!

ريما المسمار

قد يقودنا الفيلم الأخير لمارتن كامبل "حافة الظلام" The Edge of Darkness الى تعزيز الرأي القائل بفشل الإعادات وبخيالها الضّحل، لاسيما إذا كان صنّاع الاصل (السلسلة التلفزيونية في هذه الحالة) هم ايضاً صنّاع الاعادة، ولا سيما ايضاً إذا كانت مشاهدته قد وقعت في زمن متقارب من إعادة أخرى هي فيلم روب مارشل "تسعة" Nine. ولكن أمثلة سينمائية كثيرة ستستحضرها الذاكرة إذا ما أردنا التمعّن في صوابية هذا الرأي. ويكفي في هذا الإطار استذكار شريط فيديريكو فيلليني "ليالي كابيريا" Nights of Cabiria (اقتُبس في مسرحية غنائية وفي فيلم) لنستنتج ان العبرة في نوعية الاقتباس وليست في عملية "التدوير" نفسها. أو بشكل أقل فيلم النمسوي مايكا هانيكي "ألعاب طريفة" Funny Games الذي أعاد اقتباسه بنفسه في نسخة أميركية، اثارت الكثير من الاسئلة والنقد، من دون أن تفلت من توقيع صاحبها ومساره. كذلك فإن مسألة الاعادات خاضعة لشروط كثيرة ليس أقلها "شهرة" الأصل. أفلام كثيرة نشاهدها من دون ان ندرك انها إعادات لافلام سابقة او مسرحيات او سلسلات تلفزيونية، من دون أن يؤثر ذلك في حكمنا عليها. ولكن ما إن يكون الأصل مادة متداولة وجماهيرية حتى تصبح المسألة أعقد كما هي حال فيلم مارشل مثلاً. وأحياناً تتحكم عناصر محددة في عملية الإعادة في الحكم على العمل من مثل تحويل عمل مسرحي غنائي الى السينما حيث ستكون من أوائل الملاحظات "مسرحة" الفيلم او عدمها. بالنسبة الى فيلم كامبل Edge of Darkness، ثمة تفصيل أساسي من شأنه أن يضع عملية الاقتباس برمتها على المحك. وهو، استطراداً، تفصيل ينطبق على الاقتباسات الأدبية أيضاً ويتمثّل في إتقان عملية التقليص (من الكتاب الى السينما او من التلفزيون الى السينما) من دون ان تمس عمق الشخصيات ومنطق الأحداث ووضوحها. مما لا شك فيه ان اقتباس سلسلة تلفزيونية متصلة الأحداث عمل ليس بالسهل، بخلاف اقتباس المسلسلات منفصلة الأحداث على غرار "الجنس والمدينة" Sex and the City، القائمة على شخصيات ثابتة ومواقف منفصلة ومتغيرة. ولكن مسلسلاً مثل "حافة الظلام" يقوم على الجريمة والتحقيق وكشف المؤامرات في أحداث متصلة تقود الى بعضها الآخر، سيواجه حتماً مشكلة التقليص والتكثيف في رحلته من التلفزيون الى السينما، حتى وان استعان صنّاع الفيلم بكاتب مثل ويليام موناهن صاحب النص المحكم لفيلم "المرحَّل" The Departed لمارتن سكورسيزي. ولكن ماذا بوسع موناهن ان يفعل بخمس ساعات تلفزيونية مليئة بالمطاردات والقتل والمؤامرات السرية وبأكثر من عشر شخصيات لكل منها قصتها؟

الأصل

عاد فريق عمل المسلسل التلفزيوني الذي بثته قناة "بي بي سي 2" في العام 1985 للعمل على النسخة السينمائية باستثناء الكاتب تروي كينيدي مارتن (توفي في أيلول/سبتمبر 2009) الذي استُبدل بموناهن. انطلق الكاتب البريطاني وقتذاك من مجموعة تأثيرات ليخط السلسلة المصنّفة من بين أفضل الاعمال الدرامية البريطانية وأكثرها تأثيراً الى يومنا هذا. كان اعتباره الأول خلو الدراما التلفزيونية البريطانية من اي بعد سياسي الأمر الذي دفعه الى كتابة دراما سياسية متجذرة في الاسطورة والروحانية. ولكن التأثير الأكبر على عمل مارتن كان المناخ السياسي السائد وقتذاك- إدارة مارغريت تاتشر للبلاد والهالة السرية المحيطة بالصناعة النووية وانتخاب رونالد ريغن رئيساً للولايات المتحدة الاميركية والحرب الباردة- فضلاً عن فرضية العالم والناشط البيئي جايمس لافلوك المعروفة بـ"غايا" (GAIA) التي جسّدها الكاتب في نهاية المسلسل بتحوّل بطله شجرة. ولكنها نهاية لم تجد طريقها الى الشاشة وسط اعتراضات كثيرين.

الإعادة

في الإعادة السينمائية، انتقل مسرح الأحداث من بريطانيا الى بوسطن واستُتبدلت كل المؤسسات والشخصيات البريطانية بأميركية باستثناء شخصية "جيدبيرغ" التي كانت في العمل الاساسي أميركية. تطالعنا الأحداث بشخصية المحقق "توماس كرايفن" (مل غيبسن) الذي يقل ابنته العشرينية "إيما" (بوجانا نوفاكوفيتش) من المطار في زيارة لها الى بوسطن هي الأولى منذا استقرارها في مساتشوستس حيث تعمل في مجال الأبحاث النووية. الدقائق الأولى من لقائهما توحي بشيء من الفتور او المسكوت عنه، ولكنها أكثر من ذلك، تقدّم "توماس" في شخصية منعزلة، تواجه صعوبة في التواصل كأنها خارجة من صدمة ما. لاحقاً واثناء تواجدهما في المنزل، تعاني "إيما" من نزيف مفاجئ من الأنف وحالة شديدة من القيء. وسط هلعها، تتلفّظ بكلمات حول ضرورة اطلاع والدها على سر ما ولكن الموت سيعاجلها برصاصتين، يطلقهما عليها مجهول أمام باب المنزل. على الرّغم من صدمته، لا يبدو "توماس" منساقاً خلف ترجيحات زملائه في دائرة الشرطة وفرضيات الاعلام بأنه كان هو المستهدف. هكذا يمضي في بحثه عن أدلة في أغراض ابنته وأرقام الهواتف المتفرة على هاتفها الجوّال.

يركّز الجزء الأول من الفيلم على عالم "توماس" المهشّم بعيد موت ابنته. ولكن جهداً قليلاً يُبذل للاضاءة على جوانب غامضة من شخصيته. لماذا هذا التحفّظ الذي يغلّف علاقته بجميع من حوله وحتى ابنته؟ فباستثناء ترداده لجملة "انت فتاتي الصغيرة" لابنته لا نفهم جوهر العلاقة بينهما. ثمة بعد لا يُخطئه إحساس المُشاهد. ثم لماذا لا تظهر في الصور العائلية وفي ذكرياته عن طفولة ابنته سوى هو وابنته؟ أين الأم الغائبة تماماً عن الصورة والتي يصبح غيابها أكثر حدة مع الإحساس المتنامي بأنه ربى ابنته وحيداً. أليس هذا من سبب وجيه لفهم علاقتهما في ما لو تم توضيحه؟ على صعيد آخر، لا يُظهر الفيلم شيئاً عن طبيعة عمل "توماس" على الرغم من التوقعات بأنه هو المستهدف بعملية القتل. اي نوع من المحققين هو؟ اي نوع من القضايا والجرائم تولّى وكيف حلّها؟ في غياب كل ذلك، يصرّ صنّاع الفيلم على تقديم شخصية "توماس" في إطار "البطل الواحد" المتميّز عن أقرانه لا ندري بماذا. هل هي مبادئه الاساسية التي يجاهر بها قبيل نهاية الفيلم لزميله الذي خانه (لا أحد يتوقع منك أن تكون استثنائياً ولكن ثمة أمور اساسية عليك ان تحافظ عليها: ان تبذل اقصى ما في وسعك في سبيل عائلتك؛ ان تذهب الى عملك يومياً؛ الا تؤذي أحداً لا يستحق الأذى؛ ألا تأخذ شيئاً من الأشرار) والتي هي مزيج من الطوباوبة والذهنية التقليدية؟ في مشهد آخر بينه وبين أحد أعضاء مجلس الشيوخ، نفهم انه شارك في حرب فييتنام ولكنّه سرعان ما يتهكّم على نظريات "صدمة الحرب" والعلاجات النفسية التي تليها مؤكدأ انك "تخرج من الحرب كما دخلت اليها". لا يتيح إطار الحديث فهماً لنظريته وسواء ما اذا كانت نابعة من سخرية او من مجرد حالة أب مفجوع بموت ابنته. في السياق عينه، لا يساعد أداء مل غيبسن كثيراً في تخطي هذه الأسئلة بل انه يعزّزها. في ما يمكن ان تكون بطولته السينمائية الأولى منذ العام 2002 (في فيلم م. نايت شياملان "إشارات" Signs) وبعد انشغاله لأكثر من ثمانية أعوام برؤيته الاخراجية العنيفة (في فيلمي "آلام المسيح" The Passion of the Christ و"ابوكاليبتو" Apocalypto)، يعود نجم الحركة في الثمانينات والتسعينات بدور "توماس" المركّب، كما يفترض السيناريو والعنوان، من الانسان والاب الحنون الذي ينزلق الى حافة الظلام انتقاماً لابنته. لا شك في ان غيبسن يبدو مرتاحاً تماماً في المشاهد التي تتطلب عنفاً، الامر الذي لا يتحقق له في المشاهد التي يُفترض بها إبراز جانبه الانساني الحنون. وتبقى خلفية الشخصية هي العنصر الغائب الذي يتسبب بسوء فهم ربما: هل أداء مل غيبسن يعطي انطباعاً خاطئاً عن شخصيته؟ ام ان الحبكة نفسها هي المتعجّلة وغير المتماسكة؟

في سعيه الى الكشف عن ظروف قتل ابنته، يتوصل "توماس" الى حقائق تثبت تورط الحكومة وبعض رجالاتها وأجهزتها بعملية تصنيع أسلحة نووية لحساب دول أخرى. مرة واحدة فقط يذكر احدهم في الفيلم شيئاً عن ان تلك الاسلحة هدفها تمويل الجهاديين لخوض حروبهم التخريبية في منطقة الشرق الأوسط. ولكن حتى من دون تلك المعلومة، يمكن المشاهد استنتاج تلك القطبة غير المخفية لأنها في الواقع السبب الذي يجعل إعادة تقديم هذه الحكاية مجدداً عملية مربوطة بالراهن السياسي في عالم ما بعد 11 أيلول. ولكن وكما في أفلام كثيرة قاربت فرضيات السياسة والمؤامرة في اللآونة الأخيرة، ليس المهم أن يفهم المشاهد التفاصيل. هناك دائماً الفكرة نفسها: شركات ذات نشاط سري تابعة بشكل غير رسمي للحكومة تقوم بالاعمال القذرة بالنيابة عن الجميع بينما تحصل على التغطية من قبل سياسيين ومستثمرين وأفراد مثل "جيدبيرغ" (راي وينستون) الـ"هيتمان" (hitman) الذي يمنع "الفضوليين" (من أمثال "توماس" وابنته) من تجميع "بازل" الحقائق مهما تطلّب الأمر. على الرغم من ان شخصية"جيدبيرغ" تكاد تكون الأكثر حضوراً في الفيلم ومن ان مشاهده مع غيبسن هي الوحيدة التي تحمل قيمة ما خارج مشاهد الأكشن والقتل، الا ان اللعبة مكشوفة تماماً بينهما ونهايتها ميلودرامية بامتياز. بالعودة الى هذه النوعية من الأفلام التي تقوم على المؤامرات السرية، تطغى الحركة والعنف على حساب كل شيء آخر بما يستدعي سرداً تبسيطياً للأمور المعقدة في الواقع. هكذا يخرج المشاهد بصورة واضحة ليتمكن من اختصار الفيلم بجملتين (كما هي حال الجهات المروّجة للأفلام التي تشترط اختزال الفيلم بجملة مشوقة من اجل الاقبال الجماهيري) وانما بثقوب كثيرة فيها وثغرات لا حصر لها. "نايتفلاور" من الاسماء التي تتردد في الفيلم من دون ان نفهم ماهية هذه الشركة. "نورثمور" هي الشركة التي تقوم بالاعمال القذرة ولكن الى اي مستوى يصل التوافق على عملها في كواليس الحكومة؟ يقودنا الفيلم الاى الاعتقاد بأن قدرة "توماس" على الوصول الى الادلة والمتورطين سريعاً انما هو بفضل تسامح "جيدبيرغ" معه لا بل اعجابه به كما يتبين لاحقاً. ولكن حتى بعيداً من تواطؤ "جيدبيرغ"، ينجح "توماس" في الوصول الى الشخص المناسب دائماً ومنذ المحاولة الأولى. لا وجود لوسطاء والجميع في مكانه المعروف على الرغم من التهديد الخطير الذي يطالهم والكل مستعد بعد محاولتين كحد أقصى لقول الحقيقة! ولكن يبقى التحوّل الأكبر هو ذاك الذي يطاول شخصية "جيدبيرغ". فإذا كان الأخير هو "المستشار" الاول في مثل هذه القضايا فلا بد من انه قد قابل كثيرين في حياته أذكياء واقوياء وعازمين على معرفة الحقيقة مثل "توماس". لماذا إذاً يخاطر بمنصبه تاركاً له حرية الحركة وفضح الامور؟ لتغطية هذا الجانب، ابتدع كاتب السيناريو قصة جانبية تافهة تقول بانه مصاب بمرض مميت وعليه فإنه بات، مثل "توماس"، لا يملك شيئاً ليخسره. ولكن هذا التساوي بين الشخصيتين لا يأخذ في الاعتبار الاختلاف الجذري بين طبيعتيهما: "توماس" الشرطي ذو القيم و"جيدبيرغ" القاتل المحترف ذو المزاج المتبدّل. ولكن هذا النوع من "التجاوزات" في السيناريو وتركيب الشخصيات ومسارها ليس سوى استكمال لمنهجية التبسيط التي يسلكها الفيلم. والا فكيف يمكن أن نتخيل نهاية الفيلم؟ فإذا كان هذا النوع من النشاط السري على تلك الدرجة من التعقيد فإن كشفه لن يأتي بالطرق الاعتيادية. ولكن الفيلم يذهب أبعد من سذاجة افتراض كشف نشاط الشركة بأن يستأمن الاعلام على الحقيقة. يختار "توماس" إرسال الفيلم الذي صورته ابنته قبيل مقتلها والذي يكشف عن نشاط "نورثمور" غير القانوني الى صحافية ناشئة في تلفزيون "فوكس 24" (!) (وللتذكير "فوكس" هي المحطة التلفزيونية التي تشكل بوقاً رسمياً للحكومة الأميركية) ربما لأنها تذكره بابنته. أما ملاحظته "بالتوفيق" المدوّنة على الظرف الذي يحتوي على الفيلم فيمكن فهمها في اطار ما على انها اشارة الى انتقال الصراع الى أيدي صحافية نزيهة وبريئة (كما يفترض شكلها فقط) ولكن مرة جديدة يبدو من الصعب اعتماد ذلك التأويل لاعتراضه الجذري مع طبيعة القناة التلفزيونية التي تعمل فيها.

المستقبل اللبنانية في

26/02/2010

 

"بيروت واو" لفادي نصر الدين عن بيروت وشعرائها:

المدينة علامة القلق والحب والغربة

ريما المسمار 

أن يوقّع شاعر فيلماً عن مدينته يعني أن يذهب بالكلمة إلى مداها الأقصى وبالصورة الى مجازها المحتمل. ولكن فادي نصر الدين المنتمي الى جيل شعري أدواته معجونة بالصورة وبوسائط الاعلام المتعددة، يطلع علينا بشريطه الوثائقي "بيروت واو" (27 دقيقة) بما هو أبعد من ثنائية الكلمة والصورة. الشعر عنده يبحث عن تجسده في مدينة التحولات. والصورة بين يديه لا تعدم وسيلة للارقاء الى الشعرية، أكنت شعرية الجمال او شعرية القبح، شعرية التناغم او شعرية الفوضى، شعرية الثابت او شعرية المتحوّل. في فيلم يضم أصوات شعراء من أجيال مختلفة (بول شاوول وعباس بيضون وشوقي بزيع وعصام العبدالله وشارل شهوان وفيديل سبيتي وغسان جواد وعلي مطر وآخرين...) قد نتصور ان الكلمة ستطغى على الصورة او ان الأخيرة ستكون عنصراً تابعاً او مكملاً للشعر. ولكن الشاعر المخرج يذهب في محاولته الفيلمية الشعرية الى علاقة تصاعدية بين الصورة والكلمة، تنافرية ندية في البداية الى حين إرساء تناغم بينهما قبل ان ينفرط عقدهما من جديد ليسود الغموض.

الكلمة في فيلم نصر الدين للشعراء الضيوف ولكن الصورة له هو، فإذا حصل ان تواءمت مع الشعر فليكن وإلا فعلى الشعر أن يطارد "بيروته" (أي بيروت كما يراها نصر الدين) ليجد لنفسه مدخلاً إليها. ومداخل بيروت كثيرة بل مزدحمة وأحياناً مضلِّلة. كل شيء فيها حديّ: جمالها، قبحها، فوضاها، برودها، دفؤها... الى أي وجه من تلك الوجوه سيركن الشعر؟ لا إجابة سهلة عن ذلك التساؤل لذلك يُحال التساؤل على "السرّ" الذي يولّد السّحر. "سر بيروت" تعبير يتردد على لسان كل الشعراء بشكل او بآخر، الساخر منهم والجاد، المتفائل والمتشائم، النقدي والمتغني، الواقعي والغارق في الحنين. الكل يخلص الى أن سراً ما يصنع هالة المدينة. لا تتأثر كاميرا المخرج كثيراً بتدّل النبرة الشعرية. إنها ماضية بمفردها الى استكشاف بيروت وماهية سرّها. تترك للشعر أن يقول كلمته وللشعراء أن يهذوا هذيانهم الجميل، بينما هي، اي الكاميرا، تستنطق المكان بحثاً عن آثار الشعر والشعراء فيه. بعضهم، كيحيى جابر، يترك نصّه الشعري الجاهز جانباً، ليؤلف نصاً آنياً، يصلح تعقيباً أو تعليقاً او سرداً. يروي علاقته ببيروت من خلال ارتباط التحولات الاساسية في حياته بالأمكنة (زواجه، طلاقه، ولادة ابنه). آخرون، مثل مطر وسبيتي، يؤفلمون او يمسرحون رؤيتهما لبيروت. منتهى العشق ومنتهى العتاب إحساسان تلتقطهما كاميرا نصر الدين في المكان المغلق الواقف على مسافة من المدينة المحسوسة. بول شاوول ايضاً يتحدث من منزله، علامة فرديته، على الرغم من علاقته العضوية ببيروت. ولكن كلامه المجازي عن بيروت المحاطة دوماً بتوأم (الحياة والموت، الجنة والجحيم) وعن بيروت علامة القلق التي تختزل قلق الشعر وقلق الفرد، يحتاج هو الآخر إلى مسافة عن الخارج ليطلع من الداخل. عباس بيضون الواقف في زاوية شارع لا تحمل دلالة خاصة الى بيروت يتحدث عن تحول المدينة "محجة للحرية" بالنسبة الى الشعر العربي خالصاً الى ان ميزتها انها مدينة حيّة دائماً. أمام البحر، رمز المدينة، وقف عصام العبد الله متغنياً ببيروت بشعريته المحكية، مفتوناً بـ"عجقة الحضارات والأبنية ومجموعة التواريخ" التي تنطوي المدينة عليها وبـ" الناس في بيروت ]الذين[ يكرهون بعضهم كثيراً ويحبون بعضهم كثيراً." أما شارل شهوان، فمن خلف نظارته السوداء المعبّرة عن الغربة التي هي خياره وانكبابه على لوحته، يخرج الكلام عصياً من بين شفتيه، كأنه يتشكل لحظة نطقه، تماماً كما تعيد بيروت تشكيل نفسها عنده "مدينة سرية غامضة" تسمح لزائرها أن يصير جزءاً منها على الفور. في دور أقرب الى الراوي، يطل شوقي بزيع ملخّصاً علاقة بيروت بالشعر والشعراء. بينما يتجوّل غسان جواد بسيارته في شوارع المدينة كأنه يبحث عن أجوبة.

على هذا النحو، يذهب نصر الدين الى رسم علاقة الشعراء ببيروت، من خلال تموضعهم أمام الكاميرا واختيار المكان الذي يصوّرهم فيه. لا تحضر القصيدة دائماً. الشعر أحد مظاهر العلاقة بين الشاعر والمكان وتلك العلاقة هي التي يسعى الفيلم الى تجسيدها. أما موقع نصر الدين فيتحدد من خياراته التصويرية. الكاميرا عينه التي يرى بيروت بواسطتها، مدينة أسفلت من الأعلى، واجهة عرض من الأمام، كتلة تناقضات من الوسط، وحيوية نابضة في الجوهر. المصعد الكهربائي العصري الذي يقل الشاعر صعوداً وهبوطاً لا يلبث أن يتحول واجهة لاعلان تجاري ضخم الحجم. ولكن خلفه لانزال نتخيل شاعراً واقفاً قادراً على الرؤية الى بيروت والى النفاذ إليها من دون ان يكف عن البحث عن سرها ومن دون ان يتوقف عن حبها.

المستقبل اللبنانية في

26/02/2010

جميع الحقوق محفوظة لموقع سينماتك
  (2004 - 2010)