حول الموقعخارطة الموقعجديد الموقعما كـتـبـتـهسينما الدنيااشتعال الحوارأرشيف الموقع 

الجانب الأعمى فرصة العمر لساندرا بولوك

قيس قاسم

فرصة العمر لساندرا بولوك

على جزء صغير من سيرة لاعب كرة القدم الأميركية المشهور ميكائيل أوير، التي سجلها الكاتب مايكل لويس في روايته «الجانب الأعمى: تطور اللعبة»، بنى المخرج جون لي هانكوك فيلمه «الجانب الأعمى»، مكتفيا بهذا الجزء من عنوان الكتاب، ليمضي بعدها بثبات في تجهيز بقية العناصر الموجبة لصناعة عمل درامي رائع، يتجاوز السيرة الرياضية، الى سيرة حياة غنية بتفاصيلها وسعة الأطراف المشكلة لوجودها.

نحا المخرج بشريطه نحو كتابة سيرة علاقات إنسانية مركبة ساعدت بكامل تشابكاتها في تخليص طفل أفريقي- أميركي من بؤسه ليصبح، فيما بعد، واحدا من مشاهير عالم كرة القدم الأميركية، الرياضة الأكثر شعبية وقربا الى قلوب الأميركيين. وكي يوفر البعد الدرامي ويتجاوز الطابع الرياضي الخالص، أو سينما السيرة الرياضية كما يحلو للبعض تسميتها، أناط بطولة الفيلم بالممثلة ساندرا بولوك التي رشحت، عن دورها، للفوز بجائزة أفضل ممثلة ضمن مسابقات الأوسكار للعام الحالي، بدلا من تكريس دور «مايك الكبير» كما كان يلقبه الناس لضخامة جسده وقوته داخل الملاعب.

فكرتا «الإيمان بالأقدار» وقوة «الورع الديني» غطتا سواهما من أفكار كثيرة طرحت خلال سرد حكاية مايك، الذي لم يتجاوز الخامسة عشرة من العمر، مع عائلة «توهي» التي أرسلها القدر لتنقذه من مصير مظلم كان في الطريق اليه. مايك وجد نفسه وحيدا بعدما تنقل من مأوى الى مأوى ومن دار رعاية الى اخرى. لم يكن يقوى على المكوث في مكان واحد ولم يفتح قلبه لأحد. التزم الصمت وكان وسيلته الوحيدة للتعبير عن الحزن والأسى الذي ملأ قلبه بعدما تركته أمه المدمنة على الكحول والمخدرات، يواجه مصيره من دون وسيلة دفاعية. لم يتعلم مايك جيدا في المدرسة. الشيء الوحيد الذي كان يملكه وتنبه اليه أحد معلميه الطيبين؛ قدراته الرياضية. كان رياضيا موهوبا كما ظن معلمه، لذا أخذه مرة الى مدرسة مختصة بالرياضة وأقنع إدارتها بضرورة قبوله فيها. بهذه المقدمة يرسم هانكوك الجو الحزين الذي نشأ فيه مايك (الممثل كوينتون آرون)، لذلك يتسم الربع الأول من الشريط بطابع الحزن ذاته لكن من دون أهمية درامية كبيرة، بل ربما كانت فيه بعض مجانية عاطفية، كسرت في الوقت المناسب حين دخلت السيدة لايه آن توهي (الممثلة ساندرا بولوك) على خط الأحداث أو «الأقدار» هي التي عرفت بحسها الأمومي الحالة النفسية والكرب الذي يعاني منه هذا الطفل، فطلبت منه الحضور الى بيتها بعدما علمت بعلاقة ابنها الطيبة به. في بيتها وفرت له المأوى، وطلبت منه البقاء معهم. تبنته بدافع العطف والإحساس العميق بالواجب الديني. هذا الإحساس الكامن في روح الأم سربته بولوك بطريقة مذهلة وملأت به جو الشريط.

أمومة صادقة

من دون شك، أداؤها في الفيلم هو الأفضل في مسيرتها الفنية. لقد لعبت دور الأم «المتبنية» بكل وجدانها وقدمت شخصية فيها الجدية العالية والطرافة. وجدت من واجبها حماية ابنها عبر تعليمه، فكرست جل وقتها لذلك. ولأنه فقير ومظهره مثير لشهية المشاكسين، ظلت قريبة منه طيلة الوقت، تدافع عنه بشراسة عندما يتطلب الأمر تدخلها. لقد وجدت فيه طيبة كافية لنشأة رجل حقيقي، وكانت الرياضة هي الوسيلة الأنسب لتحقيق ذلك. من بين بقية الأفكار التي قدمها الشريط فكرة الدفاع الغريزي عن الذين نحبهم. لقد أحب مايك أمه الثانية وعائلتها وكان مستعدا لأي شيء من أجل حمايتها. هذه الفكرة استثمرتها الأم لتعلمه أصول لعبة كرة القدم الأميركية ودور المدافع فيها. طلبت منه الدفاع عن منطقته في الملعب والتي تسمى «الجانب الأعمى»، ومنها اقتبس اسم الفيلم، كما يدافع عنها وعن عائلتها. هذا الكود أو المفتاح السري هو الذي فتح عقل الشاب ليؤدي دوره الجيد في فريقه. تحول الى مدافع مشهور فدخل الأندية الكبيرة وأصبح لاعبا كبيرا.

أفضل ما في «الجانب الأعمى» أنه فيلم رياضة مهم، لكنه في الوقت نفسه فيلم درامي، عن العائلة والإيمان والحياة بكل منعطفاتها. المشاهد الرياضية لم تأخذ الوقت كله بل على العكس، المشهد الدرامي والتمثيل الرائع هو الطاغي مما خلق متعة مشاهدة بصرية لا تتوافر إلا في الأفلام الجيدة. وعلى مستوى الأداء سنتذكر طويلا أداء الطفلين مايك وأخيه (أس جي، الممثل جاي هاد) اللذين مثلا حالتي الجدية والمرح في مستويين متوازنين. أما أداء الزوج شين توهي (الممثل تيم ماكغرو) فكان مقنعا. وعلى مستوى المنجز البصري وفر الفيلم فرصة كبيرة لساندرا بولوك للتتويج بعد مشاركات كثيرة وخبرة عمر فني طويل. كان فرصتها للبرهنة على كفاءتها وقدرتها اللتين لم تظهرا كاملتين كما ظهرتا في «الجانب الأعمى». كان دورها بمثابة الجانب المتألق والباهر في مسيرتها، وإذا ما توجت بجائزة أفضل ممثلة، فستظل ممتنة طيلة حياتها الى المخرج هانكوك الذي اختارها لدور لعبته بإتقان، ووظفت كل ما تملك من موهبة في تجسيده بشكل جيد، وكان لها ما أرادت.

في بلاد الوحوش

فيلم «في بلاد الوحوش» ليس فيلما اعتياديا. هو ليس فيلما خالصا للصغار وليس للكبار تماما. ربما للكبار الذين يريدون العودة الى عالم الطفولة ويحرصون على أن يتذوقوا ثانية حلاوة القصص التي كانوا يسمعونها من أهلهم وأقاربهم. وأيضا للصغار الذين يريدون مشاهدة فيلم يحرك خيالهم بقوة و يساعد عقولهم على المشاركة في خلق الحكاية المعروضة أمامهم بما يتيسر لهم من فنتازيا.

هذا ما توافق عليه مخرج فيلم سبيك جونز وكاتب السيناريو داف ايغيرس. كلاهما جمعا قدراتهما في صناعة فيلم يمتاز بطابع غرائبي وسوريالي من خلال نقل حكاية الطفل ماكس (الممثل ماكس ريكوردس) من طابعها الواقعي، حيث يشعر بالسأم والضجر بسبب انشغال والدته بعملها وانصراف أخته المراهقة الى علاقاتها مع أقرانها، من دون التفات الى شؤونه مما دفعه الى التفكير في ترك بيته ووالدته (الممثلة كاترينا كينير) وركوب البحر الهائج. الأمر سيوصله الى ضفاف أرض الوحوش العملاقة. الغرابة سنجدها هنا في هذا المكان. فهم وعلى كبر أحجامهم بسطاء ومسالمون، لهذا صدقوا فورا ما ادعاه ماكس من أنه ملك، وقبلوا قيادته. لكن الأمر لم ينته عند هذا الحد، فالعلاقة بينه وبينهم سرعان ما تغيرت من علاقة متعة ولعب الى علاقة تطلبت منه تقديم كل أنواع المساعدة لهم وحل مشاكلهم الشخصية، الأمر الذي سيدرك ماكس مقدار صعوبته واستحالة تحقيقه. سيفهم ماكس، لكن متأخرا، ان ارضاء الناس غاية مستحيلة التحقيق، وأن أرض الوحوش فيها من التناقض ما يشبه الواقع الذي هرب منه، لهذا يقرر العودة راضيا الى والدته وبيته بعدما تعلم الدرس البليغ.

شريط ممتع وعالي الجودة، وواحد من أفضل الأفلام الخاصة بالعائلة، لعمق فكرته وحسن تنفيذه، الذي دخل الحاسوب في جزء من صناعته، وأضاف شيئا من الغرابة اليه من خلال الحركات المعقدة والتي زادت الفيلم حلاوة، وحافظت على طبيعته المركبة التي تجمع الواقعية الى الخيال المنفلت!

الأسبوعية العراقية في

21/02/2010

جميع الحقوق محفوظة لموقع سينماتك
  (2004 - 2010)