حول الموقعخارطة الموقعجديد الموقعما كـتـبـتـهسينما الدنيااشتعال الحوارأرشيف الموقع 

كليرمون فيران (فرنسا)

خاص ـ "المستقبل"

لم يكن ممكناً أن تمرّ أيام الدورة الحالية لـ"مهرجان الفيلم القصير في كليرمون فيران" في وسط فرنسا، من دون إتاحة المجال أمام ناشطين يساريين فرنسيين للتعبير عن موقف إنساني إزاء حالة شاذّة. فقبيل لحظات من بدء عروض البرنامج السابع في فئة المسابقة الدولية الرسمية مساء الثلاثاء الفائت، التي افتُتحت بالفيلم الفلسطيني "رؤوس دجاج" لبسّام علي الجرباوي (إنتاج مشترك مع الولايات المتحدّة الأميركية)، ألقت ناشطة فرنسية يسارية بياناً أدانت فيه إسرائيل بسبب تعاملها الوحشي مع الفلسطينيين، مذكّرة بما جرى منذ الحرب الشرسة على قطاع غزّة قبل عام واحد (عشية انعقاد الدورة السابقة في العام 2009)، والمواقف الفرنسية التي اتّخذتها جمعية "فلسطين/ فرنسا تضامن" (نشاط ملحوظ في أيام دورة العام الفائت من المهرجان نفسه). لم تستطع الجمعية التغاضي عن لامبالاة دولة إسرائيل إزاء تقرير الأمم المتحدّة، الذي أكّد ارتكاب الجيش الإسرائيلي "جرائم حرب" و"جرائم ضد الإنسانية" في تلك الحرب الوحشية ضد المدنيين الفلسطينيين في القطاع. كما أنها رفضت الممارسات المصرية، وطالبت المواطنين الفرنسيين بمقاطعة الشركات الإسرائيلية والشركات الدولية المتعاطفة مع دولة إسرائيل (ذكّرت المشاهدين بأن هناك خضاراً وفواكه تُباع في فرنسا على أساس أنها "بضاعة إسرائيلية"، مع أنها في الواقع مسلوبة من قطاع غزّة)، منبّهة إياهم إلى التواطؤ الواضح لحكومات أوروبية عدّة، ومنها فرنسا.

بهدوء وسلاسة، قرأت السيدة برناديت بيان الجمعية، الذي استمع إليه ما لا يقلّ عن ألف مُشاهد كانوا موجودين في صالة "جان كوكتو" في "بيت الثقافة". جاء هؤلاء لمشاهدة الأفلام، لكنهم استمعوا باحترام إلى بيان تنديد بأفعال دولة إسرائيل بحقّ الشعب الفلسطيني، قبل أن يُشاهدوا الفيلم الفلسطيني "رؤوس دجاج"، البعيد كلّياً عن المواضيع السياسية والعسكرية في إطار الصراع الفلسطيني/ الإسرائيلي، وإن لم يتغاضَ كلّياً عن واقع الاحتلال. فالقصّة بسيطة، والمادة المختارة إنسانية بحتة. لكن المعالجة محتاجة إلى تأهيل جمالي وبصري. أب وولدان يقيمان في مكان ما في فلسطين المحتلّة. أحد الولدين لديه غزالة. الثاني لديه كلب. صراع خفي بين الشقيقين. أحد الخرفان يُقتل. الغزالة قتلته. الأب يريد بيع الخرفان. تفاصيل بسيطة ومتواضعة في الحياة اليومية للمقيمين في البراري. لا شيء مباشر عن الصراع، أو عن العدو الإسرائيلي، باستثناء قول الأب إن إصابته في يده حالت دون قدرته على العمل في دولة إسرائيل. الفيلم بسيط وعادي، لأن الاشتغال المهني محصورٌ بقراءة مبسّطة لواقع إنساني عام.

بدا أن إدارة المهرجان اختارت الفيلم المذكور لأسباب رأت أنها ملائمة وإشراكه في المسابقة الرسمية الدولية. لكن الأفلام العربية كلّها، من مصر (راجع المقالة السابقة في "المستقبل"، 2 شباط 2010) ولبنان والجزائر وفلسطين لم تكن ذات سوية إبداعية مهمّة. هذه مشكلة أساسية في صناعة الصورة العربية. هناك إسراف في استخدام الشكل على حساب المضمون، خصوصاً أن المضمون متمتع بمسائل إنسانية مهمّة. الفيلم اللبناني "أهلية بمحلية" لجورج طربيه عاد إلى زمن الحرب الأهلية في لبنان، وتحديداً إلى العام 1989، ليرسم ملامح حالة إنسانية واجتماعية مرتبطة، إلى حدّ ما، باختبار شخصي. والحرب في خلفية المشهد، لأن الأساسي مرتبط بأناس مقيمين في الملجأ، أو هاربين دائماً من أهوال تلك الحرب، من منطقة إلى أخرى، قبل أن تُقتل العائلة كلّها، وينجو ولد واحد فقط. هنا، يُمكن القول إن المادة إنسانية بحتة. لكن المعاجلة افتقدت تعمّقاً في العناوين الفرعية، وفي تمتين العلاقة بين الصورة والحكاية. السخرية واضحة، لكن الادّعاء والتهريج ماثلان في السياق الدرامي. الفيلم الجزائري "فاتح" لعبد النور زياني منصرفٌ إلى مواكبة الحكاية الذاتية لفرد واحد وسط الجماعة. لكن المشكلة كامنةٌ في الثرثرة والادّعاء الثقافي والتصنّع البصري. الثرثرة مسيئة للمعالجة الدرامية، ومسيئة أيضاً للمادة المختارة. شعرٌ وتساؤلات وجودية وحياتية لم تتحوّل إلى مادة سينمائية، بل ظلّت مجرّد متتاليات بصرية معظمها لا ينفع المادة بشيء. بالإضافة إلى هذا كلّه، فإن استخدام مفردات سينمائية عدّة لم تكن موفّقة: الموسيقى والألوان والإضاءة والتوليف. مشكلات عدّة أصابت (ولا تزال تصيب) صناعة الصورة العربية، علماً أن هذه المشكلات نفسها تظهر بوضوح أكثر عندما تُعرض الأفلام العربية في إطار منافسة سينمائية دولية، تُشارك فيها أفلام غربية أهمّ وأجمل، لأنها متمكّنة من لغتها الإبداعية والدرامية.
من الأفلام اللافتة للانتباه، فيلم روماني أُنتج بالتعاون مع فرنسا: "الموسيقى في دمي" لألكسندرو مافرودينانو. الأب مهتمّ بموهبة ابنه الغنائية، يرافقه إلى اختبار للأصوات الجميلة، لكن المسؤول لا يكترث به. هذا جانب أول، لأن الفيلم متوغّل في شبكة واسعة من المفاهيم الاجتماعية والتربوية والإنسانية، خصوصاً في العلاقة القائمة داخل العائلة الواحدة. وإذا كان صوت الابن رائعاً في تأديته أغان محلية معروفة، فإن الفيلم متحرّر من محليته، لأنه تخطّى الحيّز الضيّق باتجاه البحث في آفاق العلاقات الأبوية والإنسانية بين البشر. إلى ذلك، برز الفيلم الإنكليزي "جيني والدودة" لإيان كلارك، لمزاوجته بين الواقع والمتخيّل والعبث، من خلال قصّة مراهقين اثنين يعشقان العزف الموسيقي الصاخب، ويعيشان على حافة الحياة القذرة في إحدى الضواحي اللندنية. الموسيقى صاخبة، لكن العنف الداخلي فيهما متحوّل إلى نسق حياتي وتغييب للجدّية في حياة مثقلة بالخواء. ينسحب هذا الأمر على مراهقين اثنين آخرين، في الفيلم الهنغاري "هايديغ بيريك"، الذي يتابع تفاصيل العيش اليومي لشابين صغيرين اعتادا السرقة والبقاء على الهامش. هنا، بدت الكاميرا أقدر على اختراق الحواجز النفسية والروحية، بتحليلها البصري مكامن الضياع والتعب والقلق، التي اختبرها المراهقين الاثنين داخل بيئة قاسية ومناخ حادّ في صقيعه، بالمعنيين المباشر والرمزي للصقيع.

من الأفلام المسلّية والفارغة من أي عمق درامي في الوقت نفسه، فيلم إيرلندي بعنوان "موور ستريت مازالا" لديفيد أوسيلوفان. لكن "هويته" الإيرلندية يجب ألاّ تحيل المرء على تلك البؤرة الجغرافية والثقافية والحضارية والإنسانية الخاصّة، لأن المضمون الدرامي مزيج من الكوميديا والخفّة، من خلال عامل هندي يُغرم بامرأة جميلة، ولا يعثر على وسيلة لإرضائها والتقرّب منها إلاّ بالنمط البوليوودي: غناء ورقص واستعراضات فنية متفرّقة. في المقابل، شكّل الفيلمان الهولندي "بينغو" لتيمور إسماعيلوف والكوريّ الجنوبي "العشّاق" لدو ـ يوون كيم مقاربتين أعمق للمأزق الإنساني: الأول على مستوى الهجرة والعلاقات الصدامية بين أبناء بلدان متنازعة فيما بينها، سياسياً وثقافياً؛ والثاني على مستوى الانفعال الذاتي والعشق النابع من رغبة جامحة في امتلاك الآخر. فالأول، جمع في سياقه الحكائي ثلاثة رجال (روسي وتشيشاني ومولدافي)، أقاموا في المنفى الهولندي، وصارعوا من أجل البقاء أحياء وسط انهيارات شتّى. والثاني، قارب مسألة العشق بين رجل في الستين من عمره ومراهق، والتجاذب الحاصل بينهما، والتفاصيل المقيمة في البيئة المحيطة بينهما. الأول ابتعد عن الكوميديا، لأنه غاص في المشاكل القائمة بين أناس وهواجس وخلفيات، وفي الآثار المدمّرة لثنائية الحرب (بين البلدان المتقاربة جغرافياً والمتنازعة فيما بينها سياسياً وعسكرياً) والهجرة. والثاني غاص في الانفعال الإنساني والعلاقة الحسّية بين كائنين إنسانيين يملكان مقوّمات الحياة والحب، ومفردات العشق والخيبة أيضاً.

الهجرة والمنافي عنوانان متداخلان فيما بينهما، في الفيلم الإسباني "متروبوليس فيرّي" لخوان غوتييه. ذلك أن الحبكة المستخدمة فيه عادية وبسيطة وسهلة: ثلاثة إخوة (شابان وشابة) عادوا من رحلة سياحية إلى المغرب (طنجة). في نقطة الحدود البحرية/ البرية، واجهوا مشكلة اعتبروها إنسانية بحتة، لأنهم شاهدوا قيام الشرطة الإسبانية بإلقاء القبض على مهاجر مغربي أراد دخول إسبانيا بطريقة غير شرعية. والهجرة المغربية غير الشرعية، كالهجرة الشبيهة بها من الجزائر وتونس أيضاً، باتت مادة درامية وإنسانية حسّاسة ومهمّة، استفاد منها مخرجون عديدون لتبيان مسألتين اثنتين: واقع الحال المزري داخل البلدان المذكورة، وقسوة اختراق المجهول بحثاً عن ملاذ أو خلاص من جحيم الأرض في البلد الأم. وإذا بدا الفيلم الإسباني هذا مشبعاً بحساسية إنسانية وأخلاقية إسبانية عالية، إلاّ أن خاتمته بدت أكثر واقعية: لا يُمكن فعل أي شيء إزاء واقع الحال هذا، في المغرب وإسبانيا معاً.

في الفيلم الكولومبي "في قلب المانشا" لروبين ماندوزا، شيء ما من الاغتراب الذاتي، أو النزاع الداخلي بين واقع مزر ورغبة جامحة في الخلاص من هذا الواقع. العجوز مغترب في حيّه الفقير، المليء بالفراغ والأوهام والانفعالات الجنسية. وعندما ينتبه إلى فوزه باللوتو المحلية، ينساق مباشرة إلى نزوات غرائبية ولامرئية، قبل أن تلاحقه عاهرة عجوز بحثاً عن المال، هي أيضاً.

المستقبل اللبنانية في

05/02/2010

جميع الحقوق محفوظة لموقع سينماتك
  (2004 - 2010)