حول الموقعخارطة الموقعجديد الموقعما كـتـبـتـهسينما الدنيااشتعال الحوارأرشيف الموقع 

500 يوم مع سمر .. كوميدي في عمق الحياة

قيس قاسم

كل أسبوع تقريبا تعرض دور السينما فيلما أو أكثر من الأفلام الكوميدية الرومانسية، لكن ومن دون مبالغة حوالي 90 % منها لا يستحق المشاهدة، ناهيك عن الكتابة عنها. ولهذا يشكل الجيد منها استثناء يستدعي الاهتمام وحتى المبالغة في التقييم. نتذكر في هذا الصدد النقاش الذي أثاره فوز «شكسبير عاشقا» بجائزة مسابقة الأوسكار. ذلك ان معظم النقاد نسب فوزه الى كونه فيلما كوميديا رومانسيا جيدا، وحصوله على الجائزة كان يمثل، وقتها، خروجا على التقليد الغالب في منح الجوائز للأفلام الدرامية على وجه التحديد، وضمنا كان يمثل إقرارا بندرة الأفلام الجيدة المنتمية الى هذه النوعية.

هذه المقدمة نسوقها، كمدخل لحديثنا عن فيلم « 500 يوم مع سمر» الذي يشكل هو أيضا استثناء في جودته عن باقي أفلام هذه الفئة، على الأقل خلال الموسم الحالي.

أفضل ما في الشريط السيناريو الذي كتب بطريقة حاذقة، قسم خلالها الكاتبان سكوت نيوستيدر وميشيل فيبر، قصة الشابين توم وسمر، التي امتدت الى 500 يوم، الى قسمين متساويين، كل قسم منهما ضم 250 يوما حلوا، وأخرى مثلها مرة. فكرة الفيلم الرئيسية تتمحور حول حلاوة الحياة ومراراتها، عن أيام الحب والسعادة وأيام الفراق والتعاسة. والغريب إن هذه المحصلة الرياضية لا يشعر بها المشاهد مباشرة، بمعنى أنها غير مقسمة وفق تسلسل زمني تقليدي، بل تأتي نتيجة أو تحصيل حاصل عبر حركة زمن متداخلة، ولهذا فالحدث أو الحكاية لا يأخذان أي مسار رتيب، بل يعتمدان على المشاعر واللحظات التي كان الشابان يمران بها. ومن أجل بلورة هذه المشاعر أدخل المخرج مارك ويب عناصر متخيلة على القصة لتزيد من قوة التعبير عن الحالة النفسية التي كان يمر بها البطل على وجه الخصوص. فالشاب توم، والذي ترك دراسة الهندسة المعمارية وتفرغ للعمل في مكتب لطباعة المعايدات البريدية، كان مندفعا في مشاعره صادقا، يعيش اللحظة الرومانسية بكل جوارحه، ولهذا كان يطير في السماء ويغني مقاطع من أفلام ديزني كلما فرح، وكان يظهر كبطل حزين يعاني من مشاكل وجودية في بعض مشاهد أفلام انغمار برغمان كلما أحبط أو جافته حبيبته سمر.

اللجوء الى هذه الوسيلة التعبيرية جعل القصة العادية بين شابين تتحول الى متعة بصرية رائعة، قدمت نماذج سوية من الناس، مختلفة الأمزجة والنظرة الى ما يحيطها، وفي تباينها كانت المشكلة تكمن. فإخفاق علاقة الشابين بعد 500 يوم يكمن في سلوكهما المختلف ونظرتهما الى جزئيات الحياة. والطريف ان درجة التوافق في نظرتهما تبدو متطابقة خلال النصف الأول من زمن العلاقة لدرجة لا يجد المرء فيها أي منفذ للهجر، في حين تظهر الخلافات في نصفها الثاني، لتلغي كل ما كان متوافقا، وتزرع بوادر انفصال أكيد.

هذا العادي في العلاقات الإنسانية يجسد بصريا بطريقة يشعر الناس فيها وكأنهم يلعبون الأدوار التي يشاهدونها أمامهم على الشاشة. وهذا يعكس حجم المصداقية التي يتمتع به العمل، الى درجة تبدو فيها شخصية سمر المتماسكة والمؤمنة بما تفعل، تبدو وفي مراحل من الشريط وكأنها شخصية متغيرة على الدوام رغم ثبوتها الشكلي، فهي عفوية، تعيش يومها بطريقة سهلة ولا تحمل الأشياء معاني كبيرة ومبالغاً فيها. انها شخصية تنتمي الى الواقع بقوة، ارتبطت بتوم لكنها لم تكن واثقة من صدق مشاعرها إزاءه، بما يكفي لتتخذ منه زوجا، ولهذا، وفي يوم غير منتظر دعته الى حفلة زفافها وكأنه أمر عادي، وحين أوضحت له الأسباب التي دفعتها الى الزواج من رجل لم تزد مدة التعرف عليه عن أيام قليلة ، بدا له الأمر غريبا وغير منطقي. إنها مختلفة، وفي اختلاف نظرتهما الى العلاقات والحياة يكمن جمال الشريط الذي يمضي بعيدا في التعبير عن مفهوم العاطفة وطريقة تشكلها في داخل كل إنسان.

ومن الملفت ان أحداث الفيلم تجري في ولاية لوس أنجلوس الأميركية التي ظهرت لنا هذه المرة وكأنها مدينة عادية تشبه الكثير من المدن لا تسودها أجواء الغراميات الهوليوودية ولا محلات القمار التي تتحكم فيها المافيات. انها من المرات القليلة التي نتعرف فيها الى جماليات معمارها الذي كان توم معجبا به، وكان يريد يوما أن يسهم فيه، لولا ملله وقلة صبره. المدينة شكلت هنا عنصرا مهما في رسم المشهد العام للشريط لأنها وفرت للمشاهد فرصة التفاعل مع مشاعر أبطالها عبر تفاعلهم الشخصي مع المناخ والطبيعة التي كانوا يعيشون فيها. فتوم كان يذهب الى القمة المشرفة على المدينة يتأمل جمالها وروعة تصاميم بنائها. كان يفرغ أحزانه عبرها، في حين كان يذوب ويمتزج مع حركة الناس في شوارعها عندما كانت السعادة تملأ قلبه! المكان له من دون شك مكانة نفسية خاصة في الفيلم، استثمر بذكاء للتعبير عن جوانيات بطليه: سمر وتوم، فاكتسب لهذا أهمية كبيرة مثل أهمية الحركة الانفعالية المرحة التي سادته والحوار المشوق الذي نقل بسهولة فكرته الرئيسية. وقد برع الممثلان الرئيسان جوزيف جوردون- لفيت وزميلته (زوي ديشانيل) في تجسيد دوريهما بشكل مذهل الى درجة أشعرت المرء وكأنه يراقب كائنين ينتميان الى عمق الحياة الحقيقية. فعفوية أدائهما كانت السر وراء تمتع قصة رومانسية كوميدية عادية بهذا القدر من الجمال، الفرح والحزن الرومانسي فيها متداخلان من دون فصام بينهما.

الأسبوعية العراقية في

31/01/2010

جميع الحقوق محفوظة لموقع سينماتك
  (2004 - 2010)