تعرف على صاحب "سينماتك"  وعلى كل ما كتبه في السينما

Our Logo

  حول الموقعخارطة الموقعجديد الموقعما كـتـبـتـهسينما الدنيااشتعال الحوارأرشيف الموقعسجل الزوار 

رؤية خاصة

حصاد عام سينمائي

رفيق الصبان

لن تنقضي بعد أيام السنة التي نعيشها حتي يمكننا فتح دفاترنا السينمائية واستعراض حساباتها.. خسائرها وأرباحها، ولكن يبدو أن السينما لا تعترف بالزمن العادي الذي يجعل السنة تبدأ في يناير وتنتهي في ديسمبر.. وأن لها في هذا المجال حساباتها الخاصة التي تدفعها إلي اعتبار سنتها السينمائية تبدأ في سبتمبر وتنتهي في أغسطس.

ووفقاً لهذا الجدول الزمني.. يمكننا إذن أن نلقي نظرة سريعة علي ما قدمته لنا السينما العالمية في عامها السينمائي هذا. لنترك جانباً المهرجانات السينمائية الكبيرة مثل مهرجان القاهرة ومهرجان الإسكندرية ومهرجان إسماعيلية للأفلام الوثائقية، لأنها تتيح لنا رؤية نماذج مختلفة من جميع أقطار الدنيا تحمل لنا مفاجأة مدهشة وتقنعنا بشكل لا يحتمل الجدل أن الإبداع السينمائي لا يقتصر فقط علي الأفلام الأمريكية التي نراها علي شاشاتنا علي مدار العام ودون توقف، وأن هناك بلداناً أخري أقل ثراء وإمكانيات من سينما الولايات المتحدة قادرة علي أن تقدم لنا تحفاً حقيقية من الفن السينمائي.

وأن أهمية الفيلم وتأثيره لا يجيء عن طريق الميزانيات الضخمة التي تتجاوز مئات الملايين وإنما عن كمية الإبداع والعبقرية السينمائية التي تتجلي أحياناً في فيلم تركي صغير، أو فيلم من ليتوانيا يمكنها أن تتفوق علي كل التراكمات من الإبهار والتكنيك المتقدم الذي تتمتع به السينما الأمريكية وزميلاتها الأوروبيات الكبار.

لذلك فحصادنا السنوي هذا العام يقتصر علي الأفلام التي عرضت تجارياً علي شاشاتنا الفضية و٥٩٪ منها جاء من أمريكا أو من انجلترا عن طريق التوزيع الأمريكي.

والجديد في الأمر (وهذه نقطة شديدة الإيجابية يجب الإشارة إليها) أن أغلب هذه الأفلام كان يعرض في نفس التوقيت الذي تعرض فيه أمريكا وأوروبا.

وهكذا مثلاً تسني لنا أن نري بعضاً من الأفلام التي تسابقت علي جوائز الأوسكار هذا العام.. بينما حرمتنا الرقابة من أفلام أخري.. فاز بعضها بجوائز كبري كفيلم »ميلك« الذي يروي حياة ومصرع حاكم كاليفورنيا المثلي الذي قتلته رصاصات التعصب، لكي تحد من انطلاقته الصاروخية التي كان يمكن أن تؤدي به إلي سدة رئاسة الجمهورية، والفيلم كما نعرف فاز بجائزة أحسن ممثل لشون بين وجائزة أحسن سيناريو.. كما حرمتنا الرقابة أيضاً من فيلمين كبيرين آخرين هما »القارئ« الذي نالت ممثلته الأولي أوسكار أحسن ممثلة والذي يروي علاقة غلام في السادسة عشرة من عمره بامرأة تفوقه سناً بكثير يكتشف فيما بعد أنها كانت حارسة قاسية في معتقل لليهود إبان الحكم النازي. و»السر« الذي رشحت من أجله ميريل ستريب لأوسكار أحسن ممثلة عن دور الراهبة المتعصبة التي يؤدي تعصبها إلي الإطاحة براهب مثقف وكريم القلب.. اتهمته دون دليل دامغ بعلاقة مثلية مع أحد تلاميذه.

ولكن لحسن الحظ.. تركت لنا الرقابة فيلماً آخر لميريل ستريب رغم بعده اللاأخلاقي وهو »ماما ميا« الذي يرسم خطوط علاقات متعددة لجيلين من الشباب والكهول من خلال أغنيات فرقة »الابا« الشهيرة.

فيلم مأخوذ عن مسرحية ناجحة من مسرحيات برودواي.. تدور أحداثه في إحدي الجزر اليونانية ذات المناظر الخلابة، حيث تعيش سيدة في الخمسين »ستريب« مع ابنتها التي تكتشف من خلال قراءتها لمذكرات أمها.. أنها قد تكون ابنة لواحد من رجال ثلاثة كانوا علي علاقة بأمها فتدعوهم إلي حفل زفافها دون علم الأم التي تفاجأ بوجودهم، وهناك علي شاطئ هذه الجزيرة التي كادت أن تكون قطعة من الجنة.. تدور علاقات كثيرة قوامها الحرية في كل شيء، والدفاع عن حق كل إنسان في أن يعيش نزوات جسده وأن يتمتع بحياته إلي أقصي الحدود.

درس حقيقي في فن الاستعراض السينمائي، وأداء شديد الحساسية من كبري ممثلات أمريكا اليوم.. هذا العام أتاح لنا رؤية فيلمين كبيرين أكدا موهبة وإشعاع كلينت إيستوود والمكانة الكبيرة التي يحتلها اليوم علي خارطة السينما في العالم.

الأول هو »الاستبداد« بطولة انجيلينا جولي في أجمل أدوار حياتها، ويدور حول حادثة حقيقية تم فيها اختطاف ابنها، ويحاول البوليس تبييضاً لصفحته أن يقدم لها غلاماً آخر علي أنه ابنها، ولكن الأم تستميت في الرفض وفي الإصرار علي البحث عن ابنها الحقيقي المفقود.. الفيلم تدور أحداثه في الثلاثينيات ويكشف فساد جهاز البوليس وتواطؤ الجهاز الطبي والصحفي معه، واتهام المرأة بالجنون.

فيلم أخرجه ايستودد دون أن يمثل فيه.. وأثبت فيه كفاءة عالية في رسم الجو وضبط الإيقاع وإدارة الممثل.

أما فيلمه الثاني »جراف تورينو« الذي مثّله هذه المرة إلي جانب الإخراج.. فيروي قصة انقلاب عسكري أمريكي من أخطر درجات التعصب وكراهية الغرباء وعدم الاعتراف بالدين.. إلي رجل كريم القلب اثر لقاءه وتعرفه بفتي آسيوي يعيش في جواره.. فيلم مليء بالحساسية والدفء الإنساني المدهش، وليؤكد علي أن ايستوود لازال قادراً علي أن يكون ممثلاً كبيراً إلي جانب كونه واحداً من أهم مخرجي أمريكا المعاصرين.

نيكول كيدمان عادت إلينا في دراما رومانسية طال انتظارها باسم »اوستراليا« أخرجها بوزلوهمان الذي سبق أن قدم كيدمان في تحفة سابقة هي »مولان روج«.. الفيلم رغم أنه أراد أن يكون مماثلاً لفيلم »ذهب مع الريح« وأن يروي من خلال قصة عاطفية مشبوبة تاريخ أوستراليا والظلم الذي أحاق بسكانها الأصليين، ولكن رغم جمال الفيلم لم ينل كثيراً من الاستحسان سواء لدينا أو في كثير من عواصم العالم التي عرض فيها.

تماماً.. كالمصير الذي أصاب فيلم »فالكيري« الذي يروي محاولة القيام بانقلاب عسكري ضد هتلر في آخر أيام حكمه.. في محاولة لتطهير ألمانيا من ذنوبها، ولكن رغم وجود توم كروز المدهش وأدائه الناضج.. مر الفيلم مرور الكرام وأثبت أن جمهورنا أصبح بعيد الاهتمام عن أحداث الحرب الثانية وعن الدكتاتوريات العسكرية التي سممت سماء أوروبا.

تماماً.. كما انصرف الجمهور عن فيلم »الطريق الثوري« الذي مثّله الثنائي الشهير الذي خلب لب العالم بأسره بعد فيلم »تايتانيك« وهما برادبيت وكيت وينسلت.. الفيلم داخلي وصعب علي عكس »تايتانيك« ويروي فشل علاقة حب ورابطة زواج بأسلوب سينمائي يذكرني بأسلوب المخرج الإيطالي انطونيوني، ولكن يبدو أن جمهورنا لم يستسغ هذه المعالجة وفضّل عليها بكثير أسلوب الميلودراما العاطفية المتوجة بالموسيقي الرومانسية الذي كان سبباً أساسياً لنجاح »تايتانيك«.

وكذلك الحال مع فيلم »سبع أرطال« الذي مثّله ويل سميث الشديد الشعبية والذي يخرج عن نطاق أفلام الحركة.. ليقدم لنا صحوة ضمير رجل أسود تسبب في مقتل سبعة أشخاص.

فيلم نفسي عالي المستوي أثبت نضج ميل سميث وقدرته علي التخلص من قالب الحركة والأدوار البوليسية التي فرضتها هوليوود عليه.

وكذلك مر مروراً عابراً فيلم »الوعود الشرقية« الذي يكشف دور المافيا الروسية التي بدأت تعيث فساداً في مدينة لندن وضواحيها.

واستطاع كيث هيدجر رغم وفاته.. أن يكون واحداً من نجوم العام في فيلم »الفارس الأسود« وهو تتمة لأفلام »الرجل الوطواط« في قالب جديد، وحقق الفيلم في مصر نفس النجاح الخيالي الذي حققه في الولايات المتحدة.. حيث تصدر لعدة أسابيع قائمة أحسن الإيرادات.

وتبقي أخيراً المفاجأة الكبيرة التي هزت كل عشاق السينما وهي فوز فيلم »المليونير المتشرد« الذي تدور أحداثه في عشوائيات بومباي من خلال نظرة مخرج إنجليزي موهوب، ومونتير شديد الحزن عرف كيف يقدم صورة نابضة بالحياة لعشوائيات الهند وسكانها من خلال رحلة أخوين مسلمين.. يختار أحدهما طريق الشر والآخر طريق الخير.. كل ذلك في إطار مسابقة »من يربح المليون«.

فيلم يحتوي علي جميع التوابل التجارية، ويقدم تحية للميلودراما الهندية التقليدية ولكن من خلال نظرة أوروبية.. إنه فيلم جيد وعابق بالإنسانية.. ولكنه بعيد جداً عن استحقاق العدد الكبير من جوائز الأوسكار التي نالها، وأن يحرم فيلماً آخر هو »حياة بنجامين لبوتين الغريبة« المأخوذ عن قصة لسكوت فيتزجيرالد من الحصول علي الجوائز التي يستحقها.

هذا الفيلم كان بحق أهم وأجمل فيلم رأيناه هذا الموسم، ويروي من خلال رؤيا فانتازية قصة مولود تلده أمه وكأنه في الثمانين من عمره، ويعيش عمره كله في الاتجاه المعاكس إذ تصغر سنه بينما يكبر الآخرين.

الفيلم تحفة سينمائية نادرة في كل عناصره تمثيلاً وإخراجاً وسيناريو وموسيقي ومونتاج وتصوير.. حققت فن السينما الأمريكية مستوي لم تحققه منذ سنوات طويلة، وقدمت لنا من خلاله دليلاً حقيقياً علي تفوقها عندما تريد فعلاً أن تتفوق.

كل لقطة من الفيلم تستحق وحدها أن تكون موضوعاً لدراسة مستفيضة.. إنه كأس من الخمر الإلهية تقدمها لنا سينما اعتادت أن تضع »التجارة« في رأس اهتماماتها، لكنها هذا العام تمردت علي نفسها وأثبتت أنها قادرة علي أن تتفوق علي كل سينمات الدنيا، وأن تقدم لنا هذه التحفة السينمائية النادرة التي لا أعتبرها خير فيلم رأيناه هذا الموسم.. بل خير فيلم عرض علينا خلال السنوات العشر الأخيرة.

ولابد لنا من الإشارة في هذه العجالة إلي فيلم الأخوين كوهين »أحرقه بعد القراءة« الذي يعكس أسلوب هذين الأخوين الساخر من جهاز المخابرات الأمريكية بعد فيلمهما القاسي الدموي الموسم الفائت »لا وطن للعجائز«.

في هذا الفيلم أيضاً يجدد برادبيت التأكيد علي موهبته كطاقة كوميدية فذة.. بعد أن وصل إلي أقصي درجات التعبير الدرامي في بنجامين بوتون«.

ويسدل الستار علي أفلام هذا الموسم.. ويلتقط المتفرج أنفاسه منتظراً مجيء طيور الخريف، وكوكبة أفلام الموسم الجديد.

أخبار النجوم المصرية في

13/08/2009

 

جميع الحقوق محفوظة لموقع سينماتك
  (2004 - 2009)