أمين صالح

 
جديد أمينكتب في السينماجريدة الأيامجريدة الوطنالقديم.. الجديدملفات خاصة
 

جريدة الأيام البحرينية

(١٢ غراما 12 Grams)

رمية نرد كل صباح

بقلم: أمين صالح

(١٢ غراما 12 Grams) هو الفيلم الثاني للمخرج المكسيكي أليخا ندرو جونزاليز إيناريتو بعد النجاح الكبير، على الصعيدين الفني والتجاري، الذي أحرزه فيلمه الأول Amores Perros (والذي لم يتسن لنا مشاهدته بعد).. وقد حقق الفيلم الثاني بتمويل امريكي ومع نجوم مهمين مثل: شون بن، نعومي واتس، بنيسيو ديل توزو.

عنوان الفيلم (١٢ غراما) يشير الى الوزن الذي يفقده جسم الانسان لحظة الموت او بعد الموت مباشرة.. هذا الوزن الذي يعادل وزن قطعة مستطيلة من الشوكولا او حجم طائر طنان.. ففي نهاية الفيلم ومع احساس البطل (شون بن) بدنو الاجل، يقول متأملا: »يقال اننا جميعا نفقد ١٢ غراما من وزننا في لحظة معينة من موتنا.. انه يساوي وزن كومة من السنتات (قطع نقدية)، وزن قالب او قطعة من الشوكولا، وزن طائر طنان«. ويمكن هنا التساؤل: ألا تمثل تلك الغرامات القليلة وزن او ثقل الروح نفسها؟

الفيلم يثير عددا من الاسئلة: هل الصدفة هي التي تحدد او توجه مجرى الحياة، ام ان الحياة تنسجم مع غاية معينة لا يمكن استيعابها بوضوح؟ ما هي طبيعة الهوية الانسانية؟ كيف يتكيف المرء مع الشعور الحاد بالذنب وبالفقد معا؟ أين يكمن الامل والخلاص؟

الفيلم لا يعتمد على البناء السردي المألوف انما يدمج قصص الشخصيات الثلاث الرئيسية على نحو متداخل ومتشابك عبر الانتقال الزمني الى الامام والى الوراء بحيث يجد المتفرج نفسه مجبرا على التركيز بدقة والبقاء في يقظة تامة منتبها الى كل التفاصيل الدقيقة، وباذلا جهده في محاولة استيعاب الحالة الصحية الحرجة التي تمر بها شخصية شون بن، واسباب ما تعانيه نعومي واتس من اسى ويأس، والجريمة التي ارتكبها ديل تورو وعلى اساسها يلقي عقابه ويمتلئ بشعور طاغ بالذنب.

بول (شون بن) هو استاذ رياضيات في الكلية لكنه مصاب بمرض لا شفاء منه، وهو يرقد على سرير المستشفى منتظرا زراعة قلب له فيما يدنو رويدا من حافة الموت، القلب يخص رجلا، هو زوج كريستين (نعومي واتس) والذي لقي حتفه مع ابنتيه عندما صدمتهم سيارة لم يتوقف سائقها جاك (بينيسيو ديل تورو) لتفقد حالتهم ونقلهم الى المستشفى وهذا السائق ادين سابقا لجنايات ارتكبها وهو الان تائب ومتدين ويريد أن يكفر عن ماضيه ناشدا الخلاص الروحي.

بول يرغب في معرفة صاحب القلب الذي يحمله الان فيكلف رجل تحر لمعرفة هوية الرجل، وعندئذ يحاول التقرب من كريستين وتنشأ بينهما علاقة عاطفية لكن مضطربة ومفعمة بالاسى ولأن هاجس الانتقام يسيطر عليها فإنها تطلب من بول ان يساعدها في قتل الفاعل.. الامر الذي لا يتم كما هو متوقع، اذ لا يعجز بول عن قتل الفاعل فحسب بل ان قلبه يخذله فيطلق النار على نفسه.

الفيلم، كما اشرنا يتأرجح بين الازمنة حيث نرى احداثا من الماضي والحاضر والمستقبل تتضافر لتدور حول محور اساسي: حدث يقع بالصدفة ليجلب ثلاث حيوات معا، انه، من بعض النواحي، تأمل في طبيعة الصدمة والتأثير الذين يمكن ان يمارسه حادث واحد غير متوقع في تغيير حياة اكثر من شخص، يقول المخرج في هذا الصدد: حادث مفاجئ يظهر لنا الى اي مدى يمكن ان تتغير الحياة في لحظة معينة، الحياة حافلة بالحوادث والوجود يكف ان يكون اشبه بتعاقب للخسائر.. انه اشبه برمي النرد في الساعة السادسة من صباح كل يوم.

البناء التركيبي وانشطار السرد يقضي الى تعقيد الاحداث والشخصيات، لكنه التعقيد المبرر فنيا حيث يهتم الفيلم بتناول ثلاث حيوات مختلفة تتقاطع وتتشابك فيما بينها بعد حادث مأساوي ومن اجل توصيل رؤيته بالطريقة التي يريدها فقد استعان المخرج بأغلب العناصر الفنية التي عمل معها في فيلمه الاول.

في حديث للمخرج اليخاندرو ايناريتو عن الفيلم، يقول:

·     بنية الفيلم هي تجريبية، وفي النهاية هو بناء بسيط جدا، اني احاول ان اعين شفرة من اللغة وعندما يحصل الجمهور على هذه الشفرة في الدقيقة الخامسة والعشرين من الفيلم فان كل شيء يتشكل ولن تكون هناك اي مشكلة في الانتقال كيفما اتفق ذلك لان الجمهور يبدأ في فهم قوانين اللعبة، لقد اردت من كل جزء صغير من تلك الدقائق الخامسة والعشرين الاولى ان يكون مشوقا ومثيرا للاهتمام بذاته. المبدأ كان ان اكون واعيا للنظام العاطفي للحقائق.

·      الشخصيات الثلاث الرئيسية كانت تعيش في الجحيم قبل وقوع الحادث المأساوي، حيث كانت لكل منهم مشاكله وهواجسه، بعد ذلك يصلون الى نوع من التوازن، غير انهم يعودون الى الجحيم ويحاولون انقاذ انفسهم والعودة الى التوازن او الجنة او ما شابه، ليس ثمة نهاية سعيدة لانها عملية متواصلة من الصراع محطات مختلفة كل يوم.

·     في هذه الايام الاقلام حافلة بالموت ولا احد يشعر بأي شيء بالنسبة لي ينبغي ان يكون للموت وللعنف ثقلا على الشاشة فيلم »١٢ غراما« هو عن ثقل ووطأة الموت.

·     انا أؤمن بالله، لكنني لا اعتقد ان فيلمي روحاني او ديني ولم يكن في نيتي ان ابعث برسالة دينية انه فيلم عن الغرائز البدائية عن الامور الانسانية كل الامور التي تحدث لهؤلاء الافراد هي يومية، اظن ان الفيلم يطرح بعض الاسئلة الغامضة، لكن ما يتحدث عنه الفيلم حقا هو ما يحدث لافراد مثلي ومثلك.

·     لقد شاهدت فيلم المخرج السويسري ميشيل هانيكه »شفرة مجهولة«، الذي يعتمد السرد المتشظي، وهو فيلم فاتن وملهم الى حد بعيد، ما احببته في هذا الفيلم هو الطريقة التي بها حرر هانيكه نفسه من اي وسيلة اكاديمية في سرد القصة، ذلك منحني الجرأة والشجاعة لأنها مجازفة كبيرة ان تفترض بأن الجمهور سوف يفهم ما تقدمه.

·         أردت ان اتعرف على المدن الامريكية قبل الشروع في العمل.. انه اشبه بغمس اصبع القدم في الماء قبل ان تقوم بغوص عميق.

·     في تعاملي مع كاتب السيناريو جيليرمو ارياجا هو عادة »يرسل لي ما يكتبه اقرأه ابدي له ملاحظاتي استفسر عن ما لم افهمه.. ثم نتناقش في هذه المرة كانت هناك ازمات لكنها مثمرة لقد ارسلت السيناريو الى ثلاثة او اربعة من الاصدقاء المخرجين في المكسيك لاستشارتهم، وكانت ملاحظاتهم مفيدة ونافعة.

·         اردت ان امتلك تجربة جديدة تماما مع نظام مجهول بالنسبة لي، وبلغة غير مألوفة، متعاملا مع ممثلين لم اعمل معهم من قبل.

·     فيما يتعلق بالاضاءة لجأنا الى الاستفادة من المعالجة الرقمية لـ (ديجيتال) للحصول على تلك الساعة المعتمة في المشهد حين تتمشى الطفلتان مع الأب.

الأيام البحرينية في

27.02.2005

 
 
 

جميع الحقوق محفوظة لموقع سينماتك © 2004