نشر هذا المقال في مجلة هنا البحرين في 23 أكتوبر 1991
اللعبة
إنتاج عام
1983
بطاقة الفيلم
نور الشريف + مديحة كامل
+ جميل راتب + أحمد بدير + علي الشريف
اخراج: حسين
الوكيل ـ تصوير: مصطفى إمام ـ حوار: صلاح
جاهين ـ قصة وسيناريو: حسين الوكيل ـمناظر: أنسي أبو سيف ـ مونتاج: سعيد الشيخ
ـ إنتاج: أفلام إسكندرية
فيلم (اللعنة) هو الفيلم الاول
للمخرج حسين الوكيل ، وبطولة نور الشريف ، مديحة كامل ، جميل راتب ،
عبدالرحمن أبو زهرة ، محمد نوح . وهو من إنتاج عام 1983 .
عندما عرض هذا الفيلم لاول مرة في القاهرة ، إستقبله النقاد بحفاوة وتقدير
، وأكدوا على ان هذا الفيلم يقف وراءه مخرج متمكن قد يضيف جديداً الى
مستقبل السينما المصرية ، إلا ان حسين الوكيل ، وبعد فيلمه الاول هذا ، قد
خذل الجميع ولم يتمكن من الاستمرار (أخرج ايضاً فيلم الانثى) ولم نسمع عنه
شيئاً بعد ذلك ، ليصبح حسين الوكيل حالة من حالات فنية كثيرة ، تشكل طارئاً
فقط على السينما المصرية .
كتب السيناريو لفيلم (اللعنة) المخرج نفسه ، مستوحياً فكرته من فيلم (SHOCK
CORRIDOR) للامريكي صامويل فوللر ، إنتاج عام 1963 ، ومستفيداً ايضاً من
قدرات الفنان صلاح جاهين كاتب الحوار .
تدور أحداث الفيلم ، في أغلب مشاهده ، في مستشفى للامراض العقلية ، حيث
يدخل الصحفي (نور الشريف) متنكراً في هيئة مريض خطر ، ليكشف السر وراء
حوادث القتل المتكررة في المستشفى ، والتي كان آخرها مقتل مريض إسمه »سلومة«
. تعترض زوجته (مديحة كامل) في البداية ، إلا انها ترضخ أمام إصراره في
تنفيذ خطته هذه . وفي سبيل هذه الخطة كان عله تخطي كل حواجز الخوف وإنتظار
الفرصة الملائمة للقبض على لحظة عودة الوعي الى ثلاثة شهود شاهدوا القاتل .
الاول عانى من الانحطاط الاجتماعي أثناء عمله بالسلك الحكومي ، حيث سقط في
براثن الرشوة ، ولانه كان غير مستوعب لطبيعة الحتميات الاجتماعية والنفسية
التي أجبرته على قبول الرشوة ، لذا فقد عقله وأصبح يخلط بين وضعه كموظف
مرتش ووضعه كمسئول في جهاز الرقابة الادارية . والثاني (عبدالرحمن أبو
زهرة) تزوج من إمرأة لعوب بطبيعتها ، بالرغم من قناعاته المحافظة والمتزمتة
، إلا انه لم يستطع مقاومة تطلعاتها الاجتماعية التي إنتهت بها الى إحتراف
الدعارة ، حيث تحول تدريجياً من الرفض الى القبول ثم المسايرة فالمساهمة
الايجابية . وقد ولد سقوطه هذا رد فعل عميق وعنيف في نفسه أدى به لحالة من
الهوس والخلط العقلي . أما الثالث (جميل راتب) فهو طبيب ذو نزعة إنسانية
نبيلة وشفافة تعرضت زوجته لسرطان ميؤس منه جعله يحقنها بحقنة الموت ،
تخليصاً لها من آلامها الفظيعة ، لكنه وقع فريسة للصراع النفسي بين ما
أملته عليه الشفقة وبين الواجب التقليدي للطبيب .
هناك ايضاً شخصية رابعة رئيسية إحتواها الفيلم ، وهي ذلك الفنان المحبط
(محمد نوح) الذي يبحث عن كل الاساليب الممكنة لعلاج الارق المستبد بكيانه ،
ويبدو شخصاً طيباً إلا انه عاجز عن إستيعاب مفارقات هذه الحياة .
هذه الشخصيات التي مثلت عالم الجنون الرهيب بدهاليزه المخيفة ، يحتك به
الصحفي ليتحول بحثه عن الجريمة الى بحث مرهق في إستيعاب غيبوبة العقل
الانساني وإضطرابه ، تصل الى إصابته هو نفسه بالاضطراب ، في نفس الوقت الذي
تكتمل في ذهنه تفاصيل الجريمة التي دخل المستشفى من أجلها ، ليكون قد فقد
توازنه العقلي الى الابد ، وليدفع ثمناً باهظاً لمغامرته المثيرة تلك .
لقد نجح السيناريو في رسم وتشكيل هذه الشخصيات المركبة والمليئة بالصراعات
النفسية والزاخرة بمجموعة من الاحاسيس والمشاعر المتناقضة . كما ان هذه
الشخصيات كانت حقاً فرصة مناسبة وجيدة لتقديم مباراة مذهلة وممتعة في فن
الاداء التمثيلي .
وبالرغم مما قيل ويقال عن صعوبة الافلام التي تعتمد على الحبكة
السايكولوجية باعتبارها صعبة المراس والتنفيذ ، إلا ان ذلك لم يمنع المخرج
من تقديم هذا الفيلم كأول افلامه ، ليس هذا فحسب بل انه حقق نجاحاً متميزاً
في هذا المجال ، حيث إستطاع إثارة المتفرج طوال الوقت وإبقائه في حالة ترقب
مستمر . هذا إضافة الى ان الفيلم باعتباره إقتباساً إجتهادياً قد ظهر فيه
أثر العمق الفكري والثراء النفسي في موهبة كاتب الحوار صلاح جاهين ، الذي
إستطاع ان يلتقط تفاصيل إجتماعية وسايكولوجية غنية بالدلالات ، عبر عنها من
خلال ذلك الحوار الواضح الاخاذ والذكي .
أخيراً.. يبقى ان نشير الى ان المخرج قد أكد، من خلال فيلمه الاول، مقدرة
واضحة في إدارة فريقه الفني من فنانين وفنيين للوصول بالفيلم الى مستوى فني
وتقني جيد.