Our Logo

  ما كـتـبـتـهأفلامدراساتروادنجومترجماتبرامج 

نشر هذا المقال في مجلة هنا البحرين في 14 يوليو 1993

 

صرخة الحرية

1982

Cry of Freedom

بطاقة الفيلم

تمثيل: دينزيل واشنطن + كيفين كلاين + بينيلوبي ويلتون + كاتي هاردي + جوزيت سايمون + جون ثو

إخراج: ريتشارد أتينبوروغ ـ سيناريو وحوار: جون بريلي ـ تصوير: رونيه تايلور ـ موسيقى: جورج فينتون، جوناس جوانجوا ـ مونتاج: ليسلي ولكر ـ إنتاج: ريتشارد أتينبوروغ، سبينسر نورماندي، جون بريلي

عن للفيلم

شاهد مقطع من الفيلم

استمع للحوار/ الموسيقى
أكتب رأيك عن الفيلم
إقرأ آراء الآخرين

حول الموقع

عن الفيلم

 الكثيرون يتذكرون فيلم (غاندي ـ 1982) ، ذلك اليفلم الذي أثار إهتماماً جماهيرياً ونقدياً كبيراً ، ولكن القليل من يعرف مخرجه البريطاني »ريتشارد أتنبرو« ، والذي سيكون ضيف موضوعنا هذا ، عن فيلمه التالي (صرخة الحرية ـ 1988) .
(صرخة الحرية) فيلم ذو توجه سياسي ، وهذا واضح من عنوانه طبعاً . فهو يتناول قضية التمييز العنصري في جنوب أفريقيا ، من خلال قصة حقيقية للصحفي »دونالد وودز« ، معتمداً على كتاب له بعنوان (بيكو) ، يحكي تجربة هذا الصحفي الشخصية في جنوب أفريقيا .
يبدأ الفيلم بداية متوترة ، حيث الكاميرا ترصد وتنتقل في وسط أحياء السود ، وفجأة ينقض رجال الشرطة العنصرية بعرباتهم وكلابهم وكل وسائل العنف التي لديهم لتدمير وهدم المنطقة بأكملها .
يتناول الفيلم ـ من منطق ليبرالي طبعاً ـ السنتين الأخيرتين من حياة من حياة المناضل الأسود »ستيف بيكو« ، والذي أسس وقاد حركة »الوعي الأسود« ، وكان من أبرز قيادات منظمة طلبة جنوب أفريقيا . وقد توفي بيكو في السجن تحت التعذيب في سبتمبر 1977.
وفيلمنا هذا ، يحكي قصة هذا الزعيم من خلال علاقته بالصحفي وودز . كتب سيناريو الفيلم »جون برايلي« ، كاتب سيناريو غاندي أيضاً .
في البداية تبدو لنا معارضة الصحفي وودز لقضية السود ، حيث أنه ظل لفترة طويلة معتقداً بأن البيض أفضل من السود ، ولهذا فهو يعارض حركة »الوعي الأسود« وزعيمها بيكو .فقد كان يهاجمه دائماً في مقالاته الصحفية ويتهمه بمحاولة خلق عنصرية سوداء في مواجهة البيض . ومع تطور الأحداث ، يقوم الصحفي بدعوة من بيكو بزيارة أحياء السود كي يتأكد من حقيقة موقفه وصحة أفكاره ، إلا أنه يفاجأ عندما يكتشف واقع الشعب الأسود وحقيقة الظلم والإستغلال والتمييز العنصري الواقع عليهم من البيض . هنا ينحاز تدريجياً لقضية السود والبحث في معاناتهم ، الى أن تتطور العلاقة بينه وبين بيكو الى صداقة ، ومن ثم يؤمن تماماً بعدالة قضية صديقه .
بعد هذا الموقف ، يرتفع مستوى الحوار واللغة السينمائية المعبرة تماماً عن الموقف بين المناضل الأسود والصحفي الجريء ، حيث تسبب هذه العلاقة للصحفي مضايقات من قبل الشرطة وتتكرر مداهماتهم لمنزله . وتأتي نقطة التحول الحاسمة في الفيلم عندما يقبض على بيكو من قبل النظام العنصري ، بسبب تركه لمكان تحديد إقامته الجبرية في منزله ، وذلك بعد أن أحرج هيئة المحكمة في دفاعه عن أحد السود ، وفضحه للأعمال الوحشية التي تقترفها سلطات جنوب أفريقيا ضد المواطنين السود .
ويقتل بيكو في السجن من جراء التعذيب الوحشي ، إلا أن صديقه الصحفي يشك في أنه مات بسبب إضرابه عن الطعام ، كما جاء في تقرير الطبيب الشرعي والأجهزة الرسمية . لذا يقوم بحملة مكثفة من أجل إعادة التحقيق في الجريمة التي إرتكبها النظام العنصري ، وكشف الحقيقة للرأي العام ، خاصة وإنه تمكن من تصوير جثة بيكو ، التي تظهر عليها آثار التعذيب ، وبالتالي يصبح لديه دليل مادي لفتح التحقيق في هذه الجريمة .
وعلى ضوء ذلك ، تصدر الحكومة العنصرية حكماً بتحديد إقامة الصحفي هو الآخر ، ويعزل في منزله ، ويمنع من مقابلة أكثر من شخص واحد كل مرة خارج دائرة أسرته ، ويمنع من مغادرة منزله المراقب ليل نهار ، كما يمنع من كتابة أي شيء . ويعيش الصحفي هذا الحصار لمدة خمس سنوات كاملة . ثم يدبر خطة مثيرة للهرب ومعه أسرته تاركين وراءهم كل شيء ما عدا الصور التي أخذها لجثة بيكو ، والكتاب الذي ألفه عنه وهو في عزلته بالمنزل ، وفي نيته طبعاً أن يفضح سياسة النظام العنصري ، وإعلان الحقيقة حول إغتيال صديقه بيكو ، وما صاحب هذا الإغتيال من ملابسات تتعلق بوقائع عديدة بينها إهدار الآدمية وهتك الحريات العامة وإغتيال لكل فضائل حقوق الإنسان وإعتداء على كل ما يتعلق بها من مواد المواثيق الدولية .
لقد بدأ المخرج للإعداد لهذا الفيلم ، مباشرة بعد إنتهائه من فيلمه (غاندي) . وذلك بعد أن بدأ هاجس التفكير يجنح به الى محاولة العودة لموضوعه المؤجل ، والذي كان يشغل باله دائماً . موضوعه هو قضية »الصرخة« والصراع من أجلها ، وهل يذهب به التفكير الى أمريكا الجنوبية أم أفريقيا الجنوبية . ففي أثناء إنشغاله بفيلم (خط الكورس) ، الذي قدم فيه معالجة سينمائية لمسرحية موسيقية ، يصله كتاب الصحفي وودز عن ستيف بيكو .،وكان قد سمع عن وودز وعن سمعته الطيبة التي طارت قبله الى أوربا وكل العالم . وبعد قرائته للكتاب ، حرص على قراءة كتابه الآخر »البحث عن المتاعب« ، ومن ثم إلتقى بهذا الصحفي وإقترح عليه أن يقدم فيلماً عن الصراع من أجل الحرية ، عبر محتويات الكتابين اللذين يتعرضان لملحمة نضال بيكو وشعبه في جنوب أفريقيا . وقد كان لدى أتنبرو إقتناع بضرورة تبنيه لهذا النبض الراهن للحياة هناك ، ولكي يلتقي بنفسه مع القيادات التي تحارب العنصرية .
تبدأ زيارة المخرج الى جنوب أفريقيا في يناير 1984 حيث حاول قدر الإمكان أن يبعد رحلته عن الأضواء وعن إهتمام الصحافة . فبدأ بزيارة بعض الأصدقاء هناك لعدة أيام ، بعدها سافر الى سويتو ، ومنها الى كيب تون ، حيث نزل في فندق إلتزم في الحذر الذي يبعده عن أية مواجهة مع السلطات العنصرية .
لقد كان أتنبرو حريصاً ، في رحلته هذه ، على لقاء صديق الصحفي وودز ومع زعيم الحزب الفيدرالي التقدمي الذي كان يكافح العنصرية ويتصدى لأتباعها داخل البرلمان وخارجه . وعندما إنتشر خبر وجود المخرج هناك ، جاءت الصحافة تسأله عن سبب الزيارة ، فأجابها دون أن يشير الى حقيقة مقصده ، مصرحاً بأن زيارته هذه خاصة وليس لها دوافع فنية . بعدها واصل لقاءاته مع معارف وأنصار الصحفي . هذا بالرغم من أن الصحافة لم تتركه وشأنه ، وإتهمته بعض الصحف الموالية للحكومة العنصرية ، بأنه يقدم عملاً تليفزيونياً عن الزعيم نيلسون مانديلا . بعدها ، يتحرك ركب المخرج بعيداً الى شمال جنوب أفريقيا ، فيلتقي مع بعض أصدقاء بيكو .
ومن الطبيعي ، من أن المخرج أتنبرو لم يسلم هو وعائلته من مضايقات بعض العنصريين البيض ومطاردتهم لسيارته . ولم يطمئن تماماً إلا بعد وصوله الى المطار ليستقل طائرة الى لندن . وفي أثناء عودته بالطائرة وهي تحلق فوق زيمبابوي المجاورة يقرر أن يستفيد من ذلك التشابه بين الدولتين في تصوير أحداث فيلمه . وفعلاً يتحقق ما أراد وينجح الفيلم وتصبح صرخته بمثابة نداء الى ضمير الإنسانية في كل مكان .
وكانت الشركة المنتجة والموزعة للفيلم عالمياً قد إتفقت على عرضه في مدن جنوب أفريقيا ، وذلك من خلال المتاح من تلك الحرية الهامشية التي تتشدق بها مثل هذه الأنظمة العنصرية . إلا أنه قبل حفل الإفتتاح في جوهانسبرغ ، وخشية إنتقال صرخة الفيلم الى الجماهير تقرر سلطات النظام مصادرة الفيلم ومنع عرضه . ليكون هذا الحدث خبراً مصوراً هو أول أخبار نشرة السابعة في التليفزيون الفرنسي ، ومن ثم في إذاعات العالم المسموعة والمرئية ، ولتصل عبر هذا النبأ صرخة الحرية لتدين ذلك السلوك الهمجي لتلك الأنظمة العنصرية .
كانت هذه رحلة المخرج أتنبرو مع صنع فيلمه (صرخة الحرية) ، ويبقى لنا بعض الملاحظات التي لابد من طرحها ، ومناقشة الفيلم فيما قدمه من مضمون وفكر إضافة الى العناصر الفنية الأخرى .
إن فيلم (صرخة الحرية) ينقسم الى جزئين .. الأول منه يتناول قضايا التحرر والعنصرية ، أما الجزء الثاني فهو مغامرة الصحفي للهروب من جنوب أفريقيا . وإذا كان الجزء الأول يعتمد على الحوار الذكي والمشاهد المستوحاة من البيئة الأفريقية ، فإن الجزء الثاني يعتمد على حركة الكاميرا وتوتر الأحداث . هذا إضافة الى أننا نكتشف ـ بعد الساعة الأولى من الفيلم ـ بأنه ليس عن المناضل الأسود ستيف بيكو ، وإنما يعطي الدور الأكبر للصحفي ، بل إن أزمته مع النظام العنصري تصبح هي الأهم . أي إنه بدلاً من مشاهدة فيلم عن بيكو وقضية شعبه وجدنا قصة أخرى عن شجاعة رجل أبيض يتعرض لنفس المضايقات والعقوبات ، بل يصبح في نظر السلطة مناضلاً لا يقل خطورة عن بيكو . وبمعنى آخر أن الفيلم يتحدث عن الشعب الأفريقي الأسود من خلال بطل أبيض ، وهذا بالطبع ما يلبي حاجة الجمهور الغربي الذي تعود النظر الى قضايا شعوب العالم الثالث من خلال أبطاله هو . وهذا أمر يثير الكثير من الإشكالات من حيث التشكيك في مصداقية الفيلم . فمن المعروف أن بيكو نفسه قد بدأ حركته السياسية بالإنفصال عن الطلبة الليبراليين البيض ، وكان يدعو مواطنيه السود الى عدم الإعتماد على البيض في معركتهم المصيرية . وللعلم فإن الفيلم قد واجه رفضاً من فبل أرملة بيكو ورفاقه ، وذلك لإفتقاره الى الأمانة التاريخية ، ولعدم إهتمامه بالقضية الجوهرية .
وبالرغم من كل هذا ، فإنه لا يمكن نكران ذلك الجهد المبذول في تنفيذ الفيلم ، حيث تبدو مهارة المخرج في تحريك المجاميع ، خصوصاً في مشهد وداع المناضل بيكو ، والذي يعد من أجمل مشاهد الفيلم سواء في تحريك المجاميع أو في حركة الكاميرا البانورامية .
وختاماً ، لابد من الإشارة الى أن فيلم (صرخة الحرية) يعتبر إدانة حقيقية وجريئة للوحشية التي يمارسها نظام جنوب أفريقيا العنصري .

 

جميع الحقوق محفوظة لموقع سينماتك
  (2004 - 2009)